Arabic source text

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام (مجموعة من المؤلفين)

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ويرى شيخ الإسلام أن هذه الحجة هي في الأصل حجة المشركين المكذبين بالرسول الذين قالوا لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ [الأنعام: 148]، فإنهم نفوا قبح الشرك وتحريم ما لم يحرمه الله من الطيبات بإثبات القدر، لكن شيخ الإسلام يستدرك – إنصافا لخصومه – فيقول: "لكن هؤلاء الذين يحتجون بالجبر على نفي الأحكام إذا أقروا بالشرع لم يكونوا مثل المشركين من كل وجه، ولهذا لم يكن المتكلمون المقرون بالشريعة كالمشركين وإن كان فيهم جزء من باطل المشركين. لكن يوجد في المتكلمين من المتصوفة طوائف يغلب عليهم الجبر حتى يكفروا حينئذ بالأمر والنهي والوعد والوعيد والثواب والعقاب، إما قولا وإما حالا وعملا … " (1).ولاشك أن الأشاعرة – وكذلك المعتزلة – ليس لهم حجة على قولهم في التحسين والتقبيح، سوى أخذهم ببعض النصوص دون بعض، وشيخ الإسلام كثيرا ما يفصل الخلاف في ذلك مبينا المذهب الحق (2).

‌‌المصدر:موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/ 1319 يرى الأشاعرة أن القبيح ما نهى عنه الشارع والحسن بضده، فلا حكم إذاً للعقل في حسن الأشياء وقبحها، وأنه ليس ذلك عائداً إلى أمر حقيقي في الفعل، فالشارع مثبت ومبين للحسن والقبح بأمره أو نهيه (3).ولهم طرق لإثبات زعمهم هذا، منها ما صرح بعضهم بضعفه (4)، ومنها ما اتفقوا على قوته، والمقصود إيراد ما اتفقوا عليه من الطرق: الدليل الأول: قال الإيجي: "إن العبد مجبور في أفعاله، وإذا كان كذلك لم يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح اتفاقاً. بيانه: إن العبد إن لم يتمكن من الترك فذلك هو الجبر، وإن تمكن ولم يتوقف على مرجح بل صدر عنه تارة ولم يصدر عنه أخرى من غير سبب كان ذلك اتفاقياً، وإن توقف على مرجح لم يكن ذلك من العبد، وإلا تسلسل ووجب الفعل عنده، وإلا جاز معه الفعل والترك فاحتاج إلى مرجح آخر وتسلسل، فيكون اضطرارياً، وعلى التقادير فلا اختيار للعبد فيكون مجبوراً (5).
والجواب من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إن هذا التقسيم باطل مخالف للشرع والعقل والحس، لأنه يلزم منه التسوية بين الفعل الاضطراري والفعل الاختياري، وهذا خلاف ما تقضي به الضرورة (6).الوجه الثاني: إن الإيجي سلم بأن الفعلين الاتفاقي والاضطراري لا يكونان حسنين ولا قبيحين عقلاً، فيقال له: يلزم من هذا التقسيم إبطال الحسن والقبح الشرعيين كذلك، لأن فعل العبد لا يخلو من أن يكون ضرورياً أو اتفاقياً (7).--------------------------------------------
(1) انظر: ((مجموع الفتاوى)) (16/ 246 - 247)، وانظر: ((التسعينية)) (ص: 247).
(2) انظر: ((أقوم ما قيل في القضاء والقدر – مجموع الفتاوى –)) (8/ 90)، ((قاعدة في المعجزات والكرامات – مجموع الفتاوى)) (11/ 347 - 355)، ((منهاج السنة)) (1/ 316 - 317) – ط دار العروبة المحققة، ((الدرء)) (8/ 22، 492، 9/ 49 - 62)، ((شرح الأصفهانية)) (ص: 161) ت مخلوف، ((الرد على المنطقيين)) (ص: 420 - 437)، ((النبوات)) (ص: 139 وما بعدها)، ط دار الكتب العلمية، ((الجواب الصحيح)) (1/ 314 - 315)، ((مجموع الفتاوى)) (16/ 498).
(3) انظر ((المواقف)) للإيجي (ص323) و ((شرح المقاصد)) (4/ 282).
(4) انظر ((المواقف)) للإيجي (ص: 325 - 326 (و ((شرح المقاصد)) (4/ 284).
(5) ((المواقف)) للإيجي (ص:324).
(6) انظر ((مفتاح دار السعادة)) (2/ 25) و ((الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى)) (ص:101).
(7) انظر ((مفتاح دار السعادة)) (2/ 25) و ((الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى)) (ص: 101).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 78)

الوجه الثالث: ثم إن هذا التقسيم يعلم الأشاعرة بطلانه، فهم يقولون عن الفعل الواقع بلا مرجح: إنه اختياري، وعن فعل المكلف الواجب وإن لم يقع بقدرة مؤثرة منه فيه: إنه لا يخرج عن كونه اختيارياً! فكان الواجب إذاً عدم إيراد هذه الحجة، فإن قالوا هي إلزامية – فجوابهم: إننا لا نلتزم بشيء مما ذكروه فلا يرد إذاً هذا الإلزام الذي ذكروه. الدليل الثاني: قالوا: إن الكذب لو كان قبيحاً لذاته لوجب أن يكون كذلك في كل صورة – كالكذب لإنجاء نبي، ومعلوم أن الكذب هنا واجب فلزم أن يكون حسناً، ومثل ما قيل في قول الكذب، كذلك يقال في الفعل كالقتل فإنه قد يكون حسناً كالقصاص، وقد يكون قبيحاً إذا كان ظلماً، فلزم من هذا أنه لا حسن ولا قبيح ذاتيين يدركهما العقل (1).
والجواب: إن المراد من كون الفعل حسناً أو قبيحاً لذاته أو لصفته هو كونه منشأً للمصلحة والمفسدة، وترتيب المصلحة والمفسدة على الفعل كترتيب المسببات على أسبابها المقتضية لها (2)، وقد علم سابقاً أنه لابد من وجود شروط وانتفاء موانع لاقتضاء الأسباب لمسبباتها، فإذا تختلف شرط أو وجد مانع ما نتج شيء، فكذلك يقال هنا، إن الكذب قبيح ولكن وجد ما نع هنا من الحكم بقبحه في حالة معينة وهو المصلحة الراجحة، وهكذا يقال في الفعل وهو القتل هنا (3).
وللأشاعرة أدلة أخرى لنفي التحسين والتقبيح العقليين أقر المتأخرون منهم بضعفها، وآثرت ذكر واحد منها لأن له تعلقاً بأفعال الله، وقد يكون هو من أكبر الشبهات الحاملة لهم على نفي الحسن والقبح لذات الفعل أو لوصفه!، وهو:
الدليل الثالث: قالوا لو كان حسن الفعل وقبحه لذاته أو لصفاته للزم أن يكون الباري غير مختار في الحكم! وبيانه: أن الفعل لابد له من حكم شرعي، وهذا الحكم الشرعي إما أن يكون موافقاً للحسن لذاته المعلوم بالعقل أو مخالفاً له، والثاني باطل بصريح العقل لكونه لا يليق بالله تعالى، والأول يلزم منه أن يتعين على الباري الحكم عليه بحسب المعقول ولا يصح تركه وهذا ينافي الاختيار (4).
والجواب من وجهين: الأول: ما ادعوه من أن حكم الله إذا تعلق بالشيء لكونه حسناً لذاته ينافي الاختياري تلبيس، فإنه لم يتعلق بخلافه – وهو القبيح – لصارف الحكمة، مع أنه قادر عليه، والامتناع لصارف الحكمة لا ينافي الاختيار، كيف والواقع أن إرادته واختياره اقتضت استلزام الحكم للحسن لذاته (5).الوجه الثاني: إن الأشاعرة يقولون إن خطاب الله – وهو حكمه – قديم لأنه كلام نفسي أزلي فكيف على أصلهم يكون الاختيار، وهكذا يقال في أفعاله التي تعلقت بها القدرة والإرادة تعلقاً صلوحياً أزلياً، فهل يقال على أصلهم هذا: يلزم ألا يكون فعله اختيارياً؟ فما كان جواباً لهم على كل هذا كان جواباً لنا على شبهتهم (6). والصواب أن جميع ذلك تعلق به اختياره وإرادته فلا يكون اضطرارياً. ومع كل ما تقدم فإن الله تعالى لا يوجب عليه أحد شيئاً، وإنما الله تعالى هو الذي يوجب على نفسه بوعده الصادق وبما له من الأسماء الحسنى والمحامد العظيمة، ولا جوز إيجاب شيء أو تحريمه على الخالق بالقياس على خلقه (7).
ثم إن بعض الأشاعرة حاول أن يقرب الشقة فذكر بأن الحسن والقبح يرادان لثلاثة معان:
الأول: صفة الكمال والنقص فيقال: العلم حسن والجهل قبيح.
الثاني: ملاءمة الغرض ومنافرته – أو بتعبير آخر:- المصلحة والمفسدة، ويختلفان بالاعتبار.
الثالث: تعلق المدح والثواب أو الذم والعقاب. قالوا: فالأولان عقليان، والثالث شرعي فقط، وهذا هو محل النزاع (8).
والتعليق: هذا التقسيم صحيح، ولكن أن يقال: محل النزاع في الثالث فقط، فكلام يشك فيه، إذ لو كان كذلك فلم أوردوا تلك الشبهات لنفي الحسن والقبح لذات الفعل؟، فالذي يظهر أن محل النزاع هو: "هل الفعل نفسه مشتمل على صفة اقتضت حسنه وقبحه بحيث ينشأ الحسن والقبح منه، فيكون منشأ لهما أم لا؟ " (9)، أما محل النزاع الذي ذكروه فإنه مع المعتزلة فقط. وكذلك يمن اعتبار قائل محرر النزاع تراكاً لقول القدماء الذين غلوا في نفي تحسين العقل وتقبيحه.

