Arabic source text

📘 আল-কাওলুল মু-তাবার ফী বায়ানিল ই-জাযি লিল হুরূফিল মুকাত্তাআতি মিন ফাওয়াতিহিস সুওয়ার (ইয়াস আল খাত্তাব)

📘 القول المعتبر في بيان الإعجاز للحروف المقطعة من فواتح السور (إياس آل خطاب)

📘 আল-কাওলুল মু-তাবার ফী বায়ানিল ই-জাযি লিল হুরূফিল মুকাত্তাআতি মিন ফাওয়াতিহিস সুওয়ার (ইয়াস আল খাত্তাব)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وليس بجمعها، إذ ليس في أي من الأقوال حجة قوية على استخلاص المقاصد وتفردها بما في الفواتح من حكمة، ولا تقوم إحداها إلا بعضد الأخرى أو ضدها، كما أن أقوال أهل العربية ليس في أي منها حجة، لمخالفة الحروف أصل المعروف من كلام العرب - وهم من أقر بهذا - وإن كانت هذه الفواتح كما نعلم من حروف العرب، وأهل العربية حجة في بيان أصول النحو والصرف والبلاغة وأصول البيان، لكنهم ليسوا بحجة في تأويل كلام الله إذا لم يوافقوا هذه الأصول. كيف لا وقد جاءت هذه الحروف بنظم لم يأت به أحد ولم يقله إلا الواحد الأحد، ولم يكن هذا النظم للمخالفة أو لإعجاز الناس عن فهمها، بل لأن فيها بَيَاناً لم ينسبه أحد لنفسه من قبل ومن بعد - كما سيظهر لنا إن شاء الله - أما غير هذه الأقوال فلا حجة فيه البتة لعدم ثبوت الدليل القاطع والفكرة الواضحة ممن يعتد بقوله.

‌‌الباب الثالث: حصر الأقوال فيما خص بعض الفواتح
أما الأقوال فيما خص بعض هذه الفواتح كقول ابن عباس رضي الله عنه عن (ن والقلم وما يسطرون): النون هي الدواة (1)، أو النون هو الحوت (2)، فهذه آثار ضعيفة وهالكة ولا حجة--------------------------------------------
(1) حديث أول ما خلق الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة - بهذا اللفظ لتفسير النون بالدواة من حديث أبي هريرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم رواها ابن بطة في الإبانة (335/ 3) والفريابي في القدر (29/ 1) وعنه الآجري في الشريعة (513/ 1) بسند ضعيف، ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (173/ 5) وابن عدي في الكامل (269/ 6) والصنعاني في أدب الإملاء والاستملاء (ص177) وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (رقم1253): "إسناده باطل." أما الرواية عن ابن عباس فرواها ابن أبي شيبة (341/ 8) وابن أبي حاتم (1305/ 4) بسند فيه مجهول، وابن جرير (84/ 22) وأبو نعيم الأصبهاني في أخبار أصبهان (109/ 2) بإسناد ضعيف جدا من طريق ابن حميد، وعند الدينوري في المجالسة (79/ 4) بإسناد مظلم كما قال المحقق، ورواه ابن جرير (525/ 23) وعبد الرزاق في التفسير (329/ 3) بسند صحيح عن قتادة والحسن البصري.
(2) زيادة ضعيفة على حديث صحيح رواه ابن جرير (521/ 23) وابن أبي شيبة في العرش (ص307) وعبد الرزاق في التفسير (329/ 3) وفي نسخة وكيع عن الأعمش (ص56) وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (1380/ 4) والبيهقي في السنن (3/ 9) وابن منده في التوحيد (93/ 1) والفريابي في القدر (ص82) وعنه الآجري في الشريعة (519/ 1) والحاكم (540/ 2) وصححه ووافقه الذهبي. وهو من عدة طرق أشهرها عن أبي ظبيان عن ابن عباس موقوفاً ثم عن سعيد بن جبير وعن مجاهد عن ابن عباس، قال: (إن أول ما خلق الله من شيء القلم، فأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) وزيادة عن أصل المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد» رواه الإمام أحمد (317/ 5) وأبو داود (637/ 2) والترمذي (457/ 4) وابن أبي شيبة (347/ 8) والبيهقي في السنن الكبرى (204/ 10) والبزار (137/ 7) والطبراني (433/ 11) وابن جرير (526 - 527/ 23) وأبو نعيم في الحلية (248/ 5) وابن بطة في الإبانة (394/ 3) والطيالسي في المسند (ص79) وابن الجعد (215/ 7) وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم 2018و2017)، أما الزيادة فهي الموقوفة على ابن عباس عند الرواة وبكلمات مختلفة جاء فيها: "والكتاب عنده، ثم قرأ {وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم} " وفي بعضها "ثم قرأ ابن عباس: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} " وفي غيرها "ثم رفع بخار الماء، فخلقت منه السموات" وفي أخرى "ثم رفع بخار الماء، ففتقت منه السموات" وفي غيرها "ثم خلق النون فوق الماء، ثم كبس الأرض عليه." أيضاً "ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات، ثم خلق النون فدُحيت الأرض على ظهره، فاضطرب النون، فمادت الأرض، فأُثبتت بالجبال فإنها لتفخر على الأرض". وهذه الاختلافات الكثيرة أخرجت الزيادة عن أصل الصحة لأسباب كثيرة منها: أنها خالفت نص القرآن بقوله تعالى (كانتا رتقا ففتقناهما)، وأنها من خرافات الإسرائيليات المعروفة، وقد أورد هذا الأثر محمد أبو شهبة في كتاب الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير (ص305) وقال: "والظاهر أنه افتراء عليه أو هو من الإسرائيليات ألصقت به"، والدليل هو أنها ذكرت بنفس السند مرة على أصلها ومرة بزيادات مختلفة بحسب تفسير الزيادة للآية المذكورة عندها، وأنها جاءت في كتب المصنفين كابن ابي حاتم نفسه مختلفة في رسم النون، فمرة (ثم خلق النور ومرة ثم خلق النون) وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني بنفس السند (1032/ 3) "خلق الثور" بدل النور والنون، دلالة على أنها من الحواشي المضافة على أقوال الرواة، ولما ورد في إحدى هذه الروايات عن مجاهد أنه قال: "كان يقال النون: الحوت الذي تحت الأرض السابعة" الطبري (524/ 23)، ولكون الأصل المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس جاء من باب الدلالة على الإيمان بالقضاء والقدر كما قال عبادة بن الصامت بعدها لابنه: "يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من مات على غير هذا فليس مني." وأورده الكثير من أهل الحديث في باب الإيمان بالقضاء والقدر كما في السنن، وجاء في كتاب الشريعة للآجري (510/ 1) "وقد خرجت هذا الباب في كتاب القدر، وأنا أذكره ههنا لتقوى به حجة أهل الحق على أهل الزيغ"، وقصد رد الحجة على من قال بخلق القرآن وأن هذا الحديث يثبت أن الكلام كان قبل الخلق. أما الغاية من الزيادات فجاءت للتفسير فقط ولسرد ترتيب الخلق وليس لذات الغاية في الحديث الصحيح، لذلك فلا حجة فيها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)

