«وهذه آراء ما كنت أستحل حكايتها لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد الذي كان الناس في راحة منه من أعصار، وقد كان أهل هذا الرأي موجودين بكثرة في زمن الأئمة الأربعة فمن بعدهم، وتصدى الأئمة الأربعة وأصحابهم في دروسهم ومناظراتهم وتصانيفهم للرد عليهم، وسأسوق إن شاء الله تعالى جملة من ذلك والله الموفق» (1).
هذا ما رأيتُهُ جمعاً بين قوله والاستقراءِ في مصادر التشريع، ومصادر التاريخ التي لم تُثبِتْ تلك البدعة المُنكرة عنهم.--------------------------------------------
(1) «مفتاح الجنة» ص 2 - 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
المبحث الثاني: الخوارج (2):
تمثيلاً على إنكار السنن النبوية، المروية بالأسانيد الصحيحة عن خير البرية، صلى الله عليه وسلم لدى فِرَقِ الخوارج أسوقُ هذه النماذجَ الثلاثةَ التي تؤكد أنهم لم يرُدّوا السنةَ جملةً، بل هم قد ردّوا ما لا يحلو لهم منها فحسب.
وسيأتي عن قريبٍ في خبرٍ فيه ردُّهم حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف أنهم بادَروا بطلب سماعِ حديثٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم! (1).
المطلب الأول: إنكار بعض الأحكام الشرعية الأخرى:
إنّ مما اشتُهِرَت به الأزارقة (إحدى أكبر فرق الخوارج) (2) أنّ من بدعهم «إسقاط الرجم عن الزاني؛ إذ ليس في القرآن ذكره، وإسقاط حد القذف عمّن قذف المحصَنين من الرجال مع وجوب الحدّ على قاذف المُحصَنات من النساء» (3).
«وأنكرت الأزارقةُ الرجمَ واستحلوا كفر الأمانة التي أمر الله تعالى بأدائها وقالوا: إن مخالفينا مشركون فلا يلزمنا إذا أمانتنا إليهم ولم يقيموا الحد--------------------------------------------
(1) قال الشهرستاني في «الملل والنحل» ص 132:
«كل من خرج عن الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجياً، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان».
وقال ص 133:
«ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي رضي الله عنهما، ويقدمون ذلك على كلِّ طاعة، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك.
ويُكفّرون أصحابَ الكبائر، ويَرَون الخروجَ على الإمام إذا خالف السنة حقّاً واجباً».
ينظر لبيان فرقهم وعقائدهم:
«الملل والنحل» للشهرستاني ص 131 - 161، «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي ص 72 - 113، و «الفِصل في الملل والأهواء والنِّحل» 5/ 51 - 56.
(2) سيردُ في المطلب الثالث من هذا المبحث.
(3) تنتسب هذه الفئة إلى نافع بن الأزرق، وهي من أكثر فرق الخوارج تطرُّفاً وجرأةً في التكفير، واستباحة الدماء.
يُنظر: «الملل والنحل» ص 137 - 141، و «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي ص 82 - 87، و «الفصل في الملل والأهواء والنِّحل» 5/ 52.
(4) «الملل والنحل» للشهرستاني ص 140.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
على قاذف الرجل المحصن وأقاموه على قاذف المحصنات من النساء، وقطعوا يد السارق في القليل والكثير، ولم يعتبروا في السرقة نصاباً» (1).
وذُكرَ عنهم أنهم «أوجبوا على الحائضِ الصلاةَ والصيامَ في حيضِها» (2).
وقد أتى مبتدعُ الفرقة الميمونية (3)، «بضلالة اشتقّها من دين المجوس! وذلك أنه أباح نكاح بنات الأولاد من الأجداد وبنات أولاد الإخوة والأخوات، وقال: إنما ذكر الله تعالى في تحريم النساء بالنسب الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخوات، ولم يذكر بنات البنات ولا بنات البنين، ولا بنات أولاد الإخوة ولا بنات أولاد الأخوات، فإنْ طَرَدَ قياسَهُ في أمهات الأمهات وأمهات الآباء والأجداد انْمَحَضَ في المجوسية، وإن لم يُجِزْ نكاحَ الجدات وقاس الجدات على الأمهات؛ لزمه قياسُ بنات الأولاد على بنات الصلب، وإن لم يطَّرِدْ قياسُه في هذا الباب نقض اعتلاله» (4).
وحُكي عنهم «أنهم أنكروا أن تكون سورةُ يوسفَ من القرآن، وُمنكِرُ بعضِ القرآن كمُنكِرِ كلِّه، ومن استحلّ بعضَ ذوات المحارم في حكم المجوس، ولا يكون المجوسي معدوداً في فرق الإسلام» (5).
ورأى بعضُهم «أن لا صلاةَ واجبةً إلا ركعة واحدة بالغداة، وركعة أخرى بالعشي فقط، ويرون الحجّ في جميع شهور السنة» (6).--------------------------------------------
(1) «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي ص 84.
ويُنظَر كذلك «الملل والنحل» ص 149 و «الفصل في الملل والأهواء والنِّحل» 5/ 53.
(2) ذكره ابن حزم في «الفِصَل» 5/ 51 - 52.
(3) سماه الشهرستاني في «الملل والنحل» ص 149: «ميمون بن خالد»، ولم يزد البغدادي في «الفرق بين الفرق» ص 280 على اسمه الأول «ميمون».
وقد ذكرا أنه كان من الخوارج العجاردة؛ لذلك ذكر الشهرستاني «الميمونية» في أصناف العجاردة.
بينما ذكرهم البغدادي في الفرق الغالية الخارجة عن الإسلام.
(4) «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي ص 281.
ويُنظَر كذلك «الملل والنحل» ص 149، و «الفصل في الملل والأهواء والنِّحل» 5/ 53.
(5) «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي ص 281.
ويُنظَر كذلك «الملل والنحل» ص 149، و «الفصل في الملل والأهواء والنِّحل» 2/ 271 حيث ذكرهم وذكر قولهم دون أن يُسمِّيَهُم.
(6) ذكره ابن حزم في «الفِصَل» 5/ 51 - 52 عن الأزارقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
المطلب الثاني: ردُّهُم لأحاديثِ فضائلِ بعض كُبراءِ الصحابة:
لقد جهر الخوارجُ بتكفير عددٍ من أعلام الصحابةِ مثل سيدِنا عثمانَ بنِ عفان، وسيدنا عليِّ بنِ أبي طالب، وسيدنا معاويةَ بنِ أبي سفيان، وغيرِهم رضي الله عنهم.
وقد أبى هؤلاءِ القَبول بما وردَ في السنة المطهَّرة من أحاديثِ فضائلِ هؤلاء، وهي تشهدُ لهم بالإيمان جملةً، ولبعضِهم بالجنة، وهذا يرُدُّ دعواهم، ودعوى غيرِهم بكفرِ أو فسقِ هؤلاء الصحابة الأجلّة، إلا أنّ الخوارج دانوا بكفرِ هؤلاء؛ وأَبَوا تصديق الروايات الصحيحة الثابتة بفضائل هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم.