‌‌المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – 1/ 339--------------------------------------------
(1) انظر ((المواقف)) للإيجي (ص: 325) و ((شرح المقاصد للتفتازاني)) (4/ 285).
(2) انظر ((مفتاح دار السعادة)) (2/ 37) و ((الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى)) (ص: 102).
(3) انظر ((مفتاح دار السعادة)) (2/ 37) و ((الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى)) (ص: 102).
(4) انظر ((شرح المقاصد)) للتفتازاني (4/ 288).
(5) انظر ((مفتاح السعادة)) (2/ 38) و ((شرح المقاصد)) (4/ 288).
(6) انظر ((شرح المقاصد)) (4/ 288) و ((مفتاح دار السعادة)) (2/ 38).
(7) انظر ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2/ 776 - 777).
(8) انظر ((المواقف في علم الكلام)) (ص: 323 - 324).
(9) قاله ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (1/ 246).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 79)

‌‌المطلب الثاني: معاني الحسن والقبح، وتحرير محل النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة
يطلق الحسن والقبح على معان ثلاثة:
1 - المعنى الأول: كون الصفة صفة كمال أو نقصان كالعلم والجهل.
فيقال: العلم حسن، بمعنى أنه لمن اتصف به كمال وارتفاع شأن.
ويقال: الجهل قبيح، بمعنى أنه لمن اتصف به نقصان واتضاع حال.
2 - المعنى الثاني: الملاءمة والمنافرة.
فالحسن على هذا ما لاءم الغرض.
والقبيح ما خالف الغرض.
وما ليس كذلك لم يكن حسنا ولا قبيحا.
وقد يعبر عن الحسن والقبح بهذا المعنى بالمصلحة والمفسدة، فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، والقبيح ما فيه مفسدة، وما خلا عنهما لا يكون شيئا منهما.
ويختلف الحسن والقبح بهذا المعنى بالاعتبار، فليس كل منهما صفة حقيقية، وإلا لم يختلفا باختلاف الأحوال، فإن الفعل الواحد قد يكون مصلحة بالنسبة لشخص مفسدة لشخص آخر، كقتل زيد مثلا فإنه مفسدة عند أوليائه ومصلحة لأعدائه.
ولو كان صفة حقيقية ما اختلف حكم هذا الفعل بالنسبة لأعدائه وأوليائه. كما لا تختلف الصفات الحقيقية، فكون الجسم الواحد مثلا أسود وأبيض، فإنه لا يختلف بالنظر إلى شخصين.
والمعنيان الأول والثاني لا نزاع بين علماء الكلام أنهما عقليان يستقل العقل بإدراكهما.
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن القسم الأول – وهو كون الفعل صفة كمال أو نقصان – يرجع إلى القسم الثاني، ويقول في ذلك: "ومن الناس من أثبت قسما ثالثا للحسن والقبح، وادعى الاتفاق عليه، وهو كون الفعل صفة كمال أو صفة نقص، وهذا القسم لم يذكره عامة المتقدمين المتكلمين في هذه المسألة، ولكن ذكره بعض المتأخرين كالرازي، وأخذه عن الفلاسفة. والتحقيق أن هذا القسم لا يخالف الأول؛ فإن الكمال الذي يحصل للإنسان ببعض الأفعال هو يعود إلى الموافقة والمخالفة، وهو اللذة والألم، فالنفس تلتذ بما هو كمال لها، وتتألم بالنقص، فيعود الكمال والنقص إلى الملائم والمنافي (1).
3 - والمعنى الثالث: كون الفعل يتعلق به المدح أو الذم عاجلا، والثواب والعقاب آجلا كالطاعات والمعاصي. فالحسن على هذا ما تعلق به المدح والثواب في العاجل والآجل. والقبيح ما تعلق به الذم والعقاب في العاجل والآجل، وما لا يتعلق به شيء منهما فهو خارج عن الحسن والقبيح (2).
والحسن والقبح بهذا المعنى هو محل النزاع بين الأشاعرة ومن وافقهم، والمعتزلة ومن وافقهم:
أ- فالأشاعرة نفوا أن يكون بهذا المعنى عقليا، بمعنى أن العقل يدرك كون الفعل حسنا أو قبيحا؛ لأن الأفعال كلها سواسية ليس شيء منها في نفسه بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه، ولا ذمه وعقابه.
وإنما صارت أفعال المكلفين يتعلق بها المدح والثواب، أو الذم والعقاب، بوساطة أمر الشارع ونهيه؛ فما أمر به كان حسنا بمعنى: أن فاعله يمدح ويثاب على فعله، وما نهى عنه كان قبيحا بمعنى: أن فاعله يذم ويعاقب على فعله. ولو عكس الشارع الأمر فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه كان ذلك جائزا. فالحسن والقبح على هذا شرعيان لا عقليان (3).
ب- أما المعتزلة فقالوا: عن الفعل في نفسه، مع قطع النظر عن الشرع له، جهة محسنة تقتضي استحقاق الفاعل مدحا وثوابا.
أو جهة مقبحة تقتضي استحقاق فاعله ذما وعقابا، والعقل يمكنه إدراك الحسن والقبح في بعض الأشياء بقطع النظر عن ورود الشرع.
ولكن هل العقل عند المعتزلة حاكم مشرع للأحكام؟
نجد هنا لبعض العلماء فهمين متعارضين:--------------------------------------------
(1) ابن تيمية، ((مجموعة الرسائل الكبرى)) (2/ 104).
(2) الإيجي، ((المواقف)) (8/ 182، 183). و ((الأربعين في أصول الدين)) للرازي (ص: 246).
(3) أبو المعالي الجويني، ((الإرشاد)) (ص: 258). و ((شرح مطالع الأنظار على متن طوالع الأنوار)) (ص: 195).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 80)

أحدهما: لصاحب "مسلم الثبوت"، فهو قد فهم أن الأشاعرة والمعتزلة متفقون على أن، المشرع للأحكام هو الله تعالى.
إلا أن المعتزلة قالوا: إن العقل يمكنه أن يدرك بعض الأحكام كوجوب معرفة الله قبل ورود الشرع. أما الأشاعرة فقالوا: لا يمكنه ذلك (1).
والفهم الثاني: للشريف الجرجاني:
فقد قال: "ليست الأشاعرة والمعتزلة على وفاق في أن المشرع للأحكام هو الله تعالى؛ بل الأحكام ثابتة للأفعال في أنفسها عند المعتزلة، والشرع يأتي مقررا لما أدركه العقل من تلك الأحكام، وكاشفا عما خفى على العقل إدراكه.
فالأفعال إما حسنة في أنفسها، يستحق فاعلها مدحا وثوابا، أو قبيحة في أنفسها يستحق فاعلها ذما وعقابا.
فوجوب الفعل بمعنى استحقاق فاعله للمدح والثواب صفة لازمة للفعل. وقالت الأشاعرة: المشرع للأحكام هو الله تعالى، فليس هناك حكم ثابت للفعل في نفسه، بل الذي يحكم بالوجوب أو الحرمة ونحوهما هو الشرع.
فمن قال: إن العقل يحكم بوجوب الفعل أو حرمته عند المعتزلة فقد أخطأ؛ ذلك أن العقل لا يحكم بوجوب ولا حرمة، بل الأحكام ثابتة في نفس الأمر. ومن قال: إن المشرع للأحكام هو الله تعالى باتفاق الأشاعرة والمعتزلة فقد أخطأ" (2).
ومن هذا يتبين أن صاحب "مسلم الثبوت" ينفي عن المعتزلة أن يكون العقل عندهم هو المشرع للأحكام، بل المشرع للأحكام هو الله تعالى.
أما الشريف الجرجاني فهو كذلك ينفي عن المعتزلة أن يكون العقل هو المشرع للأحكام، بل الأحكام من وجوب وحرمة ثابتة للأفعال في نفس الأمر؛ إذ هي صفات لازمة لها. أما العقل فقد يدرك بعض تلك الأحكام قبل ورود الشرع والشروع يأتي حينئذ مقررا لما أدركه العقل وكاشفا عما لم يدركه.

‌‌المصدر:الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص 81--------------------------------------------
(1) انظر ((فواتح الرحموت، شرح مسلم الثبوت)) (1/ 25) "مطبوع مع المستصفي".
(2) انظر ((تعليق الأستاذ الشيخ محمد يوسف الشيخ على شرح عبدالسلام علي الجوهرة)) (ص: 17).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 81)

‌‌المطلب الثالث: ثمرة الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة في الحسن والقبح العقليين
رتب المعتزلة على القول بالحسن والقبح العقليين أن الإنسان مكلف قبل ورود الشرع بما دل عليه العقل، كوجوب شكر المنعم، ومكلف بمحاسن الأخلاق.
كما بني المعتزلة على القول بالحسن والقبح الذاتيين للفعل وجوب بعض الأمور على الله تعالى؛ لأن تركها قبيح ومخل بالحكمة، ومن ذلك وجوب الصلاح والأصلح للعباد، ووجوب اللطف والثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، وغير ذلك.
قال الشهرستاني: "وقال أهل العدل: المعارف كلها معقولة بالعقل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للقبيح".
كما حكى عن أبي الهذيل العلاف قوله، أنه يجب على المكلف أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة. كما يجب عليه أن يعلم حسن الحسن وقبح القبيح، فيجب عليه الالتزام بالحسن كالصدق والعدل، والإعراض عن القبيح كالكذب والجور (1).
أما الأشاعرة فلا يرون وجوب شيء على المكلف، ولا حرمة شيء عليه قبل ورود الشرع؛ لأن الحسن والقبح تابعان لأمر الشارع ونهيه. كما يرون أنه لو عكس الشارع القضية فقبح ما حسنه وحسن ما قبحه جاز.
وإليك ما قاله إمام الحرمين الجويني في هذا المقام:
"العقل لا يدل على حسن شيء ولا قبحه في حكم التكليف، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع.
وأصل القول في ذلك أن الشيء لا يحسن لنفسه وجنسه وصفة لازمة له، وكذلك القول فيما يقبح، وقد يحسن في الشرع ما يقبح مثله المساوي له. فإذا ثبت أن الحسن والقبح عند أهل الحق لا يرجعان إلى جنس وصفة نفس، فالمعنى بالحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله، والمراد بالقبيح ما ورد الشرع بذم فاعله" (2).

