Arabic source text

📘 আত্তানাকীলু বিমা ফী তানীবিিল কাওসারী মিনাল আবাতীল - যিমনু আসারুল মুআল্লিমী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

📘 التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي» (عبد الرحمن المعلمي اليماني - ت 1386 هـ)

📘 আত্তানাকীলু বিমা ফী তানীবিিল কাওসারী মিনাল আবাতীল - যিমনু আসারুল মুআল্লিমী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
المقصد العاشر
قال السلفي: لا ريب أن شبهة ابن سينا في أمر الحشر أقوى من شبهته في شأن الاعتقاد في ذات الله تعالى وصفاته. فلو ساغ الكذب في شأن الاعتقاد لكان في شأن الحشر أسوَغ، لأن فحشه أخفُّ، والحاجة إلى التشديد في الترغيب والترهيب ظاهرة؛ فإلزامه للمتكلمين في محلِّه. فأما السلفيون فلا سلطان له عليهم، كما لا يخفى.
ومع أن شبهة ابن سينا داحضة لمعارضتها اليقينَ الضروري، ففيها خلل من جهاتٍ تُعلَم مما تقدَّم. ويختص بقضية حشر الأجساد أن العرب كانوا في جاهليتهم يعترفون بحياة الروح بعد موت الجسد، ويقولون: إن روح المقتول تبقى تنوح على قبره حتى يؤخذ بثأره، كما هو معروف في أشعارهم. وقد جاء الكتاب والسنة بأشياء من حال الأرواح تصرِّح بحياتها منفصلةً عن الجسد، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين ولا المشركين. فقد كان من الممكن أن يوسَّع [2/ 306] القولُ في نعيم الأرواح وعذابها بدون تعرُّضٍ لما كان العرب ينكرونه من حشر الأجساد. بل لو كان المقصود إنما هو اجترارهم إلى قبول الشرع العملي لما ذُكِر لهم حشرُ الأجساد، فإنه من أشدِّ ما صدَّهم عن الإسلام. قال الله عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 7 - 8].
وقال تعالى: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء: 49، 98].

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 475)

وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ} [الصافات: 14 - 19].
كانوا يكذِّبون بالمعجزات قائلين: إنها سحر، محتجِّين بأن الذي ظهرت على يده يخبر بما لا يُعقَل من حشر الأجساد. وانظر (الصافات) أيضًا: 53 و (المؤمنون): 35 و 82 و (الواقعة): 47.
مهمة
قد يفسَّر حشرُ الأجساد بجمع أجزائها المتفرقة، وقد يفسَّر بإنشاء أجساد أخرى، والنصوص الشرعية تدل على أمر جامع لهذين. وقد أُورِد على الأول أن الأبدان في الدنيا تنمو وتتحلَّل فتفارقها أجزاء وتتعوض أجزاء أخرى، ولا تزال هكذا، ثم تَبلَى بالموت، وتتفرق فتدخل أجزاء من هذا البدن في تركيب أبدان أخرى وهلم جرًّا. وإعادةُ تلك الأجزاء أعيانها في جميع تلك الأبدان، بأن تكون هي أعيانها في هذا، وهي أعيانها في ذاك، في وقت واحد= غيرُ معقول. فإن أعيدت في بعضها، فلم يعد غيره على ما كان عليه. وأيضًا فقد تكون الأجزاء من بدن مؤمن، ثم تصير من بدن كافر، وعكسه. وأجيب بأن المُعاد في كل بدن إنما هو أجزاؤه الأصيلة. ونوقش في هذا بما هو معروف.
[2/ 307] أقول: النصوص لا تدل على إعادة هذه الأجزاء كلِّها في كلِّ بدن في وقت واحد، وإنما تدل على الإعادة في الجملة، وإذا تدبرنا الحكمة في الإعادة أمكننا أن نفهم التفصيل تقريبًا.
فمن الحكمة إظهار قدرة الله عز وجل على الحشر، وتصديق خبره بأنه

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 476)

واقع. وهذه الحكمة إنما تستدعي الإعادة في الجملة، وذلك يحصل بما يأتي قريبًا.
ومنها: أن ينال الجزاء هذه الأجزاء، وهذا غير متحتم؛ لأن الكاسب المختار للطاعة أو المعصية، والمدرك لأثرها في الدنيا والمدرك للذة الجزاء أو ألمه في الأخرى هو الروح، وإنما البدن آلة لها. غاية الأمر أنه إذا كانت آلة الكسب هي آلة الجزاء كان ذلك أبلغ في كمال العدل، فليكن من ذلك ما يمكن. وقد جاءت عدة نصوص تدل أن أبدان أهل الجنة والنار يكون بعضُ البدن منها أو كلُّه من غير الأجزاء التي كان منها في الدنيا. ففي «الصحيحين»(1) في قصة الذين يخرجون من النار «فيخرجون قد امتَحَشُوا وعادوا حُمَمًا، فيُلْقَون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحِبَّة في حَميل السيل … ». وجاءت عدة أحاديث أن أهل الجنة يكونون كلهم على صورة آدم طوله ستون ذراعًا. راجعها في «الباب التاسع والثلاثين» من «حادي الأرواح»(2).
وقال تبارك وتعالى في أهل النار: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: 56].
وفي «صحيح مسلم»(3) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما بين منكِبَيِ الكافر في النار مسيرةُ ثلاثة أيام للراكب المسرع».--------------------------------------------
(1) البخاري (6573) ومسلم (182) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) (ص 313 - 318).
(3) رقم (2852).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 477)