بل إنّ هؤلاء المجرمين احتملوا دمَ خير خلق الله في زمانه سيدِنا أميرِ المؤمنين أبي الحسنين عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قتلَهُ أشقى هذه الأمة عبد الرحمن [بل الشيطان] ابن ملجم المرادي الخارجي لعنه الله (1).--------------------------------------------
(1) عبد الرحمن بن ملجم المرادي التدؤلي الحميري: فاتك ثائر، من أشداء الفرسان.
أدرك الجاهلية، وهاجر في خلافة عمر، وقرأ على معاذ بن جبل فكان من القراء وأهل الفقه والعبادة.
ثم شهد فتح مصر وسكنها، فكان فيها فارس بني تدؤل.
وكان من شيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشهد معه صفين، ثم خرج عليه، ثم كان المتصدي لقتله في مؤامرة قتله ومعاويةَ وعمرَ بن العاص رضي الله عنهم سنة 40 هـ، فقُتِلُ بعليٍّ رضي الله عنه قصاصاً، قبّحه الله.
بوّب ابن سعد في «الطبقات الكبرى» 3/ 31 - 38:
ذكُر عبد الرحمن بن ملجم المرادي وبيعة علي ورده إياه وقوله: لتخضبن هذه من هذه، وتمثله بالشعر وقتله علياً عليه السلام وكيف قتله عبد الله بن جعفر والحسين بن علي ومحمد بن الحنفية.
ترجمته في «الأعلام» 3/ 339.
ووصفُهُ بأشقى الأمة مُستنده أحاديثُ عديدة منها ما أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» برقم (8485) والإمام أحمد في «مسنده» برقم (18321) عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: كنت أنا وعليَّ بن أبي طالب رفيقَين في غزوة العشيرة فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بها رأينا أناساً من بني مدلج يعملون في عين لهم ـ أو في نخل ـ فقال لي علي: يا أبا اليقظان هل لك أن نأتي هؤلاء فنظر كيف يعملون؟ قال: قلت: إن شئت! فجئناهم فنظرنا إلى عملهم ساعة ثم غشينا النوم، فانطلقت أنا وعلي حتى اضطجعنا في ظل صور من النخل ودقعاء من التراب، فنمنا فوالله ما أنبهنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركنا برجله وقد تتربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «ما لك يا أبا تراب» لِما يرى مما عليه من التراب ثم قال: «ألا أحدثكما بأشقى الناس؟ » قلنا: بلى يا رسول الله.
قال: «أُحيمِرُ ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا عليُّ على هذه» ووضع يده على قرنه «حتى يبلَّ منها هذه» وأخذ بلحيته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
وإن قتْلَهُ رضي الله عنه لم يكُ تصرُّفاً فردياً من ابن ملجم، بل مُعتقداً جَمْعياً للخوارج!
فقد تغنّى به بعضُ شعرائهم؛ كما روى المبرد (1) في رائعته «الكامل في اللغة والأدب» قول عمران بن حطان (2) يمدح ابن ملجم لعنه الله:
يا ضربة من تقيٍّ ما أراد بها … إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حيناً فأحسبُهُ أوفى البريّةِ عندَ الله ميزانا (3)--------------------------------------------
(1) أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي البصري المعروف بالمبرد ـ بكسر الراء ـ إمام النحو واللغة في البصرة. ولد سنة (210 هـ) على الأشهر، ووفاته سنة (285 هـ).
وثّقه المحدّثون وكبار المؤرخين كالخطيب البغدادي والذهبي وابن كثير.
أخذ عن الجرمي والمازني وأبي حاتم السجستاني والجاحظ وغيرهم، وأخذ عنه الأخفش الأوسط، والخرائطي ونفطويه والصولي، وسواهم. له عديد من المصنّفات البديعة النافعة أشهرها: «الكامل في اللغة والأدب»، و «المقتضب»، و «الفاضل».
ترجمته في «معجم الأدباء» 6/ 2678 - 2684 الترجمة (1135)، و «الوافي بالوفيات» 5/ 141 - 142 الترجمة (2286).
وله ترجمةٌ غير يسيرة في مقدمة «كتاب الكامل في اللغة والأدب» ص 5 - 13 طبعة مؤسسة الرسالة ناشرون بعناية الفقير كاتب هذه السطور.
(2) أبو سماك عمران بن حطان بن ظبيان السدوسي الشيباني الوائلي، رأس القعدة من الصفرية، وخطيبهم وشاعرهم.
كان قبل لحاقه بالخوارج من رجال العلم والحديث، من أهل البصرة، وأدرك جماعة من الصحابة فروى عنهم، وروى أصحاب الحديث عنه. طلبه الحجاج ففر إلى عمان، وآواه الأزد حتى مات بينهم سنة (84 هـ).
«الأعلام» 5/ 70.
(3) «الكامل في اللغة والأدب» ص 541.
والبيتان مُشتَهران وهما في «الملل والنحل» ص 140، «الفرق بين الفرق» ص 93.
وقد قال عبد القاهر البغدادي صاحب كتاب «الفَرْقُ بين الفِرَق» ص 93:
وقد أجبناه عن شعره هذا بقولنا:
يا ضربةً من كفورٍ ما استفادَ بها … إلا الجداء بما يُصليهِ نيرانا
إني لَألعنُهُ ديناً، وألعَنُ مَن … يرجو لهُ أبداً عفواً وغُفرانا
وذاك ابنُ ملجمَ أشقى الناسِ كلِّهِمِ … أخفِّهِم عندَ ربّ النّاسِ ميزانا
وما في بيته الثاني، ذلك لأنّه منصوصٌ على أن قاتلَ عليٍّ رضي الله عنه أشقى هذه الأمة، ولولا ذلك لم يكن بعيداً شرعاً ولا عقلاً أن يُغفَرَ له!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
المطلب الثالث: واقعة قتل عبد الله بن خباب بن الأرتّ:
وإن من شنيع ما رُويَ عن الخوارج ـ وفيه ردُّهمُ الحديثَ النبويّ الشريف ـ ما أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» عن رجلٍ من عبد القيس (1) كان مع الخوارج ثم فارقهم قال: دخلوا قريةً فخرج عبدُ الله بن خبّاب (2) ذعراً يَجُرُّ رداءَه، فقالوا: لم تُرَع! قال: والله لقد رعتموني!
قالوا: أنت عبد الله بن خباب صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: فهل سمعتَ من أبيك حديثاً يُحدّثُه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تُحدّثُناه؟ قال: نعم. سمعتُهُ يُحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه ذكر فتنةً القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي.
قال: «فإن أدركت ذاك فكن عبد الله المقتول».
قال أيوب (3): ولا أعلمه إلا قال: «ولا تكن عبد الله القاتل».
قالوا: أأنت سمعتَ هذا من أبيك يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم. قال: فقدَّموه على ضفّة النهر، فضربوا عُنُقَه، فسال دمُهُ كأنه شِراكُ نعلٍ ما ابذقرّ، وبقَروا أمَّ ولدِهِ عما في بطنها (4).--------------------------------------------
(1) عبد القيس من قبائل بني أسد تُنسَبُ إلى عبد القيس بن أفصى بن دُعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
يُنظَرُ: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم ص 278
(2) أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم، مختلَفٌ في صحبته، له رؤية ولأبيه صحبة، قتلته الخوارج.
