الألفاظ واستواء الأوزان، كما يستقبحون ذلك في خطبهم ورسائلهم، فيغيِّرون بعض الكِلَم ليختلف الوزن وتتغيَّر المباني، فيكون ذلك أعذب على الألسن وأحلى في الأسماع." (1))
الوجه السادس: إنّ علماء البلاغة ذكروا في معرض تفصيلهم لهذه الحروف أنها تمثل نصف الحروف العربية، كما قال الباقلاني في إعجاز القرآن: "وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهو أربعة عشر حرفاً، ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم." (2)، وهذه ليست الغاية والقصد، بل إشارة على أن الحروف في أصلها مثلت كتابة صوت الإنسان أو ما اصطلح عليه بالصوتات، وكلنا يعلم بأن الأبجدية العربية فيها ثمانية وعشرون حرفاً من غير (لا) وتمثل الحروف الصوتية للسان العرب، وكانت قبل التنقيط كما في أصلها تمثل صوتات العرب من غير دلالة على التغيير في لفظها، ومن غير تغيير في حدة الصوتة التابعة لها عند الكتابة، أما في القراءة فتتبع التغيير في حدة الصوت، أو بالأحرى كانت هناك حروف كتابية وتسمى الحروف المعجمة (أي المبهمة) وحروف صوتية وتسمى حروف الهجاء (أي حروف القراءة) (3)، ولذلك كانت تكتب الباء والتاء والثاء والنون و (الياء في وسط الكلمة) برسم واحد وحرف كتابي مبهم واحد، ويتغير مع شدة الصوْتَه ليمثل هذه الحروف الصوتية عند القراءة، وكذلك الجيم والحاء والخاء. ومن بحث في أصل الكتابة العربية يجد اختلافاً واضحاً بين الحروف وأصلها في الحروف--------------------------------------------
(1) من كلام ابن الجوزي في زاد المسير (206/ 5) تفسير سورة مريم. وابن الأنباري (ت304هـ) هو أبو بكر محمد بن القاسم المقرئ النحوي، له مؤلفات كثيرة في علوم القرآن وغريب الحديث ومشكله وفي الوقف والإبتداء والنحو والشعر. انظر سير أعلام النبلاء (278/ 15)
(2) إعجاز القرآن ص66، مع التحفظ على تسميتها حروف المعجم، فهي نصف عدد حروف الهجاء لا المعجم كما سبق.
(3) جاء في لسان العرب - مادة هجا (353/ 15): قال "أبو زيد: الهِجاءُ القِراءَة، قال: وقلت لرجل من بني قيس أَتَقْرَأُ من القرآن شيئاً؟ فقال: واللهِ ما أَهْجُو منه حَرفاً؛ يريد ما أَقْرَأُ منه حَرْفاً." وأبو زيد هو سعيد بن أوس الانصاري النحوي (ت215هـ) احد شيوخ سيبويه ومن مراجع اللغة في عصره، انظر أخبار النحويين لأبي طاهر المقرء وانظر تهذيب الكمال (330/ 10).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
النبطية، فأقدم نص جمع بين الحروف الأبجدية كان محتوياً على اثنين وعشرين حرفاً كتابياً، منها خمسة عشر حرفاً مختلفاً فقط (1)، وتمثل بمجملها الحروف الصوتية الثمانية والعشرين، بينما نجد اليوم سبعة عشر حرفاً مختلفاً إن ألغينا التنقيط، وهذا الاختلاف حاصل للفرض بأن الكتابة العربية أصلها من أبجدية وليست من حروف كتابية كما هو الأصل، والحقيقة أن الأبجدية العربية قد وضعت بعد الإسلام، فصارت تماثل غيرها كالحميرية، ولبيان الفكرة نعود للنقوش العربية في صدر الإسلام وما قبل الإسلام، فنجد الحروف في كتابتها خمسة عشر حرفاً لا سبعة عشر، لأن (د ذ ر ز) كانت تكتب بحرف كتابي مبهم واحد، كما هو الحال في غيرها من الحروف المتشابه، وعليه يكون الأصل فيها واحد (2)، وبالرجوع لحروف الفواتح نجدها أربعة عشر حرفاً، ومع الواو تكون خمسة عشر، والواو ذكرت مباشرة بعدها في بعض الأحيان وأفادت القسم أو العطف، ولا أقول إنها من ذات الحروف بل أقول بأن ذكرها بعدها أغنى عن ذكرها فيما بينها، ولم تذكر بينها لعدة أسباب: أولها أن الواو من أكثر الحروف حملاً للمعاني (3)، والثاني أن الواو من الحروف المفصولة عما بعدها وتكتب تحت السطر في كل أحوالها (ر ز د ذ و)، وقد ذكرت الراء عوضاً عنها جميعاً، والثالث أن الواو هو الحرف الوحيد من ضمن حروف العلة الذي يكتب بلا لفظ، كما في "عمرو" أو كما كانت تكتب "سعد" في العصر الجاهلي "سعدو"، هذا هو الدليل التاريخي بما جاء به علم الآثار، وما يتفق مع الأصل اللغوي المطابق، وهو اتفاق العلماء على ما قاله الباقلاني بأنها تشتمل على أنصاف صفات الحروف، وفصّله الزمخشري بقوله: "بيان ذلك أن فيها من المهموسة نصفها: الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء. ومن المجهورة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون. ومن الشديدة نصفها: الألف، والكاف، والطاء، والقاف. ومن الرخوة نصفها: اللام، والميم، والراء، والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون. ومن المطبقة نصفها: الصاد، والطاء. ومن المنفتحة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والقاف، والياء، والنون. ومن المستعلية نصفها: القاف، والصاد، والطاء. ومن المنخفضة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والسين، والحاء، والنون. . . فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته." (4) وهي إشارة على أن الحروف الكتابية كانت تماثل أنصاف حروف الصوت، وتدل عليها كلها بتغيير نبرة الصوت، وإن كانوا استدلوا بهذا القول على ما جاء فيها من إعجاز--------------------------------------------
(1) هي أول مدونة كتبت بالحروف العربية عام 512م. وقد كانت مكتوبة بثلاث لغات وهي: اليونانية والسريانية والعربية، وعثر عليها في الزبداني بسوريا، وتلك المخطوطة قد احتوت على 22 حرفا عربيا، 15 منها فقط كان مختلفا، وتستخدم للإشارة إلى 28 حرفاً صوتياً - انظر الملحق -
(2) انظر الملحق نقوش ما قبل الإسلام نقش النمارة 328م، ونقش أم الجمال الثاني (600 م تقريبي) كتبت بذات الحرف، ونقش حران اللحاه 568م بتمييز بسيط، وملحق نقوش ما بعد الإسلام وأشهرها نقش السد المبني بأمر معاوية، 678م تكتب بشبه كبير.