‌‌المصدر:الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص 87--------------------------------------------
(1) الشهرستاني، ((الملل والنحل)) (1/ 52).
(2) الجويني، ((الإرشاد)) (ص: 258).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 82)

‌‌المطلب الرابع: أدلة نفاة الحسن والقبح العقليين والجواب عنها
استدل الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقليين بالتالي:
الدليل الأول: أن العبد مجبور على فعله، وإذا كان كذلك فلا يتصور الحسن والقبح العقليان حينئذ في فعله، لأن ما ليس بفعل اختياري لا يكون حسنا ولا قبيحا عقلا بالاتفاق من النفاة والمثبتين للحسن والقبح العقليين.
أما بيان كونه غير اختياري:
فلأنه إن لم يتمكن من الترك فذاك هو الجبر.
وإن تمكن من الفعل والترك كان الفعل جائزا.
وحينئذ إما أن يفتقر ترجيح الفعل على الترك إلى مرجح أولا؛ فإن لم يفتقر كان اتفاقيا فلا يوصف بالحسن والقبح، وإن افتقر إلى مرجح فذلك المرجح إن كان من العبد، احتاج ذلك المرجح آخر فيلزم التسلسل وهو محال. وإن كان المرجح من غير العبد، كان اضطراريا. وعلى التقارير كلها – أي امتناع الترك وكون الفعل اتفاقيا أو اضطراريا – لا يكون العبد مختارا في فعله، بل مجبور، فلا يتصف شيء من أفعاله بالحسن والقبح العقليين (1).
وقد أجيب عن هذا الدليل: بأن فيه التسوية بين الحركة الضرورية والاختيارية من العبد وعدم التفريق بينهما، وهذا باطل، لأنه مخالف لما يقضي به الواقع والحس والشرع. فهذا الدليل في مقابلة ما تقضي به الضرورة فلا يلتفت إليه.
ثم إنه لو صح الدليل المذكور لزم منه أن يكون الله تعالى غير مختار في فعله، لأن التقسيم المذكور في هذا الدليل جاز في أفعاله تعالى. وهذا كاف لبطلان هذا الدليل.
كما أنه يلزم من هذا الدليل بطلان الحسن والقبح الشرعيين، وذلك لأن فعل العبد ضروري، أو اتفاقي، وما كان كذلك فإن الشرع لا يحسنه ولا يقبحه لأنه لا يرد بالتكليف به فضلا عن أن يجعله متعلق الحسن والقبح.
ثم إنه إذا كان المرجح من الله تعالى لم يلزم من ذلك أن يكون الفعل اضطراريا؛ فإن الله يحبب للعبد الفعل، فيفعله باختياره، كما قال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 7].
كذلك إذا زين للعاصي عصيانه، فإن معصية العبد باختياره، فالتحبيب للطاعة والتزيين للمعاصي لم يسلبا العبد اختياره حتى يكون فعله اضطراريا. وإذا كان فعل العبد اضطراريا فإنه يلزم من ذلك بطلان الشرائع والتكاليف؛ لأن التكليف إنما يكون بالأفعال الاختيارية، إذ يستحيل أن يكلف المرتعش بحركة يده (2).
الدليل الثاني:
لو كان قبح الكذب بالذات أو لصفة لازمة للذات لكان كلما وجد الكذب وجد القبح؛ لأن ما بالذات وما هو بواسطة أمر لازم للذات يجب أن يكون مادامت الذات واللازم باطلاً."فإن الكذب قد يحسن في بعض الأحيان كما إذا كان يترتب عليه عصمة دم نبي من ظالم، فالكذب حينئذ حسن بل واجب؛ لأنه رد للظلم بحيث لو تركه كان تركه قبيحا، وكذلك يحسن الكذب بل يجب إذا كان فيه إنجاء متوعد بالقتل ظلماً" (3).
وقد أجيب من هذا الدليل: بأن الكذب قبيح في جميع صوره، وأما الذي يحسن فالتعريض والتورية. ومن ثمت قيل: إن في المعارض لمندوحة عن الكذب، فالكذب ليس متعينا لردع الظالم، وإذا لم يتعين كان الإتيان به قبيحا لا حسنا.--------------------------------------------
(1) الجرجاني، ((شرح المواقف)) (8/ 185، 186). و ((شرح المقاصد للتفتازاني)) (2/ 149).
(2) ابن القيم، ((مفتاح دار السعادة))، (2/ 25).
(3) الجرجاني، ((شرح المواقف)) (8/ 190).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 83)

ويجاب أيضا: بأن تخلف القبح عن الكذب لفوات شرط أو قيام مانع لا يخرجه عن كونه قبيحا لذاته، والله سبحانه حرم الميتة للمفسدة التي في تناولها، وهي ناشئة من ذاتها، ولكن يباح تناولها للمضطر فتخلف التحريم عنها عند الضرورة لا يوجب أن تكون ذاتها غير مقتضية للمفسدة التي حرمت لأجلها، فهكذا الكذب المتضمن نجاة نبي أو مسلم. ثم إن هذا الدليل لا يرد على الجبائية القائلين بأن الحسن والقبح يرجعان إلى وجوه واعتبارات؛ إذ يكون الكذب حينئذ قبيحا باعتبار تعلقه بالمخبر عنه، لا على ما هو به، وحسنا باعتبار استلزامه لإنجاء مظلوم (1).
الدليل الثالث:
وهو الذي اعتمد عليه الآمدي في نفي الحسن والقبح العقليين وفحواه: أن حسن الفعل لو كان أمرا زائدا على ذاته، لزم قيام المعنى الذي هو الحسن بالمعنى الذي هو الفعل، وقيام العرض بالعرض باطل.
وقد أجيب عن ذلك: أن كثيرا من المعاني يوصف بالمعاني، كما يقال: علم ضروري، وعلم كسبي، وإرادة جازمة، وحركة بطيئة، وحركة سريعة، إلى غير ذلك مما لا يحصى.
ثم إنه لا يلزم من كون الحسن أمرا زائدا على ذات الشيء قيام المعنى بالمعنى، بل اللازم هو: وصف المعنى بالمعنى.
ويقوم أحد المعنيين بالآخر تبعا لقيام الآخر بالجوهر الذي هو المحل، والمعنيان جميعا قائمان بالمحل، وأحدهما تابع للآخر، وكلاهما تابع للمحل.
فلم يقم عرض بعرض، وإنما قام العرضان جميعا بالمحل، فالحركة والسرعة مثلا قائمتان بالمتحرك، والإرادة والجزم قائمان بالمريد.
فالمستحيل أن يقوم معنى بمعنى من غير أن يكون لهما حامل، فإذا كان لهما حامل، وأحدهما صفة للآخر، وكل منهما قام بالمحل، فلا استحالة في ذلك. وأيضا لو صح الدليل المذكور، لزم أن لا يوصف الفعل بالحسن والقبح شرعا؛ إذ يلزم عليه أن يقوم المعنى بالمعنى، ولا خلاص عن هذا إلا بالتزام أن يكون الحسن والقبح الشرعيان عدميين، بخلاف الحسن والقبح العقليين، ولا سبيل إلى ذلك. فقد رتب الشارع الثواب والعقاب، والمدح والذم عليهما، ترتب المقتضى على مقتضيه، والأثر على مؤثره. وما كان كذلك لم يكن عدما محضا إذ العدم المحض لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب ولا مدح ولا ذم (2).
وهناك أدلة أخرى ضعيفة باعتراف النفاة، ولا بأس بذكر بعضها، وهو: من قال: لأكذبن غدا، وجاء الغد وكذب، فهذا الكذب: إما حسن فلا يكون الكذب قبيحا لذاته، وإما قبيح فهذا القبيح تركه حسن مع أن تركه يستلزم كذبه فيما قاله أمس، ومستلزم القبيح قبيح، فيلزم من هذا أن يكون الترك حسنا وقبيحا معا، وهو باطل.
فتعين ألا يكون قبح الكذب ذاتيا لانقلابه حسنا، وهو المطلوب.
والجواب عن ذلك هو: أنا لا نسلم أن مستلزم القبيح قبيح، فقد يكون الفعل حسنا لذاته مستلزما قبيحا، فيكون باعتبار ذاته حسنا، وباعتبار ما استلزمه قبيحا. فالكلام الواحد، باعتبار أنه مطابق للمخبر عنه حسن، ومن حيث استلزامه للقبيح الذي هو الكذب فيما قاله أمس يكون قبيحا، وإذا فهذا الدليل لا يصلح رداً على الجبائية القائلين بأن الحسن والقبح العقليين لوجوه اعتبارية تختلف بحسب الاعتبار.
وقد يجاب بالتزام قبح كلام هذا الحالف في الغد مطلقا؛ لأنه حينئذ يكون قبيحا. إما لذاته إن كان كذبا، أو لاستلزامه القبيح إن كان صدقا. ويقال: إن الكلام الصادق إنما يحسن إذا لم يستلزم القبيح (3).
النتيجة
يظهر مما تقدم أن مذهب السلف في الحسن والقبح العقليين وسط بين مذهبي المعتزلة والأشاعرة. وبيان ذلك:
1 - أنهم وإن كانوا يوافقون المعتزلة في القول بإدراك العقل للحسن والقبح في بعض الأفعال، إلا أنهم لا يوافقونهم على وجوب الفعل وحرمته بمعنى استحقاق الفاعل الثواب والعقاب قبل ورود الشرع؛ لقوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: 15]، ففارق بذلك مذهب السلف مذهب المعتزلة.
2 - كما أنهم يوافقون الأشاعرة في أنه لا ثواب ولا عقاب إلا بعد ورود الشرع، ولكن لا يوافقونهم على أن الأفعال في أنفسها سواء، وأن لا فرق بينها في نفس الأمر، بل الشرع هو الذي يحسنها أو يقبحها، ولو عكس الشارع الأمر جاز. كل هذا لا يوافق عليه السلف بل يذهبون إلى أن الحسن والقبح ثابتان والإحسان، ومقابلة المنعم بالشكر، كما فطرهم على استقباح أضداد هذه الأفعال، وبذا فارقوا مذهب الأشاعرة، فسلم مذهب السلف من الطعن الوارد على كل من المذهبين، ووافق الصواب من كل منهما.

‌‌المصدر:الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص 100--------------------------------------------
(1) ابن القيم، ((مفتاح دار السعادة)) (2/ 36، 37).
(2) ابن القيم، ((مفتاح دار السعادة)) (2/ 27، 28).
(3) ابن القيم، ((مفتاح دار السعادة)) (2/ 37).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 84)

