وسبق أن نقلنا في الرد على الشبهة الثالثة قول الحافظ ابن رجب الحنبلي (الذي نقل الأستاذ محمد حسين بعضه ولم ينقله كله): «وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع إنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: «نعمت البدعة هذه»، ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول في الشريعة يُرجع إليها، فمنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحث على قيام رمضان ويُرغّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحداناً، وهو صلى الله عليه وآله وسلم صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع بعد ذلك معللاً بأنه خشي أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به (1)، وهذا قد أُمِنَ بعده صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنه أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر (2)، ومنها أنه أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلا». (3)
2 - قال الإمام الشاطبي رحمه الله: «فإن قيل كيف سماها عمر رضي الله عنه بدعة وحسنها بقوله: نعمت البدعة هذه، وإذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع.
فالجواب: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واتفق أنها لم تقع في زمان أبي بكر رضي الله عنه لا أنها بدعة في المعنا، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي، وعند ذلك لا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه» (4)--------------------------------------------
(1) رواه الإمام البخاري (2012).
(2) رواه الإمام أبو داود (1375) وصححه الشيخ الألباني.
(3) جامع العلوم والحكم (ص366، 367).
(4) الاعتصام (1/ 190).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأما قول عمر رضي الله عنه: «نعمت البدعة هذه» فأكثر ما فيه تسمية عمر تلك بدعة، مع حسنها، وهذه تسمية لغوية، لا تسمية شرعية. وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعية: فما لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا كان نص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد دل على استحباب فعل، أو إيجابه بعد موته، أو دل عليه مطلقا، ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة، الذي أخرجه أبو بكر رضي الله عنه، فإذا عمل ذلك العمل بعد موته، صح أن يسمي بدعة في اللغة، لأنه عمل مبتَدَأ، كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمى بدعة، ويسمى محدثا في اللغة.
ثم ذلك العمل الذي دل عليه الكتاب والسنة: ليس بدعة في الشريعة، وإن سمي بدعة في اللغة. فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة. وقد علم أن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كل بدعة ضلالة» لم يُرَدْ به كل عمل مُبتَدَأ، فإن دين الإسلام ـ بل كل دين جاءت به الرسل ـ فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد ما ابتُدِئ من الأعمال التي لم يشرعها هو صلى الله عليه وآله وسلم.
وإذا كان كذلك فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادي، وقد قال لهم في الليلة الثالثة، أو الرابعة، لما اجتمعوا: «إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم، إلا كراهة أن تفرض عليكم، فصلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (1) فعلل صلى الله عليه وآله وسلم عدم الخروج بخشية الافتراض، فعُلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم، فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد. فصارت هذه الهيئة، وهي اجتماعهم في المسجد وعلى إمام واحد مع الإسراج عملًا لم يكونوا يعملونه من قبل، فسُمِّي بدعة؛--------------------------------------------
(1) رواه الإمام البخاري (2012، 7290)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
لأنه في اللغة يسمى بذلك. ولم يكن بدعة شرعية، لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح، لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض زال بموته صلى الله عليه وآله وسلم فانتفى المعارض» (1).
* قال الأستاذ محمد حسين ص (22 - 23): «لعل قائل (2) يقول: صلاة التراويح جماعة في المسجد خلف إمام واحد ليست بدعة لقيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة في رمضان، فأقول: فما الأمر الذي تخلف في اليوم الرابع حيث لم يخرج عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالأيام الثلاثة الأولا؟»
* الرد:
هذا الأمر ذكره الأستاذ محمد حسين نفسه (ص21) وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أما بعد فإنه لم يَخْفَ عليّ مَكانُكم، ولكن خشِيتُ أن تُفتَرض عليكم فتعجزوا عنها».
وقال الحافظ ابن حجر: «فلما مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم حصل الأمن من ذلك» (3).
* قال الأستاذ محمد حسين (ص23): «فبجانب قول عمر رضي الله عنه أنها بدعة فقد روى سعيد بن منصور في سننه عن زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: «سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول: «إن الله كتب عليكم صيام رمضان ، ولم يكتب عليكم قيامه ، وإنما القيام شيء ابتدعتموه فدوموا عليه ولا تتركوه ، فإن ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضوان الله فعاتبهم الله بتركها ، فقال: {وَرَهْبانِيّةً ابْتَدَعُوها}» فقد سمّى الصحابي الجليل أبو أمامة الباهلي قيام رمضان جماعة في المسجد بدعة واستحسنها وطلب المداومة عليها. انتهى كلامه.