وقال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].
وفي «صحيح مسلم»(1) من حديث ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: أمَا إنَّا [2/ 308] قد سألناه عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خُضْر، لها قناديل معلَّقة بالعرش تَسْرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلَع إليهم ربُّهم اطِّلاعةً … ». أخرجه عن جماعة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود. وقد أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (ج 4 ص 106 - 107)(2) من طريق شعبة ومن طريق سفيان الثوري كلاهما عن الأعمش بسنده أنهم سألوا عبد الله بن مسعود فقال: «أرواح الشهداء … ». فثبت سماع الأعمش لهذا الحديث من عبد الله بن مرة؛ لأن شعبة لا يروي عن الأعمش إلا ما علم أنه سماع للأعمش ممن سمَّاه. نصَّ على ذلك أهل المصطلح وغيرهم. وكذلك أخرج هذا الحديث الدارمي (ج 2 ص 206)(3) من طريق شعبة. فأما عدم التصريح بالرفع فلا يضر، لأن هذا ليس مما يقال بالرأي، مع ظهور الرفع في رواية مسلم.
وفي «مسند أحمد» (ج 1 ص 265)(4): «ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد، عن أبي الزبير المكي،--------------------------------------------
(1) رقم (1887).
(2) (6/ 229، 232) ط. دار هجر.
(3) رقم (2415).
(4) رقم (2388).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 478)

عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لما أصيب إخوانكم بأحُد جعل الله عز وجل أرواحَهم في أجواف طير خُضْر تَرِدُ أنهارَ الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مُنقلَبِهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون … ». أبو الزبير يدلِّس(1)،
وقد أخرج الحاكم في «المستدرك» (ج 2 ص 297)--------------------------------------------
(1) لو رددنا حديث كل مدلس لرددنا جمهرة طيبة مباركة من السنة التي قبلها الأكابر ونشروها وعملوا بها، والذي يظهر من عمل المحققين من أئمة السنة [أنهم ينظرون] إلى مراتب الجرح والتعديل عند التعارض (! ) ليأخذوا بالأرجح الأقوى إن لم يمكن الجمع. وحديث أبي الزبير هذا ليت شعري ما الذي عارضه من رواية من هُم أرجح منه حتى نشكك فيه؟ وروايته محشو بها «البخاري» مكتظ بها «مسلم» وغيره فضلًا عن بقية دواوين السنة كأبي داود والترمذي وغيرهم من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد. [م ع].
قلت: يبدو لي في كلام فضيلته ملاحظات:
التسوية بين تدليس الأعمش وتدليس أبي الزبير في التسامح بهما ليس بجيد، لأن تدليس الأول قليل، وتدليس الآخر كثير، ولذلك احتج الشيخان بالأعمش، ولم يحتج بأبي الزبير غير مسلم منهما، وأورده الحافظ في المرتبة الثانية من «طبقات المدلسين»، وهي ــ كما ذكر في المقدمة ــ مرتبة مَن احتمل الأئمةُ تدليسه، وأخرجوا له في «الصحيح». ثم أورد أبا الزبير في المرتبة الثالثة، وهي مرتبة من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع كأبي الزبير المكي، ثم أورده في هذه الطبقة وقال: «مشهور بالتدليس».

قوله في أبي الزبير: «وروايته محشو بها (البخاري)» ليس بصواب، فإن البخاري لم يسند له غير حديث واحد متابعةً غير محتج به! قال الحافظ ابن حجر في «مقدمة الفتح» (2/ 163): «لم يرو له البخاري رحمه الله سوى حديث واحد في «البيوع»، قرنه بعطاء عن جابر، وعلَّق له عدة أحاديث». ومسلم وإن كان احتج به، فقد قال الذهبي في ترجمته من «الميزان»: «وفي «صحيح مسلم» عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، ولا هي من طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء» [ن].