‌‌المطلب الخامس: أحكام متعلقة بأفعال الله المتعدية عند الأشاعرة
هل أفعال الله كلها خير عند الأشاعرة؟:هذه المسألة ترجع عند التحقيق إلى مسألة القبيح والحسن. ولذلك قال الباجوري في شرحه لنظم الجوهرة: "قوله "الشر والخير": اعلم أنهم يعبرون عن الأول بالقبيح وعن الثاني بالحسن" (1) اهـ. والمراد من البحث هنا هو: هل يفعل الله الخير والشر؟ فالأشاعرة لا يثبتون فعلاً قائماً بذات الله، ولذلك يفسرون الفعل بالمفعول، أو أنه متعلق الإرادة عند تخصيصه بالوجود، فعلى أن الفعل هو المفعول قالوا: "إن الله يجوز عليه خلق الخير والشر" (2)، وعلى أن الفعل متعلق الإرادة قالوا: إن الله يريد الخير ويريد الشر (3).
والكلام معهم في مقامين: المقام الأول: إن الحكم على أفعال الله بالخير والشر متوقف على إثبات الحسن والقبح العقليين وإثبات الحكمة في أفعاله، وهم ينفون الجميع باعتبار أن الأفعال متساوية في حكم مشيئته. ولذلك كان يلزمهم ألا يصفوا أفعاله بخير ولا شر، ولما تفطن إمام الحرمين لهذا الأمر الذي لا يتفق مع أصلهم قال: "ولولا أنه شاع في ألفاظ عصبة الحق أنه خالق الخير والشر لكان سر التوحيد يوجب أن يقال: ليس في أفعال الله تبارك وتعالى خير ولا شر بالإضافة إلى حكم الألوهية، فإن الأفعال متساوية في حكمه وإنما تختلف مراتبها بالإضافة إلى العباد" اهـ (4).المقام الثاني: فإنه يقال لهم أولاً: إنا قد أثبتنا الفرق بين الفعل والمفعول وأثبتنا أن أفعال الله كلها خير ولا شر فيها، إذ أفعال الله صفات قائمة به ولا يقوم به إلا ما هو أكمل وأحسن، وأما مفعولاته فتدخلها القسمة بمعنى أن فيها الخير، وفيها الشر الجزئي الإضافي غير المتمحض، فكان الواجب على الأشاعرة التفريق بين الفعل والمفعول ليأتوا بهذا التفصيل الحق فإذا لم يتم التفريق بين الفعل والمفعول فلن يمكنهم أن يأتوا بالتفصيل المذكور. ويقال لهم ثانياً: أما قولكم: "الله يريد الخير والشر" فقول لا يجوز إطلاقه نفياً ولا إثباتاً، لأن إرادة الله وردت في كتاب الله بمعنيين، إرادة بمعنى المشيئة وهي تستلزم وقوع المراد ولا تستلزم محبته، والثانية إرادة بمعنى المحبة والرضا، وهي لا تستلزم وقوع المراد وتستلزم محبته فمن الأول قول الله تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً [الإسراء: 16] وقوله: وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ [الأنعام: 125] ومن الثاني قوله: وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: 27]، وعلى هذا فالقسمة العقلية للإرادتين ثلاثية؛ فإن الله قد يريد الشيء كوناً ويحبه كإيمان من قدر الله إيمانه – كأبي بكر رضي الله عنه مثلاً – فقد أراد الله منه الإيمان كوناً وشرعاً. وقد يريد الله الشيء كوناً ولا يحبه، ككفر من قدر الله كفره – كأبي جهل مثلاً – فقد أراد الله قدراً أن يكفر والله لا يريد منه الكفر شرعاً – أي لا يحبه -. وقد يريد الله عدم كون الشيء ولكنه يحبه، كإيمان من قدر الله كفره، فأبو جهل قدر الله عليه الكفر وأراد وقوعه منه ولم يرد منه الإيمان قدراً، والله يحب الإيمان، وزاد بعضهم قسماً رابعاً: وهو أنه قد يريد الله عدم كون الشيء ولا يحبه، ككفر من قدر الله إيمانه. فعلم من هذا التفصيل الفرق بين الإرادتين وما تستلزمه كل واحدة، وعليه فلو أطلق الكلام فقيل: الله مريد للشر لأوهم أنه محب له راض به، ولو أطلق فقيل: الله غير مريد للشر لأوهم أنه لم يخلقه ولم يرده كوناً، فبطل الإطلاق ولزم التفصيل (5).
هذا وقد نص الأشاعرة على أنه وإن جاز إسناد الكائنات إليه إجمالاً إلا أنه قد لا يجوز إسنادها إليه تفصيلاً، وذلك لأحد أمرين: الأول/ لمراعاة الأدب، فإنه "يصح أن يقال: الله خالق كل شيء ولا يصح أن يقال: إنه خالق القاذورات وخالق القردة والخنازير" (6)، وليتهم سلكوا هذه الطريقة في التنزيه في صفات الله كذلك، إذ سكوا في التنزيه طريقة التفصيل مع ذكرهم لعبارات مجملة فيما نزهوا الله عنه. الثاني/ أو لإيهامه الكفر كأن "يقال: له الزوجات والأولاد" مع أنه يصح أن "يقال: له كل ما في السموات والأرض" (7).
وهذه الأمور التي ذكرها لاعتبار مراعاة الأدب مع الله تعالى صحيحة، ولكن ينبغي أن يجوز ما معناه في الأول إذا اقتضى الأمر التنصيص، كأن يقول شخص منكر: لم يخلق الله القردة والخنازير – مثلاً – فيجاب: إنه خالقها والله أعلم.

‌‌المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – 1/ 325--------------------------------------------
(1) ((تحفة المريد)) ((ص: 111).
(2) ((تحفة المريد)) (ص: 111).
(3) انظر ((تحفة المريد)) في سياق رده على المعتزلة، وقد يعبر بعضهم عن ذلك بقوله "مريد لجميع الكائنات" انظر ((المواقف)) للإيجي (ص: 320).
(4) ((العقيدة النظامية)) لإمام الحرمين (ص: 36 - 37).
(5) انظر ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 446).
(6) قاله الإيجي عن بعض الأشاعرة في ((المواقف)) (ص: 320).
(7) ((المواقف)) للإيجي (ص: 320).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 85)

‌‌المطلب السادس: هل يجب على الله تعالى شيء؟
أن المعتزلة بناء منهم على القول بالحسن والقبح العقليين، أوجبوا على الله تعالى أمورا، كالصلاح واللطف.
وأن الأشاعرة والسلف والماتريدية منعوا أن تكون واجبة عليه.
معنى الوجوب
تستعمل كلمة "وجب" في اللغة بمعنى سقط، والواجب بمعنى الساقط، ومنه قوله تعالى: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا [الحج: 36] أي سقطت على الأرض.
كما تستعمل بمعنى لزم. قال في القاموس:"وجب يجب وجوبا وجبة لزم، ثم قال: واستوجبه استحقه، والوجيبة الوظيفة، ووجب يجب وجيبة سقط" (1).
ويطلق واجب الوجود على الله تعالى. ونلاحظ أن معاني الوجوب المذكورة تدور حول اللزوم، أي أن الواجب هو اللازم؛ لأن الدابة إذا سقطت مذبوحة فإنها تلزم الأرض.
وكذلك الوجيبة بمعنى الوظيفة فيها معنى اللزوم. أما استوجبه بمعنى استحقه فظاهر فيه معنى اللزوم، أي لزم له هذا الحق، وتعين أداؤه له.
إذا فالوجوب بمعنى اللزوم، والواجب هو اللازم.
المراد بالوجوب في حق الله:
فإذا قيل: يجب على الله تعالى شيء فإما أن يراد بالواجب:
أولا: ما يستحق تاركه الذم.
ثانيا: أو ما يكون تركه مخلا بالحكمة؛ فيكون لازما لاقتضاء الحكمة إياه.
ثالثا: أو هو عبارة عما قدر الله تعالى على نفسه أن يفعله ولا يتركه، وإن كان تركه جائزا.
والتعريف: الأول والثاني ينسبان للمعتزلة، والتعريف الثالث اختيار بعض المتكلمين. هذا ما ذكره الجلال الدواني في معاني الواجب (2). أما الآمدي فقد ذكر معاني الواجب، فقال:
"ثم إن الواجب قد يطلق على الساقط …
وقد يطلق على ما يلحق بتاركه ضرر … وقد يطلق على ما يلزم من فرض عدمه المحال" (3).والمقصود بما يلزم من فرض عدمه المحال: هو ما علم الله وقوعه فيقال وقوعه واجب، بمعنى أنه إن لم يقع يؤدي إلى أن ينقلب العلم جهلا، وذلك محال فيكون معنى وجوبه أن ضده محال (4).
رأي الأشاعرة في مسألة الوجوب في حق الله:
ذهبت الأشاعرة إلى أن الله تعالى لا يجب عليه شيء؛ لأنه المالك على الإطلاق، وله التصرف في ملكه كيف يشاء. وإليك ما قاله الجلال الدواني في إبطال معاني الوجوب الثلاثة في حقه تعالى:
"والأول باطل؛ لأنه تعالى المالك على الإطلاق، وله التصرف في ملكه كيف يشاء، فلا يتوجه إليه الذم أصلا على ترك فعل من الأفعال، بل هو المحمود في كل أفعاله.
وكذا الثاني؛ لأنا نعلم إجمالا: أن جميع أفعاله تتضمن الحكم والمصالح، ولا يحيط علمنا بحكمته ومصلحته، على أن التزام رعاية الحكمة والمصلحة مما لا يجب عليه تعالى لايسأل عما يفعل وهم يسألون. وكذا الثالث؛ لأنه إن قيل بامتناع صدور خلافة عنه تعالى، فهو ينافي ما صرح به في تعريفه من جواز الترك، وإن لم يقل به فات معنى الوجوب، وحينئذ يكون محصله أن الله تعالى لا يتركه على طريق جري العادة، وذلك ليس من الوجوب في شيء بل يكون إطلاق الوجوب عليه مجرد اصطلاح" (5).
وبهذا نرى أن الأشاعرة يمنعون وجوب شيء في حقه تعالى عقلا؛ لأنه المالك المتصرف على الإطلاق.
رأي المعتزلة:
أما المعتزلة فقد ذهبوا إلى القول بوجوب بعض الأفعال على الله، وعدوا ذلك من أمور العدل.--------------------------------------------
(1) الفيروزأبادي، ((القاموس المحيط)) (1/ 141).
(2) الجلال الدواني: ((شرح العقائد العضدية، المطبوع مع حاشية الكلنبوي)) (ص: 186).
(3) الآمدي، ((غاية المرام)) (ص: 229).
(4) الغزالي، ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص: 169).
(5) الجلال الدواني، ((شرحه على العقائد العضدية)) (2/ 186 - 189).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 86)