فيها، وإن كانت تروى عن بعض التابعين، فقد صح عن قتادة والحسن البصري قولهم هي الدواة، وقولهم له وجه صحيح، ولكنه بعيد عن تأويل الحروف، وهو من باب البيان لتتابع المعاني في النظم، وتتابع القسم على أكثر من مقسم به، وسآتي على ذكره عند الكلام عن الإعجاز في النظم. أما قول ابن عباس في (طه) و (يس) هي بمعني يا رجل بالنبطية أو السريانية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)

أو الحبشية فموضوعة وقد سبق ذكرها، وقد ثبت أنها من أقوال بعض التابعين، فقد روي عن عكرمة أنّه قال (طه) هي كقولك يا رجل بالنبطية، وفي رواية عنه أنها بالحبشية، وفي رواية عنه أيضاً أنها بمعنى يا رجل فقط (1). وروي عن الضحاك أنّه قال هي بالنبطية وفي رواية عنه أنها يا رجل فقط، (2) وروي عن قتادة قوله أنها بالسريانية، وفي رواية أنها يا رجل فقط. (3) وروي عن سعيد بن جبير أنّه قال هي بالنبطية، وفي رواية أنها بالسريانية، (4) ويروى عن عكرمة أيضاً أنّه قال في (يس) هي يا إنسان (5).
وقد تحدث في هذه الروايات بعض العلماء، ولم يرجحوا إحداها على الأخرى، لما فيها من اختلاف لا يخفى على الأطفال، فهذه الروايات صارت بحاجة هي للتأويل ولم تكن بحال من الأحوال من البيان أو التفسير، لذلك اكتفى البعض من أهل التفسير بردها جميعا والقول بأن طه ويس حروف من حروف الهجاء وليست باسم ولا نداء، وهو الظاهر من الحروف والأصل فيها، وما لا ينقله عن ظاهره قول من لا حجة في كلامه. وعدم الخوض في هذه الروايات كان للبعد عن الريبة، وإتباعا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أردنا الجمع بينها--------------------------------------------
(1) بالنبطية رواها عن عكرمة ابن جرير (266/ 18) وابن أبي شيبة (160/ 7) بسند صحيح، والبخاري في الصحيح تعليقاً (95/ 6)، ورواية يا رجل عنه عند ابن جرير (268/ 18) بسند صحيح، وبالحبشية رواها عنه ابن أبي شيبة (159/ 7) بسند حسن.
(2) بالنبطية رواها عن الضحاك ابن جرير (266/ 18) وابن أبي شيبة (160/ 7) بسند صحيح، والبخاري في الصحيح تعليقا (95/ 6)، ورواية يا رجل عند ابن جرير (268/ 18) فيها مجهول وهي ضعيفة.
(3) بالسريانية رواها عن قتادة ابن جرير (268/ 18) بسند حسن، ورواية يا رجل رواها عنه عبد الرزاق في التفسير (367/ 2) ومن طريقه ابن جرير (268/ 18) بسند صحيح، ورواها عبد الرزاق (367/ 2) عن قتادة والحسن البصري أيضاً ومن طريقه رواها ابن جرير (268/ 18).
(4) بالنبطية رواها عن سعيد، ابن أبي شيبة (160/ 7) وابن الجعد (ص318) بسند صحيح. وبالسريانية ابن جرير (266/ 18) بسند ضعيف.
(5) رواه ابن جرير عن عكرمة (488/ 20) بسند حسن.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)

وبين التأويل في هذه الأقوال، وإيجاد تأويل لها وليس ما حملته من تأويل، فنقول: إن أغلب الروايات عنهم تقول إنها كقولك يا رجل، وزادوا بأنها بالنبطية أو بالسريانية أو بالحبشية في (طه)، ويا إنسان في (يس)، ولو حملناها على المعنى فلن يستقيم التأويل لأربعة أسباب، الأول: أنها لا تعني يا رجل لا بالسريانية ولا بالحبشية ولا بغيرها من اللغات، فرجل بالسريانية مثلا (جبرا)، وكذلك بالحبشية لا تعني يا رجل، ولا بالنبطية كما سيأتي، والثاني: أنها لو كانت اسماً أو نداءً لما سكت عليهما - أي يس وطه - وهو جائز عند الجمهور، ومعلوم أن النداء لا يوقف فيه على المنادى أما القسم فيوقف عليه، والثالث: ما قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن (1) أنّه لا ينبغي أن يكون اسماً؛ لأنه ساكن ولو كان اسما لدخله إعراب، والسكون قراءة الجمهور أيضاً، بل هو المحفوظ في المصاحف اليوم، أما الرابع: فإن علماء العربية قالوا بأن من قرأ طه بالكسر كما عند الكوفيين، ألزمه بأن يفسرها كحروف، أما من قرأ بالفتح فجاز له أن يقول هي بمعنى يا رجل، وهؤلاء التابعين من سكان الكوفة والبصرة! وقراءة البصريين والكوفيين بالكسر لا بالفتح، فإن قلنا بأنهم قصدوا تفسير الحروف رميناهم بالكذب، لأنها لا تعني يا رجل بأي من هذه اللغات، ولأنهم خالفوا أنفسهم فيما ثبت عنهم، فمرة قالوا هي بلغة كذا ومرة بأخرى وهم أئمة ومنارات للعلم، وهم ثقات عند أئمة الحديث، فيبقى أنهم قصدوا أمراً من اثنين لا ثالث لهما:
الأول: إنهم قصدوا بقولهم بيان القراءة في طه ويس، كأنك تقول طا ها يا رجل، لبيان حذف الهمزة، أو يا سين من يا إنسان، وليس من هاء يا رجل بالكسر أو يائس بثبوت الهمزة على الصحيح من هاؤم يا رجال وهاؤنّ يا نساء وهاءِ يا رجل وهاءِ يا امرأة بهمزة مكسورة، وهي قراءة الجمهور بفتح الطاء والهاء، وهذا بعيد لأنهم من أهل العراق، ومن سكان الكوفة والبصرة، وقراءة البصريين والكوفيين بالكسر لا بالفتح على المشهور بينهم، والفتح فيهما (أي طه ويس) قراءة نافع إمام القرّاء المدني برواية قالون قارئ المدينة، وقراءة القاضي ابن كثير المكي وعنه البزي إمام الحرم المكي وقنبل المكي، وقراءة الإمام القاضي عبد الله بن عامر الشامي وعنه الإمام المحدث هشام بن عمار الدمشقي وإمام جامع دمشق ابن ذكوان الدمشقي، وهي إحدى قراءتي عاصم ابن أبي النجود الكوفي من رواية حفص نزيل مكة عنه، أما قراءة ورش القيرواني مقرئ الديار المصرية ونزيل المدينة عن نافع فكانت بفتح الأولى وكسر الثانية وهي بموافقة نافع لا قراءته.
الثاني: إنهم قصدوا بيان القراءة بلهجة النبط، والنبط هم كما قال ابن حجر: " أهل الفلاحة من الأعاجم؛ وكانت أماكنهم بسواد العراق والبطائح، وأكثر ما يطلق على أهل الفلاحة، ولهم فيها معارف اختصوا بها، وقد جمع أحمد بن وحشية في "كتاب الفلاحة" من ذلك أشياء عجيبة" (2)، وابن وحشية "كلدانيّ الأصل، نبطيّ. من أهل قسين (كورة من نواحي الكوفة) " (3)، وهو منهم وقام بنقل علومهم من الكلدانية للعربية، وهم غير العرب الأنباط سكان البتراء وأصحاب الحروف النبطية، ولغة السريان والكلدان تجمعها صفة "اللهجات الآرامية"، وتجمّعاتهم كانت في العراق وبلاد الشام، فالكلدانية لهجة محكية في نينوى والموصول وبغداد والبصرة في العراق، والسريانية محكية في بعض أجزاء العراق، وفي بعض المدن في بلاد الشام، وإذا نظرنا لهؤلاء الأئمة وجدناهم إما من سكان العراق، وإما من أهلها، فالضحاك كان--------------------------------------------
(1) مجاز القرآن، ج2 ص15
(2) فتح الباري، ج8 ص631 (تفسير سورة الرحمن)
(3) الأعلام للزركلي (170/ 1) ترجمة ابن وحشية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)