بذا ترجم له الحافظ أبو نعيم في «معرفة الصحابة» 3/ 1632 الترجمة (1621).
وقال ابن حجر: ذكره الطبراني وغيره من الصحابة. «الإصابة في تمييز الصحابة» 4/ 62 الترجمة (4638).
(3) هو أحد رجال إسناد الحديث أيوبُ بنُ أبي تميمةَ السختياني التابعيّ، رأى أنس بن مالك، أحدُ الحفّاظ في البصرة، حديثُه في الصحيحين فما دونَهما، توفي سنة (131 هـ).
ترجمته في «تهذيب الكمال» الترجمة (607) 3/ 457 - 464.
(4) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» برقم (21064).
والطبراني في «المعجم الكبير» برقمَي (3630) و (3631)، وغيرُهم.
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» برقم (12335): ولم أعرف الرجل الذي من عبد القيس وبقية رجاله رجال الصحيح.
وأخرجه أحمدُ مفسّراً برقم (21065) عن حميد بن هلال نحوه إلا أنه قال: «ما امذقرّ» يعني: لم يتفرق، وقال: «لا تكن عبد الله القاتل»، وكذلك قال بهز أيضاً. ا. هـ.
وقوله: «ابذقر» أو «امذقر» بمعنى تفرّق.
قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر» 4/ 312:
قال أبو عبيد: أي: ما امْتَزَج بالماء.
وقال شَمِر: الامْذِقْرارُ: أن يجتمعَ الدّمُ ثم يتَقطّع قِطَعاً ولا يختِلط بالماء. يقول: لم يكن كذلك ولكنه سال وامتزج. وهذا بخلاف الأوّل. وسِياق الحديث يشهَدُ للأوّل أي: أنه مَرَّ كالطريقة الواحدة لم يختلط به. ولذلك شَبَّهَهُ بالشِّراك الأحمر، وهو سَيرٌ من سيُور النَّعل.
وذكر المُبَرّد هذا الحديث في «الكامل» قال: ثم قرّبوه إلى شاطئ النهر فذبحوه وقَرّبوه إلى شاطِئ النَّهر فذَبَحوه فامْذَقَرّ دَمُه. أي: جَرى مُستطيلاً مُتَفرِّقاً. هكذا رواه بغير حرف النَّفْي. ورواه بعضهم بالباء وهو بمعناه.
قلتُ: ما قاله المبرد في «الكامل» ص 564 فامذقرّ دمُه، أي: جرى مستطيلاً على دقة.
ثم إنّ المبرد أتمّ الخبرَ قال:
وساموا رجلاً نصرانياً على نخلة له، فقال: هي لكم، فقالوا: ما كنا لنأخذها إلا بثمن. قال: ما أعجب هذا? أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون منا نخلة إلا بثمن!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
المبحث الثالث: المعتزلة (1):
لقد تفنَّن المعتزلةُ ـ بحسبِ اتباعِ كلٍّ من كُبرائهم لآرائه ونظراته ـ في ردّ ما يبلغهم من الأحاديث النبوية الثابتة التي جاوزت قنطرةَ الشكّ باجتماع شروط الصحّة المعتبرة فيها (2).
ولكن المعتزلة ـ وأؤكِّد على هذا ـ لم يُنكِروا السنةَ جملةً؛ بدليل روايتهم واحتجاجهم بما لا يُحصى من الأحاديث النبوية الشريفة.
فعلى سبيل المثال لا الحصر هذا هو كتاب القاضي عبد الجبار (3) «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ومباينتهم لسائر المختلفين» يعُجُّ بما يُصحِّحُه القاضي من الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم.
من ذلك على سبيل المثال أنه قال: وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تفكروا في نعماء الله، ولا تتفكرون (4) في الله» (5).--------------------------------------------
(1) ينظر:
«الملل والنحل» للشهرستاني ص 56 - 96، «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي ص 114 - 201، و «الفصل في الملل والنحل» لابن حزم 5/ 58 - 72.
(2) الناظرُ في علم مصطلح الحديث بتمعُّن يجدُ أن شروطَ الصحةِ الخمسةَ التي توطأ عليها المحدثون شروطٌ غيرُ نقلية، بل هي شروطٌ منطقية عقلية بحتة؛ يفرضها اتباعُ العقل الباحث عن التثبُّتِ من واقعةٍ كانت في الماضي الغابر.
(3) القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الأسدآبادي، شيخ المعتزلة، وكبار فقهاء الشافعية.
تولى القضاء في الري وهمدان وغيرهما. توفي سنة (415 هـ)
يُنظَر: «سير أعلام النبلاء» 17/ 244 - 245 الترجمة (150)، «طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي 5/ 97 - 98 الترجمة (443).
وتُنظَرُ ترجمته قُبيل كتابه «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ومباينتهم لسائر المختلفين» للقاضي عبد الجبار المطبوعُ ثانيَ ثلاثة كتبٍ بعنوانٍ جامعٍ هو «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 121 - 127.
(4) كذا.
(5) «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ومباينتهم لسائر المختلفين» للقاضي عبد الجبار ضمن «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 140.
والحديث الذي ذكره صحيح المعنى، إلا أنه يُتوقَّفُ في صحته من جهة الإسناد.
أخرج الطبراني في «المعجم الأوسط» برقم (6319)، والبيهقي في «شعب الإيمان» برقم (119) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَفَكَّروا في آلاء الله، ولا تَفَكَّروا في الله»
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» برقم (260): فيه الوازع بن نافع وهو متروك.
وروى أبو نعيم في «حلية الأولياء» 6/ 75 - 76 عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقال: ما جمعكم؟ » فقالوا: اجتمعنا نذكر ربنا ونتفكر في عظمته، فقال: «تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله؛ فإن ربنا خلق ملكاً قدماه في الأرض السابعة السفلى ورأسه قد جاوز السماء العليا ما بين قدميه إلى ركبتيه مسيرة ست مئة عام وما بين كعبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ست مئة عام والخالق أعظم من المخلوق»؟
وقد قال العجلوني في «كشف الخفا» (1005) بعد أن ساق أحاديثَ: وأسانيدها ضعيفة، ولكن اجتماعها يكسبه قوة ومعناه صحيح، وفي «صحيح مسلم» [برقم (343)] عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلَقَ اللهُ الخلقَ، فمن خلَقَ اللهَ؟ فمن وجد ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله».
وقد نقصَ العجلوني في متن الحديث فزدتُه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
ثم صحّح في الصفحة التالية حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «إني حرّمتُ الظلم على نفسي، وجعلته محرماً بينكم فلا تظالَموا، يا عبادي أنتم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوبَ ولا أبالي، فاستغفِروني أغفِرْ لكم» (1).
وهذا هو الجاحظ (2) إمام أهل الأدب الفذُّ، وإمامُ الفرقة «الجاحظية» من فرق المعتزلة (3) يروي آلافَ الأحاديثِ النبويةِ في كتبه التي طُبِعَ كثيرٌ منها.