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 479)

الحديث من وجه آخر(1) عن ابن [2/ 309] إسحاق، عن إسماعيل، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. زاد في السند: سعيد بن جبير. وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم» وأقرَّه الذهبي.
وقال الله عز وجل: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 45 - 46].
وأخرج ابن جرير في «تفسيره» (ج 24 ص 42)(2) بسند رجاله ثقات عن هُزَيل بن شرحبيل أحد ثقات التابعين قال: «أرواح آل فرعون في أجواف طيرٍ سُودٍ تغدو وتروح على النار، وذلك عرضُها». وفي «روح المعاني»(3) أن عبد الرزاق وابن أبي حاتم أخرجا نحوه عن ابن مسعود.
ومن حِكَم الإعادة أداء الشهادة. قال الله تبارك وتعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [فصلت: 19 - 20].--------------------------------------------
(1) من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق. وكذا أخرجه أبو داود (2520) وأبو يعلى في «مسنده» (2331) والبيهقي في «الكبرى» (9/ 163) وغيرهم.
(2) (20/ 337) ط. دار هجر.
(3) (24/ 73). وانظر «تفسير عبد الرزاق» (2/ 181، 182) و «تفسير ابن أبي حاتم» (10/ 3267).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 480)

وقال عز وجل: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65].
وقال سبحانه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور: 24].
[2/ 310] والمقصود من استشهاد الأعضاء إبلاغ الغاية القصوى في إظهار العدل. وفي «صحيح البخاري»(1) وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يُجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغتَ؟ فيقول: نعم يا ربِّ. فتُسأل أمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيسأل: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته». فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فيُجاء بكم، فتشهدون أنه قد بلَّغ». ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].
وفي «صحيح مسلم»(2) وغيره عن أنس قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فضحك، فقال: «هل تدرون مما أضحك؟» قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «من مخاطبة العبد ربَّه يقول: يا ربِّ ألم تُجِرْني من الظلم؟ قال: يقول: بلى. قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني. قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا. قال:--------------------------------------------
(1) رقم (3339، 4487، 7349). وأخرجه أيضًا أحمد في «المسند» (11283) والترمذي (2961) والنسائي في «الكبرى» (11007).
(2) رقم (2969). وأخرجه أيضًا النسائي في «الكبرى» (11653).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 481)

فيُخْتَم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي. قال: فتَنطِق بأعماله. ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعدًا لكُنَّ وسُحقًا، فعَنْكُنَّ كنت أناضل».
وفي «صحيح مسلم»(1) أيضًا عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال … قال: «فيَلْقَى العبد فيقول: أي فُلْ … ثم يَلْقَى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا ربِّ آمنتُ بك وبكتابك وبرسلك، وصلَّيتُ وصُمْتُ وتصدَّقتُ ــ ويُثنِيْ بخير ما استطاع. فيقول: هاهنا إذًا. ثم يقال: الآن نبعث شاهدًا عليك. ويتفكر في نفسه: مَن ذا الذي يشهد عليَّ؟ فيُخْتَم على فيه، ويقال … فتنطق فخذُه ولحمُه وعظامُه بعمله. وذلك لِيُعْذِرَ من نفسه … ».
فالإنسان إذا رأى يوم القيامة أن الله عز وجل يُقرِّره بعمله، ولا يأخذ بمجرد علمه تعالى، يتوهم أن الإنكار ينفعه، ثم لا يرضى بشهادة الملائكة ولا الرسل، فتشهد عليه أعضاؤه، فحينئذ يظهر له ولغيره عينَ اليقين الغايةُ القصوى في عدل الله تبارك تعالى. ومع ذلك يعترف بلسانه صريحًا عند دخوله النار. قال الله تبارك وتعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى [2/ 311] إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر: 71].
وقال تعالى في شأن جهنم: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ--------------------------------------------
(1) رقم (2968).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 482)

إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 8 - 11].
وهذه الحكمة إنما تستدعي إعادة الأجزاء التي تؤدي الشهادة، وذلك عند أدائها. فلا يلزم أن تعاد في كلِّ بدنٍ جميعُ أجزائه ثم تبقى خالدةً معه. بل إذا فرضنا أجزاء معينة قد دخلت في تركيب عدة أبدان في الدنيا على التتابع بأن كانت في هذا البدن، ثم صارت من ذاك البدن، وهلمَّ جرًّا؛ واقتضت الحكمةُ أن تؤدي الشهادة يوم القيامة في كلِّ بدن من تلك الأبدان بما فعل= فإن ذلك يمكن بأن تُحشر أولًا كما شاء الله تعالى إما في بدن واحد، وإما متفرقةً في تلك الأبدان، ثم إذا حوسب أولُّ إنسان من أصحاب تلك الأبدان جُمعت تلك الأجزاء في بدنه، ثم إذا أدَّت الشهادة فارقته إلى بدنِ أولِ مَن يُحاسَب بعده من أصحاب [2/ 312] تلك الأبدان. وهكذا حتى تستوفى تلك الأبدان كلُّها التي دخلت فيها وقضت الحكمة باستشهادها على أصحابها. وقد يشير إلى هذا قوله تبارك وتعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]، وقوله سبحانه: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29].
وأما الجزاء الجسماني، فمن الحكمة فيه تنعيم الأرواح وتعذيبها بما هو من جنس ما أَلِفتْه في الدنيا بواسطة الأبدان، فإن الأرواح لطول صحبتها للأبدان واعتيادها اللذاتِ والآلامَ التي تصل إليها بواسطتها تبقى بعد مفارقة الأبدان متصوِّرةً تلك اللذات والآلام، متشوِّقةً إلى جنس تلك اللذات، نافرةً عن جنس تلك الآلام. فإذا أعيدت إلى أبدان ثم نعِمتْ بما هو من جنس اللذات التي ألِفتْها، كان ذلك أكملَ للذتها وأتمَّ لنعيمها من أن تنعم بلذات

