حجر (" فتح الباري ": 13/ 96) في شرح هذا الحديث: «وَالرَّاعِي هُوَ الْحَافِظُ الْمُؤْتَمَنُ الْمُلْتَزِمُ صَلَاحَ مَا اؤْتُمِنَ عَلَى حِفْظِهِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِالْعَدْلِ فِيهِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ».
وقد جاء في حديث آخر إطلاق الرعية على المسلمين في الحديث الذي رواه البخاري وغيره: «مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ، إِلَاّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ»
.
فكيف أغمض بروكلمان عينيه عن هذا كله واستجاز لعلمه أنْ يَدَّعِي بأنَّ المسلمين نظروا إلى الأعاجم نظرة القطيع وأنهم أطلقوا عليهم وحدهم لفظ «الرَعِيَّةِ»؟ ليس له سند إلَاّ أنَّ لفظ الرَعِيَّةِ يطلق على الغنم أيضاً، وقد علمت معانيها اللغوية، أمَّا تخصيص إطلاقها بالأعاجم فليس له سند ولا شُبْهَة يتعلق بها، وإنما هو الهوى والغرض.
4 - زعم المستشرق «مايور» كما نقله عنه «مرجليوث» أنَّ أهل البدو كانوا كثيري الاهتمام بتعلم البلاغة وطلاقة اللسان فلا يبعد أن النبي عليه الصلاة والسلام مارس هذا الفن حتى نبغ فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
وهذا يعطينا صورة عن موازين البحث عند هؤلاء، فالمسألة عنده تقوم على استنتاج وَهْمِيٍّ من أمر لم يقع، فلا العرب كانوا يتعلَّمون البلاغة، ولا كانت لهم مدارس وأساتذة يضعون قواعدها، ولا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عُرِفَ عنه قبل النبوة فعل ذلك، وليس بين أيدينا نص واحد يثبته بل إنَّ المؤكد أنَّ الرسول لم ينقل عنه أثر من نثر أو شعر قبل النبوة وقبل أنْ يتنزَّل عليه القرآن الكريم.
وأمر آخر يكشف لنا عن أساس ثالث من أسس النقد والبحث عند هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ هو إفراطهم في اختراع العلل والأسباب والحوادث التي يدرسونها اختراعاً ليس له سند إلَاّ التخيل والتحكم، ويزيد في فساد أسلوبهم هذا أنهم يتخيَّلون أحداث الشرق والعرب وعاداتهم وأخلاقهم بأوهامهم وخيالاتهم الغريبة عن الشرق والعرب والمسلمين، ولا يريدون أنْ يعترفوا بأنَّ لكل بيئة مقاييسُها وأذواقها وعاداتها.
وقد أحسن المستشرق الفرنسي المسلم «ناصر الدين دينيه» في حديثه عن أسلوب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
المُسْتَشْرِقِينَ وموازينهم في الحكم على الأشياء مِمَّا جعلهم يتناقضون فيما بينهم تناقضاً واضحاً في الحكم على شيء واحد، كل ذلك لأنهم حاولوا أنْ يُحَلِّلُوا السيرة المحمدية وتاريخ ظهور الإسلام بحسب العقلية الأوربية فَضلُّوا بذلك ضلالاً بعيداً لأنَّ هذا غير هذا، ولأنَّ المنطق الأوروبي لا يمكن أنْ يأتي بنتائج صحيحة في تاريخ الأنبياء الشرقيين. ثم قال: إنَّ هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ الذين حاولوا نقد سيرة النبي بهذا الأسلوب الأوروبي البحت لبثوا ثلاثة أرباع قرن يُدَقِّقُونَ وَيُمَحِّصُونَ بزعمهم، حتى يهدموا ما اتفق عليه الجمهور من المسلمين من سيرة نبيِّهم، وكان ينبغي لهم بعد هذه التدقيقات الطويلة العريضة العميقة أنْ يَتَمَكَّنُوا من هدم الآراء المُقَرَّرَةِ والروايات المشهورة من السيرة النبوية، فهل تَسَنَّى لهم شَيْءٌ من ذلك؟
الجواب، أنهم لم يتمكَّنوا من إثبات أقل شَيْءٍ جديدٍ، بل إذا أَمْعَنَّا النظر في الآراء الجديدة التي أتى بها هؤلاء المُسْتَشْرِقُونَ، من فرنسيِّين وإنجليز وألمان وبلجيكيِّين وهولانديِّين … إلخ لا نجد إلَاّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
خلطاً وخبطاً، وإنك لترى كل واحد منهم يُقَرِّرُ ما نقضه غيره من هؤلاء المُدَقِّقين بزعمهم، أو ينقض ما قرَّرهُ.
