حيث لا يعلم، ويقلب الإسناد من حيث لا يفهم. حدَّث بمقدار مائتي حديث أصاب منها في أربعة أحاديث، والباقية إما قلَبَ إسنادها أو غيَّر متنها». فأجاب الأستاذ جوابًا إجماليًّا يأتي مع النظر فيه في ترجمة ابن حبان(1) إن شاء الله.
يدفع الأستاذ هذه النصوصَ وأضعافَها بأنها لم تفسَّر، ويتشبث في الغضِّ من أبي إسحاق بتلك الفخارة النيئة «كثير الخطأ في حديثه» محاولًا أن ينطح بها ذلك الجبل الشامخ! وإذ قد تحطمت تلك الفخارة على رأس حاملها، فلنذكر تقريظ الأئمة لأبي إسحاق(2):
أما ثقته، فقال ابن معين: «ثقة ثقة». وقال أبو حاتم: «الثقة المأمون الإمام». وقال النسائي: «ثقة مأمون أحد الأئمة». ووثقه جماعة غير هؤلاء واحتج به الشيخان في «الصحيحين» وبقية الستة والناس.
وأما فقهه، فقال ابن المبارك: «ما رأيت رجلًا أفقه من أبي إسحاق الفزاري». وقال عبد الله بن داود الخُرَيبي: «لَقول أبي إسحاق أحبُّ إليَّ من قول إبراهيم النخعي».
وأثنى عليه آخرون في الفقه.
وأما معرفته بالسير، فقال ابن عيينة: «ما ينبغي أن يكون رجل أبصر بالسير (وفي نسخة: بالسنن) منه». وقال الخليلي: «أبو إسحاق يقتدى به--------------------------------------------
(1) رقم (200).
(2) من «تقدمة الجرح والتعديل» [1/ 281] لابن أبي حاتم و «تذكرة الحفاظ» [1/ 273] الذهبي و «تهذيب التهذيب» [1/ 151]. [المؤلف].
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 169)
وهو صاحب «كتاب السير». نظر فيه الشافعي وأملى كتابًا على ترتيبه ورَضِيَه». وقال الحميدي: «قال لي الشافعي: لم يصنِّف أحد في السير مثله».
وأما إمامته وفضله، فقال سفيان بن عيينة: «كان إمامًا». وقال أيضًا: «والله ما رأيت [1/ 97] أحدًا أقدِّمه عليه». وقال الفضيل بن عياض: «ربما اشتقتُ إلى المَصِّيصة، وما بي فضل الرباط، بل لأرى أبا إسحاق». وقال أبو داود الطيالسي: «مات أبو إسحاق الفَزاري وليس على وجه الأرض أفضل منه». وقال عبد الرحمن بن مهدي: «إذا رأيت شاميًّا يحب الأوزاعي وأبا إسحاق فاطمئنّ إليه، كانا إمامين في السنة». وقال أبو أسامة: «سمعت فضيل بن عياض يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم وإلى جنبه فرجة، فذهبت لأجلس، فقال: هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري».
والثناء على أبي إسحاق كثير، وفي هذا كفاية.
فهؤلاء الأئمة ونظراؤهم الراضون عن أبي إسحاق والموافقون والمثنون عليه هم الذين سماهم الأستاذ فيما تقدم من عبارته «أصحاب الأغراض».
وقال الأستاذ (ص 66) في شأن أبي إسحاق: «حاله في عِلْمه كما علمت، وإنما وقعت ذلاقة لسانه في الوقوع في الناس موقع الإعجاب عند كثير ممن يحبون الوقوع في خصومهم بألسنة أناس آخرين، فرفعوه إلى غير مرتبته»!
أقول: إذا كان هؤلاء ساخطين على أبي حنيفة هذا السخطَ الذي يصوِّره الأستاذ، فليت شعري من بقي غيرهم من أئمة الدين يسوغ أن يقال: إنه راض
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 170)
عن أبي حنيفة؟ وهل بقي إلا كُسَير وعُوَير، وثالث ما فيه خير!
وقال الأستاذ (ص 77): «قال الحافظ (؟ ) ابن أبي العوّام: حدثني … سمعت إسماعيل بن داود يقول: كان عبد الله بن المبارك يذكر عن أبي حنيفة، فكانوا إذا اجتمعوا بالثغر - يعني المَصِّيصة - لم يحدِّث ابن المبارك عن أبي حنيفة بشيء، ولا يذكر أبو إسحاق الفزاري أبا حنيفة بسوء حتى يخرج ابن المبارك».
أقول: إن صحت هذه الحكاية، فإنما تدلُّ على أدب كل من الإمامين مع صاحبه، وحُسْن اعتقاده فيه. ولو كان ابن المبارك يرى أن أبا إسحاق يكذب على أبي حنيفة، ويحكي عنه ما لم يكن، ويتكلم فيه بالهوى؛ ما ساغ لابن المبارك أن يسكت.