ويقول القاضي عبدالجبار في ذلك:"وأما علوم العدل؛ فهو أن يعلم أن أفعال الله تعالى كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأنه لا يكذب في خبره، ولا يجور في حكمه" (1).
فهم يرون وجوب ما حكم العقل بحسنه على الله تعالى، بمعنى أن تركه نقص يتنزه الله عنه.
وقال متأخرو المعتزلة: إن معنى الوجوب على الله تعالى: "إنه يفعله البتة ولا يتركه، وإن جاز أن يتركه"، فليس كل من الفعل والترك لازما لذاته بحيث يستحيل الطرف الآخر.
وأجيب عن هذا القول من قبل الأشاعرة:"بأن الوجوب على هذا مجرد تسمية؛ إذ يكون محصله: أن الله تعالى لا يتركه على سبيل جري العادة، وذلك ليس من الوجوب في شيء، بل إطلاق الوجوب عليه مجرد اصطلاح" (2).
وقال صاحب المسايرة في بيان مراد المعتزلة بالواجب على الله:"واعلم أنهم يريدون بالواجب ما يثبت بتركه نقص بسبب ترك مقتضى قيام الداعي، وهو هنا كمال القدرة والغني مع انتفاء الصارف فترك المذكورة – أي ترك رعاية الأصلح للعباد – مع ذلك بخل يجيب تنزيهه عنه فيجب، أي لا يمكن أن يقع غيره لتعاليه عما لا يليق" (3).
الرأي الراجح:
لقد سلك كل من المعتزلة والأشاعرة في مسألة الوجوب على الله طريقين كلاهما خطأ، ولم يوفقوا لطريق الحق الذي هو الطريق الوسط، والذي دل عليه الكتاب والسنة، وتوضيح ذلك:
1 - أن المعتزلة أفرطوا في تمجيد العقل، حتى أوجبوا بمقتضاه على الله تعالى أمورا وحرموا عليه أمورا أخرى، ووضعوا لله شريعة التعديل والتجوير، فهم بذلك شبهوا الخالق بالمخلوق.
2 - أما الأشاعرة فقد أخطأوا في إطلاقهم القول بنفي الوجوب في حقه تعالى؛ فلم ينزهوه عن فعل شيء، بناءً منهم على نفي التحسين والتقبيح العقليين. وقالوا: إن الوجوب لا يتصور في حقه؛ لأنه المالك المتصرف ولا يسأل عما يفعل، ونسوا أنه لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته.
3 - وهنا يأتي دور الفريق الوسط، الذين منعوا أن يوجب العقل على الله تعالى شيئا، ولكن لم يمنعوا أن يوجب الله على نفسه بعض الأمور التي يقتضيها كماله، والتي أخبر أنه أوجبها على نفسه، كما قال تعالى: وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: 54].وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله لما قضى الخلق كتب على نفسه كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي)) (4).
هذا، ولا يلزم من كونه تعالى أوجب على نفسه بعض الأمور أن يكون فاعلا بالإيجاب، أي لا اختيار له؛ لأنه سبحانه أوجبه على نفسه باختياره، فإذا شاء الحسن واختاره لم يكن ذلك نافيا للاختيار، فاختياره وإرادته اقتضت التعلق بما كان حسنا، على وجه اللزوم، فكيف لا يكون مختارا!
ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – موقف السلف في مسألة الوجوب على الله، حيث يقول:
"وأما الإيجاب عليه سبحانه وتعالى، والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية – أي المعتزلة – وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول. وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئا. ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب قال: إنه كتب على نفسه الرحمة، وحرم الظلم على نفسه، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح" (5).

‌‌المصدر:الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص 106--------------------------------------------
(1) القاضي عبدالجبار. ((شرح الأصول الخمسة)) (ص: 132).
(2) عبدالحكيم السيالكوتي، حاشيته على ((شرح النسفية)) (2/ 160).
(3) الكمال بن الهمام، ((المسايرة المطبوع مع الشرح)) (ص: 142، 143).
(4) رواه البخاري (7404) ، ومسلم (2751) من حديث أبي هريرة رضي الله.
(5) ابن تيمية، ((اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم)) (ص409،410).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 87)

‌‌المطلب السابع: معنى الظلم
القول في معنى الظلم مبني على مسألة التحسين والتقبيح، وقد وقع الخلاف في معنى الظلم على ثلاثة أقوال:
1 - قول الجهمية والأشاعرة، وهؤلاء قالوا في تعريف الظلم: إما أنه التصرف في ملك الغير، أو أنه مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وهؤلاء يقولون: الظلم بالنسبة لله غير ممكن الوجود، بل كل ممكن إذا قدر وجوده فإنه عدل، والظلم منه ممتنع غير مقدور، وهو محال لذاته كالجمع بين الضدين، وكون الشيء موجودا معدوما.
وهؤلاء يقولون لو عذب الله المطيعين ونعم العاصين لم يكن ظالما، لأن الظلم عندهم إنما هو التصرف في ملك الغير، والله تعالى مالك الملك، فأي فعل فعله ولو كان تعذيب أنبيائه وملائكته وأهل طاعته، وتكريم أعدائه من الكفار والشياطين لم يكن ظالما، لأنه لم يتصرف إلا في ملكه، وكذلك فليس هناك آمر فوقه حتى يخالفه. وهذا قول جمهور الأشاعرة، وهو قول كثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، كالقاضي أبي يعلى، وأتباعه، وأبي المعالي الجويني وأتباعه، وأبي الوليد الباجي وأتباعه وغيرهم (1).--------------------------------------------
(1) انظر: ((منهاج السنة)) (1/ 90، 2/ 232) – ط دار العروبة المحققة. و ((جامع الرسائل – رسالة في معنى كون الرب عادلا، وفي تنزهه عن الظلم –)) (1/ 121 - 122)، و ((رسالة في شرح حديث أبي ذر – مجموعة الرسائل المنيرية)) (3/ 207).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 88)

2 - قول المعتزلة، وهؤلاء يقولون: إن الظلم مقدور لله تعالى، ولكنه منزه عنه، وهذا حق، ولكنهم يجعلون الظلم الذي حرمه الله وتنزه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، وشبهوه في الأفعال ما يحسن منها وما لا يحسن بعباده، فضربوا له من أنفسهم الأمثال، ولذلك فهم يسمون مشبهة الأفعال. وبناء على هذا قالوا: "إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة كان ظالما له، والتزموا أنه لا يقدر أنه يهدي ضالا كما قالوا: إنه لا يقدر أن يضل مهتديا، وقالوا عن هذا: إذا أمر اثنين بأمر واحد، وخص أحدهما بإعانته على فعل المأمور كان ظالما إلى أمثال ذلك من الأمور التي هي من باب الفضل والإحسان، جعلوا تركه لها ظلما، وكذلك ظنوا أن التعذيب لمن كان فعله مقدرا ظلم له، ولم يفرقوا بين التعذيب لمن قام به سبب استحقاق ذلك ومن لم يقم" (1).فالله عند المعتزلة عدل لا يظلم لأنه لم يرد وجود شيء من الذنوب، لا الكفر ولا الفسوق ولا العصيان، بل العباد يفعلون ذلك بغير مشيئته، والله لم يخلق شيئا من أفعال العباد لا خيرا ولا شرا، لأنه لو كان خالقا لها ثم عاقب العاصين لكان ظالما لهم (2).3 - قول أهل السنة، قالوا: الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهذا معناه في اللغة، يقال: من أشبه أباه فما ظلم، ومن استرعى الذئب فقد ظلم (3)، وعلى هذا المعنى بنى أهل السنة تعريفهم للظلم الذي نزه الله نفسه عنه فقالوا: إن الله تعالى حكم عدل يضع الأشياء مواضعها، فلا يضع شيئا إلا في موضعه الذي يناسبه، ولا يفرق بين متماثلين، ولا يسوي بين مختلفين (4).وعلى هذا فالظلم الذي حرمه الله على نفسه، وتنزه عنه فعلا وإرادة هو ما فسره به سلف الأمة وأئمتها أنه لا يحمل المرء سيئات غيره، ولا يعذب بما لم تكسب يداه، وأنه لا ينقص من حسناته فلا يجازي بها أو ببعضها، وهذا هو الظلم الذي نفى الله خوفه عن العبد بقوله: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: 112]، قال المفسرون لا يخاف أن يحمل عليه من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وقيل: يظلم بأن يؤاخذ بما لم يعمل (5).والله تعالى قادر على الظلم، ولكنه تعالى نزه نفسه عنه، وحرمه على نفسه، كما ورد في ذلك الأدلة الكثيرة، وأشهرها حديث أبي ذر: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا)) (6). وغيره.--------------------------------------------
(1) ((شرح حديث أبي ذر – مجموع الرسائل المنيرية)) (3/ 206).
(2) انظر: ((جامع الرسائل)) (1/ 123).
(3) انظر: ((الصحاح، ولسان العرب مادة – ظلم –)) وانظر: ((تأويل مشكل القرآن)) (ص: 467).
(4) انظر: ((جامع الرسائل)) (1/ 124).
(5) انظر: ((زاد المسير – سورة طه آية: 112 –)) ((شرح الطحاوية)) (ص: 507) ط المكتب الإسلامي، و ((منهاج السنة)) (1/ 90 - 91). ط دار العروبة المحققة.
(6) رواه مسلم (2577).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 89)

ويلاحظ أن الأشاعرة جاء تفسيرهم للظلم مواكبا لمذهبهم في القدر، فهم لميلهم إلى مذهب الجبرية، إذا قيل لهم إن قولكم بأن للعبد قدرة غير مؤثرة، نتيجته الجبر، فكيف يعذب الله العباد على ما جبرهم عليه، هذا ظلم، قالوا ليس هذا ظلما لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وهذا منتف بالنسبة لله. ولا شك أن هذا التفسير للظلم مخالف للمعروف من لغة العرب، ولما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة التي ورد فيها هذا اللفظ، كما أن قولهم بأن الظلم ممتنع عليه ليس فيه مدح ولا كمال، وإنما المدح والكمال أن يقال: إن الله سبحانه منزه عنه، لا يفعله لعدله، والمدح إنما يكون بترك المقدور عليه، لا بترك الممتنع (1).
تكليف ما لا يطاق:
الطاقة هي الاستطاعة، والخلاف بين الطوائف قائم حول تحديد المقصود بما لا يطاق، هل هو الممتنع عادة، أم المستحيل كالجمع بين الضدين، أو هو كتكليف الكافر وهو لا يؤمن.
وشيخ الإسلام بين أن هذا الخلاف ناتج عن عدم التفريق بين أمرين متعلقين بالنزاع في هذه المسألة:
1 - ما يرجع إلى الفعل المأمور به، وهذا فيما يتعلق بالقضاء والقدر.
2 - وما يرجع إلى جواز الأمر الشيء، وهذا فيما يتعلق بمسائل الأمر والنهي. والذين خلطوا بين هذين القسمين وقعوا في المحذور، مثل قياس بعضهم أمر الله الكافر بالإيمان مع علمه تعالى أنه لا يفعل، بمسألة العاجز الذي لو أراد الفعل لم يقدر عليه، وجعلهم القسمين قسما واحداً وأنه تكليف بمالا يطاق. فهذا جمع مخالف لما يعلم بالاضطرار من الفرق بينهما، وهو من مثارات الأهواء بين القدرية والجبرية (2).ولذا يرى شيخ الإسلام أن إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام (3).
وقد وقع الخلاف في تكليف ما لا يطاق على أقوال:1 - جواز تكليف ما لا يطاق مطلقا، ومنه تكليف الأعمى البصر، والزمن أن يسير إلى مكة. وهذا قول جهم بين صفوان (4).2 - عدم جواز تكليف ما لا يطاق، وقد منعوه لقبحه عقلا، وهذا مبني على مذهبهم في أن القدرة تكون قبل الفعل فقط، حتى يتحقق التكليف، ومن ثم يترتب عليه الثواب والعقاب، ولذلك منعوا أن تكون القدرة مقارنة لمقدورها، لأن معنى ذلك أن يكون تكليف الكافر بالإيمان تكليفا بما لا يطاق؛ إذ لو أطاقه لوقع منه، فلما لم يقع منه دل على أنه غير قادر عليه، وتكليف ما لا يطاق قبيح، والله لا يفعل القبيح، وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم (5).--------------------------------------------
(1) انظر في مسألة الظلم والأقوال فيه: ((جامع الرسائل)) (1/ 27 - 129)، و ((الجواب الصحيح)) (1/ 219)، ((النبوات)) (ص: 143) – ط دار الكتب العلمية، ((منهاج السنة)) (1/ 318) ط دار العروبة المحققة، (1/ 361) – مكتبة الرياض الحديثة، (3/ 23 - 26) – ط بولاق، ((مجموع الفتاوى)) (8/ 505 - 510، 11/ 675 - 676)، ((درء التعارض)) (10/ 28).
(2) انظر: ((درء التعارض)) (1/ 64 - 65).
(3) انظر: ((درء التعارض)) (1/ 65).
(4) انظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 297).
(5) انظر: ((شرح الأصول الخمسة)) (ص: 396)، و ((المختصر في أصول الدين)) لعبد الجبار الهمذاني (ص: 218)، و ((نظرية التكليف)) عبدالكريم عثمان (ص: 301)، و ((شرح المواقف)) (ص: 331) – الجزء المحقق.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 90)