ثم أخذ «دينيه» يُورِدُ الأمثال على هذه المتناقضات وختم كلامه بقوله:
وإنْ أردنا استقصاء هذه التناقضات التي نجدها بين تمحيصات هؤلاء المُمَحِّصِينَ بزعمهم يطول بنا الأمر، ولا نقدر أنْ نعرف أية حقيقة، ولا يبقى أمامنا إلَاّ أنْ نرجع إلى السيرة النبوية التي كتبها العرب، فأمَّا المؤلفون الذين زعموا أنهم يريدون ترجمة محمد بصورة علميَّة شديدة التدقيق فلم يتَّفقُوا منها ولو على نقطة مُهِمَّةٍ، وبرغم جميع ما نقبوه ونقروه، وحاولوا كشفه بزعمهم، فلم يصلوا ولن يصلوا إلَاّ إلى تمثيل أشخاص في تلك السيرة ليسوا أعرق في الحقيقة الواقعية من أبطال أقاصيص «فالتر سكوت» و «إسكندر دوماس»، فهؤلاء القصاص تخيَّلُوا أشخاصاً من أبناء جنسهم يقدرون أنْ يفهموهم، ولم يلحظوا إلَاّ اختلاف الأدوار بينهم، أما أولئك المُسْتَشْرِقُونَ فَنَسُوا أنه كان عليهم قبل كل شَيْءٍ أنْ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
يَسُدُّوا الهُوَّةَ السحيقة التي تفصل بين عقليتهم الغربية والأشخاص الشرقيِّين الذين يترجمونهم، وأنهم بدون هذه الملاحظة جديرون بأنْ يقعُوا في الوهم في كل نقطة (1).
مع المُسْتَشْرِقِينَ وَجْهاً لِوَجْهٍ في أوروبا:
لقد كنتُ كتبتُ عن المُسْتَشْرِقِينَ كلمة موجزة في كتابي " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " قبل أنْ أزور أكثر جامعات أوروبا عام 1956 م وأختلط بهم وأتحدَّثَ إليهم وأناقشهم. فلما تَمَّ لي ذلك ازْدَدْتُ إيماناً بما كتبته عنهم واقتناعاً بخطرهم على تراثنا الإسلامي كله سواء كان تشريعياً أم حضارياً، لما يملأ نفوسهم من تعصُّبٍ ضد الإسلام والعرب والمسلمين.
كان أول من اجتمعت بهم هو البروفسور «أندرسون» رئيس قسم قوانين الأحوال الشخصية--------------------------------------------
(1) من كتابه الذي ألَّفه في الرَدِّ على الأب «لَامَنْسْ» اليسوعي بعنوان: «إنك في وَادٍ وإنا لفي وَادٍ» نقلاً عن مقدمة " حاضر العالم الإسلامي " للأمير شكيب أرسلان: 1/ 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
المعمول بها في العالم الإسلامي - في معهد الدراسات الشرقية في جامعة لندن - وهو متخرج من كلية اللاهوت في جامعة كمبردج، وكان من أركان حرب الجيش البريطاني في مصر خلال الحرب العالمية الثانية - كما حَدَّثَنِي هو بذلك عن نفسه - تعلم اللغة العربية من دروس اللغة العربية التي كان يلقيها بعض علماء الأزهر في الجامعة الأميركية في القاهرة ساعة في كل أسبوع لمدة سَنَةٍ واحدة. كما تعلم العامية المصرية من اختلاطه بالشعب المصري حين توليه عمله العسكري الآنف الذكر، وَتَخَصَّصَ في دراسة الإسلام من المحاضرات العامة التي كان يلقيها المرحوم «أحمد أمين» والدكتور «طه حسين» والمرحوم الشيخ «أحمد إبراهيم». ثم انتقل من الخدمة العسكرية بعد الحرب إلى رئاسة قسم قوانين الأحوال الشخصية في جامعة «لندن» كما ذكرنا!. لا أريد أنْ أذكر أمثلة عن تعصبه ضد الإسلام - وقد حَدَّثَنِي كثيراً عن ذلك المرحوم الدكتور «حمود غرابة» مدير المركز الثقافي الإسلامي في لندن حينذاك - ولكني أكتفي بأنْ أذكر ما حَدَّثَنِي به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