يسكن ويحدث في الكوفة، وعكرمة مولى عبد الله ابن عباس أصله من البربر من أهل المغرب، كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لعبد الله بن عباس حين جاء والياً على البصرة، وسعيد بن جبير كان يحدث في الكوفة، ولما ذهب لأصبهان لم يحدث فيها، وعندما عاد للكوفة حدث من جديد، وقتادة بصري الأصل ومن أهل البصرة، والحسن البصري أيضاً، (1) واللهجة المقصودة كانت كما تقول ها يا رجل بكسر الهاء، ويقصد منها النداء، واستعملوها في التقريب لوضوح الإمالة فيها، كما في بعض اللهجات العربية العامية الآن في قولهم "هي يا رجل" بكسر الهاء، وهي واضحة في قولك يا رجل باللغة الحبشية بشقيها الأمهري والتقراي، فالأمهري يقول (أتّا سويّي = يا رجل بالمبالغة في إيضاح الكسر) والتقراي يقول (أتّا سبعاي= يا رجل مع إمالة الألف) واللغة الأمهرية الحبشية هي لغة أثيوبيا اليوم ولغة الحبشة قديماً، وتكتب بخط مشتق من خط المسند الحميري المعروف، ولو أردت كتابتها بالحروف العربية لما استقامت إلا ببيان اللفظ، إما بالنطق أو بضرب مثال من لهجة سائدة، وكذلك الإمالة في طه، وقد "قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وبكسرهما حمزة والكسائي وأبو بكر، والباقون بفتحهما." (2) وأبو عمرو النحوي المقرئ بصري، وعنه أبو عمر الدوري من العراق، والسوسي من الرقة في العراق، وحمزة الكوفي وعنه خلف وخلاد الكوفيين، والكسائي كوفي وعنه الليث أبو الحارث البغدادي والدوري أيضاً، وأبو بكر هو شعبة الكوفي عن أبي بكر عاصم بن أبي النجود شيخ القراء الكوفي أيضاً، ورواية شعبة عن عاصم هي المعتبرة والمشهورة عن عاصم عند العلماء المتقدمين، والموافِقة لقراءة الكوفيين عموماً، وهي قراءة عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود بالكسر، أما قراءة حفص الكوفي نزيل مكة ومقرئ الكثير من الديار فهي قراءة عاصم عن عبد--------------------------------------------
(1) أصولهم وأحوالهم من تراجمهم في تهذيب الكمال للمزي.
(2) البغوي (259/ 5) تفسير سورة طه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)

الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب بالفتح جميعاً، ولم تكن مشهورة عن عاصم لا في العراق ولا في الكوفة أو البصرة، (1) إذن فأهل الكوفة يقرأون طه بالكسر في الحرفين، وأهل البصرة يقرأون بالكسر في الهاء، ولا سبيل لبيان تلك القراءة إلا ببيان اللفظ باستعمال أقرب اللهجات المشهورة بالإمالة إليهم، وهي لهجة النبط أو السريان في وقتهم، لأن الإمالة واضحة فيها. وهذا هو الراجح وما أرادوه رضي الله عنهم، وما يتوافق مع قول أهل العربية وواقع القراءة عندهم، ومعلوم أن كثيراً من العلماء أنكروا شيئاً من قراءة الكوفيين، كقراءة حمزة والكسائي، لما فيها من إفراط في الإدغام والإمالة، بل لأنها امتازت بها، وكذلك أنكر كثير من أهل العربية الإمالة في (طه)، "قال النحاس: لا وجه للإمالة عند أكثر أهل العربية لعلتين: الأولى أنّه ليس هاهنا ياء ولا كسرة حتى تكون الإمالة، والعلة الثانية أن الطاء من موانع الإمالة" (2)، ولا ننسى بأن هؤلاء الأئمة كانوا يبلغون الحديث والقرآن وما فيه من قراءات، وكان في وقتهم من لا علم له بالعربية ونحوها، ولا سبيل لبيان ألسنة العرب لهم إلا بالتوضيح والتشبيه، والله أعلم.
ولبيان ذلك بالمثال أقول: لنفرض أن أحد التابعين يُبلّغ قراءة القرآن بما يوافق قراءة حمزة، وكان في إحدى المدن في جنوب بلاد الشام وشمال الجزيرة العربية، وأراد توضيح الإشمام في الزاي عند قوله تعالى {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] أو قوله تعالى {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] أو قوله تعالى {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} [الطور: 37] لقال: هي كقولك "الزراعة" بلغة الفلاحين، لأنهم في تلك المنطقة يقولونها بالإشمام التام لا--------------------------------------------
(1) تراجم القراء ونسبهم ومواطنهم وأين نزلوا وأشهر من أخذ عنهم وبيان أحوالهم وأسانيدهم في تاريخ القراء العشرة للشيخ عبد الفتاح القاضي (موقع طريق القرآن) وسير أعلام النبلاء للذهبي، وتهذيب التهذيب لابن حجر، والإكمال لابن ماكولا، والأعلام للزركلي، وغاية النهاية في طبقات القراء للجزري.
(2) القرطبي (168/ 11) والشوكاني (355/ 3) تفسير سورة طه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)

هي زاي ولا هي صاد، وكتب الناس عنه ما قال "هي كقولك الزراعة بلغة النبط" أتكون بأي حال من الأحوال تفسيرا للصراط، وأصدق، وهم المصيطرون؟ كلها على زرع وزراعة؟ والكثير من الأمثلة التي لا حصر لها.
ومن قال بأن معناها يا رجل، وهي بلغة بني عك أو بني عكل أو بني طيء من قبائل العرب، ونسب إليهم شعراً فقد شذّ ووهم، ولا حجة في كلامه أو شعره، والسند في الكلام كالسند في الشعر، وخاصة ما كان من شعر الشواهد (1)، وبعد هذا التحقيق يسقط ويهلك قول من ادعى بأن الحروف تدل على معاني مباشرة، كما في بعض الروايات من أكاذيب قالها أصحابها ليشتهروا بها، أو مما كان في بعضها من أوهام الرواة أو أقوال منسوبة للمفسرين من تابعين وأتباعهم برأيهم وبحسب قصدهم لا بفهم الرواة. وقد كثرت الروايات في الحروف المقطّعة لأنه لم يكن فيها تأويل معتبر ومنقول عن الصحابة رضي الله عنهم، فنقل الرواة كل ما جاء فيها من روايات تبين وجوه القراءة ووجوه الكتابة، ظنّاً منهم أنها تفيد التأويل، وخاصة هذه الروايات في نسبة الحروف للغات أخرى، وما كان منها منسوب لابن عباس، وقد نقل هذه الروايات بعض المفسرين القدماء مثل ابن جرير الطبري وابن ابي حاتم الرازي، فحدثوا بها خوفاً من فقدان المعلومة وإن كانت ضعيفة، ولم يجدوا فيها بأسا لأنهم قاسوا السند على ما صح عن التابعين، وقاسوا المتن على ما صح في غيرها من الكلمات المعرّبة المعروفة من اللغات الأخرى في القرآن، ونقل عن هؤلاء الكثير من المفسرين المتأخرين كالقرطبي وابن كثير وغيرهم،--------------------------------------------
(1) القول من كلام الكلبي. انظر القرطبي (165/ 11) والبحر المحيط (212/ 6) وأبيات الشعر قال عنها الزمخشري في الكشاف (50/ 3): "وأثر الصنعة ظاهر لا يخفي في البيت المستشهد به." وأورد الطبري (268/ 18) هذا الرأي وانتصر له واستشهد بهذه الأبيات من غير نسبة الرأي لصاحبه، لأنه لا يحدث ولا يأخذ عن الكلبي، وقد انفرد الكلبي بهذا القول. أما مقاتل فقال إنها طأ الأرض، وكلاهما شاذ ومتروك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)