الرد:
1 - لم أجد هذا الأثر في سنن الإمام سعيد بن منصور، وإنما وجدته في تفسير الإمام الطبري (برقم 26063) عند تفسير الآية 27 من سورة الحديد، قال الإمام--------------------------------------------
(1) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (ص 250)
(2) هكذا بالأصل، والصواب: قائلاً. ولعله خطأ طباعي.
(3) فتح الباري، شرح حديث (2010).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
الطبري: «حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال: حدثنا هشيم ، قال: أخبرنا زكريا بن أبي مريم ، قال: سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول: «إن الله كتب عليكم صيام رمضان، ولم يكتب عليكم قيامه ، وإنما القيام شيء ابتدعتموه ، وإن قوما ابتدعوا بدعة لم يكتبها الله عليهم ، ابتغوا بها رضوان الله ، فلم يرعوها حقّ رعايتها ، فعاتبهم الله بتركها ، فقال: {وَرَهْبانِيّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلاّ ابْتِغاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقّ رِعايتِها}» (الحديد:27) ا. هـ.
قال الإمام ابن أبي حاتم الرازي في كتاب (الجرح والتعديل) عن زكريا بن أبي مريم: «روى عن أبي أمامة، روى عنه هشيم، سمعت أبى يقول ذلك، حدثنا عبد الرحمن نا صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل نا علي يعنى بن المديني قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، وذكر زكريا بن أبي مريم الذي روى عنه هشيم، فقال: قلنا لشعبة: لقيتَ زكريا سمع من أبى أمامة، فجعل يتعجب ثم ذكره، فصاح صيحة، قال أبو محمد: دلت صيحة شعبة أنه لم يرض زكريا.
قال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان ترجمة رقم (1942): «زكريا بن أبي مريم شيخ، حدّث عنه هشيم، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال عبد الرحمن بن مهدي: ذكرناه لشعبة فصاح صيحة، قال ابن أبي حاتم عقب حكاية بن مهدي: فدلت صيحة شعبة أنه لم يرضه، وقال الساجي: تكلموا فيه، وقال أبو داود: لم يرو عنه إلا هشيم، وقال الدارقطني: يعتبر به، وقد ذكره ابن حبان في الثقات» ا. هـ.
هل يُعتمد على توثيق ابن حبان؟
قال الشيخ الألباني في كتابه (تمام المنة في التعليق على فقه السنة: ص20 - 21): « … المجهول بقسميه لا يُقبل حديثه عند جمهور العلماء، وقد شذّ عنهم ابن حبان فقبل حديثه، واحتج به وأورده في (صحيحه)، قال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان): «قال ابن حبان: من كان منكر الحديث على قلته لا يجوز تعديله إلا بعد السبر، ولو كان ممن يروي المناكير، ووافق الثقات في الأخبار، لكان عدلا مقبول الرواية، إذ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
الناس أقوالهم على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح [فيُجرح بما ظهر منه من الجرح]، هذا حكم المشاهير من الرواة، فأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء فهم متروكون على الأحوال كلها». (الضعفاء: 2/ 192 - 193) والزيادة من ترجمة عائذ الله المجاشعي.
ثم قال الحافظ: «قلت: وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من (أن الرجل إذا انتفت جهالة عَيْنِه كان على العدالة حتى يتبين جرحه) مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا مسلك ابن حبان في (كتاب الثقات) الذي ألفه، فإنه يذكر خلقا نص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكأنّ عند ابن حبان أنّ جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره». هذا كله كلام الحافظ.
ومن عجيب أمر ابن حبان أنه يورد في الكتاب المذكور ـ بناء على هذه القاعدة المرجوحة ـ جماعة يصرح في ترجمتهم بأنه «لا يعرفهم ولا آباءهم»! فقال في الطبقة الثالثة: «سهل، يروي عن شداد بن الهاد، روى عنه أبو يَعْفور، ولست أعرفه، ولا أدري مَنْ أبوه».
ومن شاء الزيادة في الأمثلة فليراجع (الصارم المُنْكي: ص 92 - 93)، وقد قال بعد أن ساقها: «وقد ذكر ابن حبان في هذا الكتاب خلقا كثيرا من هذا النمط، وطريقته فيه أنه يذكر من لم يعرفه بجرح وإن كان مجهولا لم يعرف حاله، وينبغي أن ينتبه لهذا ويعرف أن توثيق ابن حبان للرجل بمجرد ذكره في هذا الكتاب من أدنى درجات التوثيق».
ولهذا نجد المحققين من المحدثين كالذهبي والعسقلاني وغيرهما لا يوثقون من تفرد بتوثيقه ابن حبان. انتهى كلام الشيخ الألباني (بتصرف).