3 - أن تكليف ما لا يطاق جائز، وهذا مذهب الأشاعرة، وبنوا ذلك على ما في مذهبهم من أنه لا يجب على الله شيء ولا يقبح منه شيء. لكن الأشاعرة يقولون، إن ما لا يطاق أقسام: أ- أن يمتنع الفعل لعلم الله بعدم وقوعه، كتكليف الكافر الإيمان في حالة كفره، وهذا جائز عند جميع الأشاعرة، وهذا النوع هو ما لا يستطيعه المكلف لاشتغاله بضده فقط وهو الذي منعه المعتزلة (1).ب- أن يمتنع الفعل لنفسه، بكونه محالا كالجمع بين الضدين، وهذا اختلف فيه الأشاعرة، منهم من أجازه كالرازي ومنهم من منعه (2).ج- ألا تتعلق به القدرة الحادثة عادة، كحمل الجبل، والطيران، فهذا يجوزه بعض الأشاعرة وإن لم يقع من خلال الاستقراء، وبعض المجوزين يحتج لذلك بتكليف أبي لهب الإيمان مع ورود الخبر أنه لا يؤمن (3).
4 - مذهب السلف، التفصيل، وذلك أن يقال: تكليف مالا يطاق على وجهين:
أحدهما: ما لا يقدر على فعله لاستحالته، وهو نوعان:
أ- ما هو ممتنع عادة كالمشي على الوجه والطيران، وكالمقعد الذي لا يقدر على القيام، والأخرس الذي لا يقدر على الكلام.
ب- وما هو ممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين، وجعل المحدث قديما، والقديم محدثا، ونحو ذلك. فهذان النوعان قد اتفق حملة الشريعة على أن مثل هذا ليس بواقع، وأنه لا يجوز تكليفه (4).والثاني: ما لا يقدر عليه لا لاستحالته، ولا للعجز عنه، لكن لتركه والاشتغال بضده، مثل تكليف الكافر الإيمان في حال كفره، فهذا جائز خلافا للمعتزلة، لأنه من التكليف الذي اتفق المسلمون على وقوعه في الشريعة. ولكن إطلاق تكليف ما لا يطاق على هذا مما منعه جمهور أهل العلم، وإن كان بعض المنتسبين إلى السنة قد أطلقه في ردهم على القدرية (5).بقي الكلام في ما احتج به بعض الأشاعرة من جواز تكليف الممتنع عادة، بقصة أبي لهب (6)، فشيخ الإسلام يرى أن هذا خطأ، لأن من أخبر الله أنه لا يؤمن وأنه يصلى النار، بعد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له إلى الإيمان، فهذا قد حقت عليه كلمة العذاب، فهو كالذي يعاين الملائكة وقت الموت، فلم يبق هذا مخاطبا من جهة الرسول بالأمرين المتناقضين. وهو أيضا كقوم نوح حين أخبر الله نوحا – عليه السلام – أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فلم يكن بعد هذا يأمرهم بالإيمان بهذا الخطاب (7)."بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار المستلزم لموته على الكفر وأنه سمع هذا الخطاب، ففي هذا الحال انقطع تكليفه، ولم ينفعه إيمانه حينئذ، كإيمان من يؤمن بعد معاينة العذاب، قال تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: 85] (8).فأبو لهب قد حقت عليه كلمة العذاب، فلا ينفعه الإيمان (9).وهكذا فالقول الراجح هو التفصيل فيها. ومن ذلك يتبين خطأ المعتزلة والجهمية وبعض الأشاعرة. علما أن من الأشاعرة من ذكر القول الحق بتفصيله في هذه المسألة (10).
هذه أهم المسائل المتعلقة بالقدر، وهي إن كانت مسائل فرعية إلا أنها ذات صلة قوية بموضوع القدر، أو هي جزء منه، ولاشك أن الأشاعرة لم يسلكوا فيها المسلك الصحيح الذي هو مسلك السلف – رحمهم الله – ولذلك جاء مذهبهم في القدر وفي أفعال العباد، منحرفا عن المذهب الحق.

‌‌المصدر:موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/ 1323--------------------------------------------
(1) انظر: ((شرح المواقف)) (ص: 331 - 332) – الجزء الثاني.
(2) انظر: ((الإرشاد)) (ص: 226) وما بعدها، و ((معالم أصول الدين)) للرازي (ص: 85 - 86)، ط مكتبة الكليات الأزهرية، و ((شرح المواقف)) (ص: 332) – الجزء المحقق.
(3) انظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 295)، و ((شرح المواقف)) (ص: 333) – الجزء المحقق.
(4) انظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 301).
(5) انظر: ((المعتمد في أصول الدين)) للقاضي أبي يعلى (ص: 46 - 147)، و ((مجموع الفتاوى)) (8/ 298 - 302)، و ((درء التعارض)) (1/ 60).
(6) كالرازي في ((معالم أصول الدين)) (ص: 85)، ط مكتبة الكليات الأزهرية، وانظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 303).
(7) انظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 302)، و ((درء التعارض)) (1/ 63).
(8) انظر: ((درء التعارض)) (1/ 63 - 64).
(9) انظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 438، 473 - 474).
(10) انظر: ((المعتمد في أصول الدين)) (ص: 146)، و ((الاقتصاد)) للغزالي ((ص: 112 - 114) ط دار الكتب العلمية، و ((مجموع الفتاوى)) (8/ 296، 469 - 470).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 91)

‌‌المطلب الأول: عقيدة العادة عند الأشاعرة
هذا الموضوع يتناول قضية من أهم القضايا المتصلة بالفلسفة الطبيعية والعقدية على السواء لدى مدرسة ذاع صيتها ألا وهي مدرسة الأشعري رحمه الله وهذه القضية أسماها الأشاعرة (بالعادة) وهي تعني أنه لا شيء يؤثر في شيء ولا علة تؤثر في معلولها فالنار مثلاً ليس لها أثر في الإحراق، وما يراه الناس من إحراق إنما هو عادة وإلف فقط وليس ناشئًا عن علة في النار والله الخالق له بإطراد كلما التقت النار مع ما تحرقه دون أن يكون للنار أثر يُذكر وهكذا لا حقيقة لطبائع الأشياء وحكموا على أنها فارغة من القوى ومن ثم التأثير في غيرها أو التأثير بقدرة الله-سبحانه- باعتبارها وسائط وهذا معناه أيضًا إنكار لعلاقة الأسباب بمسبباتها وأن التلاقي بينهما ما هو إلا عادة فليس هناك أي علاقة ترابطية إلا ما يشاهده الإنسان بعينه والمشاهدة ليست حجة. بمعنى: أن اطراد الموجودات وتسلسلها ليس قائمًا على الترابط (العليِّ) بل إن العادة وجريانها هما السبيل في إحساسنا بالتعاقب بين ما يقال أنه سبب وما يقال أنه مسبب، وإن وجود أحدهما في الذهن يلزمه -بالتداعي - وجود الآخر دون أن يكون هناك في الواقع رابطة (عليه) حقيقة والذي دفع الأشاعرة إلى هذا القول، مجادلتهم للطبائعيين الذين ينسبون للطبيعة كل التأثير والاستقلال بالفعل فردوا عليهم هذا الاعتقاد بأن نزعوا من الطبائع صفة الفاعلية وغلوا حتى صادروا ما للطبائع من صفات جوهرية بها تتمايز وتتغاير كالفرق بين الخد والبصر، مع أن القول بأنها لا تفعل استقلالاً وإنما بإذن الله وهو القول الذي كان يجب أن يتوقفوا عنده دون الذهاب إلى آخر الشوط وإنكار حقائق الأشياء الأساسية مما أفسد عليهم طرقهم في إثبات التوحيد.
أهمية الموضوع
تكمن أهميته في بيان خطأ هذا الاجتهاد الحاصل بسبب ردود الفعل، وكان الأولى أن يبطل الأشاعرة حجج الطبائعيين القائلين باستقلال الطبيعة في إيجاد الأشياء دون الانسياق وراءهم وإبطال العلل والأسباب والقوى التي أودعها الله في هذه الطبائع ولا تعمل إلا بإذن الله، بمعنى عدم مجاوزة آيات القرآن الحكيم إلى آفاق بعيدة قد يثبت العلم التجريبي والمشاهدة بطلانها، وهذا ما حصل. والمهم هنا ألا نلوي أعناق آيات القرآن، وأن نركب الذلول والصعب في ذلك، لنوافق مذهبًا بعينه، أو فكرة ما تركزت في ذهن صاحبها، ويريد أن يوجد لها أساسًا شرعيًا في كتاب الله عز وجل وقد رأينا هذا المنهج لدى بعض الذين أغراهم الفكر الوارد في بعض مظاهره، فحاولوا عقد صلة بينه وبين النصوص الدينية فجاء عملهم هذا بعيدًا عن روح النص المقدس كما رأينا له مظهرًا آخر لدى أصحاب العقائد الباطنية المنحرفة.
وتكمن الأهمية في خطأ المسارعة بالحكم على كل من خالف في جانب من جوانب الفكر القابل للاجتهاد بالكفر والضلال وما شاكل ذلك، بل لا بد من المناقشة الموضوعية، والحوار الهادف، للوصول إلى غاية الهدف.
ومن الأهمية بيان أنه (من أنكر وجود المسببات مرتبة على الأسباب في الأمور الصناعية أو لم يدركها فهمه، فليس عنده علم بالصناعة ولا بالصانع كذلك في جحد وجود ترتيب المسببات على الأسباب في هذا العالم، فقد جحد الصانع الحكيم تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا وأبطل الحكمة وأبطل العلم، وذلك أن العلم هو معرفة الأشياء بأسبابها، والحكمة هي معرفة بالأسباب الغائبة) ولهذا عبر الدكتور أبو العلا عفيفي عن قانون السببية بأنه عقيدة وعبر غيره ممن خالف قانون السببية وقال بالعادة بعقيدة العادة في مواجهة عقيدة (قانون السببية).
مفهوم العادة عند الأشاعرة