وقد تنبه لهذه الأخطاء علماء اللغات من أهل الكفر، فجعلوها مدخلا للطعن في القرآن، والمحزن أن يتبعها البعض من أهل الإسلام من غير تحقيق وتمحيص في الآثار وعلوم القرآن طلبا لما وراء المجهول من تخرّصات وأوهام، ليشتهروا بها أو ليَظهروا مظهر المدافع عن القرآن، فساء ما كانوا يفعلون، ولو كان في هذه الروايات ما تطمئن إليه النفس لما وجدنا علماء التفسير حائرين - وهم من روى هذه الآثار - في تفسير ذات الحرف أو الحروف، ولو كانوا على يقين من صحة الأحاديث المروية عن ابن عباس أو غيره في هذا الباب لما تركوها ليذكروا حديثاً ضعيفاً آخر أو موضوعاً طلباً للمزيد، وبالتالي قالوا كما قال ابن جرير إنّ لكل واحدة منها وجه صحيح والله أعلم، فتنبه لهذا، ومن أراد التأمل فيها فليقرأ من التفاسير ما اقتصر على الصحيح من روايات الصحابة والتابعين وقلّت فيه الروايات الضعيفة، ومن أراد البحث والتمحيص فليقرأ كتب المفسرين الأوائل وما جاء فيها من آثار مع الرجوع لكتب أهل الحديث أو ما اقتصر منها على أسانيد المفسرين وتحقيقها.
ويتبين لنا بعد هذا التحقيق أيضاً، بأن كل علم من علوم القرآن أو علوم الحديث كان له رجاله وفرسانه، وقد يعيب أحد الطرفين على الآخر بعدم الدراية في علمه، كما عاب أهل الحديث وأهل العربية على بعض القراء كالإمام نافع لعدم درايته بالعربية ونحوها وبعلم الحديث وروايته، وهو إمام وقراءته سنه كما قال عنه الإمام مالك، وما وجدناه هنا يعيب على بعض أهل الحديث عدم درايتهم بعلم القراءات أيضاً، بإيراد هذه الروايات مع اختلافها في أبواب التفسير وهي ليست من التفسير كما فعل الإمام أبو بكر ابن أبي شيبة، وقد كان بحراً من بحور العلم، وبه يضرب المثل في قوة الحفظ كما قال عنه الذهبي، وفيه قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "انتهى الحديث إلى أربعة: إلى أبى بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)

ابن المديني، فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقهم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعلي أعلمهم به." (1) وهذا الخطأ ليس بنقيصة في حقه ولا في حق غيره، لأن الغاية عندهم كانت أسمى وأعظم، وهي نقل المعلومة إلينا كما سمعوها من غير زيادة أو نقصان أو حتى تغيير، سواء كانوا من أهل القراءات أو من أهل الحديث وأهل اللغة، ومنهم من كان مقرئاً ومحدثاً وإماماً، وكان يحكم على القراءات وهو عالم بالرجال فصيح اللسان، ومنهم من كان من فرسان علم دون سواه ولا يشق له غبار فيه، وهي بالتالي علوم يكمل بعضها بعضاً، ولا ينقض بعضها بعضاً بأي حال من الأحوال، ليستبين لنا أن شرط التأويل السابق الذي شرطه العلماء بأن يوافق التأويل مجمل القرآن وعلومه، كما يوافق الحديث وعلومه، هو شرط صحيح كما هو شرط الموافقة لما تبين وصح من علوم العربية وأصولها، ولا يكون هذا الشرط على إطلاقه بأن يكون المفسر عالماً بكل هذه العلوم فهذا من المستحيلات، وما لا يدرك بعمر واحد، ولكن المراعاة والموافقة هي المشروطة بينها.

‌‌الباب الرابع: بيان الشبهة في محاولة الجمع بين الأقوال
أما من قال بأن هذه الحروف تحمل في معانيها من كل قول من الأقوال السابقة شيئاً، وأن هذه الأقوال بمجموعها تدل على المعاني الواسعة للحروف، فهذا وهم، وهو من عدم التفريق بين التفسير والتأويل، وهذا الخلط هو المنبع الأساسي لشبهة لغوية وأخت لها فقهية، أما اللغوية فقد كانت خفيه، وأتت متأخرة نظراً لتأخر ظهور المدرسة الرمزية في الفنون والآداب، والتي يقاس المتمكن فيها على بعد المسافة أو قربها من المعاني المباشرة لكلمات نصوصه أو منتجاته الفنية، والشبهة هي قول بعض المتّبعين للرمزية المبهمة أو بعض المشككين في الرمزية، أن الكلمات لا--------------------------------------------
(1) تهذيب الكمال للمزي (40/ 16) ترجمة الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)

تحمل المعاني وإنما السياق من يفعل، واستدل أصحاب هذه الشبهة بكلمات كثيرة منها قوله تعالى في سورة (ص) {وظن داوود}، فقالوا جاءت ظن بمعنى علم وأيقن، وهذا من سوء فهمهم لمقاصد القرآن - وهذه الآية من مفاصل البيان لما في الحروف المقطّعة من تأويل وإيضاح للمقاصد، كما سيظهر عند الحديث عن إشارات الإعجاز فيها - فالظن هو "التَّرَدُّدُ الراجِحُ بين طَرَفَي الاعْتِقَادِ الغيرِ الجازِمِ" (1)، و"يدلُّ على معنيينِ مختلفين: يقين وشكّ" (2)، "إلّاَ أَنه ليس بيقينِ عِيانٍ، إنما هو يقينُ تَدَبُّرٍ، فأَما يقين العِيَانِ فلا يقال فيه إلَاّ علم" (3)، وقد جاءت المعاني الثلاث: الشك والظن واليقين في نفس السورة وفي نفس السياق بقوله تعالى (بل هم في شك من ذكري) وبعدها بآيات في سياق الرد عليهم جاءت (وظن داوود) فإن نظرت بعين التدبر وجدت أن (بل) من الله تفيد اليقين والعلم التام، و (هم في شك) تفيد الريب والاتهام، وهو نقيض اليقين التام، والظن بينهما وهو إلى اليقين أقرب. وكذلك كل كلمة في اللغة تحمل معنى أوحد بذاتها تدل عليه بظاهرها، منفردة به عن سواها كما هو الحال في هذه الحروف، لأنه بانعدام هذه الحال تختلط الوظائف اللغوية للكلمات، مما يسبب نقل معنى النص المحتوي على الكلمة ليكون محتوياً على رمز مبهم، وبالتالي نقر بوجود الإبهام والإعجام في القرآن إن قسناه على غيره من النصوص، وذلك لانعدام الرابط بين المدلول اللغوي وأداة الكلام المستعملة، ولا أعني مطلق الرمز وما بنيت عليه الرمزية، فهي مذهب واسع وبحر زاخر لا مجال للخوض فيه هنا، ولكنني أقول: حتى أرباب الرمزية في النصوص النثرية والشعرية لم يجيزوا استعمال الرمز اللغوي منفصلاً عن دلالته اللغوية بشكل تام، وإن حسنوا بعد المسافة الدلالية للرمز عن المعنى--------------------------------------------
(1) القاموس المحيط - الظن
(2) مقاييس اللغة - ظن
(3) لسان العرب - مادة ظنن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)