2 - على فرض صحة الأثر ـ وقد تبين ما فيه ـ فإن كلام أبي أمامة رضي الله عنه لا يعدو أن يكون مثل كلام عمر رضي الله عنه وقد سبق بيان معناه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
3 - تفسير الآية: قال الحافظ ابن كثير: «يخبر تعالى أنه منذ بعث نوحا عليه السلام لم يرسل بعده رسولا ولا نبيا إلا من ذريته وكذلك إبراهيم عليه السلام ـ خليل الرحمن ـ لم ينزل من السماء كتابا ولا أرسل رسولا ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته، حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم الذي بَشَّرَ مَنْ بعده بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ} وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} وهم الحواريون {رَأْفَةً} أي رقة وهي الخشية {وَرَحْمَةً} بالخلق، وقوله: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} أي ابتدعتها أمة النصارى {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} أي ما شرعناها لهم وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم، وقوله تعالى: {إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ} فيه قولان:
أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير وقتادة.
والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم رضوان الله.
وقوله تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} أي فما قاموا بما التزموه حق القيام وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله.
والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل.
4 - ليس في الآية دليل على جواز الابتداع في الدين أو أن في الإسلام بدعة حسنة فقد تبين من كلام الحافظ ابن كثير أن الله قد ذمّ ابتداعهم في دين الله ما لم يأمر به الله، ولو فُرِضَ أن هذا جائز في شرع من قبلنا (النصارا) فقد جاء شرعُنا بنسخه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل بدعة ضلالة» (1).--------------------------------------------
(1) رواه الإمام مسلم (867).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
الشبهة السادسة
قال (ص23، 24) إن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما استحسن صلاة الضحى جماعة في المسجد وسماها بدعة حسنة.
الرد:
سنذكر الآثار التي استدل بها الأستاذ محمد حسين ونرد على كلامه بالتفصيل:
* أولاً: قال الأستاذ محمد حسين (ص23 - 24): «عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جالس إلى حجرة عائشة والناس يصلون الضحى في المسجد فسألناه عن صلاتهم، فقال: «بدعة» رواه البخاري (1)، ففي الحديث تسمية ابن عمر لصلاة الضحى جماعة في المسجد بدعة ولم يذمها ولم ينه عنها ومثله ومثل مجاهد وابن الزبير لا يترك بدعة ضلالة أمامه ويقرها».
* الرد:
قوله إن ابن عمر لم يذمها ولم ينه عنها … إلخ، أقول: ألم يقل ابن عمر إنها بدعة؟ وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «كل بدعة ضلالة»، أليس هذا إنكاراً لها أم لابد أن ينكر عليهم باليد؟ ويدل على إنكار ابن عمر رضي الله عنه قول الإمام النووي: «وأما ما صح عن ابن عمر أنه قال في الضحى: هي بدعة، محمول على أن صلاتها في المسجد والتظاهر بها، كما كانوا يفعلونه بدعة، لا أن أصلها في البيوت ونحوها مذموم» (2)، ويدل على ذلك أيضاً ما قاله الحافظ في فتح الباري ـ بعد عدة أسطر من المكان الذي نقل منه الأستاذ محمد حسين ـ: «قال عياض وغيره: إنما أنكر ابن عمر ملازمتها وإظهارها في المسجد، وصلاتها جماعة، لا أنها مخالفة للسنة، ويؤيده ما رواه ابن أبى شيبة عن ابن--------------------------------------------
(1) رواه الإمام البخاري (1775).
(2) شرح صحيح الإمام مسلم حديث (7/ 7).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
مسعود أنه رأي قوماً يصلونها فأنكر عليهم، وقال: إن كان ولابد ففي بيوتكم» اهـ.
* ثانياً: قال الأستاذ محمد حسين (ص24): «جاء في (فتح الباري) لابن حجر عن الحكم بن الأعرج عن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحا، فقال: «بدعة ونعمت البدعة» كما روى عبد الرزاق في مصنفه بإسناد صحيح كما ذكره أيضاً صاحب فتح الباري … عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: «لقد قُتل عثمان وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئاً أحب إليَّ منها»، فقد استحسن ابن عمر صلاة الضحى جماعة في المسجد وسماها بدعة ومحدثة».
* الرد:
1 - أطلب من القارئ الكريم أن يقرأ النص مرة أخرى فقد سئل ابن عمر عن صلاة الضحى (لم يُسأل عن صلاة الضحى جماعة وفي المسجد)، فقال: «بدعة ونعمت البدعة»، فمن أين جاء بهذا الاستدلال العجيب.