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 483)

روحية محضة، فكيف إذا جُمع لها الأمران معًا (1)؟ وإن أعيدت إلى أبدان ثم عُذِّبت بما هو من جنس الآلام التي كانت تَنْفِر عنها كان ذلك أبلغ في إيلامها من أن تعذَّب بآلام روحية محضة، فكيف إذا جُمع لها الأمران(1)؟
ومنها: تصديقُ وعد الله ووعيده وإخباره بالحساب والجنة والنار، وسائر ما يتعلق بالآخرة. وهذه الحكمة كافية لإبطال شبهة ابن سينا وموافقيه في أمر الآخرة، فإننا لو أعرضنا عن الحِكَم الأخرى واقتصرنا على هذه الحكمة لكفى، بأن نقول: هَبْ أن الأمر كما زعمتَ من أن الناس لا يؤثِّر فيهم الترغيب والترهيب، إلا إذا كان بما هو من جنس ما ألِفُوه واعتادوه في الدنيا من الأمور الجسمانية واللذات والآلام الجسمانية، فإن الحكمة إذًا اقتضت أن يقضي الله عز وجل وقوعَ ذلك وتحقيقَه لئلا يكون إخباره تعالى وإخبار رسله كذبًا، فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك.
ولنقتصر على هذا القدر في الرد على مقالة ابن سينا في إنكاره الاحتجاجَ بالنصوص الشرعية، وننظر مقالاتِ من بعده. والله الهادي.
* * * *--------------------------------------------
(1) أي فإن ذلك أكمل وأكمل، وذلك هو الواقع. [المؤلف].

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 484)

[2/ 313]‌‌ قول الفخر الرازي في الاحتجاج بالنصوص الشرعية
في «مختصر الصواعق» (ج 1 ص 252 - 256)(1) عبارة طويلة للفخر الرازي سأحاول تلخيصها مع شيء من الإيضاح. المطالب ثلاثة:
الأول: ما يتوقف ثبوت الشرع على ثبوته، كوجود الله وعلمه بالمعلومات كلها، وصدقِ الرسول. فهذا يستحيل أن يُعلم بإخبار الشرع.
الثاني: ثبوت أو انتفاء ما يقطع العقلُ بإمكان ثبوته وإمكان انتفائه. فهذا إذا لم يجده الإنسان من نفسه، ولا أدركه بحسِّه، استحال العلم به إلا من جهة الشرع.
الثالث: وجوب الواجبات، وإمكان الممكنات، واستحالة المستحيلات. فهذا يعلم من طريق العقل بلا إشكال. فأما العلم بإخبار الشارع فمشكل، لأن خبر الشارع في هذا المطلب إن وافقه عليه العقل، فالاعتماد على العقل، وخبر الشارع فضل. وإن خالفه العقل وجب تقديم العقل وتأويل الخبر في قول المحققين، لأن تقديم الخبر على العقل حكمٌ على العقل بأنه غير موثوق به، فيلزم من هذا أن لا يكون ما ثبت به الشرع موثوقًا به، فيسقط الشرع، وما أدى ثبوته إلى انتفائه فهو باطل. وإن لم يعلم موافقة العقل للخبر ولا مخالفته له كان محتملًا أن يكون العقل مخالفًا له فيجب تأويله، ومع هذا الاحتمال لا يفيد العلم.
قال(2): «فإن قيل: إن الله سبحانه لما أسمع المكلَّفَ الكلامَ الذي يُشعِر--------------------------------------------
(1) (ص 153 وما بعدها) ط. دار الكتب العلمية بيروت 1405.
(2) انظر المصدر السابق (ص 155).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 485)