المباشر، لأن الانفصال يفقد السياق عنصر المعرفة ويذهب به إلى الإبهام التام، وهو ما لا سبيل لمعرفته إلا بكونك القائل، وهذا نقيض الرمزية أصلاً، إذ هي في الأساس قامت على الإيحاء بما لا تستطيع المعاني المباشرة ولا التراكيب التقليدية أن توصله من المخاطب إلى القارئ والسامع، ولو لم تكن هناك علاقة بين المعنى والدلالة لجاز لنا استعمال الكلمات اليونانية في نص نخاطب به العرب، ولو جاز لنا ذلك وقال البعض بجوازه لقلنا هو رأيكم ولكن لا حجة لكم على المخاطبين إن لم يفهموا، بل أنتم ملومون، لأنكم قصدتم الإعجام والتعمية والإبهام، فرموزكم تستعمل في الفنون، ونقرها نحن في الأحلام لا في البيان والأحكام وما تقتضيه من إيضاح وإفصاح وإفهام، ولو كان جبران خليل جبران أو بودلير (الشاعر الفرنسي رائد الرمزية في العصر الحديث) نذير قوم لما قالا بيتاً فيه الربيع والحزن، وقصدا بهما النصر والهزيمة، ليس لاستحالته رمزياً ولكن لأن الكلمات تحكمها المقاصد الفعلية من الكلام، ويُظهر صدق غايتها وسوية قائلها السياق، والسوي ينأى بنفسه عن السفاهة والكذب الظاهر. ولهذا السبب أنكر كثير من العلماء القول بالرمزية في القرآن، لأنها تعبّر عن مذهب فكري ومدرسة أدبية لا حدود لها، بل هي تمتاز باللّا محدودية في طرح الأفكار والحواس بعبارات غامضة، ولولا الغموض فيها لما كانت رمزية، والحق والصواب أن الرمزية على إطلاقها ليست في القرآن، فإن كان لها ضوابط وقصدنا بها الكناية أو التعريض بالإشارة فهي من ميّزات الوحي الإلهي، ولولا هذه الحقيقة لما أمرنا رب العزة بالتأمل والتدبر في آياته، ومن قال بأن القرآن ليس فيه رمزية بهذا المعنى فقد جهل، والعبرة بالمسميات والمصطلحات، وهي ترتبط كما يقول مؤلف كتاب "دليل الناقد الأدبي" بتفسير وتقويم المصطلح قبل إطلاقه، أو "وضع المصطلح في سياقه الثقافي والتاريخي؛ أي تأطيره ضمن حدوده الدلاليّة التي نشأ فيها لكي تتمّ الإفادة منه بوعي بما نشأ للدلالة عليه. وهذا الجانب مغفل، أو شبه مغفل، في الكتب المشابهة سواء العربيّة أو الغربيّة، العربيّة لأنّ أكثر الباحثين العرب يرى أنّ قصارى ما يمكن للباحث العربي أن يفعله هو أن ينقل ويجيد النقل. فتقويم الأعمال التي تترجم أو تعيد تقديم المفاهيم والنظريّات والعلوم المختلفة يقاس عادة بمعيار الدقّة ومدى الانضباط وليس الاستقلال الحضاري أو الثقافي الذي يعرِّف ويقوِّم في الوقت نفسه." (1) فالرمزية بمعنى الكناية والتعريض ركن أساسي في فقه الأصول وسعته، ومن شذ في إطلاقها - أي الكناية والتعريض - ظهرت عنده الشبهة الفقهية، وهي الشبهة الثانية، فقد كانت بسبب الأولى وظهرت قبل ظهورها الفعلي، وهي قولهم بجواز استعمال اللفظ المشترك بجميع معانيه، من غير التفصيل بين المعاني الحقيقية والمجازية، وذهبوا للعمل بها جميعا كمعاني حقيقية، وقد استدل بعض الأصوليين على استعمال اللفظ المشترك بجميع معانيه بآيات منها قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] فقالوا إن الصلاة من الله ثناء ورحمة، ومن الملائكة استغفار، وهذا قول هالك، فالصلاة ثناء على الأصل كما في معناها اللغوي كتفسير، وليس فيها تأويل يصح ولا تفصيل موزون من غير دليل، فنقل الظاهر بحاجة إلى قرينة أو دليل، وهو معدوم، إلّا إن كان الدليل هو محض الرأي أو سعة الخيال كما هو الحال في الرمزية الشعرية، وهذا كله من عدم التفريق بين التفسير والتأويل. (2) "ولهذا قيل: الإشارة من العبارة بمنزلة الكناية والتعريض من التصريح أو بمنزلة المشكل من الواضح، فمنه ما يكون موجباً للعلم قطعاً بمنزلة الثابت بالعبارة، ومنه ما لا يكون موجباً للعلم وذلك عند اشتراك معنى الحقيقة والمجاز في الاحتمال مرادا بالكلام. ومن ذلك قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا … الآية 15 الأحقاف}--------------------------------------------
(1) سعد البازعي - ورقة بعنوان الترجمة والتحيّز في "دليل الناقد الأدبي"، وهو كتاب ألفه مع ميجان الرويلي، وذيلا عنوان الكتاب بأنه "إضاءة لأكثر من سبعين تيارا ومصطلحا نقديا معاصرا".
(2) ومن الذين لا يفرقون بينهما ابن جرير الطبري في تفسيره، فكان يرى بأن التفسير والمعنى والتأويل واحد، فتنبه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)