وإن تعجب فعجبٌ ما في التعليق على صفحة (387) من المجلد (13) من «تاريخ بغداد»(1)، ونص ذلك: «أبو إسحاق الفزاري منكر الحديث، وهذان الخبران من مناكيره». أما إني لا أكاد أصدِّق أن مثل هذا يقع في مصر تحت سمع الأزهر وبصره! وقريب من هذا ما يأتي في [1/ 98] ترجمة صالح بن أحمد(2)، فإن القضية التي كشفتُ عنها في «الطليعة» (ص 12)(3) يعتذر عنها الأستاذ في «الترحيب»(4) بأنه قد سبقته إليها اللجنة--------------------------------------------
(1) لم نجد هذا التعليق في الطبعة الثانية من التاريخ، وقد تقدم (ص 376) في التعليق قوله: «وفي الروايتين أبو إسحاق الفزاري، وهو منكر الحديث». وجاء في (ص 401) قوله: «في هذه الروايات أبو إسحاق الفزاري، وقد تقدَّم القول في ضعفه».
(2) رقم (109).
(3) (ص 5 - 11).
(4) (ص 321 - مع التأنيب).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 171)
الأزهرية. والله المستعان.
9 - إبراهيم بن محمد بن يحيى أبو إسحاق المزكِّي النيسابوري.
في «تاريخ بغداد» (13/ 385 [398]): «أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكّي النيسابوري، حدثنا محمد بن المسيب .. ».
قال الأستاذ (ص 71): «لم يكن البَرقاني يرضاه، وتفصيل أحواله عند الخطيب».
أقول: قال الخطيب في «التاريخ» (6/ 168): « … وكان ثقة ثبتًا مكثرًا مواصلًا للحج … وكان عند البَرقاني عنه سَفَط أو سَفَطان، ولم يخرج عنه في «صحيحه» شيئًا، فسألته عن ذلك، فقال: حديثه كثير الغرائب، وفي نفسي منه شيء، فلذاك لم أرو عنه في «الصحيح». فلما حصلت بنيسابور في رحلتي إليها سألت أهلها … فأثنوا عليه أحسن الثناء، وذكروه أجمل الذِّكْر. ثم لما رجعت إلى بغداد ذكرت ذلك للبرقاني فقال: قد أخرجت في «الصحيح» أحاديث كثيرة بنزول، وأعْلَم أنها عندي بعلوّ عن أبي إسحاق المزكي، إلا أني لا أقدر على إخراجها؛ لكبر السن، وضعف البصر، وتعذُّر وقوفي على خطي لِدِقّته، أو كما قال».
أقول: فزال ما كان في نفس البرقاني من المزكّي، وعاد فَرضِيَه. وكانت نيسابور في ذاك العصر دار الحديث. وحكى الخطيب عن الحاكم قال: «كان إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي من العُبّاد المجتهدين … عُقد له
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 172)
الإملاء بنيسابور سنة 336، وهو أسود الرأس واللحية، وزُكِّيَ في تلك السنة. وكنا نعدُّ في مجلسه أربعة عشر محدِّثًا، منهم أبو العباس الأصم، وأبو عبد الله بن الأخرم، وأبو عبد الله الصفار، ومحمد بن صالح، وأقرانهم».
وكثرة الغرائب إنما تضر الراوي في أحد حالين:
الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرةً عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة.
الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب.
ففي الحال الأولى: تكون تَبِعة النكارة على الراوي نفسه، لظهور براءة من فوقه عنها. وفي الحال الثانية: يقال: من أين له هذه الغرائب الكثيرة مع قلة طلبه؟ فيتهم بسرقة الحديث كما [1/ 99] قال ابن نُمير في أبي هشام الرفاعي: «كان أضعفنا طلبًا، وأكثرنا غرائب»(1). وحُفَّاظ نيسابور كانوا يعرفون صاحبهم بكثرة الطلب والحرص عليه وطول الرحلة وكثرة الحديث، ولازِمُ ذلك كثرةُ الغرائب. وعرفوه مع ذلك بالأمانة والفضل والثَّبْت، فلم يشكُّوا فيه، وهم أعرف به. ولذلك رجع البَرْقاني إلى قولهم.
10 - إبراهيم بن يعقوب أبو إسحاق الجُوزَجاني.
قال الأستاذ (ص 115): «في كتاب «الجرح والتعديل»: أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ــ فيما كتب إليَّ ــ عن أبي عبد الرحمن المقري قال: كان أبو حنيفة يحدّثنا، فإذا فرغ من الحديث قال: هذا الذي سمعتم كله ريح وأباطيل. ثم قال: أخبرنا--------------------------------------------
(1) انظر «الجرح والتعديل»: (8/ 129).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 173)
إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ــ فيما كتب إليَّ ــ حدثني إسحاق بن راهويه قال: سمعت جريرًا يقول: قال محمد بن جابر اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني».