2 - أما قوله: «نعمت البدعة» و «وما أحدث الناس شيئاً أحب إليَّ منها» فليس دليلاً على جواز الابتداع في الدين؛ فقد تقدم كلام ابن رجب الحنبلي: «وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية» (1) فيكون قوله رضي الله عنه كقول أبيه في صلاة التراويح: «نعمت البدعة» من حيث المداومة عليها كما سبق الرد عليه.
ويدل لذلك قول عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلى سُبْحة الضحى قط، وإني لأُسبّحها، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لَيَدَع العمل وهو يحب أن يَعْمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم» (2).
قال الإمام البيهقي: «عندي أن المراد بقولها: «ما رأيته سبحها» أي داوم--------------------------------------------
(1) جامع العلوم والحكم (366).
(2) رواه الإمام مسلم (718).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
عليها، وقولها: «وإني لأسبحها» أي أداوم عليها» (1).
قال الإمام النووي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يواظب عليها خشية أن تفرض، وهذا في حقه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ثبت استحباب المحافظة في حقنا بحديث أبى الدرداء وأبى ذر (2).
فقول ابن عمر رضي الله عنه عن صلاة الضحى: «نعمت البدعة»، ليس دليلاً على الابتداع في الدين، فسنة الضحى ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فعله ومن قوله (3).
بل ثبت في السنة ما يدل على جواز صلاة الضحى في المسجد ـ فرادى وليس في جماعة ـ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سريَّة فغنموا وأسرعوا الرجعة، فتحدث الناس بقُرْب مغزاهم وكثرة غنيمتهم وسرعة رَجْعتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا أدلكم على أقرب منه مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة؟ من توضأ ثم غدا إلى المسجد لِسُبحة الضحا، فهو أقرب مغزى وأكثر غنيمة، وأوشك رجعة» (4).
قال الحافظ ابن حجر: «وفي الجملة ليس في أحاديث ابن عمر ما يدفع مشروعية صلاة الضحا؛ لأن نفيَه محمول على عدم رؤيته لا على عدم الوقوع في نفس الأمر، أو الذي نفاه صفة مخصوصة» (5).
الشبهة السابعة
استدلال الأستاذ محمد حسين (ص24، 25) بهذا الحديث: عن بلال بن--------------------------------------------
(1) فتح الباري شرح حديث (1177).
(2) شرح صحيح الإمام مسلم حديث (717 - 721).
(3) انظر: البخاري (1176، 1178)، ومسلم (718، 719، 720، 721).
(4) رواه الإمام أحمد (6638) وقال الشيخ الألباني: «حسن صحيح»، وقال الشيخ أحمد شاكر: «إسناده صحيح».
(5) فتح الباري، شرح حديث (1175)، وانظر المسألة بالتفصيل في زاد المعاد (1/ 341 - 360).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
الحارث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «اعلم»، قال: «ما أعلم يا رسول الله؟»، قال: «إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ومن ابتدع بدعة ضلالة، لا يرضاها الله ورسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً»، ثم قال الأستاذ محمد حسين: «فقد قيد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم البدعة هنا بكونها ضلالة وقابل بها السنة، وهذا بمفهومه يفيد أن من البدع ما ليس بضلالة، وهو ما لا يقابل السنة الحسنة، بل يساويها ويكون مثلها».
الرد:
1 - الحديث أخرجه الإمام الترمذي (2830)، والإمام ابن ماجة (210) وهو حديث ضعيف؛ حيث إن فيه كثير بن عبد الله، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في (جامع العلوم والحكم) عنه: فيه ضعف، وقال عنه الإمام الشافعي والإمام أبو داود: أحد الكذابين، وقال عنه الإمام أحمد: منكر الحديث، ليس بشيء ولذلك ضعفه الشيخ الألباني (1) وغيره.
2 - على فرض صحة الحديث ـ وقد تبين أنه ضعيف ـ فإن الأستاذ محمد حسين استدل بمفهوم المخالفة، وإذا قلنا بمفهوم المخالفة على رأي طائفة من أهل الأصول، فإن الدليل دل على تعطيله في هذا الموضع وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل بدعة ضلالة» (2)، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم إن صح الحديث: «ومن ابتدع بدعة ضلالة، لا يرضاها الله ورسوله» صلى الله عليه وآله وسلم ذكر لبيان الواقع فكل بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس معناه أن هناك بدعاً ضلالة يرضاها الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وبدعاً ضلالة لا يرضاها الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الضلالة لازمة للبدعة على الإطلاق.
ومثله قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً}--------------------------------------------
(1) انظر ضعيف سنن الترمذى (500) وضعيف سنن ابن ماجه (37).