(3) تأتي الواو لمطلق الجمع وللاستئناف وللحال وللمعية وللقسم - الموجز في قواعد اللغة العربية ص 389
(4) أصل الفكرة والكلام للباقلاني وما أورده الزمخشري في الكشاف (29/ 1) كانت فيه الأسبقية على تسميتها "أنصاف أجناس الحروف" فقط، وهو قول بدعي، لم يتنبه إليه أحد، والزمخشري إمام المعتزلة في زمنه، وكان يرى بأن أجناس الحروف مخلوقة، وهو قول ساقط، فأجناسها غير معلومة وليست بمخلوقه، وصفاتها وكتابتها ومخارجها وعددها عند البشر معلومة مخلوقة، أما أول من قال بأن صفات الحروف هي أجناس لها فهو محمد بن الحسن بن دريد (ت321هـ) وساقه في كتاب الجمهرة ضمن كلامه عن بناء الكلمات في نهاية كتاب الجمهرة ج3 ص513 طبعة حيدر أباد وج3ص1338 طبعة دار العلم، وابن دريد شيخ الأدب كما قال عنه الذهبي، إلا أن العلّامة أبو منصور الأزهري اللغوي (ت 370 هـ) قال في مقدمة كتابه الفريد "تهذيب اللغة" (27/ 1): وممّن ألَّف في عصرنا الكتبَ فوُسمَ بافتعال العربية وتوليد الألفاظ التي ليس لها أصول، وإدخالِ ما ليس من كلام العرب في كلامهم. أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي: صاحب كتاب (الجمهرة)، وكتاب (اشتقاق الأسماء)، وكتاب (الملاحن)." وقد نقل ابن حجر هذا الكلام عنه في لسان الميزان (133/ 5) عند ترجمة ابن دريد. فالأصح إذن أن نقول أنصاف صفات حروف الهجاء، مع التنبيه أيضاً على أن الزمخشري لم يفصل في الحروف الشديدة والرخوة، وهي 8 شديدة و 20 رخوة منها 5 متوسطة وجاء منها في حروف الفواتح 4 شديدة و 5 رخوة وجاءت بالمتوسطة كلها أي 5. وذكر حروف القلقة ولم أوردها في كلامه لأنها من صفات الحروف التي ليس لها ضد، كالصفير والتفشي فلا يلتفت إلى ذكرها، كذلك لم يسند هذا الكلام إلى قائله، وهو في الإعجاز ص66 وقد نقل كثير من المفسرين هذا القول عن الزمخشري من غير تحقق لأصله ومنتهاه كابن كثير والشوكاني والنسفي والزركشي في البرهان، بل لم يتنبه لهذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وأورد التسمية واستشهد بها في تفسير الحروف في مجموع الرسائل والمسائل ج3 ص84، ومجموع الفتاوى ج12 ص110، وهو من دافع عن القول بنفي خلق أجناس الحروف، كما في مجموع الفتاوى ج12 ص110.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
في النظم، فسآتي على تفصيل القول فيه عند الكلام على وجه الإعجاز في النظم إن شاء الله، وهذا كله يتوافق مع عدد مخارج الحروف على الصحيح بأنها خمسة عشر مخرجاً.
فهذه الوجوه تدل على أن في ذكر الحروف دلالات تخص الكتابة، بل تدل على أسس وقواعد الكتابة في القرآن، وإن قال قائل إن أسس الكتابة والتوثيق لم تعرف إلا في العصر الحديث مع انتشار واختلاف المؤسسات العلمية فهو جاهل، لأنها كانت وما زالت أساساً من أسس النظم في الكلام والكتابة، وهي الدليل الأول على جودة الكتاب وعلم الكاتب، وهو ظاهر في أقدم الكتب التاريخية اليونانية، وظاهر في كتب الإسلام الأولى، فهذا كتاب الصحيح للإمام البخاري، تجد من الناس من يستشهد بتنظيم أبوابه بل بذكر الحديث في باب معين على فقه الإمام البخاري رحمه الله، وهذا الزمخشري البليغ الشهير يقول في بداية كتاب أساس البلاغة: "وقد رتب الكتاب على أشهر ترتيب متداولاً، وأسهله متناولاً، يهجم فيه الطالب على طلبته موضوعة على طرف التمام وحبل الذراع، من غير أن يحتاج في التنفير عنها إلى الإيجاف والإيضاع؛ وإلى النظر فيما لا يوصل إلا بإعمال الفكر إليه" (1)، وغيره من الأمثلة التي لا حصر لها من كتب السلف والخلف.
وعلى ما سبق ولعلمنا بأن كل كلمة في الدنيا وفي أي لغة كانت لها أحكام: كيف تلفظ، وكيف تكتب، وما هو معناها، وما هو موقعها في نظم الكلام، وأساس ذلك كله لغة الكلمة، نستعين بالله على البيان ونقول:--------------------------------------------
(1) أساس البلاغة - المقدمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
الباب الثاني: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على لغة القرآن
كان لذكر حروف المعجم القديمة دلالة عظيمة على حفظ القرآن بلغته وهي: أن ذكر الحروف ولفظها بأسمائها مفصولة، برغم كتابتها على هيئة الكلمات موصولة، كانت مانعة للترجمة، وهذا ما أعطى للمسلمين دلالة واضحة، وبينة ظاهرة على منع الترجمة بإعجازهم لا بأمرهم، فقد أتى المنع بالدلالة لا بالتصريح على أنه "لا ترجمة للقرآن" بالمعنى الحرفي، إذ كانت هذه الحروف مكتوبة على هيئة الكلمات، ولها حكم الكلمة في كتابة حروفها، أما لفظها فعائد على ذكر أسمائها، وهي أصل اللغات وما لا ترجمة له حرفياً، وبالرجوع لعلم الحديث والأثر لا نجد أثراً واحداً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه يفيد بمنع الترجمة، ولكننا نجد الإجماع على تحريم ترجمة القرآن ترجمة حرفية! ولو سألنا: ما هو دليل الجمهور قياساً على ما يتعلق بعلوم القرآن؟ سيكون الجواب: ليس هناك دليل صريح بهذا، إلا المانع من الترجمة، وهي الحروف المقطّعة. فكيف تتم ترجمة الحروف المعجمة في أوائل السور وقد أنزلها الله حروفاً عربية، مقروءة (بلسان عربي مبين) ونحولها (نحرفها) لغير العربية، لندخل في مجال التحريف، وهو كفر كما أسلفت. هذا وإن كان من الواجب ترجمة القرآن بالمعنى، وهو من باب التبليغ كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ … الآية 67 المائدة} وهو ما سار عليه السلف والخلف، وهو من باب التفسير، إذ لا يعقل نشر رسالة الإسلام من غير نقل للمعانى لغير الناطقين بالعربية، فهي من البديهيات، ومن أنكرها فكأنما أنكر تفسير القرآن وضرب القرآن بعضه ببعض، وجعله خاص بالعرب دون سواهم. ولعل قائلاً يقول: إن العلماء قد استدلوا على عدم جواز الترجمة بناءً على الكثير من كلمات القرآن وآياته، وذلك بعدم إمكانية تحويلها للغة أخرى، مثل كلمة الواقعة في {إذا وقعت الواقعة}، ويدمغه في قوله تعالى {بل نَقِذِفُ بالْحَقِّ على الباطل فيَدْمَغُه فإذا هو زاهقٌ} وإغلال اليد إلى العنق وبسطها في قوله تعالى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
{ولا تَجْعَل يدك مغلولةً إلى عنُقك ولا تبسُطها كلَّ البسْط} فأقول: إن هذا الاستدلال حاصل وقائم في وجوب أخذ الحيطة والعناية عند ترجمة القرآن بالمعنى، وليس بدليل صريح على منع الترجمة، فأي كلمة وردت في القرآن لها معنى، وحاشا لله أن يكون بعض كلامه بلا معنى، وهو دليل قابل للنقاش، وليس بمانع ولا هو بدليل صريح، ولو فرضنا بأنّه مانع لما ترجمت الكتب أصلا، وفي هذا يقول الجاحظ "إنَّ التَّرجُمان لا يؤدِّي أبداً ما قال الحكيمُ، على خصائِص معانيه، وحقائق مذاهِبه ودقائق اختصاراته، وخفيَّاتِ حدوده، ولا يقدِر أَنْ يوفيها حقوقها" (1)، ولكننا نرى بأن العلوم قد انتقلت من لغات إلى أخواتها كما من العربية إلى غيرها، والعكس أيضاً، ولولا هذه الحقيقة لما كان لتتابع الحضارات من معنى.