ظاهرُه بشيء، فلو كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء وجب عليه سبحانه أن يُخطِر ببال المكلَّف ذلك الدليلَ، وإلا كان تلبيسًا من الله تعالى، وإنه غير جائز. قلنا: هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح وأنه يجب على الله سبحانه شيء، ونحن لا نقول بذلك. سلَّمنا ذلك، فلِمَ قلتم: إنه يجب … ، وبيانه: أن الله إنما يكون مُلَبِّسًا على المكلَّف لو أسمعه كلامًا يمتنع عقلًا أن يريد به إلا ما أشعَر به ظاهرُه. وليس الأمر كذلك، لأن المكلَّف إذا سمع ذلك الظاهر فبتقدير أن [لا](1) يكون الأمر كذلك لم يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعرَ به الظاهر، فعلى هذا إذا أسمع الله المكلَّفَ ذلك الكلامَ، فلو قطع المكلَّفُ بحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا كان ذلك التقصير واقعًا من المكلَّف، لا من قِبَل الله تعالى … [2/ 314] فخرج بما ذكرنا أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل العقلية. نعم، يجوز التمسك بها في المسائل النقلية، تارةً لإفادة اليقين كما في مسألة الإجماع وخبر الواحد، وتارةً لإفادة الظن كما في الأحكام الشرعية».
أقول: أما المطلب الأول، فقد أعدَّ الله تبارك وتعالى لثبوته فِطرَ الناس وعقولهم الفطرية وآيات الآفاق والأنفس، ثم تكفَّل الشرعُ بالتنبيه على ذلك وإيضاحه مع تضمنه لآيات أخرى. ثم يتمِّم الله عز وجل ذلك بالتوفيق لمن استحقَّه، فمن كان في قلبه محبة للحق ورغبة فيه وإيثار له على ما سواه رَزَقه--------------------------------------------
(1) زيادة من المؤلف ليستقيم المعنى. ونص كلام الرازي في «نهاية العقول في دراية الأصول» ــ كما في الطبعة المحققة من «مختصر الصواعق» (2/ 474 - 475) ــ: «لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر، [ثم إنه يجوز أن يكون هناك دليل عقلي على خلاف ذلك الظاهر]، فبتقدير أن يكون الأمر كذلك … » ما بين المعكوفين ساقط من «مختصر الصواعق» فأدَّى ذلك إلى اختلال المعنى.

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 486)

الله الإيمان لا محالة. ولهؤلاء درجات بحسب درجاتهم في المحبة والرغبة والإيثار، فمنهم من تقوى هذه الأمور عنده وتصفو، فيصفو له اليقين بالفطرة وأدنى نظر. ومنهم من يكون دون ذلك، فيحتاج إلى زيادة.
وعلى كل حال، فإن المأخذَين السلفيَّين شافيان كافيان مُغنيان في تحصيل الحق من هذا المطلب ضرورةَ أن الله عز وجل بعث رسله وأنزل كتبه في أقوام لا خبر عندهم لغير المأخذين السلفيين ولا أثر، واكتفى بهما وبنى عليهما.
ولا يقف الأمر عند الاستغناء عن المأخذين الخلفيين، بل إن مِنْ شأنهما أن يمانعا حصول الإيمان ويزلزلاه لأسباب:
الأول: أن المشتغل بهما يغفُل عن المأخذين السلفيين.
الثاني: أنه يتعرض لشبهات تعتاص عليه، فيسوء ظنه بالمأخذين السلفيين.
الثالث ــ وهو أعظم الأسباب ــ: حرمان التوفيق، فإن طالب الحق في غير المأخذين السلفيين إما أن يكون فاقدًا لصدق المحبة والرغبة والإيثار للحق، وإما أن يكون كان عنده شيء من ذلك ولكنه ضعف بإعراضه عن سبيل الله عز وجل. فقد يبلغ به الضعف إلى أن يزول أثره البتة. وقد يبقى أثره في الجملة، فيبقى العبد مترددًا. وربما يتداركه الله عز وجل في آخر الأمر، فيرجع إلى المأخذين السلفيين، وإن كان لا يصفو له ذلك كما يصفو لمن ثبت عليهما من أول أمره. ولذلك كان إمام الحرمين يتمنى في آخر أمره أن يموت على دين عجائز نيسابور، كما تقدم في الباب الأول.

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 487)

[2/ 315] وأما المطلب الثاني، فإن أراد الرازي أن الأخبار الشرعية فيه قد تفيد العلم اليقيني فيما هي ظاهرة فيه، كما يدل عليه قطعُ الأشاعرة بتنزيه الله عز وجل عن الكذب، مع مصيرهم إلى أنه لا حجة في ذلك إلا النصوص، كما تقدم، وكما يدل آخر كلام الرازي، وسيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى. فهكذا يلزمه في المطلب الثالث، بل هو أولى وأحرى لِتعلُّقه بأعظم أصول الدين، فالخطر فيه أشد، واحتياط الشارع له آكد. ويترتب على التلبيس فيه مفاسد عظيمة، كما مرَّ في الكلام مع ابن سينا.
وأما المطلب الثالث، فقوله: «إن خبر الشارع إذا وافق العقل فالاعتمادُ على العقل، وخبرُ الشارع فضل» قول مردود عليه. بل إن كان الدليل العقلي من المأخذ السلفي الأول فهما دليلان، وإلا فالنص هو الدليل، والقياس التعمُّقي فضلة، كما يُعلم مما تقدم في الباب الأول. على أنه بعد ثبوت صدقِ الشارع بالدلائل العقلية يكون الاحتجاج بخبره احتجاجًا بالعقل.
قوله: «فإن خالفه العقل وجب تقديمُ العقل … » قول مردود عليه. بل إن كان الدليل العقلي من المأخذ السلفي الأول فهو قرينة صحيحة يُعلم بها أن معنى الخبر خلافُ ما يتراءى منه لولا القرينة. فليس هنا تقديم للعقل ولا للشرع إذ لا تخالُفَ، وإنما هنا حملٌ للخبر على ما هو الظاهر الحقيقي، فإن الخبر إذا اقترنت به قرينة صحيحة تصرف عما يتراءى منه لولاها، فظاهره الحقيقي هو ما يُفهم منه مع القرينة، وهي حينئذ بمثابة كلمة من لفظ الخبر. وإن لم يكن هناك ما يخالف ظاهرَ النص إلا قياس أو أقيسة مما يركبه المتعمِّقون مِنْ أصحاب المأخذ الخلفي الأول، فالواجب تقديم النص، ولاسيما إذا كان قطعيَّ الثبوت كآية من القرآن أو سنة ثابتة قطعًا. وقد تقدم في