(2) رواه الإمام أبو داود (4607) وصححه الشيخ الألباني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
[آل عمران: 30] فإنه لا يعمل بمفهوم المخالفة وهو: جواز أكل الربا إذا لم يكن أضعافاً مضاعفة، لأن الدليل دل على تحريم الربا قليله وكثيره (1).
3 - يقول الأستاذ محمد حسين: «من البدع ما ليس بضلالة وهو ما لا يقابل السنة، بل يساويها ويكون مثلها» ا. هـ.
ولنا سؤال: كيف نعرف أن هذه بدعة ضلالة وتلك بدعة ليست ضلالة وتساوى السنة؟ لمن نرجع في التمييز بينهما؟ هل نرجع للأستاذ محمد حسين أم لغيره؟ ولو تُرك الأمر هكذا لكان لكل مسلم بدعه الخاصة به التي يرى أنها ليست ضلالة ويرى أنها تساوى السُّنة وتكون مثلها، وتكون النتيجة أن يكون لكل مسلم ديناً يختلف عن الأخر.
ونقول للأستاذ محمد حسين: المرجع في ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال: «كل بدعة ضلالة».
الشبهة الثامنة
استدلاله بحديث: «من سَنّ في الإسلام سُنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنّ في الإسلام سُنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» رواه مسلم، ثم قال: «فالحديث يثبت الابتداع الحسن في الإسلام ويقره ويثبت الابتداع السيئ في الإسلام ولا يقره … » إلخ (ص25 - 26).
الرد:
1 - قال الإمام الشاطبي رحمه الله: «ليس المراد بالحديث الاستنان بمعنى الاختراع--------------------------------------------
(1) انظر الاعتصام (1/ 181)، الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان (ص370).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
وإنما المراد العمل بما ثبت من السنة النبوية، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن السبب الذي جاء لأجله الحديث هو الصدقة المشروعة بدليل ما ثبت في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صدر النهار فجاء قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مُضر بل كلهم من مضر، فتمعّر وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما رأي بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: «{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} إلى آخر الآية: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] والآية التي في الحشر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18] تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره»، حتى قال: «ولو بشق تمرة»، قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومَين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها … » إلخ الحديث (1).
فتأملوا أين قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة … » تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر عليه حتى بتلك الصرة فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، فسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة … » الحديث، فدل على أن السنة ها هنا مثل ما فعل ذلك الصحابي، وهو العمل بما ثبت كونه سنة.
الوجه الثاني من وجهي الجواب: أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة … » لا يمكن حمله على الاختراع من أصل، لأن كونها حسنة أو سيئة لا--------------------------------------------
(1) رواه الإمام مسلم (1017) مجتابى النمار: خرقوها وقوروا وسطها، النمار: ثياب صوف، تمعر: تغير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
يعرف إلا من جهة الشرع؛ لأن التحسين والتقبيح مختص بالشرع، لا مدخل للعقل فيه وهو مذهب جماعة أهل السنة، وإنما يقول به المبتدعة، أعنى: التحسين والتقبيح بالعقل، فلزم أن تكون السنة في الحديث إما حسنة في الشرع وإما قبيحة بالشرع فلا يصدق إلا على مثل الصدقة المذكورة، وما أشبهها من السنن المشروعة وتبقى السنة السيئة مُنَزّلة على المعاصي التي ثبت بالشرع كونها معاصي، كالقتل في حديث ابن آدم حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لأنه أول من سَنَّ القتل» (1) وعلى البدع لأنه قد ثبت ذمها والنهي عنها بالشرع كما تقدم» (2).
2 - يقول الأستاذ محمد حسين: «فالحديث يثبت الابتداع الحسن في الإسلام ويقره».
ونقول له: من أين لك هذا؟ وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة»، ولم يقل: «من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة».
ومما يدل على تناقضه قوله بعد سطور: «وأما حسنة وسيئة فهو مما دل عليه أصل في الدين يحسنه أو يصححه» ا. هـ.
ونسأله: لِمَ ردّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قول الثلاثة الذين قال أحدهم: «أما أنا فأنا أصلى الليل أبداً»، وقال آخر: «أنا أصوم الدهر ولا أفطر» وقال آخر: «أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً»، وقال لهم: «من رغب عن سنتي فليس مني» (3) مع أن لفعلهم هذا أصلاً في الشرع من الصلاة والصيام؟--------------------------------------------
(1) رواه الإمام البخاري (3335).
(2) الاعتصام (1/ 179 - 181) بتصرف.