ومن قرأ في كتابيه العظيمين «الحيوان» و «البيان والتبيين» وجدَهُ يذكرُ الكثير من الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك بغضِّ النظرِ عن كونه يروي دون أسانيد، وأنه يُصحِّحُ غير المعتبرِ عند حُفّاظ أهل السُّنّة، ويرُدُّ كثيراً من المعتَبَر لديهم.--------------------------------------------
(1) «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 141.
وأما الحديث فهو ـ ولم يأخذه القاضي عن هذه المصادر ـ مرويٌّ مطوَّلاً في «صحيح مسلم» برقم (6572)، وفي مواضعَ من «مسند أحمد» أولها برقم (21367) من حديث أبي ذرٍّ.
(2) عمرو بن بحر بن محبوب الليثي، أبو عثمان الجاحظ، كبير أئمة الأدب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة.
له تصانيف كثيرة، منها «الحيوان»، و «البيان والتبيين»، و «البخلاء»، و «المحاسن والأضداد»، وكثيرٌ غيرُها جُمعَ بعضُها في «رسائل الجاحظ». توفي في البصرة سنة (255 هـ).
يُنظر لترجمته: «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 275 - 277 ضمن الطبقة السابعة منهم.
ويُنظَر: «معجم الأدباء» 5/ 2101 - 2122 الترجمة (872).
(3) يُنظَرُ التعريفُ بالجاحظية وضلالاتِها في «الملل والنحل» ص 87 - 89، و «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي ص 175 - 178.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
المطلب الأول: رفض أحاديث رؤية الله تبارك وتعالى:
لقد تحققّ شبهُ إجماعٍ من المعتزلة على نفيِ رؤية الله تبارك وتعالى في الآخرة، وردِّ الأحاديث التي تُثبِتُ هذه الرؤية، وتأويلِ الآيات الواردة فيها.
حيث ذكر القاضي عبد الجبار أنّ المعتزلة أجمعوا على «أن أفعاله تدل عليه؛ لأنه لا يُرى ولا يُدرَكُ بالحواسّ» (1).
وها هو الجاحظُ يُجادلُ أصحابَ الرؤية بكلامٍ طويلٍ في فصلٍ من كتابه «الردّ على المشبّهة» بقول:
«ثم رجع الكلام إلى أول المسألة، حيث جعلنا القرآن بيننا قاضياً، واتخذناه حاكماً، فقلنا: قد رأينا اللهَ استعظَمَ الرؤيةَ استعظاماً شديداً، وغضبَ على من طلب ذلك وأراده، ثم عذّب عليه، وعجّب عبادَه ممن سأله ذلك، وحذّرهم أن يسلكوا سبيلَ الماضين، فقال في كتابه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} [سورة النساء 4: الآية 153].
فإن كان الله تعالى ـ في الحقيقة ـ يجوز أن يكون مرئياً، وببعض الحواسِّ مُدرَكاً، وكان ذلك عليه جائزاً، فالقوم إنما سألوا أمراً مُمكِناً، وقد طمعوا في مَطمَع، فلِمَ غضب هذا الغضب، واستعظم سؤالهم هذا الاستعظام، وضرب به هذا المثل، وجعله غاية في الجرأة وفي الاستخفاف بالربوبية … ؟ » إلى آخر ما ذكر من المجادلة (2).
وقد نقل عُلماءِ العقائد والفرق إطباقَ السواد الأعظم من المعتزلة على نفيِ الرؤية، فقد قال الشهرستاني:
«واتفَقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كل وجه: جهة ومكاناً، وصورة وجسماً، وتحيُّزاً وانتقالاً، وزوالاً وتغيُّراً وتأثُّراً، وأوجَبوا تأويلَ الآياتِ المتشابهة فيها وسَمَّوْا هذا النمطَ: توحيداً» (3).--------------------------------------------
(1) «طبقات الاعتزال وفضل المعتزلة» ص 346.
(2) «كتاب المعلمين وكتاب في الرد على المشبهة»: فصول من كتاب في الرد على المشبهة: ص 117.
(3) «الملل والنحل» ص 57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وقد ذُكرَ أنّ مما يجمع فرق المعتزلة أمورٌ، «ومنها قولهم باستحالة رؤية الله عز وجل بالأبصار، وزعموا أنه لا يرى نفسَهُ، ولا يراه غيره، واختلفوا فيه: هل هو راءٍ لِغيره أم لا؟ فأجازه قوم منهم، وأباه قومٌ آخرونَ منهم» (1).
المطلب الثاني: رفضُ بعض أعلام المعتزلة لبعض الأحاديث الشريفة:
وأما أفرادُ رجالات المعتزلة فقد وردَ أنّ عَمْرَو بنَ عُبَيدٍ (2) سمعَ حديثَ عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن خلق أحدِكُم يُجمَعُ في بطن أمه أربعين يوماً … » الحديثَ (3).
فقال: لو سمعتُ الأعمشَ (4) يقول هذا لقلتُ له: كذبتَ، ولو سمعتُ زَيْد بن وَهْبٍ (5) يقول ذلك لقلتُ له: كذبتَ، ولو سمعتُ ابن مَسعُودٍ يقول ذلك ما قبلتُه، ولو سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك لرددتُه، ولو سمعتُ اللهَ يقول ذلك لقلتُ: ليس على هذا أخذتَ ميثاقنا (6).--------------------------------------------
(1) «الفرق بين الفِرَق» ص 114.
(2) عمرو بن عبيد بن باب التيمي بالولاء، أبو عثمان البصري: شيخ المعتزلة في عصره، وأحد الزهاد المشهورين.
واشتهر بأخباره مع المنصور العباسي حتى قال المنصور: كلكم طالب صيد، غير عمرو بن عبيد. بل إنه رثاه، ولم يَرثِ خليفة مَن دونه سواه! له رسائلُ وخطب، ونُقلَتْ عنه أخبارٌ فيها بدعٌ كثيرة. توفي سنة (143 هـ).
يُنظر لترجمته: «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 242 - 248 ضمن الطبقة الرابعة منهم.
و«تهذيب الكمال» 22/ 123 - 135 الترجمة (4406)، «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» 5/ 329 - 334 الترجمة (6410).
(3) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (7454)، ومسلم في «صحيحه» برقم (6724)، وأحمد في «مسنده» برقم (3624).
(4) سليمان بن مهران الأسدي ولاءَ، الملقب بالأعمش تابعي ثقة. رأى أنس بن مالك وأبا بكرة الثقفي، أخرج له الجماعة، كان عالماً بالقرآن والحديث والفرائض، قال شعبة: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش. توفي سنة (148 هـ).
يُنظر لترجمته: «تهذيب الكمال» للحافظ المزي 12/ 76 - 91 الترجمة (2570).
(5) زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي، تابعيٌّ ثقة، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إليه ولم يدركه حديث عن كثيرٍ من الصحابة. روى له الجماعة. توفي سنة (96 هـ).
يُنظر لترجمته: «تهذيب الكمال» للحافظ المزي 10/ 111 - 114 الترجمة (2131).
(6) «تهذيب الكمال» للحافظ المزي 22/ 129، «ميزان الاعتدال» للذهبي 5/ 333.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
وقد رُويَ ردُّ القاضي عبد الجبار: «خلقَ اللهُ آدم على صورته طوله ستون ذراعاً … » الحديث (1).