وقد استدل بعضهم بالإشارة للغة القرآن في الكثير من الآيات، كقوله تعالى (بلسان عربي مبين) وهذا من تعظيم لغة القرآن ورفع لشأن لغته، وليس فيه صريح المنع على نقل ألفاظه لغير العربية، قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) إبراهيم} ولم تكن كتب السابقين ممنوعة من الترجمة، وإن كانت من عند الله بالاتفاق، وإن قالوا إن تحريم الترجمة من باب تحريم احتمال الاختلاف في معنى الكلام في اللغات الأخرى، أقول: إن هذا الاختلاف حاصل من غير ترجمة، وهو من حكمة رب العالمين، لا مما منع الناس عنه بل "إن وجود الاقتران أو الاشتراك اللفظي هو سبب ضلال الفرق في معرفة الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى خاطبنا ووصف نفسه بكلامنا ولغتنا" (2)، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم إخباراً عن علي: "إن منكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله" (3). وبالرجوع لعلم مقارنة اللغات، عندما نقرأ في أصل اللغات والحروف وما قالوه من محاولات للمقارنة بين اللغات الحالية وأقدم لغة معروفة، وهي السومرية (الحرف المسماري)، نجد أن أصل الحروف مختلف وإن تشابهت بعض الكلمات وألفاظها مع بعض اللغات، مما استدعي أصحاب لغة ما بنسب لغتهم إلى أصل اللغات، حتى لو كان التشابه في كلمة أو كلمتين، فترجمة ونقل الكلمات ممكن وحاصل، كيف لا وقد تتشابه بعض الكلمات مع بعضها في اللفظ والمعنى. هذا وإن كان الاختلاف في المعنى المترجم قابل للنقاش والاتفاق، ولكن ترجمة الحروف أو اسم الحرف أمر مستحيل، فالأصل في فهم اللغات المندثرة هو فك رموز اللغة وهي الحروف، بمقارنة محتويات الكلمات منها مع لغة أخرى معاصرة لها، وحروف لغة ما رموز في غيرها، ولولا هذه الحقيقة لما تم فهم اللغات المندثرة مثل السومرية والهيروغليفية، فالاختلاف كائن في الحرف إذ هو أصل اللغة، والتشابه واجب في الكلمات والمعاني، إذ هي مقصد الكلام وغاية اللغة بل هو أساس الكلام. وفي تعريف الكلمة كجزء من أجزاء الكلام قال أهل العربية: "الكلمة قول مفرد مستقل وكذا منوي معه على الصحيح" (4)، "وأما الحرف فهو الشبهة القائمة وحدها من الكلمة" (5)، والفرق بينهما كما قال أبو عمرو الداني: "إن الكلمة هي الصورة القائمة بجميع ما يختلط بها من الشبهات، والحرف هو الشبهة وحدها" (6) لأنه--------------------------------------------
(1) الحيوان للجاحظ، ج1 ص75
(2) سفر الحوالي، شرح العقيدة الطحاوية - الأسماء والصفات (الحلقة الثانية)، توقف فهم المعاني المعبر عنها باللفظ على معرفة عينها (سماعاً) من الموقع الرسمي للشيخ سفر الحوالي.
(3) رواه الإمام أحمد (33/ 3) وابن أبي شيبة (498/ 7) والبيهقي في الدلائل (435/ 6) وأبو يعلى (341/ 2) وابن حبان (385/ 15) والطحاوي في مشكل الآثار (237/ 10) والحاكم في المستدرك (132/ 3) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الصحيحة (رقم2478)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه قال: (فقام أبو بكر وعمر فقال لا ولكن خاصف النعل وعلي يخصف نعله.)
(4) همع الهوامع للسيوطي ج1 ص19، وزاد بعدها "وشرط قوم كونه حرفين"، وهو بهذا الشرط يؤكد استحالة ترجمة الحرف لأنه ليس بكلمة، ولكني لا أقول به لما اختاره المحققون من أهل اللغة بأن الحرف يقوم مقام الكلمة على الصحيح، كما أورد السيوطي بعد هذا الكلام ص22 وقال: "وذهب قوم إلى أن شرط الكلمة أن تكون على حرفين فصاعدا نقله الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره ومحصوله قال ورد عليهم بالباء واللام ونحوهما مما هو كلمة وليس على حرفين".
(5) القرطبي (67/ 1) باب ذكر معنى السورة والآية والكلمة والحرف.
(6) البيان في عد آي القرآن ص78
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
الأساس في بناءِ الكلمة، ولو كانت ترجمة الحروف ممكنة لتكلم الناس بلغة واحدة، وهيهات، فهو العجز البشري عن خلق ما جبلت عليه الشعوب من لغات وألوان، كما في قوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) الروم} ونظرة سريعة على علم الرياضيات وترجمته، نجد النظريات والفرضيات هي ذاتها في كل اللغات بعد الترجمة، والاختلاف حاصل فقط في الرموز الموضوعة داخل المعادلات، ولن يفهمها الباحث إلا ببيان معناها وما تدل عليه كلّ حسب لغته. وعليه أقول جَازِمًا: إن هذه الحروف الواردة في فواتح السور لا تحمل المعاني فقط، بل تحمل دلائل إعجاز عظيمة، وأول دليل لها هو منع ترجمة القرآن لاستحالة ترجمة الحروف إن اقتصرت على أصل المعاني الموجودة فيها كحروف، أو إن كانت على ظاهرها لا تحمل إلا معاني الحروف الكتابية. فإن قلت لماذا لا يستقيم ترجمة الحروف بلفظها كما لو ترجمنا (الم) بما يقابلها في اللغات الأخرى من حروف، فأقول إذن كتبناها مع إسقاط ما فيها من معاني على أصلها أولاً، كما نكون قد كتبناها على صورة أسمائها وبلغة أخرى، ولم نكتبها على صورة لفظها ومسمياتها كما جاءت ثانياً، وبه نكون قد أوقعنا اللبس في الكلمات المستحدثة ثالثاً، مما يلزم بوجود كلمات لا معاني لها في القرآن، أو لها معاني أخرى مباشرة بلغة أخرى، وهذا هو التحريف بعينه.
الباب الثالث: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على الكتابة بالحروف العربية
لقد كان لذكر الحروف المقطّعة إشارة عظيمة على فهم مغزاها عند أهل الجاهلية كما أسلفت، وبالتالي معناها عند أهل الكتابة ومن أسلم منهم، وللوقوف على بعض مكنوناتها وجب علينا ردها إلى أصلها، وليس أصلها هنا من ناحية اللغة بل أصلها عند بداية تشريفها لنا بالنزول، فهذه الحروف قد قدسها الله بمجرد ذكرها، وإن كانت قبل التنزيل من الحروف المهملة بين حروف الأمم، وهي من حروف البشر أولاً وأخيراً. فلنتأمل أولاً في كتابة القرآن ككتاب، لنستقي تلك النفحات النورانية المتمثلة بتقديس هذه الحروف، وثانيا بتعريف الكتاب بشكل عام مع أخذ الفائدة من كل تعريف موجود، قال في اللسان: "الكِتابُ: معروف، والجمع كُتُبٌ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
وكُتْبٌ. كَتَبَ الشيءَ يَكْتُبه كَتْباً وكِتاباً وكِتابةً، وكَتَّبَه: خَطَّه؛" وهذه تفيدنا بأن الكتاب هو ذاته المخطوط والمسطور على أي شيء يكتب عليه، "والكِتابُ اسم لما كُتب مَجْمُوعاً؛" وهذه تفيدنا بأنه مجموع في كتله واحدة "والكِتابُ مصدر؛ والكِتابةُ لِمَنْ تكونُ له صِناعةً، مثل الصِّياغةِ والخِياطةِ. والكِتابُ ما كُتِبَ فيه." (1) وهذه تفيدنا بأن كاتبه يجب عليه أن يكون من أهل الكتابة، وفي مقاييس اللغة عن كتب: "الكاف والتاء والباء أصلٌ صحيح واحد يدلُّ على جمع شيءٍ إلى شيءٍ. من ذلك الكِتَابُ والكتابة." أي جمع ما كتب، هذا ما قالته العرب، أما ما قالته الأمم غير العرب في علم المكتبات لمعنى الكتاب، فقد عرفته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) بأنه: مطبوع غير دوري عدد صفحاته لا تقل عن 49 صفحة باستثناء أوراق التغليف، منشور في أي بلد ويعالج أحد موضوعات المعرفة البشرية ومتاح لكل الناس. مما يفيد جمعاً على ما سبق من كلام العرب، أن الكتاب محكوم بما كتب مجموعاً في كتلة واحدة لا تقل عن 49 صفحة، وكاتبه لا بد أن يكون من أهل صناعة الكتابة، ويكون المكتوب فيه مخطوطا بسطور لتسهيل القراءة، ويحكم عليه بما كتب فيه أخيرا، هذا هو الكتاب البشري، أما الكتاب الإلهي (القرآن) فمحكوم بأكثر من ذلك باتفاق المسلمين، فهو محكوم بلغة معينة، وكتابته يجب أن تكون بحرف معين، وهو الحرف التوقيفيّ باتفاق المسلمين، فلماذا يتفرد القرآن بهذا الشرط وهو كتاب كما هي الكتب؟ وأين نجد الدليل أو الإشارة على شرطنا - والذي لم يشترطه أحد - باستعمال حرف دون غيره في الكتابة، وهل جاء هذا الشرط إتباعاً للقرآن والسنة، أم بانعدام النص فيهما وكان من تقييد المسلمين لكتاب ربهم ومما لم يأمرهم به قائله؟ وهل ترك الله هذا لكتّاب الوحي، وهم قرروا ونحن من بعدهم قررنا وشرطنا عليه شرطاً؟ أم ألزمهم بحرف معين في كتابة القرآن كما ألزمنا بعدم الترجمة؟ أقول: الأمر باستعمال حرف دون سواه لم يرد في القرآن ظاهراً بالأمر، ولم يقله الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعرف الكتابة أصلاً، وللبيان أقول: نحن نعلم أن الله تعهد لرسوله صلى الله عليه وسلم بحفظ القرآن في صدره، والرسول صلى الله عليه وسلم تعهد بنقل--------------------------------------------