فالثابت بالعبارة ظهور المنة للوالدة على الولد لأنّ السياق يدل على ذلك، والثابت بالإشارة أن أدنى مدة الحمل ستة أشهر، فقد ثبت بنص آخر أن مدة الفصال حولين كما قال تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ … الآية 14 لقمان} فإنما يبقى للحمل ستة أشهر، ولهذا خفي ذلك على أكثر الصحابة رضي الله عنهم واختص بفهمه ابن عباس رضي الله عنهما فلما ذكر لهم ذلك قبلوا منه واستحسنوا قوله" (1). وعليه فالكناية والتعريض ثابتة بالإشارة من ظاهر النص ومراده به، ولكن ظاهر النص لم يأت لها بسياقه، وصلى الله وبارك على نبيه وآله وصحبه ورحم علماء الأمة وتغمدنا بفضله وكرمه وأرشدنا سواء الصراط.--------------------------------------------
(1) الأصول للسرخسي ج1 ص237، والخبر في قصة الحد على المرأة الوالدة لستة أشهر تامة عن ابن عباس في عهد عثمان، رواه عبد الرزاق (351/ 7) ومن طريقه الطبري (34/ 5)، وابن منده في التوحيد (247/ 1) عن سعد بن عبيد، وهو ثقة من كبار التابعين بسند صحيح، ورواه عبد الرزاق (351/ 7) وسعيد بن منصور (66/ 2) وابن أبي حاتم (428/ 2) وأبو عروبة في المنتقى (رقم 82) عن قائد ابن عباس وهو مجهول، والرواية ضعيفة لأن ابن عباس لم يكن قد كف بصره في عهد عثمان ولم يكن له قائد ليقول أدنوني منها كما جاء في الرواية، ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (291/ 7) وابن ابي حاتم (3294/ 10) والحاكم (308/ 2) وصححه ووافقه الذهبي عن عكرمة روايةً لرأي ابن عباس وليس فيه ذكر خبر المرأة. وخبر القصة بين علي وعثمان رواه الطبري (650/ 21) وابن ابي حاتم (3293/ 10) عن بعجة بن عبد الله الجهني مرسلاً، وهو من الوسطى من التابعين وبين خلافة عثمان وموته أكثر من ستين سنة، وأشار إلى هذا الخبر الإمام مالك في الموطأ (825/ 2)، وخبر القصة بين علي وعمر بن الخطاب رواه عبد الرزاق (349/ 7) والبيهقي في السنن الكبرى (442/ 7) عن أبي الأسود الدؤلي ورواه سعيد بن منصور (66/ 2) عن الحسن البصري مرسلا، وانفرد عبد الرزاق (352/ 7) برواية بين ابن عباس وعمر من كلام ابن عباس بسند صحيح، والراجح أن خبر القصة كان بين علي وعمر بن الخطاب، واستشهد ابن عباس بنفس الرأي في زمن عثمان، وهذا ما رواه عبد الرزاق (352/ 7) عن عكرمة مولى ابن عباس بأن الخبر كان بين علي وعمر وكان بين ابن عباس وعثمان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)

‌‌الفصل الثالث: إشارات الإعجاز في فواتح السور
إن المتمعن في التفاسير وفي أقوال أهل اللغة يصير في حيرة من مضمون الحروف ومعناها وما جاء فيها من دلالات وإشارات في تأويلها، سواء كانت على أصلها أو حملت ما هو أكثر من معانيها الثابتة، وأقول إن حقيقة البيان لا تعرف إلا بإتباع الطريق الصحيح في التأويل لأي آية في كتاب الله، وهو أن نأخذ بما جاء في تأويلها مما ورد في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة رضوان الله عليهم وكلام التابعين وما جاء في كلام العرب، مراعين لواقع المخاطبين من خلال ما ذكره القرآن وذكرته الأحاديث وآثار الصحابة الكرام وما تحصل لدينا من علم بالتاريخ والآثار، لفهم واقع التنزيل وحال المتلقين كما هو، وهذا هو الحق في التأويل، أما ما كان فيه اختلاف واضطراب من أقوال التابعين ومروياتهم عن الصحابة فالمرجع فيه إلى الميزان الحق، بكفّتيه صحيح النقل وصحيح لغة العرب لنضمن البيان الصحيح، بعكس من شذ عن الطريق في تأويلها، مع الأخذ بأسباب الخلاف المذكورة سابقاً لفهم القرآن. وبما أننا قررنا بأنها من آيات المحكم لما فيها من مخالفة للمعروف من كلام العرب، ولانتفاء التشابه بينها وبين غيرها من الكلمات، ولانتفاء وجود الإشكال في فهم ظاهرها بحسب ما بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) أي أنها حروف، وتدل على مسميات الحروف أو حروف الكتابة، وكان تفصيلها من الرسول صلى الله عليه وسلم "تنبيهاً على أن المعتبر في عدد الحسنات: الحروف المقروءة التي هي المسميات سواء كانت أجزاء لها أو لكلمات أخر" (1)، ولا يكون الهجاء إلا لبيان الحروف أو لتعليم الكتابة، "ولذلك حين تريد أن تختبر واحداً في القراءة والكتابة تقول له: تهج حروف الكلمة التي تكتبها، فإن نطق أسماء الحروف؛--------------------------------------------
(1) روح المعاني للألوسي (99/ 1) تفسير سورة البقرة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)

عرفنا أنه يجيد القراءة والكتابة." (1) ولأنها من المحكم سيكون بيان المقاصد فيها محكوماً بأصول التفسير وعلوم القرآن وأصول علم الحديث، وهذا ما تتبعناه سابقا لبيان الحق في معناها وتفصيل الأقوال في تأويلها بحسب الآراء، ويبقى أن نعتبر المقاصد فيها وكأنها بيان للأحكام الواردة في ظاهر النص، دون قياس أو محض رأي، لأن القياس مع الفارق باطل فكيف بانعدام الشبه، والقول بالرأي مخالف لكل الأصول السابقة. وعليه فهذه المقاصد لا تثبت إلا من أربعة وجوه كما قرر أهل الأصول في الأحكام الثابتة بظاهر النص (2)، وهي: الثابت بعبارة النص، والثابت بإشارته، والثابت بدلالته، والثابت بمقتضاه.
ولبيان هذه الأصول نضرب مثالاً عظيماً من آيات الأحكام الظاهرة في تأديب المسلمين وتنظيم أحوالهم، وهو قوله تعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23] فمن الثابت بعبارة النص أو ظاهره هو النهي عن التأفف للوالدين، والنهي عن نهرهما من باب التحريم، والأمر بمخاطبتهم بأحسن الأقوال وأكرمها، والثابت بالإشارة هو تحريم ما بين التأفف (وهو لفظ معلوم وكل ما قام في مقامه من الألفاظ) والنهر (وهو المبالغة في الزجر) بألفاظ شائنة، أو صوت مرتفع سواء كانت استعلاءً أو سبّاً أو استهزاءً أو حتى غمزاً ولمزاً، فلو أنك رأيت من يسب أباه فأشرت بقولك له (فلا تقل لهما أف) لأقمت عليه الحجة، ولما رد عليك إلا إن كان عاصياً لأوامر الله، فتكون بذلك قد أشرت إلى ما أشار الله له في سياق كلامه مع أن اللفظ لم يأت لأجله. ولكنك إن رأيت من يضرب أمه مثلا فلن تقول له (ولا تقل لهما أف)--------------------------------------------
(1) الشعراوي (7630/ 12) تفسير سورة الحجر
(2) الاحكام الثابتة بظاهر النص دون القياس والرأي - أصول السرخسي ج1 ص236.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)