ثم قال الأستاذ: «وابن أبي حاتم من أعرف الناس أن الجوزجاني منحرف عن أهل الكوفة، حتى استقرَّ قول أهل النقد فيه على أنه لا يُقبل له قول في أهل الكوفة. وكان ناصبيًّا خبيثًا حريزي المذهب. أخرجت جارية له فروجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها، فقال: سبحان الله! فروجة لا يوجد من يذبحها، وعليٌّ يَذبح في ضحوة نيفًا وعشرين ألف مسلم. فمثل هذا الخبيث يصدِّقه ذلك التقي في أبي حنيفة».
أقول: أما الحكاية الأولى، فقد عُرف عن أبي حنيفة أنه يترك العمل بكثير من الأحاديث، كما يأتي في قسم الفقهيات إن شاء الله تعالى(1). والحنفية ــ ومنهم الأستاذ ــ يعتذرون عن ذلك بما هو معروف. وأما تركه العمل بكثير من الآثار عن الصحابة والتابعين فواضح، فأيُّ مانع أن يحدِّث بأشياء من ذلك، ثم يقول تلك الكلمة؟ وأما الحكاية الثانية فيأتي النظر فيها في ترجمة محمد بن جابر إن شاء الله تعالى(2).
وأما الجوزجاني فحافظ كبير متقن عارف، وثَّقه تلميذه النسائي جامع «خصائص علي» وقائل تلك الكلمات في معاوية، ووثقه آخرون. فأما ميل الجوزجاني إلى النَّصْب، فقال ابن حبان في «الثقات»(3): «كان حَرِيزيّ المذهب ولم يكن بداعية، وكان صلبًا في السنة … إلا أنه [1/ 100] من صلابته ربما كان يتعدَّى طورَه». وقال ابن عدي: «كان شديد الميل إلى--------------------------------------------
(1) (2/ 6، 30، 62، 77، 92، 102، 104، 147، 276).
(2) رقم (196).
(3) (8/ 81).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 174)
مذهب أهل دمشق في الميل على عليّ»(1). وليس في هذا ما يبيِّن درجته في الميل.
فأما قصة الفروجة فقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب»(2): «قال السلمي عن الدارقطني بعد أن ذكر توثيقه: لكن فيه انحراف عن علي، اجتمع على بابه أصحاب الحديث، فأخرجت جارية له فروجةً … ». فالسلمي هو محمد بن الحسين النيسابوري. ترجمته في «لسان الميزان» (ج 5 ص 140)(3)، تكلموا فيه حتى رموه بوضع الحديث. والدارقطني إنما ولد بعد وفاة الجوزجاني ببضع وأربعين سنة، وإنما سمع الحكاية على ما في «معجم البلدان» (جوزجانان)(4) من عبد الله بن أحمد بن عَدَبَّس. ولابن عدبَّس ترجمة في «تاريخ بغداد» (ج 9 ص 384) و «تهذيب تاريخ ابن عساكر» (ج 7 ص 288)(5) ليس فيهما ما يبيِّن حاله، فهو مجهول الحال، فلا تقوم بخبره حجة. وفوق ذلك فتلك الكلمة ليست بالصريحة في البغض، فقد يقولها من يرى أن فعل عليّ عليه السلام كان خلاف الأولى، أو أنه اجتهد فأخطأ.
وفي «تهذيب التهذيب» (ج 10 ص 391) عن ميمون بن مهران قال: «كنت أفضِّل عليًّا على عثمان، فقال عمر بن عبد العزيز: أيهما أحبّ إليك:--------------------------------------------
(1) «الكامل»: (1/ 310). وفيه: «في التحامل على … ».
(2) (1/ 181).
(3) (7/ 92).
(4) (2/ 183).
(5) وانظر أصله: (27/ 61).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 175)
رجل أسرعَ في المال أو رجل أسرعَ في كذا ــ يعني الدماء؟ ــ قال: فرجعتُ وقلت: لا أعود». وهذا بيِّن في أن عمر بن عبد العزيز وميمون بن مهران كانا يريان فعل عليّ خلاف الأولى أو خطأ في الاجتهاد. ولا يُعدُّ مثل هذا نصبًا، إذ لا يستلزم البغض، بل لا ينافي الحبّ. وقد كره كثير من أهل العلم معاملة أبي بكر الصديق لمانعي الزكاة معاملة المرتدين ورأوا أنه أخطأ، وهم مع ذلك يحبونه ويفضِّلونه.
فأما حطُّ الجوزجاني على أهل الكوفة، فخاصٌّ بمن كان شيعيًّا يبغض بعض الصحابة أو يكون ممن يُظَنُّ به ذلك، وليس أبو حنيفة كذلك. ثم قد تقدم في القاعدة الرابعة من قسم القواعد(1) النظر في حَطِّ الجوزجاني على الشيعة، واتضح أنه لا يجاوز الحدّ، وليس فيه ما يسوِّغ اتهامه بتعمّد الحكم بالباطل، أو يخدش في روايته ما فيه غضّ منهم أو طعن فيهم. وتوثيق أهل العلم له يدفع ذلك البتة، كما تقدم في القواعد. والله الموفق.