(3) رواه الإمام البخاري (5063).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
الشبهة التاسعة
قوله (ص26 - 27): إن البدعة الحسنة في الدين قد يكون في الدين ما هو أحسن منها، وهذا لا ينفي حسنها وإن أثبت ما هو أفضل منها … واستدل بقول غضيف بن الحارث الثمالى: «بعث إلاّ عبد الملك بن مروان، فقال: «يا أبا سليمان إنا قد جمعنا الناس على أمرين»، فقال: «وما هما؟» قال: «رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر»، فقال: «أما إنهما أمثل بدعتكم عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منها، قال: «لم؟» قال: «لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا رُفِعَ مثلها من السنة»، فتمسُّك بسنة خيرٌ من إحداث بدعة».
ثم قال الأستاذ محمد حسين: «فغضيف رضي الله عنه أثبت أن الدعاء يوم الجمعة ورفع الأيدي على المنابر وكذلك الدرس الديني ـ القصص ـ بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر بدعة، سماها أمثل بدعكم فوصفها بالحسن، كما أن التمسك بما كان عليه الأمر قبل البدعة التي استحسنها بقوله: «خير من إحداثها»، فقال: «خير من إحداث بدعة»، و «خير» أفعل تفضيل بين خيرين».
الرد:
أولاً: هذا الأثر رواه الإمام أحمد في المسند (16907) وقال محققه: إسناده ضعيف ـ وقال محقق جامع العلوم والحكم: وفي الإسناد (بقية) وهو مدلس وقد عنعن، وفيه أبو بكر بن أبى مريم وهو ضعيف. اهـ فهذا الأثر لا يثبت، بل هو ضعيف؛ لأن في إسناده أبا بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني وهو ضعيف، ضعفه الأئمة أحمد، وأبو داود، وأبو حاتم، وابن معين وأبو زرعة، وابن سعد، وابن عدي، والدارقطني، انظر ترجمته في (تهذيب التهذيب: 12/ 28 - 29)، و (تقريب التهذيب: 2/ 398)، و (ميزان الاعتدال: 4/ 498)، و (سير أعلام النبلاء: 7/ 64).
ثانياً: على افتراض صحة هذا الأثر، فإنه لا يجوز أن يعارَض كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكلام أحد من الناس كائناً من كان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
ثالثاً: على فرض صحة الحديث فإنه لا يصح للاستدلال به على أن هناك بدعة حسنة في الدين وفي الشرع أفضل منها، وذلك لما يأتي:
1 - أن غضيفاً بن الحارث رضي الله عنه رفض الاستجابة لهذه البدع، وردها، ولو كانت حسنة، لما امتنع من الأخذ بها، بل لم يُجِبْهم إلى هذه البدعة حيث قال: «ولست بمجيبكم إلى شيء منها»، وهذا إنكار منه وإلا لو كانت بدعة حسنة لكان هو أول من يفعلها لأنه راوي الحديث ولم يفهم منه مثل ما فهم الأستاذ محمد حسين.
2 - استدلال غضيف رضي الله عنه بعدم إجابتهم إلى شيء منها بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أحدث قوم بدعة إلا رُفع من السنة مثلها» فبدعتهم بنص الحديث سبب في رفع السنة، فلو كانت هذه البدعة حسنة، لم يرفع من السنة مثلها؛ لأن رفع السنة عقوبة، والحسَن لا يعاقَب عليه. فهل يُعقل أن تكون هناك بدعة حسنة مع كونها سبباً في رفع السنة، فالحديث حجة على الأستاذ محمد حسين؛ لأن الحديث يدل على العموم «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة» فكل بدعة سبب في رفع مثلها من السنة، فكيف يمكن أن تكون هناك بدعة حسنة؟
رابعاً: يقول الأستاذ محمد حسين: سماها «أمثل بدعكم» فوصفها بالحسن كما ذكر أن التمسك بما كان عليه الأمر قبل البدعة التي استحسنها بقوله: «خير من إحداثها»، فقال: «خير من إحداث بدعة»، و «خير» أفعل تفضيل بين خيرين» اهـ.
* الرد: هذا استدلال عجيب جداً فهل قول: «تمسك بسنة خير من إحداث بدعة» دليل على أن إحداث البدعة فيه خير ولكن التمسك بالسنة فيه خير أفضل منه؟ سبحان الله العظيم!!! هل قولنا إن الجنة خير من النار دليل على أن النار فيها خير وأن الجنة أفضل منها؟ قال تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} [الفرقان: 24] هل قولنا إن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خير من أبى جهل دليل على أن أبا جهل فيه خير ولكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أفضل منه؟ ومن أوضح الأدلة على ذلك أيضاً قول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
يوسف عليه السلام: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39] وهذا تفضيل لا يدل على اشتراكهما في الصفة، وليس دليلاً على أن أصنامهم فيها خير.