بزعم أنّ مثلَ هذه الأخبار لا يجوزُ التصديقُ بها إذا كانت مخالفةً للأدلة القاطعة (2).
فإذا سألنا: ما هي الأدلة القاطعة التي يعنيها المعتزلة؟
فإن الجوابَ هو: إنها الأنظارُ العقلية الخاصّةُ بهم؛ بدليل أنّ النظّام (3) صرّح بأنه يرى «أنّ جهةَ العقلِ تنسخ الأخبار» (4).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (6227)، ومسلمٌ في «صحيحه» برقم (7163)، وأحمد في «مسنده» برقم (8171) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
مع لزوم التفطُّن إلى أنّ القاضيَ عبدَ الجبارِ أتهاُ الحديثُ من طُرُقٍ أُخرى، وهو لم يتناوله من أيٍّ من الصحيحين، وبذلك يُردُّ من يشغّبون على الإمام البخاري وغيره من الحفاظ بفرية أنهم افتَرَوا الكثير والكثير من الأحاديث.
{سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [سورة الزخرف 43: الآية 19].
(2) «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 151.
(3) إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، أبو إسحاق النظام، إمام النظامية من المعتزلة، تبحر في علوم الفلسفة، وتفرد بآراء خاصة، وقد ألفت كتب خاصة للرد على النظام نُقلت عنه فيها العظائم، حتى اتهم بالزندقة وكان شاعرا أديبا بليغاً، توفي سنة (231 هـ).
يُنظر لترجمته: «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 264 - 265 في الطبقة السادسة منهم.
«الوافي بالوفيات» 6/ 12 - 16 الترجمة (91).
(4) نقله عنه ابن قتيبة الدينوري في «تأويل مختلف الحديث» ص 32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
الفصل الثاني: جذور مُنكِري السُّنّة (في تاريخ المسلمين الحديث).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
المبحث الأول: أهل القرآن في شبه القارة الهندية:
إن الدعوة إلى الاعتماد على القرآن دون السنة في التشريع الإسلامي بدأت تغزو الهند منذ نهاية القرن التاسع عشر، على إثر انتشار الأفكار التي بثّها بدايةً المدعوّ السيد أحمد خان (1) الذي «نجح بالتعاون مع آغاخان الثالث (2) إمام [الطائفة] الإسماعيلية الآغاخانية (3) وتمويله السخيّ بافتتاح أول جامعة إسلامية عصرية في--------------------------------------------
(1) ولد أحمد خان في دهلي سنة 1242 هـ/ 1817 م لأسرة نبيلةٍ فارسية الأصل.
عمل لدى البريطانيين موظّفاً في شركة الهند الشرقية، ثم في أكثر من وظيفةٍ حتى شرَعَ في محاولة إنهاء ثورة الهنود على البريطانيين عام 1857 م، فكوفئ بلقب «صاحب نجمة الهند» وعضوية شرفية في الجمعية الملكية الآسيوية في لندن. عمل في أثناء ذلك على التلاعب بالقرآن الكريم عبر تفسيره تفسيراتٍ مبتدَعةٍ تنفي كثيراً من حقائقه معتمداً على ما يظنه العقل فحسب، ثم أخذ يدعو إلى تأويل الأحاديث النبوية، ثم نادى بالتشكيك فيها، واستمرّ في دعوته حتى وفاته سنة 1898 م.
ترجم أحمد أمين في كتابه «زعماء الإصلاح» للسيد أحمد خان ترجمة مطولة شغلت الصفحات 121 - 138 منه، إلا أنّ أحمد أمين قدّمَ صورةً لأحمد خان حرصَ فيها على تلميعه بحيث يبدو عبقريّاً مُصلِحاً أتى بما لم تستطعه الأوائل. إضافةً إلى أنّه لم يتطرّقْ إلى قضية إنكار السنة في فكر أحمد خان، مع أنه ذكرَ جرأته في آرائه التي كُفِّرَ وحُورِبَ من أجلها، ومنها ادعاؤه أنّ لفظ القرآن الكريم من عند النبي صلى اله عليه وسلم، وأنّ الوحيَ كان بمعناه فحسب. ولكن الطريفَ في ما ترجم أحمد أمين به لأحمد خان أنّ هذا الأخير انتمى إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنّى للنقيضين أن يجتمعا؟ اللهم إلا إن كانت مرحلةً مؤقتةً في حياته.
يُنظَر لأجل ترجمته أيضاً: «الفرق الإسلامية منذ البدايات» ص 375 - 377.111
(2) إمام الطائفة الإسماعيلية الأغاخانية الثالث والأربعون، ولد في كراتشي سنة 1877 م لسلالة الآغاخان الأرستقراطية، استلمَ زعامة الطائفة وهو في الثامنة من عمره، تبوّأَ مكانة اجتماعيةً وسياسيةً مرموقةً في المجتمع الهندي؛ بسبب نفوذ أسرته الكبير، وثرائها الفاحش، ثم امتدّ نفوذُهُ إلى التدخّل في العديد من قضايا العالم الإسلامي، وتوسّع دولياً حتى ترأس عصبة الأمم سنة 1937، وقام بمهامَّ دوليةٍ عديدة منها التوسط بين ألمانية النازية والحلفاء.
كان يجيد لغاتٍ عديدة، مطّلعاً على الفلسفة واللاهوتيات، مهتماً بنشر التعليم في بلاد الهند والعالم الإسلامي، أمر أتباعه بأن تخلع نساؤهم الحجاب؛ بدعوى أنه يتعارض والعقائد الإسماعيلية، ووجههم إلى لزوم تعليم المرأة ونزولها جنباً إلى جنب الرجل في ميادين الحياة. تزوج أربع مراتٍ، وتوفي في سويسرا سنة 1957 ونُقل رفاته إلى حيث دُفن في أسوان في مصر بعد عامين.
ترجم له د. مصطفى غالب ترجمةً مطولة في كتابه «تاريخ الدعوة الإسماعيلية» ص 321 - 378.
(3) الآغاخانية فرقةٌ تتبعُ الآنَ إمامَها كريم آغاخان الرابع، وهو ينتسب بسلسلة ـ لا يعترفُ بها إلا طائفتُهُ ـ إلى سيدنا الحسين بن عليٍّ رضي الله عنهما، ولأجل ذلك يقولون عنه: «كريم شاه الحسيني».
ترى هذه الطائفةُ أنّ إمامَها هو الإمامُ التاسع والأربعون لسلالة الأئمة التي تبدأ بعليٍّ رضي الله عنه، وتتفرّع إلى الفرع الإسماعيلي؛ تميُّزاً عن متابعة إمامة موسى الكاظم ابن جعفر الصادق رحمهما الله؛ كما عند الشيعة الإمامية.
ثم تتلاقى الإمامة الإسماعيلية والخلافة الفاطمية بدءاً من عبيد الله بن ميمون القداح ـ الملقب بالمهدي ـ الذي يُشكّكُ أكثر المؤرخين بانتسابه إلى الإسلام فضلاً عن أن يكون ابنَ السلالة المشرّفة.