(1) لسان العرب - مادة كتب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
القرآن من غير زيادة أو نقصان، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بتعاهد القرآن بحفظه في الصدور وكتابته وتدوينه، بل وأمر بعدم كتابة شيء من كلامه مع القرآن، وفي الحديث "لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" (1)، فكتب الصحابة القرآن على حروف العربية وحدها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وجمعوه في عهد أبي بكر في مصحف بمكان واحد، متفق على أن مجموعها هو القرآن لا زيادة عليه ولا نقصان، أما ما سواه من الصحف وإن حوت كلام الله إلا أنها بالمجمل لا تمثل القرآن كاملاً، ومن ثم جعلوه في كتاب واحد، بخط واحد ورسم واحد ونسخة موحدة ومدققة على أساس القراءات المأخوذة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجامعة وشاملة للهجات العرب السائدة في ذلك الزمان، وقاموا بنسخه وتوزيعه، ومما هو معلوم في الدين بالضرورة "إن أبا بكر الصديق أول من جمع القرآن في المصاحف حين قتل أصحاب اليمامة، وعثمان الذي جمع المصاحف على مصحف واحد." (2) وهم رضوان الله عليهم من سمعه، وهم من كتبه، وهم من جمعه، وهم من جعلوه كتاباً، وهم من نسخه ووزعه، وهم من شهد بأن هذا هو التنزيل الحكيم، وقد "أجمع على كتابة المصاحف العثمانية اثنا عشر ألفاً من الصحابة رضي الله عنهم" (3)، فتمت مهمتهم رضي الله عنهم. وهذا كله مما أمروا به لتعاهد القرآن بحفظه وقراءته والعمل به، بل والعمل على بيانه ونشره وعدم الاشتغال بغيره من الكتب، ولكن استعمال الحرف العربي دون سواه من الحروف في كتابة القرآن لم يأمرهم به أحد، ولا يحتاج إلى أمر، فالأصل في الكتابة راجع للغة القوم وما عرفوه أصلاً من حروف كانت لهم في ذلك الزمان، فلا يعقل أن يُأمروا بكتابة شيء من دون إمتلاكهم تلك الحروف، ولكن ماذا لو قال قائل في وقتهم أو في أي وقت آخر: هل يجوز كتابة القرآن بحروف غير العربية؟ وهي بحد ذاتها صنعة وتطور لما سبقها من حروف وأبجديات؟ والسؤال هنا عن جواز استعمال غيرها من الحروف إن أعطت اللفظ حقه؟ - وما هي الحروف إلّا تمثيلاً للكلام من أول ظهورها إلى الآن - وأقول لم يأخذوا الأمر بعدم استعمال الحروف الأخرى من أحد، ولا نحن أخذنا به واتفقنا عليه إلا من فواتح السور، فإن كانت النون، والصاد، والقاف، وألف لام ميم، وحا ميم، وكاف ها ياء عين صاد مثلت كلمات من القرآن، ولها أحكام الكلمات، وهي ممثلة لحروف من العربية برسم أصيل واحد في الكتابة، فهل يستقيم استعمال حرف آخر في كتابتها مما يلزم زيادة في الكتابة على النطق حرفاً أو حروفاً فتصبح في الكتابة مجموعاً لحروف؟ والجواب قطعاً لا؛ لأنه أصل التحريف، حتى لو كان من الكاتب بقصد الاحتفاظ به لنفسه لتسهيل قراءته.--------------------------------------------
(1) رواه الإمام أحمد (12/ 3) ومسلم (2298/ 4) والنسائي في السنن (10/ 5) وفي فضائل القرآن (ص85) والدارمي (130/ 1) وابن حبان (265/ 1) وأبو يعلى (466/ 2) وابن أبي داود في المصاحف (ص39) وابن عبد البر في الجامع (268/ 1) والحاكم (216/ 1) وقال ابن حجر في فتح الباري (1/ 208) تعليقاً على حديث أبي هريرة في البخاري "ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب" قال: "والجمع بينهما أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك. أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس وهو أقربها مع أنه لا ينافيها. وقيل النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك." وقال النووي في شرح مسلم (130/ 18) تعليقاً على هذا الحديث وللجمع بينه وبين الأحاديث الواردة في جواز الكتابة عنه صلى الله عليه وسلم: " قيل: إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك أذن في الكتابة، وقيل: إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لئلا يختلط، فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة". وقد جمع الخطيب البغدادي في كتاب تقييد العلم كل المرويات عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم والتابعين في بيان النهي عن كتابة الحديث أو الإذن به، والجمع بينهما واضح وواقع حاصل، فهل يختلط كلام الله بكلام البشر حتى وإن كان كلام الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وإن كان النهي لهذا السبب فلعدم وضع الحواشي والتعليقات لا للاختلاط، وهو بعيد أيضاً إذ بقي الصحابة على هذا المنع فيمن تبعهم، مما يبين أن الأمر بالنهي كان عامّاً لتكون عناية الصحابة موجهة لكتابة القرآن وحده، والإذن كان خاصاً، لما رواه الإمام أحمد (162/ 2) وأبو داود (342/ 2) وابن أبي شيبة (229/ 6) والدارمي (136/ 1) والبغدادي في الجامع (36/ 2) وفي تقييد العلم (ص80) والحاكم (187/ 1) وعنه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (231/ 2) وابن عبد البر في الجامع (300/ 1) والرامهرمزي في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي (ص366) بسند صحيح كما قال الألباني في الصحيحة (رقم1532)، أن نفرا من قريش قالوا لعبد الله بن عمرو إنك تكتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسك عن الكتابة وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق"، فرد الرسول صلى الله عليه وسلم أتى لدفع شبهة عظيمة، ومعلوم أن عبد الله كان يكتب ليحفظ لا ليألف كتاباً مفرداً، بحسب قوله "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه"، ووجه الترخيص له جاء لهذه الغاية، وهي تسهيل الحفظ عليه، وهو ما حدث معه ومع غيره فِعليّاً، إذ بدأ عصر التدوين للحديث بأمر من عمر بن عبد العزيز للكثير من أهل العلم ومنهم الزهري بعد مئة سنة من الهجرة، لحفظ كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن قبلها مجموعاً في كتب.
(2) المقنع في رسم مصاحف الأمصار، ص18
(3) تاريخ القرآن الكريم للكردي، ج1 ص 106
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
وإن قال قائل: كيف لهم أن يكتبوا بحرف آخر غير عربي وهم بالكاد يعرفون الحروف العربية؟ فأقول: نعم، فالكثير من عرب شمال الجزيرة كانوا عرباً أقحاحاً يتكلمون بالعربية، ويكتبون بغيرها من الحروف كما يفعل الأنباط على شواهدهم التاريخية، وهي مشاهدة إلى الآن، وكذلك العرب في جنوب الجزيرة كانت لغتهم عربية وكتاباتهم متنوعة في الحروف، ولا ننسى بأن أهل العلم في ذلك الزمان كانوا من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) في المدينة وما حولها، وفي مملكة الحيرة وبلاد الشام، وفي اليمن والحبشة ومصر، وكلهم أصحاب حروف وأبجديات كانت في وقتهم لغات العلم ولغات العصر كما يسميها البعض، وقد كانت كتابة اللغة بغير حروفها من أدق أسباب التحريف للكتب المقدسة عند اليهود والنصارى، فقد كتب اليهود العبرية بأبجدية كنعانية فينيقية، إلى أن اتخذوا الخطوط المربعة من الآرامية، وهي ذاتها التي انقرضت واحتفظوا بها وأحيوها من جديد في دولتهم المزعومة على أرضنا المغصوبة الآن، أما نحن فلم تصلنا ورقة واحدة تدل على فعل الصحابة لهذا الأمر، بل جل ما وصلنا كتاب مزور، ألفاظه بالعربية ومكتوب بأحرف عبرية، كما أورده صاحب كتاب مجموع الوثائق السياسية للعهد النبوي، كرواية ثانية على معاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم لحنينا ولأهل خيبر ومقنا، وذكر أقوال العلماء في بطلانه. (1) وذكر صاحب البرهان "مسألة في كتابة القرآن بغير الخط العربي، هل يجوز كتابة القرآن بقلم غير العربي؟ (وقال): هذا مما لم أر للعلماء فيه كلاماً ويحتمل الجواز لأنه قد يحسنه من يقرأه بالعربية، والأقرب المنع، كما تحرم قراءته بغير لسان العرب ولقولهم القلم أحد اللسانين والعرب لا تعرف قلماً غير العربي قال تعالى: {بلسان عربي مبين} " (2)، وأقول بل لا يحتمل الجواز لما أسلفت، فكيف يكون المثل "القلم أحد اللسانين" دَليلاً على تقييد كتاب الله، بل هناك مانع واضح وصريح ومكرر في تسع وعشرين سورة من القرآن. "وزعْم أن كتابته بالعجمية فيها سهولة للتعليم كذب مخالف للواقع والمشاهدة، فلا يلتفت لذلك على أنّه--------------------------------------------
(1) مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي، محمد حميد الله (ص122) - وذكر أن الأصل موجود في جامعة كيمبريج ووُجِد أصلاً في مخطوطةٍ في كنيزة مصر.