* وكذلك قول غُضَيفٍ رضي الله عنه: «إنهما أمثل بدعتكم عندي» أمر نسبي، أي هي بالنسبة للبدع الأخرى أخف شراً، وأقل مخالفة. وليس معناه أنه استحسنهما، بل معناه أن هاتين أخف بدعكم ضرراً كما يقال: «المريض اليوم أمثل»، أي: أحسن حالاً، وليس معناه أنه شفي تماماً، وهذا مثال للتوضيح: لو أن مدرساً عقد امتحاناً لطلابه وعددهم 50 طالباً مثلاً وحصل أفضل الطلاب على 15 ? فمن الطبيعي أن يقول له المدرس: أنت أفضل طالب في الفصل، فهل يعنى ذلك أن هذا الطالب جيد؟ كلا، بل يعنى أن هذا الطالب هو أقلهم سوءاً.
ملحوظة: هناك فرق بين كون الشيء بدعة وكونه مخالفاً للسنة فمثلاً إطالة الخطيب في خطبة الجمعة مخالف للسنة ولكنه ليس ببدعة اصطلاحاً، وكذلك إرسال اليدين وعدم وضعهما على الصدر أثناء القيام الذي قبل الركوع مخالف للسنة وليس ببدعة. فكذلك كون القصص بعد الفجر والعصر مخالف للسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتخول أصحابه بالموعظة مخافة السآمة عليهم، ولكن ليس معنى ذلك أن تحديد موعد للدرس بدعة لا عندنا ولا عند الأستاذ محمد حسين. وكذلك رفع اليدين على المنابر في الدعاء فإنه ليس بدعة ولكن الكلام في المواظبة عليها.
الشبهة العاشرة
استدلاله (ص27 - 30) بجمع أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما للمصحف.
الرد:
أولاً: القرآن كان في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكتوباً في الصحف؛ لقوله تعالى: {يَتْلُو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
صُحُفاً مُطَهَّرَة} [البينة: 2] وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» (1)، لكنها كانت مفرقة، كما يدل على ذلك قول زيد بن ثابت رضي الله عنه في قصة جمع القرآن التي رواها الإمام البخاري: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال».
ثانياً: إن جمع القرآن لم يأت به الصحابة من تلقاء أنفسهم، بل هو تحقيق لوعد الله تعالى أيضاً بجمعه؛ كما وعد بحفظه: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 17]، فإذا جمعنا بين الآيتين؛ تبين لنا يقيناً أصل عظيم وهو أن الذي شرع الغاية لم ينس الوسيلة، فكما أن حفظ القرآن غاية شرعها الله، كذلك جَمْعه وسيلة بيّنها الله، فكان على عهد النبوة مكتوباً في الصحف التي هي العسب واللخاف (2) وكذلك صدور الرجال، فلما رأى الصحابة أن القتل استحرَّ بالقراء يوم اليمامة؛ لجؤوا إلى الوسائل الأخرى التي كان القرآن مكتوباً فيها، فجمعوها، وكان ذلك إيذاناً من الله بتحقيق جمع القرآن وحفظه.
ثالثاً: إن اتفاق الصحابة وقع على جمع القرآن وذلك إجماع منهم وهو حجة بلا ريب كيف وهم القوم لا يجتمعون على ضلالة؟! وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ اللهَ ـ تعالى ـ لا يَجمعُ أُمَّتي على ضلالةٍ» (3).
رابعاً: إن حاصل ما فعله الصحابة وسائل لحفظ أمر ضروري، أو دفع ضرر اختلاف المسلمين في القرآن، والأمر الأول من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، والأمر الثاني من باب «درء المفاسد، وسد الذرائع» وهي قواعد أصولية مستنبطة من الكتاب والسنة.
فإن قيل: فلماذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قيل: لوجود المانع، وهو أن القرآن--------------------------------------------
(1) رواه الإمام مسلم (3004).
(2) العسب جمع عسيب وهو جريد النخل، و (اللخاف) كلِحاف: حجارة بيض رقاق، واحدتها لخفة، كسمكة.
(3) رواه الإمام الحاكم في المستدرك، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (1848).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
كان يتنزل عليه طيلة حياته، وقد ينسخ الله سبحانه منه ما يريد، فلما انتفى المانع؛ فعله الصحابة رضي الله عنهم باتفاق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «المانع من جمعه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الوحي كان لا يزال ينزل، فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد. فلو جمع في مصحف واحد، لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن بموته، واستقرت الشريعة بموته صلى الله عليه وآله وسلم أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم، والمقتضي للعمل قائم بسنته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعمل المسلمون بمقتضى سنته، وذلك العمل من سنته، وإن كان يسمى في اللغة بدعة» (1).