وتنشقُّ الإسماعيلية فرقتين: نزارية ومستعلية، وتستمر أولاهما في بلاد فارس بجهود شيخ ما سمي بجماعة الحشاشين الحسن بن الصبّاح، ثم تتفرقُ الطائفةُ إلى ثلاث فرقٍ: الآغاخانية في بلاد الشام وأواسط آسيا.
واثنتان تنكران إمامة الأسرة الآغاخانية، وهما: المؤمنية في بلاد فارس، والسويدانية في بلاد الشام.
يُنظر: «تاريخ الدعوة الإسماعيلية» للدكتور مصطفى غالب، و «المذهب الإسماعيلي الشيعي المعاصر» لحسام خضور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
عليكرة (1) تجمع علومَ التراث مع العلوم العصرية، وقد تسلم العُلماء البريطانيون إدارتها لمدة سنتين، وما لبث أحمد خان أن تولى إدارتها بنفسه منذ عام 1880 بعد أن استقال من منصبه في القضاء، وبقي يُديرها حتى وفاته» (2).--------------------------------------------
(1) مدينة في إقليم أوتاربراديش الهندي، تقع جنوبَ شرقي دلهي على نهر الغانح.
يُنظَر: د. شوقي أبو خليل «أطلس دول العالم الإسلامي»: ص 158 المصور (25) الهند.
(2) «الفرق الإسلامية منذ البدايات» ص 376 لسعد رستم نقلاً عن «الموسوعة العربية» الصادرة عن هيئة الموسوعة العربية التابعة لرئاسة الجمهورية العربية السورية، المجلد الأول: ص 493 باختصار وإضافات.
كذا! وهذا يُفيد أن أحمد خان أنشأ الجامعة سنة 1878 م.
وفي هذه المعلومات أكثرُ من إشكال:
الأول: أنّ آغاخان الثالث وُلِد سنة 1877 م كما سلف في ترجمته في الحاشية قبل السابقة.
الثاني: أنّ آغاخان الثالث أنشأ جامعة عليكرة سنة 1910 م كما ذكر د. مصطفى غالب في كتابه «تاريخ الدعوة الإسماعيلية» ص 333، ولم يذكُر تعاوناً مع السيد أحمد خان.
الثالث: أن الأستاذ أحمد أمين ذكر في كتابه «زعماء الإصلاح» في ترجمة السيد أحمد خان أنّ هذا الأخير أنشأ كلية عليكرة المشهورة، ولكنه لم يذكر سنةَ إنشائِها، ولا إدارة أحمد خان لها، بل لم يذكر تعاونَهُ مع الآغاخان لإشادتها!
وقد وجدتُ نسبةَ تأسيس الجامعة إلى أحمد خان، ولكن في سنة 1877 م!
ففي «موقع الموسوعة الحرة» (ويكيبيديا):
قام السير سيد أحمد خان عام 1877 م بإنشاء جامعة عليكرة (Aligrah) لتكون مركزاً للدراسات الإسلامية في مدينة عليكرة بولاية أوتار برادش، كان يطلق على مكتبة الجامعة اسم مكتبة ليتون (Lytton)، .
«موقع الموسوعة الحرة» (ويكيبيديا): (المخطوطات_العربية_في_الهند/ ar.wikipedia.org/wik).
وقد وجدتُ معلومةً أعتقدُ أنها يُمكن أن تحلّ كثيراً من هذه الإشكالات ـ مع أنني لم أتمكن من التوثُّق منها في هذه العجالة ـ تذكر أنّ أحمد خان «في عام 1877 م أنشأ كلية إسلامية في [علي جره] تدرس العلوم الإسلامية بالإضافة إلى العلوم الحديثة. وتوفي السيد أحمد خان عام 1899 م، ولكنه خلف رجالاً مثل هالي وغفر الملك وشبلي، ومحسن الملك حملوا رسالته بعض هؤلاء الرجال مع آخرين أسسوا «المؤتمر الإسلامي» في مطلع القرن 20 م. وفي عام 1913 م أصبح القائد الأعظم محمد علي جناح عضواً في المؤتمر الإسلامي، وفي عام 1930 م عقد المؤتمر الإسلامي في مدينة الله آباد برئاسة الشاعر محمد إقبال، وفي هذا المؤتمر نادى إقبال بدولة للمسلمين، وقام القائد الأعظم محمد علي جناح بالجهاد في سبيل الفكرة حتى ولدت جمهورية باكستان الإسلامية
غير أن جامعة [علي جرة] الإسلامية بقيت في مقاطعة أوتار براديش بالهند، ومضت تنتعش حتى ذاع صيتها في جميع أنحاء العالم، بفضل اثنين من أبرز أساتذتها، هما الأستاذ البريطاني سير والتر رايلي، والعلامة شبلي النعماني المؤرخ الهندي ومؤسس ندوة العلماء بمدينة لكناءو، والذي كان له الفضل في رفعها إلى درجة جامعة بعد نداء للاكتتاب تبناه زعيم طائفة الإسماعيلية الراحل أغا خان، وتم جمع أكثر من 30 مليون روبية.
وفي سنة 1920 م تحولت الكلية الصغيرة إلى ما هو معروف الآن باسم «الجامعة الإسلامية بـ علي جره» أقدم الجامعات التي أسستها الأمة الإسلامية في الهند، وأكثرها صيتا وشهرة».
«منتديات قمر جدة»: ملتقيات الترفيهية: قسم السياحة والسفر: جامعة عليكرة.
(jeddah-moon.net/vb/showthread.php)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
وجاء بعدَ أحمد خان الشيخ تشراغ علي الذي صرّح بأنّ «الحديث في حد ذاته لا يُمكن الاعتماد عليه» (1).
وفي عام 1902 م بدأ أحدُ الذين تأثروا بأحمد خان، وهو «عبد الله جكرالوي» مؤسس الحركة القرآنية نشاطه الهدَّام، بإنكار السنّة كلِّها، مُتّخذاً مسجداً في «لاهور» (2) مقرّاً لحركته تلك، وقد «دعا إلى إنكار الأحاديث والاكتفاء بالقرآن، وصنّف الرسائل في ذلك، وقال: إن الناس افترَوْا على النبيِّ وروَوْا عنه الأحاديث، وشرع لجماعته الذين سماهم أهل الذكر (الذكر هنا بمعنى القرآن، وليس بالمعنى المعروف عند الصوفية) طريقةً جديدة للصلاة، وقال: إن الأذان والإقامة بالشكل الذي يفعله المسلمون بدعة … إلى غير ذلك من الأقوال (3).--------------------------------------------
(1) «الفرق الإسلامية منذ البدايات» ص 377 لسعد رستم نقلاً عن «زوابع في وجه السنة» نقلاً عن أعظم الكلام 1/ 20.
(2) لاهور هي مدينة باكستانية، كانت عاصمة الغزنويين وملوك المغول، وفيها العديد من المساجد والحدائق. وتقليدياً: فإنهم يقولون في باكستان: إن «إسلام آباد» هي العاصمة السياسية، و «كراتشي» العاصمة الاقتصادية.