(2) البرهان، ج1 ص379
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
لو سلم صدقه لم يكن مبيحا لإخراج ألفاظ القرآن عما كتبت عليه، وأجمع عليها السلف والخلف." (1)
"وقال ابن فارس: الذي نقوله إن الخط توقيفي لقوله تعالى (علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) (ن والقلم وما يسطرون) .. وقال أشهب: سئل مالك هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء فقال: لا إلا على الكتبة الأولى، رواه الداني في المقنع ثم قال: ولا مخالف له من علماء الأمة … وقال الإمام أحمد: يحرم مخالفة مصحف الإمام في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك، وقال البيهقي في شعب الإيمان: من كتب مصحفاً فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به هذه المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغيّر مما كتبوه شيئاً، فإنهم كانوا أكثر علماً وأصدق قلباً ولساناً وأعظم أمانة منّا فلا ينبغي أن يظن بأنفسنا استدراكاً عليهم." (2)
إذن فالفائدة هي أنْ اكتبوا بالحروف العربية (وحدها) التي تعرفون ليتطابق اللفظ مع الرسم، وهذا ما تحصّل، فقد كان "القوم يتخيرون أجمع الحروف للمعاني وأسلسها على الألسنة وأقربها في المأخذ وأشهرها عند العرب للكتابة في المصاحف" (3)، وما كانت الحروف العربية ذات شهرة قبل الإسلام، بل تكاد تَعد الآثار التاريخية لها قبل الإسلام على أصابع اليد، وبعد الإسلام صارت صنعة وفن، وهو ظاهر جلي في أنحاء العالم من شرقه لغربه، فتجد هذا الخط مكتوباً على المساجد والقصور، بل وأكثر من ذلك تجده قد طغى على غيره من الحروف فصارت تكتب به، وتقييد القرآن من شأن قائله وحده جلّ في علاه.--------------------------------------------
(1) الفتاوى الفقهيه الكبرى لابن حجر الهيتمي (38/ 1) جواب على سؤال "هل تحرم كتابة القرآن الكريم بالعجمية كقراءته؟ "
(2) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج2 ص443، وقول ابن فارس في المزهر للسيوطي ج2 ص343 - باب القول على الخط العربي وأول من كتب به، وقال السيوطي قبلها: "أخرج الحافظ أبو طاهر السلفي في الطيوريات بسنده عن الشعبي قال: أول العرب الذي كتب بالعربية حرب بن أمية بن عبد شمس، تعلم من أهل الحيرة، وتعلم أهل الحيرة من أهل الأنبار."
(3) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج1 ص543، والقول لابن أشته، وهو المحدث أبو العباس أحمد بن عبد الغفار بن أشته الأصبهاني الكاتب (ت491هـ) كما في سير أعلام النبلاء (183/ 19).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
الباب الرابع: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على اللفظ العربي لكلمات القرآن
هب أنك ما سمعت كلام الله مشافهة، ولم يخبرك أحد بلفظه، وأردت قراءته مبتدئاً بـ (الم) أو (حم. عسق) أو (كهيعص) كيف ستقرؤها؟ وما هو الأصل في القراءة في كل لغات الدنيا؟ أهو لفظ الحرف؟ أم مسميات الحروف ووصلها لتعطي الكلمة؟ وهي أصل مبدأ الكلام، ولا يختلف اثنان بأن الناس إذا أرادوا إرسال معلومة بأي طريقة كانت فالأهم هو إيضاح الكلام، وبيان المعنى. ولا يتأتى ذلك إلا بلفظ الكلمات، بحيث ينتهي مقصد الرسالة بفهم المتلقي، فكيف برب العالمين وله المثل الأعلى، أيقاس كلامه على الإبهام؟ حاشا لله، فالسؤال هنا عن أساسيات الكلمة، وهي اللغة بلفظها وكتابتها وموقعها في النظم، وفي المحصلة معناها، وقد علمنا بأن القرآن نزل بلسان عربي متضمناً هذه الكلمات - أي الحروف المقطّعة (1) - باللغة العربية، وأن هذا الكلام المكتوب في القرآن بهذه الحروف وعلى هذا الشكل ليس فيه نقص ولا زيادة، وقد "كان إتباع خط المصحف سنة لا تخالف. قال عبد الله بن درستويه في كتابه (المترجم بكتاب الكتاب المتمم): في الخط والهجاء خطان لا يقاسان: خط المصحف، لأنه سنة، وخط العروض؛ لأنه يثبت فيه ما أثبته اللفظ ويسقط عنه ما أسقطه" (2). إذن عرفنا بمجرد النظر لهذه الكلمات ما هي لغتها وكتابتها وموقعها من النظم على حد اليقين فماذا بقي؟ يبقى لفظها ومعناها فقط. فكيف نعرف لفظها؟ والكل متفق على أن اللفظ يؤخذ بالتواتر، بل "إن تلاوة القرآن لا تؤخذ أبداً من الرسم، بل من التلقي، لأن هناك أحكاماً لتجويد القرآن وإخراج الحروف من مخارجها الحقيقية لا يمكن للشكل الإملائي أن يدل عليها، ولذلك أرسل عثمان مع المصاحف قُرّاءً، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدينة، والمغيرة بن شهاب أن يقرئ بالشام، وعامر بن عبد قيس أن يقرئ بالبصرة، وأبا عبد الرحمن السلميّ أن يقرئ بالكوفة." (3) فاللفظ والكتابة مترابطان في القرآن، بل "روعي في تسميته (قرآناً) كونه متلواً بالألسن، كما روعي في تسميته (كتاباً) كونه مدوناً بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضوعين لا في موضع واحد، أعني أنّه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة. ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر." (4) وهذا كله بالاتفاق، مع أن هذا الاتفاق لم يأت من نص صريح يدل على وجوب تناقل القرآن باللفظ والكتابة، بل جاءت النصوص قاطعة بالدعوة لقراءة القرآن بتلاوته وترتيله، كما في قوله تعالى {ورتل القرآن ترتيلا} "والترتيلُ في القراءة: التَّرَسُّلُ فيها والتبيين من غير بَغْيٍ (5)، وفي قوله تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 21] "تَلا يَتْلو تِلاوَة يعني قرأَ قراءة" (6)، ويروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال في {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}: "أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ولا يحرفه عن مواضعه." (7) فأين نجد الأمر والقطع بوجوب نقل القرآن باللفظ مع الكتابة، وإن قال قائل: هذا ما اتفق عليه السلف والخلف. أقول--------------------------------------------
(1) قال القرطبي (67/ 1): "وأما الكلمة فهي الصورة القائمة بجميع ما يختلط بها من الشبهات - أي الحروف".
(2) الزمخشري (27/ 1) تفسير سورة البقرة
(3) عطية صقر، فتاوى الأزهر ج7 ص476، رسم المصحف.