11 - أحمد بن إبراهيم.
راجع «الطليعة» (ص 31 - 32)(2).
وقع في «الطليعة» (ص 31): [1/ 101] «وذكر سماعه من شريك». اعترَضَها الأستاذ في «الترحيب»(3) بأنه ليس في «تهذيب التهذيب» ذِكْر--------------------------------------------
(1) (1/ 96 - 98).
(2) (ص 21 - 22).
(3) (ص 325).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 176)
ذلك. وصدق الأستاذ، وقع الوهم في «الطليعة» لسبب الاختصار، وصواب العبارة هكذا: «ذكر الخطيب سماعه من شريك، وذكر المزي في «التهذيب» شريكًا في شيوخه».
ثم ذكر الأستاذ أنه لا يحتج بالخطيب فيما هو متّهم فيه.
وأقول: قد تقدم في القواعد الكلام في التهمة(1)، والخطيب حجةٌ على كلّ حال، على أن نص الخطيب على سماع أحمد بن إبراهيم من شريك إنما وقع في ترجمة أحمد بن إبراهيم(2)، حيث لا عين لذكر أبي حنيفة ولا أثر، وبين تلك الترجمة وترجمة أبي حنيفة تسعة مجلدات، والخطيب لا يعلم الغيب! ولو علمه لنصَّ على السماع عند تلك الحكاية نفسها. وكأن هَمّ الأستاذ في «الترحيب» أن يقال: قد أجاب، لا أن يقال: لعله قد أصاب!
12 - أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبو بكر القَطِيعي.
في «تاريخ بغداد» (13/ 411 [438]): «أخبرنا بشرى بن عبد الله الرومي، ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان … ».
قال الأستاذ (ص 141): «مختلط فاحش الاختلاط .... ».
أقول: قضية الاختلاط ذكرها الخطيب في «التاريخ» (ج 4 ص 73) قال: «حدثت عن أبي الحسن بن الفرات .... »، وذكرها الذهبي في «الميزان»(3)--------------------------------------------
(1) (1/ 59 فما بعدها).
(2) (4/ 5).
(3) (1/ 87 - 88).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 177)
عن ابن الصلاح قال: «اختلّ في آخر عمره حتى كان لا يعرف شيئًا مما يُقرأ عليه. ذكر هذا أبو الحسن بن الفرات». والظاهر أن ابن الصلاح إنما أخذ ذلك مما ذكره الخطيب، ولا ندري من حدَّث الخطيب، ومع الجهالة به لا تثبت القصة، لكن ابن حجر شدَّها بأن الخطيب حكى في ترجمة أحمد بن أحمد السِّيبي أنه قال: «قدمت بغداد، وأبو بكر بن مالك حي .... فقال لنا ابن الفرضي: لا تذهبوا إلى ابن مالك، فإنه قد ضَعُف واختلَّ، ومنعتُ ابني السماع منه». وهذه الحكاية في «التاريخ» (ج 4 ص 4)، لكن ليس فيها ما في تلك المنقطعة مما يقتضي فحش الاختلاط، وقد قال الذهبي في «الميزان» بعد ذكر الحكاية الأولى: «فهذا القول غلوّ وإسراف».
[1/ 102] أقول: ويدل على أنه غلوّ وإسراف: أن المشاهير من أئمة النقد في ذلك العصر، كالدارقطني والحاكم والبرقاني، لم يذكروا اختلاطًا ولا تغيُّرًا.
وقد غمزه بعضهم بشيء آخر. قال الخطيب: «كان بعض كتبه غرق، فاستحدث نسخَها من كتاب لم يكن فيه سماعه، فغمزه الناس؛ إلا أنَّا لم نر أحدًا امتنع من الرواية عنه، ولا ترك الاحتجاج به. وقد روى عنه من المتقدمين الدارقطني وابن شاهين … سمعت أبا بكر البرقاني سئل عن ابن مالك فقال: كان شيخًا صالحًا … ثم غرقت قطعة من كتبه بعد ذلك، فنسَخَها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه، فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو ثقة». قال الخطيب: «وحدثني البرقاني قال: كنت شديد التنقير عن حال ابن مالك، حتى ثبت عندي أنه صدوق لا يُشكُّ في سماعه، وإنما كان فيه بَلَه. فلما غرقت القطيعةُ بالماء الأسود غرق شيء من كتبه، فنسخ بَدَل ما غرق من
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 178)
كتابٍ لم يكن فيه سماعه».
أقول: أجاب ابن الجوزي في «المنتظم» (ج 7 ص 93) عن هذا بقوله: «مثل هذا لا يُطعَن به عليه، لأنه يجوز أن تكون تلك الكتب قد قُرئت عليه وعُورض بها أصله، وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني وابن شاهين والبرقاني وأبي نعيم والحاكم»(1).