أما لاهور بتاريخها العميق فهي العاصمة الثقافية. وهي المنبر الذي أعلن من فوقه قرار إنشاء دولة باكستان فيما عرف بقرار لاهور الشهير الذي اتخذ عام 1940 م.
«موقع الموسوعة الحرة» (ويكبيديا): (لاهور ar.wikipedia.org/wiki).
(3) يُنظَر: سعد رستم «الفرق الإسلامية منذ البدايات» ص 377.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
ثم جاء في هذه السلسلة العليلة عددٌ ممن حملوا لواءَ هذه الأفكار الضّالّة كان أبرزهم ومرسخ فكرهم ومنظِّرُهُ ومؤسس فرقته بشكلٍ رسمي، المدعوّ غلام أحمد برويز (1).--------------------------------------------
(1) ولد غلام أحمد برويز في إقليم البنجاب شمال غربي الهند عام (1903 م) لأسرة سنية حنفية صوفية، تخرج في جامعة البنجاب سنة 1934، عمل في مدينة لاهور الباكستانية، فتأثر بالشيخ حافظ الجيراجبوري أحد الدعاة ضدّ السنة في باكستان ولازمه طويلاً، أصدر منذ عام 1938 مجلة «طلوع إسلام» التي لعبت دوراً كبيراً عبر مقالاتها بمناهضة السنة، والدعوة إلى تفسير عصراني للقرآن، وقد أصدر برويز تفسيراً على هذه الشاكلة من ثماني مجلدات.
وقد بقيَ على هذا المنهج المحارب للسنة حتى وفاته سنة (1985 م).
يُنظَر: «الفرق الإسلامية منذ البدايات» لسعد رستم ص 378 - 382.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
المبحث الثاني: المشككون بالسنّة الشريفة في العالم العربي:
إنّ مما ابتُليَ به المسلمون في كلّ عصر، وخصوصاً في هذا العصر أنّ عدداً من الشخصيات المتفرّقة التي ينتسبُ بعضُها إلى العلم الشرعيّ ممن درسوه وتخصّصوا في بعض مجالاته، وينتسب بعضُها إلى علومٍ أُخرى تطفّلوا على العلوم الشرعية بالكلامِ فيها، فصرّحوا، وحرّضوا، وأفتَوا، بما حلا لهم، وبما راقَ لهم من أهواءِ، وعليهم يصدُقُ قول الشاعر:
يقولونَ: هذا عِندَنا غيرُ جائزٍ ومن أنتُمُ حتى يكونَ لكمْ عِندُ؟
وقد مُحِنَتِ الأمةُ المسلمة في عصرِها الحديث في بلادِ العرب ـ وفي أمّها مصر ـ بنكراتٍ تعرّفوا بالشذوذ، واشتُهِروا بتبنِّيهم من الآراء كلَّ منبوذ.
وقد نبغَ منهم في القرنَين الماضيَين أشخاصٌ هيَّئوا التربةَ المتقبّلةَ لظهور القرآنيين المعاصرين، ذلك بما أشاعوه من انتقاص كتب الحديث والفقه والتفسير المتقدمة، ورفعهم لواءَ الإصلاح والتجديد، والتنوير ومحاربة البدع … وما إلى ذلك من شعارات برّاقة، زُبِرَت على راياتٍ خفّاقة، وكانت كلماتِ حقٍّ أُريد بها في كثيرٍ من الأحيان الباطلُ الصُّراح، والضلالُ البَواح.
ومن أبرز هذه الشخصيات التي تطاولت بطريقةٍ أو بأخرى على أخبار السنة المطهَّرة الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية (1).--------------------------------------------
(1) ولد سنة (1266 هـ/ 1849 م) في شنرا من قرى الغربية بمصر، تعلم بالجامع الأحمدي بطنطا، ثم بالأزهر. وتصوف وتفلسف وعمل في التعليم، وكتب في الصحف ولا سيما جريدة (الوقائع المصرية) وقد تولى تحريرها، وأجاد اللغة الفرنسية بعد الأربعين. ولما احتل الانكليز مصر ناوأهم وشارك في مناصرة الثورة العرابية، فسجن 3 أشهر للتحقيق، ونفي إلى بلاد الشام، سنة (1881 م)، وسافر إلى باريس فأصدر مع صديقه وأستاذه جمال الدين الأفغاني جريدة «العروة الوثقى» وعاد إلى بيروت فاشتغل بالتدريس والتأليف.
عاد إلى مصر سنة (1888) وتولى منصب القضاء، ثم جعل مستشاراً في محكمة الاستئناف، فمفتياً للديار المصرية سنة (1899 م) واستمر إلى أن توفي بالإسكندرية، ودفن في القاهرة سنة (1323 هـ / 1905 م).
له «تفسير القرآن الكريم» (ط) لم يتمه، و «رسالة التوحيد» (ط)، و «الرد على هانوتو» (ط)، و «رسالة الواردات» (ط) صغيرة، في الفلسفة والتصوف، و «حاشية على شرح الدواني للعقائد العضدية» (ط)، و «شرح نهج البلاغة» (ط)، و «شرح مقامات البديع الهمذاني» (ط)، و «الإسلام والرد على منتقديه» (ط) من مقالاته، و «الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية» (ط) كالسابق، و «الثورة العرابية» لم يتمه. وترجم رسالة «الرد على الدهريين» (ط).
«الأعلام» للأستاذ خير الدين الزركلي رحمه الله 6/ 252 - 253 باختصار وتصرف يسير.
وله ترجمةٌ تتبّعت الكثير من أخطائه في كتاب «أعلام وأقزام في ميزان الإسلام» للدكتور سيد بن حسين العفاني 1/ 84 - 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
وسار على دربِهِ الأستاذ أحمد أمين (1)، والمترفِّض محمود أبو رية (2).--------------------------------------------
(1) ترجم له الأستاذ خير الدين الزركلي رحمه الله في موسوعته «الأعلام» 1/ 101 بما يلي:
أحمد أمين (1295 - 1373 هـ = 1878 - 1954 م) أحمد أمين ابن الشيخ إبراهيم الطباخ: عالم بالأدب، غزير الاطلاع على التاريخ، من كبار الكتاب. اشتهر باسمه (أحمد أمين) وضاعت نسبته إلى (الطباخ).
مولده ووفاته بالقاهرة. قرأ مدة قصيرة في الأزهر وتخرج بمدرسة القضاء الشرعي، ودرس بها إلى سنة (1921 م)، وتولى القضاء ببعض المحاكم الشرعية. ثم عين مديراً بكلية الآداب بالجامعة المصرية.
وانتخب عميداً لها (سنة 1939) وعين مديراً للإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية (سنة 1947) واستمر إلى أن توفي. وكان من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق ومجمع اللغة بالقاهرة والمجمع العلمي العراقي ببغداد.
ومنحته جامعة القاهرة (سنة 1948) لقب (دكتور) فخري. وهو من أكثر كتاب مصر تصنيفاً وإفاضة.
ومن أعماله إشرافه على «لجنة التأليف والترجمة والنشر» مدة ثلاثين سنة، وكان رئيساً لها.