(4) عبد الله دراز - النبأ العظيم ص42
(5) لسان العرب - مادة رتل
(6) لسان العرب - مادة تلا
(7) رواه عبد الرزاق (288/ 1) ومن طريقه ابن جرير (567/ 2) عن قتادة وابن المعتمر بسند صحيح مرسلاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
نعم، ولكن كيف تحصل عندهم هذا الإجماع؟ ونحن نجدهم يجمعون المصاحف على مصحف واحد - هو المصحف الإمام - لا لجعله قرآنا وقد كان من قبل مكتوباً، بل ليجمع القراءات على خط واحد مشتمل لوجوه ألفاظ العرب، فالغاية منه إذن ليست الجمع - إذ لم يكن مقسماً - بل توحيد القراءات على رسم واحد، وهو ما اصطلح عليه "بالرسم العثماني"، وإن كانت هذه هي الغاية، ولم تكن الغاية قطعاً توحيد اللفظ للآيات بمنطوق أهل قريش - وفيهم نزل القرآن - دون سواهم، ونجد هذا واضحاً أيضاً في بعض الآثار بترجيح بعض الصحابة لرسم كلمة معينة دون رسمها المعتمد في المصحف الإمام لأنها توافق لفظ قريش، ولكنها من باب آخر لا تجمع ألفاظ العرب، وترجيحه مرجوح وقوله مردود بعلمه لا بعلمنا نحن، لذلك لا نجد خلافاً على توحيد المصاحف بالرسم العثماني، لعلمهم واتفاقهم أن الرسم العثماني جمع ألسنة العرب على رسم وخط وكتابة واحدة. إذن لماذا اشترطوا نقل اللفظ مع الكتابة وهم جمعوه بسبب تنوع اللفظ؟ فإن قال قائل: إن عثمان بعث مع نسخ المصحف من يبلغ القرآن على ألسنة العرب، ليتم حفظ لهجات العرب، فأقول إن هذا مما وقع للناس لاعتقادهم بأن القراءات المشهورة للقرآن هي ذاتها ألسنة العرب في زمن التنزيل، وهذا من وهم العوام. ولبلوغ المقصد الصحيح، علينا الرجوع لأصل الرسم العثماني قبل التشكيل والتنقيط في زمن الصحابة ومن أدركوه من أهل الفصاحة وأهل الألسنة التي نزل بها القرآن، هل سيقرأون القرآن بوجه غير صحيح وقد نزل القرآن على لسانهم!؟ والجواب قطعا لا، إلّا في موضع واحد، وهو فواتح السور! فما أدراه ما هي (ب) أهي ب أم ت أم ث أم ن أم ي و (ص) أهي ص أم ض و (ق) أهي ف أم ق؟ لن يعرف إلا بمعرفة لفظها، ومن لفظها تتم الرسالة فقط، وعلاوة على ذلك فقد جاءت الحروف مكتوبة على هيئة مسمياتها، وتلفظ بأسمائها كما في الهجاء، فلا سبيل لقراءتها إلا على أساس اللفظ فيها كما كتبت، كما "قال سيبويه: قال الخليل يوماً وسأل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في لك، والباء التي في ضرب؟ فقيل: نقول: باء، كاف؛ فقال: إنما جئتم بالإسم، ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: كه، به." (1) فأفادت هذه الحروف بوجوب وإلزام نقل القرآن باللفظ والكتابة معاَ، لأن كتابة الحروف تقضي بقراءتها على أسمائها إن جاءت مفصولة فقط، وعلى لفظ الكلمة إن جاءت موصولة فقط، وهذه الحروف جمعت بين الاثنين، فلا مخرج منها إلا بتبليغها باللفظ. وإن قال قائل: إن كتابة القرآن اعتمدت الرسم العثماني، وهم قد اختاروا هذا الفعل - أي أن يكتبوها على هيئة الكلمة - وكان بإمكانهم فعل العكس، قلت كيف لهم أن يكتبوا مثلاً (نون) هكذا، وهي تعني الحوت؟ وكيف لهم أن يضمنوا عدم لفظها بغيرها كما تقرأ أيضاً توت؟ وصاد تأتي كفعل، وياسين هو اسم، وقاف كذلك وزيادة، لكنهم كتبوها كما ألزمتهم من غير لبس، ولفظوها كما سمعوها، وبلغوها كما نطقها الرسول صلى الله عليه وسلم.
ورغم ما في هذا الاستنتاج من فائدة عظيمة وإبهار للعقول، وإعجاز للبشر بمجرد النظر لبعض أسرار النظم الإلهي، إلا أنه يرفعنا لمقام أعلى لفهم المقاصد واستنتاج للمعاني، ولبيان الطرح أقول: لنعد لقول الله تعالى {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) القيامة} لنتأمل في هذا الوحي الإلهي قبل الكتابة، وحين التلقّي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجوعا لبيان الحال كما جاء في أقوال ابن عباس " كان لا يفتر من القرآن مخافة أن ينساه"،" وكان يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه" وقال: " أنا أحرك شفتي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه"، وكل هذا لبيان الحال، فهذه الأفعال منه صلى الله عليه وسلم من أفعال البشر لحرصه على حفظ القرآن، وهي مما يفعل الناس عند الاهتمام--------------------------------------------
(1) الزمخشري (20/ 1) تفسير سورة البقرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
بحفظ نص ما، ولكن جاء الوحي الإلهي لبيان واقع الحال على اليقين، وإعلاماَ بأن أفعال البشر تلك لن تكون السبب في حفظ القرآن {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} سواء بحفظه أو تأليفه، فلا تتكل على تلك الأفعال، بل توكل علينا وتيقن بأن الله سيحفظه ويرعاه حق الرعاية {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ} فهو الدور الإلهي لا دور البشر ولا دور أفعالهم، وكما يسَّر الله للبشر نَبِيًّا صَادِقًا كريما لتصل الرسالة لهم على لسانه، يتعهد الله بأن يحفظه في صدرك كاملاً غير منقوص، ويتعهد بتيسير حفظه في صدور المتلقين بعد تلقيه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتعهد بجمعه في صدور المؤمنين غير منقوص، وتيسير التأليف له ليكون قرآنا يتلى من كتاب واحد، وعهد الله كان بالحفظ والتأليف طبعاً، وما من شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان همه الحفاظ على القرآن بكل الأشكال، وليس التأليف مما طلب منه، وهذا لعلمنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميّاً لا يكتب، ولذلك {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ} أي اتبع ما يتلى عليك من القرآن وما يلزمه من دعوة للناس إلى التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتتم الرسالة بالتبليغ والعمل بها {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} وهنا تنبيه للسامع بثمّ، أي انتبه فبعد كل ما ذكر، وبعد هذا التعهد العظيم، فإن بيان القرآن للناس بكل الوجوه على الله أيضاً، فلن يضيع منه شيء حتى يُجمع في الصدور والسطور كامِلَا من غير زيادة أو نقصان.
وعليه فإن من بيان الله لقرآنه بيان هذه الحروف، وما على النبي صلى الله عليه وسلم إلا التبليغ بها كما جاءت، فإن قال قائل: هل ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في حروف الفواتح شيء غير قوله «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» وقوله «إن بيّتكم العدو فليكن شعاركم: حم لا ينصرون» قلت: لا، والسبب لا لأنه لم يصلنا شيء من بيانه لها كما زعم البعض، بل لأنه صلى الله عليه وسلم بيّن ما نحن بحاجة إليه في معانيها بقوله الأول، وإحدى إشارات الإعجاز فيها بقوله الثاني، أما دلالات الحروف فلا، لأنه لا يكتب ولا يعرف علم الحروف والكتابة، لا العربية ولا غيرها، وكان عدم ذكره لهذه الدلالات سبباً من أسباب حفظ القرآن، فبيان هذه المقاصد لا يكون إلا بنقلها كما هي لمن يعرف الكتابة، وبيانها بعد ذلك يكون عليهم بكتابتها كما تلفظ أولا، وبيانها بعد الكتابة بقراءتها كما نزلت ثانياً.