أقول: وقال الحاكم: «ثقة مأمون». ونَسخُه ما غرق من كتبه من كتاب ليس عليه سماعه يحتمل ما قال ابن الجوزي، ويحتمل أن يكون ذاك الكتاب كان أصل ثقةٍ آخر كان رفيقه في السماع، فعرف مطابقته لأصله. والمدار على الثقة بصحة النسخة، وقد ثبت أن الرجل في نفسه ثقة مأمون. وتلك الحكاية تحتمل ما لا ينافي ذلك، فكان هو الظاهر.
ولا أدري متى كان غرق القطيعة بالماء الأسود، وقد فتشتُ أخبار السنين في «المنتظم» فلم أره ذكر غرقًا بالماء الأسود(2)، وإنما ذكر أنه في شهر رمضان سنة 367 غرق بعض المحال منها قطيعة أم جعفر. فإن كان ذلك هو المراد، فإنما كان قبل وفاة القطيعي بنحو سنة واحدة، وقد سمع--------------------------------------------
(1) وبنحوه أجاب الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية»: (15/ 391).
(2) ذكر الخطيب في «التاريخ»: (1/ 76، والجديدة 1/ 386) قال: «حدثني عليّ بن المُحَسِّن، قال: قال لي القاضي أبو بكر بن أبي موسى الهاشمي: انبَثَق البَثْق من قُبَيِّن وجاء الماء الأسود فهدم طاقات باب الكوفة، ودَخَل المدينة فهدم دورَنا، فخَرَجنا إلى المَوْصل وذلك في سني نَيِّفٍ وثلاثين وثلاث مئة، وأقمنا بالمَوْصل سنين عدة ثم عُدنا إلى بغداد فسكنَّا طاقات العَكِّيّ».
وعليه فيكون هذا الغرق قد وقع قبل وفاة القطيعي بثلاثين سنة.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 179)
الناس منه الكتب كلها قبل ذلك مرارًا، وأُخِذت منها عدة نسخ.
والذين ذكروا الاستنساخ لم يذكروا أنه روى مما استنسخه [1/ 103]، ولو علموا ذلك لذكروه؛ لأنه أبين في التليين وأبلغ في التحذير. وليس من لازم الاستنساخ أن يروي عما استنسخه، ولا أن يعزم على ذلك؛ وكأنهم إنما ذكروا ذلك في حياته لاحتمال أن يروي بعد ذلك عما استنسخه. وقد قال الخطيب في «الكفاية» (ص 109): «ومذاهب النقَّاد للرجال غامضة دقيقة، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز، فتوقف عن الاحتجاج بخبره، وإن لم يكن الذي سمعه موجبًا لردِّ الحديث ولا مسقطًا للعدالة. ويرى السامع أن ما فعله هو الأولى؛ رجاءَ إن كان الراوي حيًّا أن يحمله على التحفُّظ وضبط نفسه عن الغميزة، وإن كان ميتًا أن ينزِّله مَنْ نَقَل عنه منزلتَه، فلا يُلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز. ومنهم من يرى أن من الاحتياط للدين إشاعةُ ما سَمِع من الأمر المكروه الذي لا يوجب إسقاط العدالة بانفراده، حتى يُنْظَر هل [له] من أخوات ونظائر … ».
فلما ذكروا في حياة القطيعي أنه تغيّر، وأنه استنسخ من كتاب ليس عليه سماعُه، كان هذا على وجه الاحتياط، ثم لما لم يذكروا في حياته ولا بعد موته أنه حدَّث بعد تغير شديد، أو حدَّث مما استنسخه من كتاب ليس عليه سماعه، ولا استنكروا له رواية واحدة، وأجمعوا على الاحتجاج به كما تقدم= تبيَّن بيانًا واضحًا أنه لم يكن منه ما يخدش في الاحتجاج به.
هذا، وكتب الإمام أحمد ك «المسند» و «الزهد» كانت نسخها مشهورة متداولة قد رواها غير القطيعي، وإنما اعتنوا بالقطيعي واشتهرت رواية
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 180)
الكتب من طريقه لعلوِّ السند. ويأتي لهذا مزيد في ترجمة الحسن بن علي بن المُذْهِب(1). والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
13 - أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم.
في «تاريخ بغداد» (13/ 369 [370]): «أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم [الخُتَّلي] قال: أملى علينا أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم الأ بَّار … ».
قال الأستاذ (ص 32): «فابن رزق … وأقل ما يقال في شيخه أنه متعصب أعمى البصيرة».
أقول: ترجمة ابن سلم هذا في «التاريخ» (ج 4 ص 71) وفيها: «كان صالحا ديِّنًا مكثرًا ثقة ثبتًا، كتب عنه الدارقطني. ثم نقل عن ابن أبي الفوارس قال: «توفي أبو بكر بن سلم … سنة 369، وكان ثقة».
[1/ 104] والخطيب يروي بهذا السند من مصنفات الأ بَّار، وكذلك يروي عن الحسن بن الحسين ابن دوما، عن ابن سلم، عن الأ بَّار. فكل ما أسنده عن هذين عن ابن سلم عن الأ بَّار، فهو ثابت عن الأ بَّار حتمًا، لا شأن لهؤلاء الثلاثة ابن رزق وابن دوما وابن سلم فيه، فإن كانت تبعة فعلى الأ بَّار، وستأتي ترجمته(2).--------------------------------------------
(1) رقم (78).