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 488)

الباب الأول بيان وهن تلك الأقيسة. ولا يلزم من تقديم النص عليها حكمٌ على العقل الذي هو من المأخذ السلفي الأول بأنه لا يوثق به، وإنما يلزم الحكم بذلك على ذاك القياس وما كان مِنْ قبيله. والشرعُ لم يثبت بشيء من ذلك، كيف وقد ثبت الإسلام في العرب، ولا أثر فيهم للتعمُّق البتة، وكذلك بقية الشرائع. وإنما ثبت الشرعُ بما تقدَّم في المطلب الأول، والعقل هناك هو العقل الفطري الذي أعدَّه الله عز وجل لإدراك بيناته في الدين.
[2/ 316] هذا، وقد تقدَّم في الباب الأول بيانُ حال النظر المتعمَّق فيه، وأنه قد يتعارض عند أصحابه قياسان كلٌّ منهما بحيث لو انفرد لكان قاطعًا عندهم. وقد يحصل لبعضهم قياس يعتقد أنه قاطع يقيني، ثم بعد مدة يتبين له أنه مختلّ. وكثيرًا ما يتمسك أحد الفريقين المختلفين منهم كالأشعرية والمعتزلة بقياس، ويرى أنه قطعي يقيني، ويتمسك الفريق الآخر بقياس آخر مناقض لذاك ويرى أنه قطعي يقيني، ويَثبُت كل الفريقين على رأيه في قياسه، ويحاول القدح في قياس مخالفه، ويستمرُّ هذا إلى مئات السنين. وهم يعرفون هذا، ويعترفون به، ومع ذلك لا يرونه موجبًا عدمَ الثقة بالعقل مطلقًا ولا بما كان من جنس تلك الأقيسة، فكيف يسوغ لهم مع هذا أن يزعموا أن خبر الله عز وجل ــ مع العلم بأنه سبحانه لا يجهل ولا يخطئ ولا يكذب ــ إذا قُدِّم على قياس من تلك الأقيسة كان ذلك قدحًا في العقل مطلقًا؟ بل الحق أن تقديم القياس على النص هو الأولى بأن يكون قدحًا في العقل، بل هو ردٌّ للعقل الصريح بشبهة واهية. فقد ثبت الشرعُ بالعقل الصريح، وثبت صدقُ الشارع وإبانته بالعقل الصريح. وكثير من المعاني التي دلت عليها النصوص وهم ينكرونها ثابتة بالفِطَر والبدائه، وهي رأس العقل الصريح، وقد أُثبتت مع ذلك بأقيسة من جنس أقيستهم.

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 489)

قوله: «وإن لم يعلم موافقة العقل للخبر ولا مخالفته له … ».
أقول: أما العقل الصريح الواضح الجلي الذي يصلح أن يكون قرينةً، فلا يمكن أن لا يعلم. فإن جاز أن يذهل عنه بعضُ المخاطبين الأولين لم يلبث أن ينبِّهه غيرُه. فإذا لم يعلم ما يكون قرينةً كان النص نفسه برهانًا على صحة ما دل عليه، وعلى عدم المخالف الصحيح. ولا يبقى إلا احتمالُ أن يوحي الشياطين إلى بعض أوليائهم شبهةً مبنيةً على النظر المتعمَّق فيه، وقد قال الله عز وجل: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121].
قوله: «فإن قيل: إن الله سبحانه لما أسمع المكلَّف … ».
أقول: هذا كله مغالطة، فإن النصوص المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته لم تقتصر في الدلالة على تلك المعاني على إشعار الظاهر، بل فيها المحقَّق المؤكَّد، والصريح الواضح، والظاهر [2/ 317] البيِّن؛ ولم يكن معها معارضًا لها قرينةٌ صحيحةٌ من شأنها أن لا تخفى على المخاطبين الأولين. فعلى فرض بطلان تلك المعاني أو بعضها لا يكون اللازم التلبيس فقط، بل تكون كذبًا صريحًا. وبطلان هذا اللازم لا يتوقف على القول بأنه يجب على الله تعالى شيء، ولا على القول بالحسن والقبح العقليين، وإنما يتوقف على امتناع أن يكذب الله عز وجل أو يكذب رسوله. والأشاعرة ومنهم الرازي يعترفون بهذا الامتناع، ويكفِّرون من لا يقول به. غاية الأمر أنهم زعموا أن العقل لا يمنع أن يكذب الله سبحانه أو أن لا يكذب، ولكن الرسول أخبر بأن الله تعالى لا يكذب، وقد ثبت صدقُ الرسول بظهور المعجزة على يده. قالوا: ودلالة المعجزة على صدقه دلالة عادية ــ على ما مرَّ بيانه في الباب الثاني ــ والدلالة