ومن هنا نعلم بأن هذه الحروف قد أثقلت على الصحابة رضوان الله عليهم، فقد ألزمتهم بنقل القرآن كتابة وَنُطْقًا، مع وجود طريقة معروفة وموثوق بها تخفف عنهم هذا العبء، وهي كتابة الحواشي، وهي طريقة بسيطة، ولم تخف عليهم ولن تخفى على من يعرف الكتابة، ولكنهم لو وضعوا الحواشي على كل فاتحة من السور لبيان اللفظ لألزمهم الشرح، ولو أردنا بيان اللفظ بكتابته لن يستقيم، مثلاً لفظ (كاف ها يا عين صاد) لا يكتب إلا بالإشارة لكلمات أخرى مثل (كاف من كاف، ها من هاد، يا من كريم، عين من عليم، صاد من صمد) وعليه ستكون الحاشية متضمنة شرحاً - طال أو قصر- وستكون مفتاحا لكتابة الحواشي على القرآن، وبما أنهم - رضوان الله عليهم - هم القدوة والأمنة على كتاب الله لم يفعلوها، وإن كانوا قد بيّنوها بما يوافق هذا البيان، كما روي عن ابن عباس بقوله: اسم مقطع، وقوله كاف من كاف وغير ذلك، فقد علموا أنها ستكون موطن سؤال واستفهام، ولم يضعوا حاشية واحدة تبين اللفظ. وعليه من سيقوم بكتابة الحواشي على القرآن بعد هذا؟ لهذا السبب نرى الإجماع على كراهة كتابة الحواشي على القرآن ولو كان بقصد التعليم، "فلا تجوز وإن احتيج إليها لما فيه من تغيير الكتاب عن أصله ولا نظر لزيادة القيمة بفعله" (1)، فقد كانت هذه الحروف أحد الأدلة الظاهرة البينة على هذا الإجماع، وإن لم يأت الأمر صراحة في القرآن والسنة، وقد سبق الحديث--------------------------------------------
(1) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي ج5 ص424
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" وفصلت في الخلاف على بيانه والجمع بينه وبين سماحه صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بالكتابة، وأن كلامه صلى الله عليه وسلم ما هو إلا وحي يوحي، إذ استمر الصحابة على منع أتباعهم من الكتابة عنهم، فهذا الأمر منه صلى الله عليه وسلم وجّه عناية الصحابة رضوان الله عليهم لكتابة القرآن وحده، وأعني بالقرآن: كلام الله من غير رواية أو تطرّق لخبر السماع منه صلى الله عليه وسلم، وأعني بوحده: القرآن من غير زيادة بتعليق أو شرح أو حاشية أو سند مهما كان، وتجد أثر هذا الأمر عند مقارنة القرآن بكتب اليهود والنصارى (العهد القديم والعهد الجديد - الكتاب المقدس) فنجد أن العهد القديم (التوراة وتوابعها) مكون من ستة وأربعين سِفراً منها خمسة فقط (التكوين، الخروج، الأحبار، العدد، التثنية) هي التوراة بزعمهم أو كتاب الشريعة المنزل على موسى، والباقي ملحقاتٍ لأنبياء وملوك ومجهولين لا يعرفون عنهم شيئاً، ويزعمون أنها جميعاً كتبت بإلهام من الله، وكذلك العهد الجديد يحتوي على سبعة وعشرين سِفراً (الإنجيل وتوابعه) منها أربع روايات للبشارة والباقي رسائل وأسفار كلها مكتوبة بإلهام من الله على زعمهم. فهي مليئة بالتوابع والملحقات حتى صار أهل العلم عندهم لا يفرقون بين الإضافة والحاشية والتعليق وبين الكلام المنسوب إلى الله، وسآتي على بيان ما في كتابة الحواشي من عظيم الأسباب لتحريف الكتب المقدسة السابقة للقرآن في الفصل القادم إن شاء الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
الفصل الخامس: بيان أسباب التحريف في الكتب المقدسة السابقة
نعلم الآن بأن هذه الحروف قد حملت في طياتها مانِعاً أصيلاً من موانع التحريف، وهو إعجاز المبلّغين عن التصرف في لفظهِ وكتابتهِ، قياساً على ما حصل للكتب المقدسة السابقة، فمنعت أسباب التحريف الأساسية، والتي قامت عليها كل الأسباب الظاهرة الجلية. ولبيان بعض الأسباب لحفظ القرآن المتمثلة في الدلالات والإشارات الواردة في فواتح السور، وما فيها من إعجاز لحفظ القرآن، باتباع الأسس المدلول عليها في حروف الفواتح، لضمان عدم التغيير في المكتوب، كما هو الإعجاز في النظم أيضاً لضمان عدم التغيير في المعاني، يلزمنا أن نُفصّل في أسباب التحريف للكتب المقدسة السابقة بعد تتبعها وتنقيحها بناءً على ما جاء في كتبهم من تناقض، وما ذكره القرآن كأسباب للتحريف، لنعلم أن الحروف ما جاءت إلا لمنع الأسباب الرئيسية للتحريف.
ومجمل الأسباب بشكل عام ينقسم إلى قسمين، أسباب خفية (أساسية) وأسباب جلية (فرعية).
الباب الأول: الأسباب الخفية للتحريف (الأسباب الأساسية)
وهي الأسباب الرئيسية التي نتجت عنها كل الأسباب الظاهرة لنا في التحريف، وكانت المسوغ الأساسي لبدء التحريف بتغيير كلام الله والاستمرار به أيضاً وهي:
أولاً: الترجمة الحرفية لكلمات الكتب المقدسة
كما في العهد الجديد (الإنجيل) باللغة اليونانية (وهي لغة العلم في ذلك الزمان)، وما نتج عنه من تناقض مع غيره من الكتب باللغة العبرية أو السريانية الآرامية، حتى تم ترجيح المعاني الواردة في اللغة اليونانية على غيرها لأنها أدق وأقدم تاريخياً! ومن ذلك الخلاف بين بعض المسلمين واهل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
الإنجيل على كلمة"البارقليط" أو "المعزّي" أو "روح الحق" الواردة في إنجيل يوحنا (الإصحاح 15 فقرة 26) "ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي" وبعدها بقليل بيانا لبشارة المعزّي (الإصحاح 16 فقرة 13) "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بامور آتية" وفي ذلك يقول الدكتور منقذ السقار: "هو بشارة من المسيح بنبينا صلى الله عليه وسلم، وذلك يظهر من أمور: منها أن لفظة "المعزي" لفظة حديثة استبدلتها التراجم الجديدة للعهد الجديد، فيما كانت التراجم العربية القديمة (1820م، 1831م، 1844م) تضع الكلمة اليونانية (البارقليط) كما هي، وهو ما تصنعه كثير من التراجم العالمية. وفي تفسير كلمة "بارقليط" اليوناني نقول: إن هذا اللفظ اليوناني الأصل، لا يخلو من أحد حالين، الأول أنه "باراكلي توس"، فيكون حسب قول النصارى بمعنى: المعزي والمعين والوكيل. والثاني أنه "بيروكلوتوس"، فيكون قريباً من معنى: محمد وأحمد. ويقول أسقف بني سويف الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل يوحنا: "إن لفظ بارقليط إذا حرف نطقه قليلاً يصير "بيركليت"، ومعناه: الحمد أو الشكر، وهو قريب من لفظ أحمد." (1) وهي بلا شك كانت تكتب قديماً باللفظ الأصلي فقط "البارقليط" أو "الفارقليط" من غير ترجمة، إذ نقل الكثير من العلماء والمؤرخين هذه النصوص من الكتاب المقدس عن ترجمات تعود لمئات السنين، (2) ويقول الدكتور عبد الرحمن السليمان أستاذ علم اللغات ومقارنتها: "كلمة "الباراقليط" الموجودة في الأصل اليوناني لإنجيل القديس يوحنا هي: Parakletos ••••••••• ، وهي كلمة مركبة من: •••• ومعناها "إلى جانب"، و••••••: وهي صفة غالبة مشتقة من الفعل ••• ومعناه "ساعد، آزر، دعا، عزَّى، شجَّعَ". وعليه فإن معناها--------------------------------------------
(1) هل بشَّر الكتاب المقدس بمحمّد صلى الله عليه وسلم ص82
(2) كالماوردي (1058 - 974م) في النكت والعيون (268/ 2) والفخر الرازي (1210 - 1150م) في مفاتيح الغيب (36/ 3) وأبو حيّان الأندلسي (1344 - 1256م) في تفسير البحر المحيط (327/ 4) والبقاعي (1480 - 1406م) في نظم الدرر (351/ 2) وغيرهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