(2) رقم (27).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 181)
14 - أحمد بن الحسن بن جنيدب أبو الحسن الترمذي الحافظ الرحَّال صاحب أحمد ابن حنبل:
في «تاريخ بغداد» (13/ 418 [448]): « … أحمد بن الحسن الترمذي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول … ».
قال الأستاذ (ص 163): «وأحمد بن الحسن الترمذي من أصحاب أحمد، لا يقلّ تعصّبًا من عبد الله بن أحمد، وإن روى عنه البخاري حديثًا واحدًا في المغازي. وكم بين رجال البخاري من يؤخذ عنه شيء دون شيء».
أقول: هذا الرجل معروف بالحفظ والمعرفة. أثنى عليه أبو حاتم وابن خزيمة، وهما ممن روى عنه. وروى عنه أبو زُرعة، ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في «لسان الميزان» (ج 2 ص 416)(1). ولم يذكر بشيء من التعصب، لكن كونه من أصحاب أحمد وروى عنه تلك الكلمة كافٍ عند الأستاذ لرميه بشدَّة التعصب. وقد تقدم تحقيق حكم التعصّب في
القواعد(2).
أما قلة رواية البخاري عنه، فلأنه من أقرانه، والبخاري كغيره من الأئمة يتحرَّى علوَّ الإسناد، فلا يكاد يروي في «الصحيح» عمن هو أكبر منه بقليل، فضلًا عن أقرانه؛ إلا ما أعوزه أن يجده عند مَنْ هو في طبقة كبار شيوخه. وإذا كان الرجل بحيث يؤخذ عنه الحديث في «الصحيح» فلأن تُؤخذ عنه الحكايات أولى.--------------------------------------------
(1) (3/ 396).
(2) (1/ 87 - 98).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 182)
15 - أحمد بن الحسن بن خيرون.
قال الأستاذ (ص 31): «تكلم الحافظ أبو الفضل بن طاهر في أحمد بن الحسن المعروف بابن خيرون الذي كان [وصيَّ الخطيب عند وفاته وكأن](1) الخطيب سلَّم إليه كتبه، فاحترقت تلك الكتب في بيت هذا الوصي، وبينها نسخة الخطيب من «تاريخ بغداد» حتى روى الناس «تاريخ الخطيب» من نسخة ابن خيرون لا عن [خط] الخطيب، وبَلَوْا فيها زيادات على ما كانوا سمعوه من الخطيب فقالوا: إن ابن خيرون هو الذي زادها [1/ 105] حتى رمى أبو الفضل [ابن طاهر](2) المقدسي ابنَ خيرون بكل سوء؛ وإن لم يعجب ذلك الذهبي، وقد نقل في «ميزان الاعتدال» عن ابن الجوزي أنه قال: سمعت مشايخنا يقولون: إن الخطيب أوصى [إلى] ابن خيرون أن يزيد وُرَيقات في «تاريخه» وكان لا يحب أن تظهر منه في حياته. فبذلك تعلم أن الزيادة فيه لا شكّ فيها، لكن هناك رواية أنها كانت بوصية من الخطيب، فتكون تَبِعة الزيادة على عاتق المؤلف نفسه؛ أو الزائد هو ابن خيرون، فيسقط ابن خيرون من مرتبة أن يكون مقبول الرواية على رأي أبي الفضل [ابن طاهر] المقدسي … ومن الغريب أن المثالب الشنيعة المتعلقة بأبي حنيفة في «تاريخ الخطيب» لم تُذَعْ إلا بعد أن تحنَّف عالمُ الملوك الملك المعظَّم عيسى الأيوبي، ولذلك كان هو أول من ردّ عليها. ولو ذاعت المثالب قبل ذلك لما تأخر العلماء من الرد عليها، كما فعلوا مع عبد القاهر البغدادي وابن الجويني وأبي حامد الطوسي وغيرهم. وسبط ابن الجوزي ردَّ على الخطيب أيضًا في عصر الملك المعظَّم … ».
أقول: ابن خيرون ذكره ابن الجوزي في «المنتظم» (ج 8 ص 87) وقال: «روى عنه أبو بكر الخطيب، وحدَّثنا عنه أشياخنا، وكان من الثقات. وشهد--------------------------------------------
(1) من «التأنيب» وكذا ما سيأتي إلا ما نبَّهت على أنه من المؤلف نفسه.
(2) «ابن طاهر» من زيادات المؤلف وكذا في الموضع الثاني.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 183)
عند أبي عبد الله الدامغاني [قاضي القضاة الحنفي المشهور](1) ثم صار أمينًا له».