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 92)

ليس هناك تلازم ضروري بين الأسباب والمسببات أو العلة والمعلول، يقول الغزالي: (الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببًا، وبين ما يعتقد مسببًا، ليس ضروريًا عندنا) بل ليس هناك علاقة تسببية بين السبب والنتيجة (بل كل شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمنًا لإثبات الآخر ولا نفيه متضمنًا لنفي الآخر).
وإذا احتج عليهم إنسان بأنه يرى دائمًا الاحتراق يعقب النار، والإسكار يعقب الخمر، تعللوا في ذلك بأنه لا يرجع إلى تلازم بين الأسباب الطبيعية، وإنما هو نتيجة الاعتياد من رؤيتهما معًا وفي ذلك يقول الباقلاني: (إن ما هو مشاهد في الحس لا يوجد ضرورة ولا وجوبًا وإنما هو يجري مجرى العادة، بمعنى وجوده وتكراره على طريقة واحدة)، ثم يأتي بعده الغزالي ويتوسع في إرجاع التلازم بين الأسباب الطبيعية ومسبباتها إلى حكم العادة ويرى أن (اللازمات .. يجوز أن تنفك عن الاقتران بما هو لازم لها، بل لزومه لحكم العادة).
وقال البغدادي: ( .. وأجازوا ـ أي الأشاعرة أن يجمع الإنسان بين النار والقطن والحلفاء فلا تحرقها على نقض العادة .. ) فليس لأية ظاهرة طبيعية فعل خاص يصدر عنها فليس في الخمر إسكار مثلاً وأنه لا مقوم داخلي لأي جسم يجعل منه فاعلاً إذ أن الأجسام منفصلة إلى أجزاء فهي جواهر فردة لا يربط بينها إلا بالقدرة الإلهية والسبب في الحقيقة لا أثر لها البتة بدليل إمكان انفكاك المسببات عن أسبابها ولكن اعتاد الناس وألفوا هذا الاقتران بينهما فحكموا بالضرورة وليس لديهم من حجة إلا المشاهدة يقول الغزالي (فإن اقترانها بما سبق من تقدير الله ـ سبحانه، يخلقها على التساوق لا لكونه ضروريًا في نفسه .. بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة مع جز الرقبة) وإن كان الناس لم يألفوا هذه الأمور أو ألفوا بعضها، ولم يألفوا جز الرقبة مع بقاء الحياة (فأما النار وهي جماد، فلا فعل لها، فما الدليل على أنها الفاعل، وليس لهم دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق) فهي العادة لا أكثر وإلا فلا شيء يفعل في شيء.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 93)

ويشرح الدكتور البوطي عقيدة العادة عند الأشاعرة بالانقضاض على علاقة الأسباب بمسبباتها فيقول: (وإذًا فما معنى كون هذه الأمور أسبابًا؟ .. إن معنى ذلك محصور في أن الله عز وجل ربط بينهما وبين أمور أخرى بمحض إرادته وقدرته فقط، فظهر استمرار هذا الارتباط أمامنا بمظهر السببية والتأثير فاستعرنا له كلا من هاتين الكلمتين على سبيل المجاز) وهذا معناه أنه لا يوجد سبب حقيقي ولا علة حقيقية لها تأثير في مسببها ومعلولها، ونفي السببية والعلية سمة واضحة في المذهب الأشعري بل يذهب البغدادي إلى القول بأن أهل السنة أجمعوا على أنه لا أثر البتة للطبائع (وضللوا من قال باختلاف الأجسام لاختلاف الطبائع) حتى بلغ الأمر بالأشاعرة تحقيقًا لعقيدة العادة، وردًا للسببية أن منعوا أن يقال للشيء احترق بالنار وإنما احترق عندها يقول الغزالي: (فقد تبين أن الوجود عند الشيء، لا يدل على أنه موجود به) فالأدلة الحسية المشاهدة لا تكفي عندهم في إثبات باء السببية وهكذا تم التعامل مع آيات الذكر الحكيم الواردة بباء السببية كما سيأتي. وكذلك الآيات التي رتبت النتائج على الأسباب. بل التجارب العلمية والأدلة العقلية لا تستقيم كأدلة عند الأشاعرة في رد عقيدة العادة ولهذا يقول الغزالي في معرض رده على المخالفين: (فما الدليل على أنها الفاعل؟ وليس لهم دليل، إلا مشاهدة حصول الاحتراق منذ ملاقاة النار والمشاهدة تدل على الحصول عندها، ولا تدل على الحصول بها .. ) وكذلك التجارب العلمية لا تنهض كدليل على إثبات السببية يقول مصطفى صبري: (ولا تقل أيها القارئ أن التردد في كون علة الاحتراق الفاعلية هي النار بعد مشاهدة النار مع كل حادثات الاحتراق، مكابرة ظاهرة، لأني أقول: على أي دليل قطعي الدلالة ينبني حكمك هذا؟ فإن بنيته على التجربة المشاهدة فالتجربة لا تشاهد العلية لأن العلية أمر معنوي لا يرى، وإنما مدلول التجارب ومشهودها
كون النار مجتمعة مع حادثة الاحتراق والجسم المحترق ودائرة حيثما دار، وإن بنيته على الدليل المنطقي فالمنطق لا يعترف بدلالة دوران شيء مع شيء ودوام اقترانه به على كون صلة أحدهما بالآخر صلة العلة بمعلولها) أي لا بالمشاهدة ولا بالعقل ويزيد البوطي هذا الكلام وضوحًا حيثما يقول: (والعلم لا شأن له في الأشياء إلا أنه يصفها على ما هي عليه في أدق مظاهرها، ثم يمارس هذا الوصف بالتجربة في مجالات متكررة وهيهات أن يتوصل العلم إلى أن مقارنة الأسباب بمسبباتها أمر حتمي لا مناص من تلازمها ولا حيلة لانفكاكها) وهكذا فإن الأشاعرة ينفون أن يكون هناك دليل من المشاهدة والعلم أو المنطق على ضرورة التسبب أو أن هذه الأدلة لا تنهض على أن تكون لضرورة التلازم بين الأسباب والمسببات وهذا يعني انتقاء نوع الأدلة كلية في إثبات العلاقة بين الأسباب الطبيعية وهم بهذا يغلقون باب البحث عن دليل حسي أو عقلي أو علمي.

‌‌المصدر:عقيدة العادة عند الأشاعرة لجابر السميري – ص 8
دوافع القول بعقيدة العادة

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 94)

أولاً: يقول الشهرستاني: (صار أبو الحسن الاشعري - رحمه الله تعالى- إلى أن أخص وصف للإله هو القدرة على الاختراع، فلا يشاركه فيها غيره، ومن أثبت فيه شركه فقد أثبت إلهين) ولهذا أراد الأشاعرة أن يحافظوا على أخص وصف لله تعالى فلا ينسبوا لغيره صفة القادرية ولا الفاعلية ولا الإحداث لأن كل ذلك لا يليق إلا بالله ـ سبحانه ـ ولهذا يسوي الإمام أبو الحسن الأشعري بين هذه الألفاظ في المعنى، فالخلق، والفعل، والإحداث، والاختراع كلها بمعنى واحد وهي لا تليق إلا بالله وإذا أطلقت على الإنسان فإنه لا يراد بها إلا معنى الكسب لا حقيقة الفعل فهو يقول: (لا قادر عليه ـ أي على الفعل ـ أن يكون ما هو عليه من حقيقة أن يخترعه إلا الله) بمعنى لا أثر لقدرة الإنسان في فعله إلا الاكتساب ولهذا ذهب الأشاعرة إلى أن (القدرة الحادثة على رأينا، فإنها لا تؤثر، وليست مبدأ لأثر) إذن لا شغل لقدرة العبد إلا الاقتران أما أن يؤثر فلا (وعندنا لا فرق إلا ما يعود إلى جريان العادة) هذا المبدأ الذي اهتم به الأشاعرة ـ وهو لا فاعلية ولا خالقية ولا إحداث ولا اختراع ـ كان الأساس في القول بعقيدة العادة وأنه لا أثر لشيء في شيء البتة وإلا ثبت الشرك فالعادة هي الكسب وكلاهما معناه اقتران شيء بشيء ويستدل الأشاعرة على ذلك بكثير من الآيات القرآنية، وأن الله أسند لنفسه الخلق فقال: (ذالكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه) فاستحق العباد لاستحقاقه الخلق.
ويلاحظ ابن رشد أن من جملة الدوافع التي دفعت الأشاعرة إلى القول بالتجويز: (الهروب من القول بفعل القوى الطبيعية، والخوف من أن يدخل عليهم في القول بالأسباب الطبيعية أن يكون العالم صادرًا عن سبب طبيعي).
ولا شك فإن الأشاعرة ردوا على الطبائعيين اعتقادهم بأن الطبيعة خالقة أو أن لها أثرًا في الأشياء بل الخالق الفاعل المحدث هو الله سبحانه يقول البوطي: (الواقع أن هذا القول لا يعتمد إلا على وهم مجرد، ذلك لأن الطبيعة لا تعطيك من واقعها إلا هذا الاقتران وهو بحد ذاته ليس أكثر من الاقتران مهما كان ثابتًا ومستمرًا). فلا شيء له أثر في شيء من نفسه بل ما يراه الناس إنما هو اقتران وانسجام.
ويقول آخر: ( .. ولا يقول لشيء من الأشياء في الكائنات بخاصة ناشئة من ذاته غير قابلة للانفكاك عنه إلا طبيعي منكر للإله بالمرة) وهذا يعني القول بعدم تأثير الطبائع أو السبب أو إلغاء عملها في الوجود. فلا سببية ولا طبيعية. ويقول الأشاعرة (إن الكائنات بأجمعها مستندة إلى الله من غير واسطة) أي لا مكانة لواسطة الأسباب والمسببات في خلق أو تأثير (فالاعتراف مثلاً بأن الشمس تعطي الحركة والحياة للأشياء يكون شركًا).
ثانيًا: رتب الأشاعرة على القول بعقيدة العادة ثبوت المعجزات الخارقة للعادة وعدم القول بها إنكار للمعجزات فقال الغزالي في معرض الرد على المخالفين: (وحكمهم بأن هذا الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب والمسببات اقتران تلازم بالضرورة، وليس في المقدور، ولا في الإمكان إيجاد السبب دون المسبب، ولا وجود المسبب دون السبب ترتب عليه عدم إثبات المعجزات الخارقة للعادة مثل قلب العصا ثعبانًا، وإحياء الموتى وشق القمر، ومن جعل مجاري العادات لازمة لزومًا ضروريًا أحال جميع ذلك .. ).
ويناقش مصطفى صبري هذا الأمر وهو يرى أنه لا مانع لله أن يفعل ما شاء (فالله تعالى في عقيدة المؤمنين إذا شاء يسلب الأشياء ما جرت سنته فيها، ويكون هذا السلب خرقًا منه للعادة لا خرقًا للعقل حتى يكون محالاً .. وكذا الكلام في إحراق النار ما تحرقه أنه كما يكون بإذن الله تعالى يكون كف النار عن الإحراق بأمر الله، ولا خرق بين الحالين بالنسبة إلى قدرة الله). ومعناه يستوي بالنسبة إلى قدرة الله أن تكون الأسباب مقترنة بالجواز أو بالضرورة، فلا شيء يمنع قدرة الله من أن يسلب النار مثلاً عملها فلا تعود محرقة .. وهذا معنى ثبوت معجزة إبراهيم عليه السلام بأن النار لم تؤثر عليه ولهذا (فإن الله الذي أوجد سلسلة الأسباب والعلل قادر على تعطيل عمل هذه السلسلة، فلا تكون المعجزة خارقة بهذا الاعتبار ولا يختل قانون السببية) وهذا القول كأنه جمع بين ثبوت المعجزات وقانون السببية الذي يرى الأشاعرة عدم ثبوته وبطلانه بعقيدة العادة ولهذا قال مصطفى صبري في تعليقه على النص السابق: (ومراده من عدم كون المعجزات خارقة أنها غير مخلة بقانون السببية وهو الناحية المهمة للمسألة لوجود سببها الذي هو إرادة الله وإلا فالمعجزة تخرق العادة لتعطيل عمل سلسلة الأسباب)