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 490)

العادية عندهم يقينية. ومهما يكن في استدلالهم من الوهن، فيكفي أنهم معترفون بامتناع أن يقع من الله تعالى أو من رسوله فيما يخبر به عنه كذبٌ، ويكفر من يقول خلاف ذلك. ولا ريب أنهم إذا عرفوا بطلان استدلالهم، ولم يبق إلا أن يقولوا بالوجوب والحسن والقبح العقليين أو يكفروا، إنما يختارون الأول. فإن فُرِضَ أن بعض أتباعهم اختار الكفر، فإلى حيثُ ألقَتْ رحلَها أمُّ قَشْعَمِ(1)!
فإن قيل: يؤخذَ من كلام الرازي أنه يزعم أن احتمال الامتناع العقلي قرينةٌ تُدافع ظاهرَ الخبر، فلا يلزم من القول ببطلان تلك المعاني أو بعضها تكذيبُ النصوص، ولا من القول باحتمال البطلان القولُ باحتمال الكذب.
قلت: هذا زعم باطل، كما مرَّ في الكلام على المقصد الأول من مقاصد ابن سينا. وإنما الذي يصح أن يكون قرينةً هو الامتناع العقلي نفسه إذا كان من شأنه أن لا يخفى على المخاطب. فأما احتماله فقط، فإنما هو كاحتمال عدم وقوع ما دل الخبر على وقوعه. وذلك كما لو كان في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعمى صائم في رمضان، وهو في عريش بعيد عن البيوت، فلم يدر أقد غربت الشمس أم لا؟ فبينا هو كذلك إذ مرَّ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال للأعمى: قد غربت الشمس وصلَّينا المغرب. فهل للأعمى أن يقول في نفسه: لو كنتُ بصيرًا، وأخبرني النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم هذا الخبر، وأنا أشاهد الشمس لم تغرب، لكان [2/ 318] ذلك قرينة على أن المراد بالخبر غير ظاهره، كأن يكون عنى: قد غربت أمس، أو قد قاربت الغروب؛ فعليَّ الآن أن لا آخذ بظاهر الخبر، لأن احتمال عدم الغروب اليوم قرينة؟--------------------------------------------
(1) شطر بيت من معلقة زهير، وصدره: فشَدُّوا ولم تَفزَعْ بيوتٌ كثيرةٌ. وقد سبق التمثُّل به (ص 306).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 491)

فإن قلتَ: فإن الرازي فرَّق بين الأمور العقلية وغيرها.
قلتُ: لم يأت على ذلك بحجة، بل هو فرق باطل. ومع ذلك فإنا إذا فرضنا أن الشمس لم تكن قد غربت في ذاك اليوم، فاحتمال أن تكون قد غربت فيه ممتنعٌ عقلًا. ثم نقول للرازي: أرأيت عالمًا خرج إلى البادية فكان يخبر الناس أخبارًا ظاهرة بينة في عقائد باطلة، ويتأول في نفسه معاني صحيحة، ويقول في نفسه: القرينة على احتمال أني لم أرد الظاهر هي احتمال الامتناع العقلي، وكثَّر من ذلك جدًّا= ألا يقبح منه ذلك، ولا يأثم ولا يكفر إذا كان في أخباره ما هو ظاهر بيّن فيما هو كفر؟
وقال ابن حجر الهيتمي في «الإعلام» بهامش «الزواجر» (ج 2 ص 31): «نقل الإمام ــ يعني إمام الحرمين ــ عن الأصوليين أن من نطق بكلمة الردة وزعم أنه أضمر توريةً كفَرَ ظاهرًا وباطنًا. وأقرَّهم على ذلك». ثم ذكر الهيتمي أن الحكم بالكفر باطنًا فيه نظر.
أقول: قولهم: «كلمة الردة» إنما يُفهم منها عند الإطلاق الكلمةُ الصريحة فيها. وقولهم: «أضمر تورية» ظاهرٌ في أن تلك التورية لا قرينة عليها، وما كان كذلك فالتلفظ به مع معرفة حاله لا يكون إلا عن تهاون شديد(1). ومن المعلوم أن من كان كارهًا لشيء نافرًا عنه فإنه يتباعد عنه ما استطاع، وهذا قد تقرَّب من الردة ما استطاع، وكفى بذلك تهاونًا. ومع هذا فقد قالوا: إن الرضا--------------------------------------------
(1) ثم رأيت في كتاب «تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي» للبقاعي (ص 23) ذكر مقالة إمام الحرمين، ثم قال: «قال الإمام الغزالي في «البسيط» بعد حكايته أيضًا عن الأصوليين: لحصول التهاون منه». ومنه (ص 66) عن الحافظ العراقي: «لا يُقبل ممن اجترأ على مثل هذه المقالات القبيحة أن يقول: أردت بكلامي هذا خلاف ظاهره. ولا نؤوِّل له كلامه، ولا كرامة! ». [المؤلف].