الحرفي يكون: "المساعد، المؤازر، الداعي، المعزي، المشجع". وقد أصبح هذا الفعل في اليونانية الحديثة كما يلي • • • • • • • • = paregoro أما المعزي فصار فيها • • • • • • • • • • = paregoros. والطريف في الموضوع أن هذه الكلمة اليونانية دخيلة في العبرية وتعني فيها "محامٍ" (• • • • • • = باراقليط "محامٍ"؛ • • • • • • • = باراقليطوت "محاماة". وهنالك كلمة يونانية ثانية هي: • • • • • • • • • Pariklytos ومعناها "الإنسان الحميد/المحمود" إذاً عندنا كلمتان متشابهتان جداً في اللفظ: "الباراقليطوس" (بفتح الراء وإمالة اللام) المثبتة في الأصل اليوناني لإنجيل القديس يوحنا ( Parakletos=) وتعني "المعزي"، و"البارِقليطوس" (بكسر الراء) التي تفيد معنى "الحمد" ولكنها غير موجودة في الأصل اليوناني لإنجيل القديس يوحنا ( Pariklytos=) وواضح من رسم الكلمتين ونطقهما أنهما متشابهتان تشابهاً يجعل التصحيف (أقول التصحيف) أمراً وارداً." ويقول بعدها: "والتصحيف وارد جداً سواء أكان في النقل أو في الترجمة. ومن يعرف مشاكل نصوص الكتب المقدسة التي تناهت إلينا بلغات ميتة كالعبرية والآرامية واليونانية القديمة والأبستاقية والسانسكريتية، يعي الأمر أكثر من غيره." (1) واقول: قد رأيت هذه الكلمة (باراكليت) مثبتة في حاشية الترجمة العربية لنسخة قديمة من الكتاب المقدس بدلاً من المعزي، ولست أستشهد هنا بكلام أحد لإثبات التحريف في كلمة ما، بقدر ما أستشهد لبيان حقيقةٍ ظاهرة وسبب من أسباب الطعن الرئيسة في الكتب المقدسة القديمة، فقد تمت ترجمة الإنجيل من لغته الأصلية (العبرية) إلى اللغة اليونانية القديمة وهذا معلوم علم اليقين، كما هو معلوم أن إحدى هذه اللغات تنتمي لعائلة لغوية مختلفة وبعيدة كل البعد عن الأخرى، فالعبرانية لغة آرامية سامية كما هي السريانية، وتنتمي لعائلة اللغات الأسيوية-الافريقية، واللغة اليونانية لغة أغريقية تنتمي لعائلة اللغات الهندية-الأوروبية، ونحن الآن نختلف على إعادة الأصل منها إلى لغة سامية هي أخت اللغة العبرانية الأم وأخت الآرامية وهي العربية، فلو كان الأصل--------------------------------------------
(1) موقع الجمعية الدولية لمترجمي العربية - المنتدى اليوناني اللاتيني، جواب الدكتور السلمان عن استفسار حول كلام الدكتور منقذ السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
موجوداً وبقي ولم يُترجم ترجمة حرفية أضافت عليه وغيرت فيه وأصبحت هي الأَوْلى بالمتابعة والنقل والمقابلة، لكانت المقارنة بين لغة واختها، وما دامت الكلمات تحمل المعاني فلن نختلف عليها، أما ما نحن فيه فلا وجه لمعرفته إلا بالإثبات التاريخي الأثري، وهو معدوم كليّا بسبب جواز الترجمة الحرفية لمعاني الكلمات في الكتاب المقدس من أصله الأول، هذا أولاً، وثانياً بسبب فقدان الأصل وبقاء الترجمة. وهذه الحجة هي أول حجة لأصحاب المذهب البروتستانتي في النصرانية على غيرهم من النصارى عند ظهور مذهبهم في القرن السادس عشر ميلادي، فرفضوا كثيراً من أسفار العهد القديم وقالوا:"إن الأصل العبراني لهذه الأسفار مفقود، والموجود هو ترجمة لها." (1)
ثانياً: كتابة النص بحرف غير الحرف المنزل
كما في العهد الجديد والقديم، فقد اختلفوا على أصل كتابة الإنجيل أهي بالعبرية أم بالسريانية رغم أن لغة المسيح عليه السلام عبرية، كذلك العهد القديم إلا أن اليهود كتبوه باللغة العبرية ولكن بأحرف كنعانية فينيقية، إلى أن اتخذوا الخطوط المربعة من الآرامية وكتبوه بها بعد مئات السنين، وأقدم النصوص للعهد القديم بما حوته من اختلاف بين أصولها وانعدام التطابق في محتواها سواء النصوص اليونانية أو العبرية أو السامرية لا تتعدى المئة الرابعة قبل الميلاد بافضل الأحوال، وهو التاريخ التقريبي للبدء بكتابة العهد القديم بالكتابة العبرية المستحدثة، وقد حدثت بعد السبي البابلي على يد الكاهن عزرا وهو موظف رفيع في بلاط ملك فارس، بعد أن استولى ملك الفرس كورش الثاني أو كورش الأكبر (559 - 530ق. م) على بابل وأسس الدولة الإخمينية، وسمح لبني إسرائيل بالعودة إلى القدس بعد أن سباهم نبوخذنصر إلى بابل، وذكر في العهد القديم ما يفيد أن الكاهن عزرا كتبها وهو هناك وبمباركة الملك أرتحششتا أو أرتحشستا--------------------------------------------
(1) انظر مختصر كتاب إظهار الحق لرحمت الله الهندي باختصار محمد ملكاوي ص16
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
ويسمى لونجيمانوس (465 - 424ق. م) حيث ورد في سفر عزرا (7) ((6) عزرا هذا صعد من بابل وهو كاتب ماهر في شريعة موسى التي أعطاها الرب إله إسرائيل. وأعطاه الملك حسب يد الرب إلهه عليه كل سؤله … (11) وهذه صورة الرسالة التي أعطاها الملك ارتحشستا لعزرا الكاهن الكاتب كاتب كلام وصايا الرب وفرائضه على إسرائيل (12) من ارتحشستا ملك الملوك إلى عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء الكامل إلى آخره (13) قد صدر مني أمر أن كل من أراد في ملكي من شعب إسرائيل وكهنته واللاويين أن يرجع إلى أورشليم معك فليرجع … (21) ومني أنا ارتحشستا الملك صدر أمر إلى كل الخزنة الذين في عبر النهر أن كل ما يطلبه منكم عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء فليعمل بسرعة … (26) وكل من لا يعمل شريعة إلهك وشريعة الملك فليقض عليه عاجلاً إما بالموت أو بالنفي أو بغرامة المال أو بالحبس) وهذه الإشارات تدل على أن هذا الملك الوثني أراد بسط نفوذه السياسي بغض النظر عن المعتقدات الدينية، واعتبر تطبيق الشريعة الإلهية مرهوناً بمراعاتها لشريعته، فكانت جزءاً من منظومته الإدارية والسياسية. ولكن بغض النظر عن قبول محتوى الأسفار والإسناد فيها والخلاف على نسبتها لإرهاصات عزرا أو وحي الإله، فنحن أمام مفترق طرق، سلك فيه هذا الكتاب طريقاً لا رجعة فيه ولا سبيل لمعرفة المصدر قبله، وفي هذا يقول الدكتور منقذ السقار: "إن غاية ما يمكن أن نصل إليه فيما لو جمعنا كل هذه النصوص، أن نوفق في الوصول إلى نص يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، أي إلى نص كتب بعد موسى بألف سنة، أما استعادة النص الذي كتبه موسى عليه السلام فدونه خرط القتاد." (1) ولو كانت الكتابة بنفس الحروف المنزلة موجودة ومحفوظة، وكتبت بها كلمات التوراة لما كان الترجيح أو المقابلة مرهونة بقرن أو بمدة، بل كانت حينها أساساً ومرجعاً نتكئ عليه عند المقابلة والترجيح. ولكن كتابة التوراة بحروف غير الحروف المنزلة وإن كانت تعطي اللفظ حقه قد صنعت حاجزاً وسدّاً منيعاً للبحث العلمي ولا سبيل لتخطيه أبداً، وقد كانت سبباً رئيساً في الطعن المثاليّ لأي محاولة في إثبات النصوص--------------------------------------------
(1) هل العهد القديم كلمة الله (ص17)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)