وتشير بها على حرمة هذا الفعل، بل ستقول له حرام عليك ألم تسمع قوله تعالى (ولا تقل لهما أف) لأن الضرب فعل والتأفف والنهر قول، والإشارة تصلح مع تشابه السبب، أما مع الاختلاف فيكون معه الدليل والاستدلال، وقد استدللت بقوله تعالى على حرمة التأفف والنهر بما يلزم تحريم الضرب وهو الثابت بدلالة النص، ونحن نعلم بمجرد اللفظ أن الله أراد تحريم الضرب، فنهى عما هو أبسط الأفعال والأقوال، ولو رد عليك لكان عاصياً لأوامر الله الظاهرة، لأنه لا مجال لسوء الفهم هنا البتة، أما الثابت بمقتضى هذا النص فهو أن الفاعل لهذا الفعل عاق، وخُلقه غير محمود ودينه ناقص لا يُرتَضى، ولو أن أهل الحديث ردوا حديث العاق لوالديه لكانوا على الحق، وإن لم يفعلوا لكانوا على الباطل، ولو أن أحداً سأل عن رجل عاقّ تقدم لخطبة امرأة ولا يعلمه إيّانا؛ فأجبناه بأن دينه وخلقه لا يُرتَضى، لكنا صادقين مأجورين، ولو أجبناه بغير ذلك لكنا كاتمين للحق آثمين، ومن ذلك ما ذكره الصلاح الصفدي في الوافي بالوفيات (1) من ترجمة عبد القوي نجم الدين الأموي الأسنائي (686هـ) وهو فقيه فاضل، عندما تولى الخطابة والصلاة كاد له بنو السديد، فأحضروا من شهد على أبيه أنه قال عنه إنه عاق له، فأُوقِف عن الخطابة، واستقرت الخطابة لأحمد بن السديد، وعندما كان نجم الدين يصلي لا يصلي خلفه أحد، ولو لم يكن العقوق طاعناً في الدين لما سمعنا بهذا الخبر وغيره.
هذا وقد تخفى بعض الإشارات والدلالات على فقيه وتظهر عند آخر بحسب العلم الذي آتاه الله إياه، ومنها كما أسلفنا بالذكر ما كان من قصة علي وابن عباس، وكيف علموا أن أقل مدة للحمل هي ستة أشهر تامة لربط الدلالات والإشارات بآيات ذات صلة، وإن لم يأت السياق--------------------------------------------
(1) ج19 ص48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)

بالإشارة إليه صراحة، فالبحث والاستقراء هو المعتبر في التأويل، والموافقة أو عدمها لمجمل القرآن والسنة هي الحكم، من غير قياس ولا مجرد رأي.
أما المقاصد الثابتة في الحروف المقطّعة فلا بد أن تتوافق مع هذه الأصول، وهي كما أسلفت من المحكم ومن محكم المحكم (1)، وسأبينها بناء على هذا التفصيل: بأن المقاصد الثابتة بعبارة النص تمثل المعنى الذي أوردناه، وهو ما جاء النص لإثباته دون سواه من معاني، والمقاصد الواقعة بالإشارة في هذه الحروف ونعتبرها هنا إشارة على شيء في نفس المخاطَب وهم المشركين العرب زمن التنزيل، لكون الإشارة والإيماءة لا تكون إلا للأمر بشيئ أو للنهي عن فعل أو قول معلوم لدى المخاطب، أما المقاصد الثابتة بدلالة الحروف فنعتبرها دليلاً على شيء له علاقة بكينونة الحروف وأصلها وغاية ذكرها عند القائل جل في علاه، لكون الدليل هو "إبانة الشيء بأمارة تتعلمها" (2)، وهي من الله إبانة لشيء بأمارة ذكرها كما هي على هذه الهيئة، موصولة الحروف في الكتابة كالكلمات، ومقطّعة في اللفظ كحروف الهجاء، لنتعلم هذا الشيء المراد وهو الدليل، وأخيرا المقاصد الثابتة بمقتضى ذكر الحروف فنعتبره المضمون من ذكرها، والمضمون من توزيعها في القرآن وورودها في أوائل السور وعددها، ومثل ذلك من مقتضى الذكر، وكل أمر قد قضاه الله في هذا الكتاب محكم ومعجز في نظمه ومقاصده، "كما نقول--------------------------------------------
(1) المحكم في الأصول هو: "اللفظ الذي دل على معناه، دلالة واضحة قطعية، لا تحتمل تأويلا ولا تخصيصا ولا نسخا حتى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بعد وفاته بالأَولى، وذلك كقوله سبحانه {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} " تفسير النصوص في الفقه الإسلامي لمحمد أديب صالح (171/ 1) وقد فصّل أهل الأصول في أقسام البيان أنواعاً للمحكم من حيث قابلية النسخ على قسمين: المحكم لذاته والمحكم لغيره، نسبة لوجود القرينة المانعة من النسخ في ذات النص أو خارجه، والحروف المقطّعة من المحكم لذاته قطعاً، لمجرد اللفظ بها ابتداءً، وانتهاءً بورودها في بداية التنزيل في سورة القلم وق وص منفردة، وهي من الحروف العربية نطقاً وكتابةً، وقد أتى التأكيد على هذا البيان بقوله تعالى {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ … الآية}
(2) مقاييس اللغة - دل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)

قضيت هذه الدار إذا عملتها وأحكمت عملها" (1)، وكل ما اقتضاه البناء فهو من جملة الإحكام والتمام.
ولكن قبل الخوض فيها يجب علينا أن نتيقن بأن الثابت بعبارة النص وهو ما جاء السياق لأجله، هو المعنى الذي قلناه في هذه الحروف وهو الأصل والتفسير الحق، قبل الانتقال لتأمل هذا النص ابتغاء تأويله وبيان مقاصده، ونبدأ ببيان المقاصد الواقعة بالإشارة في ذكر هذه الحروف بالتأمل في معنى اللفظ من غير زيادة ولا نقصان وربطه مع الإشارات في الآيات التالية لها في السور، لتتوضح الإشارة بتناسقها مع سواها، فتتم بمجموعها البلاغة المعهودة في كلام الله ويظهر فيها الإعجاز كما هو الحال في آيات القرآن كله.

‌‌الباب الأول: معرفة واقع التنزيل
لمعرفة هذه الإشارة يجب الوقوف على واقع العرب المتلقين عند نزول الحروف، وذلك بالرجوع لما ورد في القرآن لوصف حقيقة واقعهم، ولما وصلنا من مرويات وما تحصل لنا من علم بالتاريخ والآثار، مع التدقيق على كل ما له صلة بالقرآن والكتابة بشكل خاص، لكون الحروف على أصلها دالّةٌ على الكتابة والكتاب. وأهم صفة لهم تظهر واقعهم في زمن الخطاب هي الأمية كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] وقوله صلى الله عليه وسلم "إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين" (2)، فهذا وصف--------------------------------------------
(1) لسان العرب - مادة قضي
(2) رواه الإمام أحمد (43/ 2) والبخاري (28/ 3) ومسلم (759/ 2) وابو داود (709/ 1) والنسائي (139/ 4) وابن ابي شيبة (497/ 2) والبيهقي في السنن (250/ 4) وابو عوانة (173/ 2).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)