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 95)

‌‌المطلب الثاني: الحكم المترتب على مخالفة عقيدة العادة
لم يرَ الأشاعرة العذر لأحد خالف في إثبات هذه العقيدة رغم صعوبة فهمها بل لمخالفتها لما يراه الناس بعيونهم ويلمسونه في حياتهم أثناء إجراء تجاربهم وملاحظاتهم، فالمسألة جد دقيقة وتحتاج إلى بذل الجهد واستحضار الأفهام فضلاً على أن ظاهر القرآن والسنة ترجح كفة إثبات السببية وأن لا شيء يتحقق إلا بالسبب وأن من يخل بالأسباب يخالف الشرع.
فكيف يقفز هذا الفاهم لهذه الأمور والمعتقد لها إلى عقيدة مخالفة كلية ألا وهي عقيدة العادة حيث يقال له إن التوحيد والإيمان لا يتم إلا على طائلة إنكار السببية وأنه بالإمكان الفصل بين النار وفعلها، وبين الموت وجز الرقبة إلى ما كان هنالك من أمور قد يحيل فهم العقيدة إلى المستحيلات غير أن الأشاعرة رأوا أن يحكموا على المخالف فيها بالكفر والفسق والضلال ويدعون الإجماع على ذلك يقول البوطي: ( .. وإذ قد ثبت الدليل القطعي على ما قلناه، فقد كان جحود ذلك كفرًا بإجماع المسلمين) والدليل القطعي الذي قاله هو ما ذكرناه من عدم نسبة التأثيرات إلى السببية وأن من يثبت السببية يترتب عليه الكفر بالمعجزات والنبوات .. إلخ. ويقول في مكان آخر: ( .. ولعلك تسأل بعد هذا استعمال المسلم ألفاظًا تعبر عن سببية بعض الأشياء وتأثيرها .. كقول القائل: لقد نفعني هذا الدواء وشفاني هذا الطبيب، وأينع الزرع بكثرة الأمطار .. فالجواب أن ذلك إذا صاحب اعتقادًا بتأثير واحد من هؤلاء فهو كفر بالاتفاق .. ) وهذا يعني أنه لا وسطية بين الله وهذه النتائج فالماء مثلاً وجوده كعدمه بالنسبة للإثبات ولكن هو موجود شكلاً وقس على ذلك في سائر الأسباب والمسببات.
وذهب بعض الأشاعرة إلى التفصيل في الحكم وكأنهم رأوا أن المسألة فيها من الغموض ما يفرض على الحاكم أن يكون مستبصرًا بمسائل الخلاف وبمجاري البحث والتحدي، قال إبراهيم بن محمد البيجوري: ( .. فمن اعتقد أن الأسباب العادية كالنار والسكين والأكل والشرب تؤثر في مسبباتها كالحرق والقطع والشبع والري بطبعها وذاتها فهو كافر بالإجماع، أو لقوة خلقها الله فيها ففي كفره قولان، والأصح أنه ليس بكافر بل فاسق مبتدع .. ومن اعتقد أن المؤثر هو الله لكن جعل بين الأسباب ومسبباتها تلازمًا عقليًا بحيث لا يصح تخلفها فهو جاهل، وربما جره ذلك إلى الكفر، فإنه قد ينكر معجزات الأنبياء لكونها على خلاف العادة، ومن اعتقد أن المؤثر هو الله وجعل بين الأسباب والمسببات تلازمًا عاديًا بحيث يصح تخلفها الناجي إن شاء الله تعالى) فهذه أربعة فرق اختلفت وكل فرقة يحكم عليها بما تعتقده، فالفرقة الأولى تجعل الطبائع مستقلة ولعلها تنكر أي أثر لقدرة الله تعالى في المسببات فهؤلاء هم الطبائعيون الذين لا خلاف في كفرهم وهم الذين أشار إليهم الإمام الشاطبي في قوله: (فالالتفات إلى المسببات بالأسباب له ثلاث مراتب، إحداها، أن يدخل فيها على أنه فاعل للمسبب أو مولد له، فهذا شرك أو مضهاه له، والسبب غيرفاعل بنفسه (والله خالق كل شيء) ويؤكد ابن تيمية هذا المعنى بقوله: (وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا عائق مانع، فليس شيء من المخلوقات مؤثرًا، بل الله وحده خالق كل شيء فلا شريك له ولا ند له) إذن الطبائع بنفسها لا تفعل إلا بإذن الله.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 96)

أما الفرقة الثانية فهي التي تقول بأن كل شيء فيه قوة كافية أودعها الله فيه، فذكر أنهم اختلفوا فيه فمنهم من يكفروه، ومنهم من يفسقه وكلا الحكمين يعني بأنه ليس في الأشياء طبائع ومعاني يميزها عن بعضها البعض، وهناك حكم آخر أطلقه الغزالي ويفهم منه جواز اعتقاد ذلك دون تخوف على العقيدة. يقول البوطي: (غير أن الإمام الغزالي رحمه الله لا يرى تنافيًا بين أن تكون الأسباب الكونية جعلية وبين أن يكون فيها تأثير أودعه الله عز وجل فيها يسلبه عنها عندما يشاء. وهو يرى أن هذا هو الحق أي فالمسألة ليست مسألة مقارنة مجردة) وهذا القول لا ينسجم البتة مع القول الذي يلغي طبائع الأشياء، فهو على نقيض مَنْ قال بالعادة فعقيدة العادة كما تبين هي مجرد مقارنة دون تأثير، وكلام الغزالي مقارنة مع التأثير، وهذا يدل على أن الغزالي متردد في قوله بعقيدة العادة وهو كما قال أبو ريان ( .. وقد عبر الغزالي في قوة المذهب الأشعري حينما انتقد مبدأ السببية، وذكر أن اعتقادنا بالسببية إنما يرجع إلى العادة .. ) ويؤمن الغزالي بأن الأسباب مسخرة بعلم الله يقول: (والأدوية أسباب مسخرة لعلم الله تعالى كسائر الأسباب، فكما أن الخبز دواء الجوع، والماء دواء العطش وكل ذلك بتدبير مسبب الأسباب).
وأما الفرقة الثالثة، فهي الفرقة التي جعلت الاقتران ضروريًا بين الأسباب ومسبباتها وأن الأسباب لا تؤثر إلا بإذن الله تعالى وأنه متى صحت الأسباب ترتب عليها المسببات، ولا تتخلف المسببات إلا بنقص في الأسباب فهذه الفرقة جاهلة بهذا الاعتقاد وإن اعتقدت بناء على ضرورة الاقتران الحاصل من الأسباب امتناع المعجزات وعدم النبوات فهي كافرة؟ ولكن أليس بالإمكان أن يكسر الله سبحانه هذه الضرورة ويسلب هذا الاقتران بين الأسباب والمسببات وتكون الخارقة للعادة فلا يترتب على ذلك كفر ولا جهل.
أما الفرقة الرابعة: فهي الفرقة المرضي عنها وهي القائلة بعقيدة العادة، وهي التي لا ترى في الأشياء طبائع ولا معاني لها أي أثر. ولهذا قال الإمام الشاطبي: (أن يدخل في السبب على أن المسبب من الله تعالى لأنه المُسبِّب فيكون الغالب على صاحب هذه المرتبة اعتقاد أنه مسبب عن قدرة الله وإرادته، من غير تحكم لكونه سببًا .. وحاصله يرجع إلى عدم اعتبار السبب في المسبب من جهة نفسه واعتباره فيه من جهة أن الله مسببه وذلك صحيح) وهذا الذي ذكره الشاطبي هو في حالة الاقتران العادي بين الأسباب ومسبباتها والنظر إليهما على أنهما من الله سبحانه ولم يستقل السبب بنفسه وإن كان لا بد من وجود السبب حتى يوجد المسبب، لوجود المطر بالنسبة للزرع. فالأشاعرة تثبت السبب العام ولا تعترف بالأسباب الفاعلة بإذن الله ولهذا قال سليمان دنيا، وهو يفرق بين فهم الأشاعرة للأسباب وفهم الوضعيين -أصحاب المذهب الوضعي الذي لا يوقن إلا بالمحسوس-: (فالأشاعرة إذا كانوا ينفون سببية الأشياء بعضها في بعض؛ فإنهم لا ينفون السببية العامة) وهي أن الله خالق الأسباب والمسببات.

‌‌المصدر:عقيدة العادة عند الأشاعرة لجابر السميري – ص 11

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 97)