وفي «تذكرة الحفاظ» (ج 4 ص 7): «ذكره السمعاني فقال: ثقة عدل متقن واسع الرواية … سمعت عبد الوهاب بن خيرون يقول: ما رُئيَ مثل أبي الفضل بن خيرون، لو ذكرت كتبه وأجزاءه التي سمعها يقول لك عمن سمع وبأي طريق سمع، وكان يذكر الشيخ وما يرويه وما ينفرد به … ، قال أبو طاهر السلفي: كان كيحيى بن معين في وقته … ، وقد ذكرتُ في «ميزان الاعتدال» كلام ابن طاهر فيه بكلام مردود، وأنه كان يُلحق بخطه أشياء في «تاريخ الخطيب»، وبيَّنَّا أن الخطيب أذن له في ذلك. وأما خطه فمشهور، وهو بمنْزلة الحواشي، فكان ماذا؟ ».
وفي «الميزان»(2): «أحمد بن الحسن بن خيرون أبو الفضل الثقة الثبت محدِّثُ بغداد. تكلم فيه ابن طاهر بقول زائف(3) سَمِج، فقال: حدثني ابن مرزوق، حدثني عبد المحسن بن محمد قال: سألني ابن خيرون أن أحمل إليه الجزء الخامس من «تاريخ الخطيب» فحملته إليه، فردَّه [عليَّ] [1/ 106] وقد ألحَقَ فيه في ترجمة محمد بن علي رجلَين لم يذكرهما الخطيب، وألحق في ترجمة قاضي القضاة الدامغاني [الحنفي](4): «كان--------------------------------------------
(1) المعكوفان من المؤلف.
(2) (1/ 92).
(3) في «الميزان»: «زيف».
(4) المعكوفان من المؤلف.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 184)
نَزِهًا عفيفًا». وقال ابن الجوزي: قد كنت أسمع من مشايخنا أن الخطيب أمر ابن خيرون أن يُلحق وُرَيقات في كتابه ما أحبَّ الخطيبُ أن تظهر عنه. قلت: وكتابته لذلك كالحاشية، وخطه معروف لا يلتبس بخط الخطيب أبدًا، وما زال الفضلاء يفعلون ذلك. وهو أوثق من ابن طاهر بكثير، بل هو ثقة مطلقًا … ».
أقول: «تاريخ الخطيب» قُرئ عليه في حياته، ورواه جماعة. ويظهر أنها أُخِذت منه عدة نسخ في حياة الخطيب، على ما جرت به عادة المُثْرين من طلبة العلم والمجتهدين منهم، أن يستنسخ كلٌّ منهم الكتاب قبل أن يسمعه على الشيخ، ثم يسمع في كتاب نفسه ويصحح نسخته. وكثير منهم يستنسخ قبل كلّ مجلسٍ القطعةَ التي يتوقع أن تُقرأ في ذلك المجلس إلى أن يتمّ الكتاب.
وعبد المحسن الذي روى ابن طاهر من طريقه ذكر الزيادة هو عبد المحسن بن محمد الشيحي. وفي ترجمته من «المنتظم» (ج 9 ص 100): «أكثر عن أبي بكر الخطيب بصُور، وأهدى إليه الخطيب «تاريخ بغداد» بخطه، وقال: لو كان عندي أعزُّ منه لأهديته له». ومن الواضح أن الخطيب لا يهدي نسخته الوحيدة من تاريخه الجليل ويبقى بلا نسخة، فلا بدَّ أن تكون عنده نسخة أخرى. ومن البيِّن أن العالم لا يزال يحتاج إلى الزيادة في تآليفه، فلعله زاد في النسخة التي بقيت عنده أشياء لم تكن في النسخة التي أهداها لعبد المحسن. فإذا كانت هذه النسخة الأخيرة صارت لابن خيرون ــ كما يقول الأستاذ ــ فطلب ابن خيرون من عبد المحسن أن يبعث إليه بالجزء الخامس من نسخته، فألْحَقَ ما ألْحَق؛ فإن كان ألحق على
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 185)
أنه من الكتاب، فإنما ألحق ذلك من نسخة الخطيب الأخيرة، وإن كان إنما كتب حاشية كما قال الذهبي فالأمر أوضح.
وما ذكره الأستاذ: أن كتب الخطيب احترقت عند ابن خيرون، لا أتحققه. نعم، ذكروا احتراقًا، ولكن لم أجد نصًّا على أن نسخة الخطيب من «تاريخه» احترقت، ولا أن الناس إنما رووا «التاريخ» بعد ذلك عن نسخة لابن خيرون لا عن خط الخطيب؛ بل هذا باطل حتمًا. وقد علمتَ أنه كان عند عبد المحسن نسخة أخرى بخط الخطيب، ولا بد أن تكون عند غيره نُسَخ مما صُحِّح على نسخة الخطيب عند القراءة عليه. وقد روى جماعة منهم ابن الجوزي، وأبو [1/ 107] اليُمْن الكندي أستاذُ الملك المعظَّم، وخليلُه سبطُ ابنِ الجوزي «تاريخ بغداد» عن أبي منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز يقول: «أخبرنا الخطيب» أو نحو ذلك. وفي ترجمته من «المنتظم» (ج 10 ص 90): «سَمَّعه أبوه وعمُّه الكثير، وكان صحيح السماع». ولا بدّ أن تكون عنده نسخة أخرى سمع فيها من الخطيب وإلا لطعنوا فيه بأنه يروي مما ليس عليه سماعه.