حال، لنفهم الذكر كما فهمه العرب المخاطبون. والأمّيّ كما يقول في لسان العرب: "الذي لا يَكْتُبُ، قال الزجاج: الأُمِّيُّ الذي على خِلْقَة الأُمَّةِ لم يَتَعَلَّم الكِتاب فهو على جِبِلَّتِه، وفي التنزيل العزيز: ومنهم أُمِّيُّون لا يَعلَمون الكتابَ إلاّ أَمَانِيَّ؛ قال أَبو إسحق: معنى الأُمِّيّ المَنْسُوب إلى ما عليه جَبَلَتْه أُمُّه أي لا يَكتُبُ، فهو في أَنه لا يَكتُب أُمِّيٌّ، لأن الكِتابة هي مُكْتسَبَةٌ فكأَنه نُسِب إلى ما يُولد عليه أي على ما وَلَدَته أُمُّهُ عليه … وفي الحديث: إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُب ولا نَحْسُب؛ أَراد أَنهم على أَصل ولادة أُمِّهم لم يَتَعَلَّموا الكِتابة والحِساب، فهم على جِبِلَّتِهم الأُولى. وفي الحديث: بُعِثتُ إلى أُمَّةٍ أُمِّيَّة؛ قيل للعرب الأُمِّيُّون لأن الكِتابة كانت فيهم عَزِيزة أَو عَديمة؛ ومنه قوله: بَعَثَ في الأُمِّيِّين رسولاً منهم." (1)، فالأمّيّ " في كلام العرب: الذي لا يحسن الكتابة. وقال بعضهم: هو الذي لا يعرف الكتابة ولا القراءة." (2) وقد علمنا بأن لهذا الأمّيّ حالات - وكلهم فصيح بلسان القوم- أمّي لا يعرف الكتابة، وأمّي بالنسب لأهل الأمّية، "فقيل نسبة إلى الأم لأن الكتابة مكتسبة فهو على ما ولدته أمه من الجهل بالكتابة وقيل نسبة إلى أمة العرب لأنه كان أكثرهم أميين." (3) وهنا يلزمنا ذكر حقيقة مهمة، وهي: أنه ما من أمة من الأمم غير العرب في ذلك الزمان، إلا وكانوا من أهل الكتب والكتابة، وهذه حقيقة ثابتة من ناحية النقل في كتب السير وعلم الآثار والتاريخ الحديث، فالفُرس لهم كتب والروم لهم، وأهل الكتاب (اليهود والنصارى) لهم، وأهل مصر وأهل الهند والسند لهم، حتى من سبقهم من العرب كالحميريين والثموديين وقوم عاد والأنباط، ومن سبقهم من غير العرب كالصينيين واليونانيين--------------------------------------------
(1) لسان العرب - مادة امم، وأبو إسحاق هو الزجاج (ت311هـ) عالم بالنحو واللغة وتلميذ المبرد، وصاحب كتاب معاني القرآن وإعرابه.
(2) القاموس الفقهي لسعدي ابو حبيب - أمم
(3) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي - الألف مع الميم وما يثلثهما.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)

والمصريين والفينيقيين وأهل بابل من السومريين، إلّا عرب الجزيرة في ذلك الزمان. وقد وصَلنا ما كتبته تلك الأمم، سواء ما كان على الشواهد أو ما حُفظ في الكتب وما نقش على الجدران، لنعلم واقع العرب في ذلك الزمان، ولم يقتصر الأمر على الأمية، بل كان علم الكتابة فيهم وضيع وعديم لا يكاد يذكر، لا كما كان في الأمم حولهم، وهذا ما أثبته العرب أنفسهم وأثبته علم الآثار، فتكاد لا تجد من آثار عرب الجزيرة ما يتعدى أصابع اليد من نقوش، والهدف من البحث عنها أصلاً ما كان إلا لإثبات أصل الحروف العربية الحالية، بل وتجد في كتب علماء المسلمين من النسّابة ذكر من كان يعرف الكتابة بين العرب بالاسم! وكيف تعلموه وأين تعلموه. فأي واقع هم فيه؟ هذا من باب، ومن باب آخر كانوا أفصح الناس لساناً، لما كان في لغتهم من أصول ليست في غيرها من لغات الأمم من تصريف وإعراب وأساليب في البيان والتصوير، فكانت لغتهم أوْلى اللغات بحمل كتاب الله لهذا السبب ولأسباب عديدة، منها مثلا "أن العجم لَمْ تتَّسع فِي المجاز اتساع العرب، ألا ترى أنك لو أردت أن تنقُل قوله جلّ ثناؤه: {وإما تخافَنَّ مِن قوم خِيانةً فانْبذْ إليهم عَلَى سواء} [الأنفال: 58] لَمْ تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ المؤدِّية عن المعنى الَّذِي أَوْدِعَتْه حَتَّى تبسُط مجموعها وتصِل مقطوعها وتُظهر مستورها فتقول: (إِن كَانَ بَيْنَك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضاً فأعلمهم أنّك قَدْ نقضت مَا شرطته لهم وآذِنْهم بالحرب لتكون أنت وهم فِي العلم بالنقض عَلَى استواء) " (1)، والبلاغة في الشعر عندهم كانت مقياساً للشرف، كمقياس العلم في الأمم الأخرى، وفي هذا قال الجاحظ: "وليس في الأرض أمّةٌ بها طِرْق أَوْ لها مُسْكَة، ولا جيلٌ لهم قبضٌ وبسْط، إلاّ ولهم خطّ، فأمّا أصحاب الملك والمملكة، والسلطانِ والجِباية، والدِّيانة والعبادة، فهناك الكتابُ المتقَن،--------------------------------------------
(1) ابن فارس - الصاحبي في فقه اللغة ص13

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)

والحساب المحكَم، ولا يخرج الخطُّ من الجزْم والمسنَد المنمنم والسمون كيف كان … فكلُّ أمّةٍ تعتمدُ في استبقاءِ مآثرها، وتحصين مناقبها، على ضربٍ من الضروب، وشكل من الأشكال … وكانت العربُ في جاهليَّتها تحتال في تخليدها، بأن تعتمد في ذلك على الشعر الموزون، والكلام المقفَّى، وكان ذلك هو ديوانها، وعلى أنّ الشعرَ يُفيد فضيلةَ البيانِ، على الشاعر الراغب، والمادح، وفضيلةَ المأثُرة، على السيِّد المرغوبِ إليه، والممدوحِ به … فقال بعض من حضر: كُتُبُ الحكماءِ وَما دَوَّنت العلماءُ من صنوف البلاغات والصِّناعات، والآداب والأرفاق، من القرون السابقة والأمم الخالية، ومن له بقيَّة ومن لا بقيّة له، أبقى ذكراً وأرفعُ قدراً وأكثر ردّاً، لأنَّ الحكمةَ أنفعُ لمن ورثها، من جهة الانتفاع بها، وأحسنُ في الأحدوثة، لمن أحبَّ الذكر الجميل .. والكتبُ بذلك أولى من بُنيان الحجارة وحِيطان المدَر؛ لأنَّ من شأن الملوك أن يطمِسوا على آثار مَن قبلَهمُ، وأن يُميتوا ذكرَ أعدائهم." (1) ويقول الخفاجي: "لم يكونوا أهل تعليم ودرس، ولا أصحاب كتب وصحف، ولا يعرفون كيف التأديب والرياضة، ولا يعلمون وجه اقتباس العلم والرواية. وفي كلامهم من الحكم العجيبة، والأمثال الغريبة، والحث على محاسن الأخلاق، والأمر بجميل الأفعال، ما إذا تأملته غض عندك ما يروى عن حكماء اليونانيين." (2) بذلك يكون إعجازهم بالنظم في مهد ما يفتخرون به ويقيسون عليه بلاغة القول ونظم الكلام، كما في إعجازهم بحفظ القرآن في صدر الرسول صلى الله عليه وسلم وليس بشعر يوزن وقد "كانوا مطبوعين على الحفظ مخصوصين بذلك" (3)، ومن هنا نعلم لماذا نزه الله رسوله صلى الله عليه وسلم عن نظم الشعر بقوله {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ .. الآية 69 يس} فقد "كان رسول الله صلى عليه وسلم لا--------------------------------------------
(1) الحيوان للجاحظ، ج1 ص71
(2) سر الفصاحة للخفاجي، ص54
(3) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ج1ص296

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)