خامساً: قال الإمام الشاطبي رحمه الله: «هذا من قبيل المصالح المرسلة، لا من قبيل البدعة المحدثة، والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، فهي من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول وإن كان فيها خلاف بينهم، ولكن لا يعد قدحاً على ما نحن فيه، فقد اختلف الناس في القراءة فخاف الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ اختلاف الأمة في ينبوع الملة، فقصروا الناس على ما ثبت في مصاحف عثمان رضي الله عنه وطرحوا ما سوى ذلك، علماً بأن ما طرحوه مضمن في ما أثبتوه؛ لأنه من قبيل القراءات التي يؤدى بها القرآن» (2).
وقال أيضاً: «وهذا له أصل يشهد له في الجملة، وهو الأمر بتبليغ الشريعة، وذلك لا خلاف فيه؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67] وأمته مثله» (3)، وقال الحافظ ابن رجب: «وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بكتابة الوحي، ولا فرق بين أن يكتب مفرقاً أو مجموعاً، بل جمعه صار أصلح» (4).--------------------------------------------
(1) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (ص 250)
(2) الاعتصام (1/ 181، 182) بتصرف.
(3) الاعتصام (1/ 182) بتصرف.
(4) جامع العلوم والحكم (476).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
* قال الدكتور عبد الكريم زيدان: «لا خلاف بين العلماء في أن العبادات لا يجرى فيها العمل بالمصالح المرسلة، لأن أمور العبادة سبيلها التوقيف، فلا مجال فيها للاجتهاد والرأْي، والزيادة عليها ابتداع في الدين، والابتداع مذموم فكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (1)، وقد قال الأستاذ محمد حسين (ص29): «اقتضت المصلحة ذلك … » وقال (ص30): «رأي الصحابة والمسلمون المصلحة في ذلك» ا. هـ. فهذا من قبيل المصالح المرسلة (2) فليس في جمع الصحابة للقرآن دليل على أن في الإسلام بدعة حسنة (3).
سادساً: قد أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم باتباع سنة الخلفاء الراشدين وهذا من سنة خلفائه الراشدين.
الشبهة الحادية عشرة
استدلاله (ص30) بتشكيل المصحف وتنقيطه ووضع الأعشار والأرباع والأحزاب.
الرد:
الرد على هذه الشبهة كالرد على الشبهة السابقة فهذا من المصالح المرسلة وقد اتفق المسلمون على ذلك للمصلحة كما قال الأستاذ محمد حسين (ص30) (4)، فليس فيها دليل على ما ذهب إليه؛ لدخوله تحت عموم الأدلة الدالة على وجوب حفظ--------------------------------------------
(1) الوجيز في أصول الفقه (ص238 - 242) بتصرف.
(2) الوجيز في أصول الفقه (ص237).
(3) راجع للأهمية: القاعدة التاسعة: الفرق بين البدع والمصالح المرسلة.
(4) راجع القاعدة التاسعة: الفرق بين البدعة والمصالح المرسلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
القرآن وإتقانه تلاوةً وتعلمًا وتعليمًا. والظاهر دخول النقط والشكل في عموم النصوص الدالة على وجوب حفظ القرآن كما أنزل.
الشبهة الثانية عشرة
استدلاله (ص30، 31) بالأذانين لصلاة الجمعة في عهد عثمان لما اتسعت المدينة وسوقها وهذا محدث في صلاة الجمعة ولم يخالف في ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ص30، 31).
الرد:
1 - هذا من سنة الخلفاء الراشدين وقد أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم باتباع سنتهم، فهذه سنة شرعية نحن مأمورون باتباعها.
2 - لم يسنه عثمان رضي الله عنه إلا لسبب لم يكن موجوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو سعة المدينة وتباعد الناس (1) فقد زاده عثمان لحاجة الناس إليه، وأقرَّهُ عليّ رضي الله عنه، واستمر عمل المسلمين عليه (2).
3 - يقول الأستاذ محمد حسين (ص31): «وهذا محدث ولم يخالف أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم».
ونقول: عدم مخالفة الصحابة رضي الله عنهم في ذلك إجماع منهم على هذا الأمر، والإجماع أحد أدلة الأحكام الشرعية، فالدليل الإجماع وليس أنه بدعة محدثة حسنة.
تنبيه: الهدف من الأذان الذي زاده عثمان رضي الله عنه تنبيه الناس أن اليوم يوم جمعة حتى--------------------------------------------
(1) الشرح الممتع (3/ 573) بتصرف.
(2) جامع العلوم والحكم (467).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)