ثم رأيت في «معجم الأدباء» (ج 4 ص 38)(1): «قال السمعاني: لما رجعت إلى خراسان حصل لي «تاريخ الخطيب» بخط شجاع بن فارس الذهلي [الحافظ الثبت] الأصل الذي كتبه بخطه لأبي غالب محمد بن عبد الواحد القزاز، وعلى وجه كل واحد من الأجزاء: سماع لأبي غالب ولابنه أبي منصور عبد الرحمن … ».--------------------------------------------
(1) (1/ 390 - دار الغرب).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 186)
فهذه النسخة كتبها ذاك الحافظ الثبت بخطه، وسمع فيها القزّاز وولده على الخطيب، وصُححت على نسخته. ولا أدري أكانت عند الابن نسخة أخرى مما سمع على الخطيب فكان يروي منها، أم كان قد استنسخ من هذه التي بخط شجاع الذهلي نسخةً أخرى قوبلت على الأصل، وكتب العلماء شهادتهم بذلك ونقلوا سماعه إلى نسخته الجديدة، وباع الأصل حتى صار لابن السمعاني. وعلى كل حال فالنسخة التي كانت عند القزاز صحيحة عن الخطيب، ولا شأن لها بنسخة عبد المحسن، ولا بالنسخة التي كانت عند ابن خيرون، ولا بنسخة ابن خيرون. ونسختا ابن الجوزي والكندي أستاذ المعظم مأخوذتان عن نسخة القزاز، ونسختا سبط ابن الجوزي والمعظم تبع لذلك، وكان المعظم ملكًا مسلَّطًا متعصّبًا، وصاحبه سبط ابن الجوزي جوّالًا متفانيًا في هواه، وهما أول مَن ردّ على الخطيب كما ذكر الأستاذ، ولعلهما قد وقفا على عدة نسخ أخرى، فلو عرفا أن بين النسخ اختلافًا في الموضع الذي ردَّا عليه؛ لما سكتا عن بيان ذلك.
فأما سكوت من قبلهما من علماء الحنفية عن الردِّ على الخطيب مع ردهم على غيره، فلأنهم أعقل منهما ومن الأستاذ، إنما ردوا على رسائل صغيرة من شأنها أن تشيع وتذيع. فأما ما في ذاك الموضع من «تاريخ بغداد» فرأوا أنه مدفون في كتاب كبير، لا يقف عليه إلا الأفراد، فتكلُّفُ الجواب إنما هو سعيٌ في انتشار ذلك واشتهاره، فعلموا أن السكوت أسلم. ولما خالفهم [1/ 108] الأستاذ وقع فيما تراه، وعلى أهلها تجني براقش!
وقد ذكر ابن عساكر نسختين أخريين انظر «تاريخ دمشق» (ج 1 ص 45
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 187)
- 46)(1).
وقد حَقَّر الأستاذُ ابنَ خيرون، وعظَّم ابنَ طاهر والملكَ عيسى. فأما محمد بن طاهر فترجمته في «الميزان» و «لسانه»(2) و «المنتظم» (ج 9 ص 157) ويأتي له ذكر في ترجمة الخطيب(3). ومن طالع ذلك وتدبر ما يعتمده الأستاذ علم أن ابن طاهر لو وقع في إسناد حكاية فيها غضٌّ من أبي حنيفة أو أحد أصحابه لحطَّ الأستاذ عليه أشنع حطٍّ، ولعله لا يتحاشى عن تكفيره، فضلًا عن تفسيقه. وأما الملك عيسى فحسبك أن تتتبع ما يحكيه عنه خليله(4) في المجلد الأخير من تاريخه «مرآة الزمان» في مواضع متعددة، ويمنعني من نقل ذلك هنا أنه كان له مشاهد في قتال الكفار، وأنه حكي عنه ما يدلّ على محافظته على الصلاة حتى في مرض موته. والله أعلم.
16 - أحمد بن خالد الكرماني.
في «تاريخ بغداد» (2/ 178) «محمد بن إسماعيل التمار الرقي قال:--------------------------------------------
(1) ذكر ابن عساكر روايته عن رجلين كل منهما عن الخطيب ثم قال: «كذا في النسختين من تاريخ بغداد … ». ووقع هناك «في الشيخين» وهو خطأ ظاهر. وفي «تذكرة الحفاظ» (4/ 61) في ترجمة أبي بكر السمعاني أنه سمع «تاريخ بغداد» من أبي محمد بن الأبنوسي. وأبو محمد من الرواة عن الخطيب. [المؤلف].
(2) «الميزان»: (5/ 33)، و «اللسان»: (7/ 211).
(3) رقم (26).
(4) يعني سبط ابن الجوزي.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 188)