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 492)

بالكفر كفر، ولا ريب أن ذاك الخارج إلى البادية قد رضي أن يعتقد الناس ظواهر ما أخبرهم به.
وافرضْ أن أهل البادية كانوا يسألونه عن قضايا اتفقت فيهم في الوصايا وقسمة المواريث [2/ 319] يُحتاج في معرفة مقاديرها إلى معرفة دقائق الحساب، فكان يذكر لهم مقاديرَ يعلم أنها مخالفةٌ للواقع ويُضمِر توريةً في نفسه، فيعملون بظاهر فتاواه ويحفظونها ليعملوا بها فيما يتفق بعد ذلك من أمثال تلك القضايا، وترتَّب على ذلك ظلمٌ كثيرٌ للفقراء واليتامى والأرامل، وهو يزعم أنه لم يرتكب محظورًا لإضماره التوريةَ مع احتمال الامتناع العقلي؛ لأن مسائل الحساب من أوضح المعقولات، فهل يُعذَر في ذلك؟
وافرضْ أن رجلًا عاقلًا خاطبك بكلام، فتدبرتَه ملاحظًا القرائن، فعلمتَ أن الكلام ظاهر بيِّن في معنى، وأنه لا قرينةَ تَصرِف عن ذاك المعنى، وأنه لا وجهَ لفرض أن يكون المتكلِّم عجَزَ عن البيان أو جهِل أو أخطأ= أفلا تعلم بذلك بأن المتكلم أراد أن يكون كلامه ظاهرًا بيِّنًا في ذاك المعنى، وعمل بمقتضى هذه الإرادة، فجاء بالكلام على وفقها؟ ثم إن خطر ببالك احتمالُ أن يكون أراد في نفسه معنى آخر على وجه التأويل، وأن يكون ذاك المعنى الظاهر البيِّن الذي أراد أن يكون الكلام مُفْهِمًا له ثم جاء بالكلام على وفق هذه الإرادة، غيرَ واقع= أليس معنى هذا الخاطر إنما هو احتمال أن يكون الكلام كذبًا، وأن يكون المتكلم أراد إفهام الكذب وجاء بالكلام على وفق هذه الإرادة؟
أَوَلا ترى أنه لو صحَّ ما خطر ببالك لكان تأويل المتكلم في نفسه إنما هو على أحد ثلاثة أوجه:

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 493)

الأول: مثل تأويل إبراهيم عليه السلام.
الثاني: أن يكون توهَّم أنه إذا تأول في نفسه فقد برئ من معرَّة(1) الكذب.
الثالث: أن يكون إنما أعدَّ عذرًا حتى إذا انكشف الحال وبان كذبُه قال: إنما عنيتُ كيت وكيت.
فأما الأول وهو تأويل إبراهيم، فقد سبق أن محلَّه أن يكون الكلام قريب الاحتمال جدًّا لغير ما هو ظاهر فيه، وأن يكون المتكلم مضطرًّا إلى الإيهام، وأن يكون في ذاك الإيهام دفع مفسدة عظيمة، ولا تترتب عليه مفسدة ما. وهذه الأمور منتفية عن النصوص التي يزعم المتعمقون أن ظواهرها باطلة، كما قدمناه في الكلام على المقصد الخامس من مقاصد [2/ 320] ابن سينا. ومع ذلك فقد قدَّمنا الحجة على أن كلمات إبراهيم عليه السلام كذبات، وأنها لا تناسب مقام النبوة، فضلًا عن مقام الربوبية.
وأما الوجه الثاني، فممتنع في النصوص. كيف وقد ثبت الحكم على كلمات إبراهيم عليه السلام بأنها كذبات وخطايا، وأنها لا تناسب مقام النبوة فضلًا عن مقام الربوبية، فما بالك بما هو أشدُّ منها بدرجات كثيرة كما مرَّ؟!
وأما الوجه الثالث، فتعالى الله عز وجل وتنزه أنبياؤه عنه، إنما هو دأب الكذابين، إذا افتضح أحدهم قال: إنما عنيتُ كيت وكيت!
واعلم أن مقتضى كلام الرازي في منعه الاحتجاج البتة بالنصوص في العقائد التي لا يجزم العقلُ وحده فيها بالجواز: أنه لو كان الرازي في عهد--------------------------------------------
(1) (ط): «معرفة» خطأ.

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 494)