وبلغت مقالاته في المجلات والصحف، ولا سيما في مجلتي «الرسالة» و «الثقافة» عشرة مجلدات، جمعها في كتابه «فيض الخاطر - ط» ستة أجزاء، ومن تآليفه المطبوعات: «فجر الإسلام»، و «ضحى الإسلام»، و «ظهر الإسلام»، و «يوم الإسلام»، و «النقد الأدبي» جزآن، و «زعماء الإصلاح في العصر الحديث»، و «إلى ولدي»، و «حياتي»، و «قاموس العادات»، و «الصعلكة والفتوة في الإسلام»، و «مبادئ الفلسفة» مترجم.
وله ترجمةٌ تتبّعت الكثير من أخطائه في كتاب «أعلام وأقزام في ميزان الإسلام» للدكتور سيد بن حسين العفاني 1/ 164 - 173.
(2) المولود في كفر المندرة في محافظة الدهقلية سنة (1889 م) كان انتسب إلى الأزهر في صدر شبابه، فلما انتقل إلى مرحلة الثانوية الأزهرية أعياه أن ينجح أكثر من مرة، فعمل مصححاً للأخطاء المطبعية بجريدة في بلده، ثم موظفاً في دائرة البلدية حتى أحيل إلى التقاعد، من مصنفاته التي طعن فيها في السنة والصحابة: «أضواء على السنة المحمدية»، و «قصة الحديث المحمدي»، «شيخ المضيرة أبو هريرة».
يُنظَر: «السنة ومكانتها في التشريع» للدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى ص 504.
ومع ذلك يُوصَفُ بأنه «من علماء مصر المحققين البارزين»؛ كما في ترجمته في العديد من المواقع الشيعية يُنظر على سبيل المثال: «موقع المجمع العلمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية»: رواد التقريب: الشيخ محمود أبي رية.
(www.taghrib.org/arabic/rowad/riia.htm).
وفي ترجمته التدليسُ بأنّ أبا رية قد «جمع بين الدراسة المدنية بالمدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد الدينية»!
فأيُّ تقريبٍ هذا؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
ولم يكُفَّ الزمانُ إلى هذه اللحظة عن أن يُطلِعَ على الأمّة رُويبضاتٍ بالعشرات بل المئات، نبتَت نوابتُهم في البلدان الإسلامية كافّةً سنةً بعد أُخرى.
من ذلك جماعة صغيرةٌ جداً تحمل تشابُهاً كبيراً جدّاً بينها وبين «القرآنيين» تُسمّى «جماعة الربانيين»، يرأسُها فلسطينيٌّ من مدينة نابلس اسمه «محمد راجح يوسف دويكات» (1)، وقد افتتحت موقعاً الكترونياً يُدعى موقع «كونوا ربانيين» (2).
يقول رأس هذه الفرقة في مقال: «تعريف بمدرسة الربانيين»:
وترى مدرسة الربّانيّين أن "الخير" هو في كتاب الله تعالى الذي هو وحده «الحقُّ» معرفاً، لا يشاركه في ذلك سِفر ولا كتاب كما لا يشارك اللهَ تعالى في الألوهية شيءٌ ولا في الربوبية أحد» .... «ترى مدرسة الربانيين أن الالتزام بما ذُكر كما فعل الرسول النبي الكريم مع المؤمنين الأولين، واتباعَ "ملة إبراهيم" في التعليم والدعوة - كما أمر الله سبحانه رسوله الكريم أن يفعل … ففعل».
ثم يقول: ولكن الرباني في سبيل فهم النص القرآني المقدس (وهو نص متشابه مثاني [كذا]) يدرس كل شيءٍ يُمكن أن يعينه على فهمه بدءاً بالسيرة النبوية العملية لا السنة التراثية التي لا لأصل لها» (3).
ومن بدع المدعوّ دويكات الطريفة مقالُ «مفهوم سنة الله وسننه من كتابه العظيم فلا سنة لأحد إلا لله وحده».
وفيه يقول:
«تؤرخ الآية 80/ آل عمران برقمها القرءاني (373) لعام 373 هـ (983 - 984 م) الذي تكرّس فيه الضلال تحت حكم البويهيين حين طغى زبد الأحاديث و (السنة المفتراة على الرسول والنبي معاً) على القرءان المنزل من السماء بعد أن اتخذه العرب وغير العرب مهجوراً، وفُرِضَ القول بالسنة على الناس حتى اليوم، مع أن أشهر كتب السنة عندهم (البخاري ومسلم حتى وفاة مسلم عام 261 هجري)--------------------------------------------
(1) لم أهتدِ في هذه العجالة إلى ترجمةٍ له حتى على موقعه الذي يشرف عليه، ولعله شخصية وهمية! .
هذا مع العلم أنّه يوجد ضمن قائمة كتاب «موقع أهل القرآن» شخصٌ يُدعى «محمود دويكات» له بضعٌ وثلاثون مقالاً، وهذه صفحته الشخصية:
(www.ahl-alquran.com/arabic/profile.php? main_id=432).
(2) (kuno-rabbaniyeen.org).
(3) (kuno-rabbaniyeen.org/? page=details&newsID=4&cat=2):
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
خلت من أيّ حديثٍ يدعو إلى السنة، بل العكس هو الصحيح، فقد اتفق البخاري ومسلم على أن النبيَّ لم يُوصِ بشيء سوى أنه أوصى بكتاب الله، وانفرد مسلم بحديث الاعتصام المشهور ولكنه لم يذكر السنة أبداً: «وقد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا: كتاب الله».
ولم يذكر السنة، فليرجع من يحرص على دينه إلى كتاب الحج باب خطبة الوداع في الكتاب المذكور ليعلم مدى التزوير الذي أحدثه المضلّون في دين الله.
ويؤكد هذا الفهم أن رقم كلمة «مهجوراً» في كلمات سورة الفرقان المكتوبة هو (373) كذلك: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (373) (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)} [25 الفرقان].
فعدوّ النبي من المجرمين هم الذين شغلوا الناس بالأحاديث المكذوبة والمرويات التراثية الخرافية ليصرفوهم عن القرءان حتى هجروه! بعد أنْ لم يستطيعوا تزويره بسبب حفظ الله له.
كما يؤكد هذا المفهوم الخطير الذي يجب أن ترتعد له فرائصُ كل من يظن نفسه مؤمناً … تؤكده الآيتان 29+30 من سورة الأعراف اللتان تؤرخان لعودة الناس إلى الضلال الذي كانوا عليه قبل القرءان:
" .... وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ (373) تَعُودُونَ (29) (983) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) (984) " 7/ الأعراف
فرقم كلمة (بَدَأكُم) تعودون في كلمات سورة الأعراف المكتوبة (373) يشير إلى عام 373 / هـ الموافق لسنتي 983/ 984/ م وهما الرقمان القرآنيّان للآيتين 29+30/ من سورة الأعراف. فتكون هاتان الآيتان قد أرَّختا لعودة (المسلمين التراثيين) إلى الضلال الذي دلّ عليه مفهوم الكلمات، وبرقم الكلمة التي أشار إليها العام الهجري (373) الموافق للسنتين الميلاديّتين 983/ 984/م … » (1).--------------------------------------------
(1) (kuno-rabbaniyeen.org/Default.asp? page=details&newsID=81&cat=2):
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)