البروفسور «أندرسون» نفسه من أنه أسقط أحد المُتَخَرِّجِينَ من الأزهر الذين أرادوا نوال شهادة الدكتوراه في التشريع الإسلامي من جامعة لندن لسبب واحد هو أنه قدم أطروحته عن حقوق المرأة في الإسلام وقد برهن فيها على أنَّ الإسلام أعطى المرأة حقوقها الكاملة، فعجبت من ذلك وسألت هذا المستشرق: «وكيف أسقطته ومنعته من نوال الدكتوراه لهذا السبب وأنتم تدّعون حرية الفكر في جامعاتكم؟»، قال: «لأنه كان يقول: الإسلام يمنح المرأة كذا، والإسلام قَرَّرَ للمرأة كذا، فهل هو ناطق رسمي باسم الإسلام؟ هل هو أبو حنيفة أو الشافعي حتى يقول هذا الكلام ويتكلم باسم الإسلام؟ إن آراءه في حقوق المرأة لم يَنُصَّ عليها فقهاء الإسلام الأقدمون، فهذا رجل مغرور بنفسه حين ادّعى أنه يفهم الإسلام أكثر مِمَّا فهمه أبو حنيفة والشافعي». هذا هو كلام هذا المستشرق الذي لا يزال حيّاً يرزق، ولا أدري إنْ كان لا يزال في عمله في جامعة لندن أم أُحِيلَ إلى التقاعد (المعاش). وَزُرْتُ جامعة أدنبره «اسكتلنده» فكان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
المستشرق الذي يرأس الدراسات الإسلامية فيها قِسِّيساً بلباس مدني، وقد وضع لقبه الديني مع اسمه على باب بيته. وفي جامعة «جلاسكو» (اسكتلنده أيضاً) كان رئيس الدراسات العربية فيها قِسِّيساً عاش رئيساً للإرسالية التبشيرية في القدس قرابة عشرين سَنَةً حتى أصبح يتكلم العربية كأهلها، وقد حَدَّثَنِي بذلك عن نفسه في هذه الزيارة، وكنت قد اجتمعت به قبل ذلك في المؤتمر الإسلامي المسيحي الذي انعقد في «بحمدون» (لبنان) عام 1954 م. وفي جامعة أكسفورد وجدنا رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية فيها يهوديّاً يتكلم العربية ببطء وصعوبة، وكان أيضاً يعمل في دائرة الاستخبارات البريطانية في ليبيا خلال الحرب العالمية الثانية وهناك تعلم العربية العامية، ثم عاد إلى بلاده إنجلترا ليرأس هذا القسم في جامعة أكسفورد. ومن عجيب أني رأيت في منهاج دراساته التي يلقيها على طلاب الاستشراق: تفسير آيات من القرآن الكريم من " الكشاف " للزمخشري - وهو لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
يحسن فهم عبارة بسيطة في جريدة عادية - ودراسة أحاديث من " البخاري " و " مسلم "، وأبواب من الفقه في أمهات كتب الحنفية والحنابلة، وسألته عن مراجع هذه الدراسات، فأخبرني أنها من كتب المُسْتَشْرِقِينَ أمثال: جولدتسيهر، ومرجليوث، وشاخت، وحسبك بهؤلاء عنواناً على الدراسات المدخولة المدسوسة المُوَجَّهَةِ ضد الإسلام والمسلمين. أما في جامعة كمبردج فكانت رئاسة قسم الدراسات العربية والإسلامية فيها للمستشرق المعروف «آربري» واختصاصه في اللغة العربية فحسب. وقد ورد اسمه آنفاً. وقد قال لي - خلال أحاديثي معه -: «بأننا - نحن المُسْتَشْرِقِينَ، نقع في أخطاء كثيرة في بحوثنا عن الإسلام، ومن الواجب أنْ لا نخوض في هذا الميدان لأنكم - أنتم المسلمين العرب - أقدر منا على الخوض في هذه الأبحاث»، وربما قال هذا مجاملة أو اعتقاداً منه بِصِحَّتِهِ. وفي مانشستر (إنكلترا) اجتمعت بالبروفسور «روبسون» وكان يقابل " سنن أبي داود " على نسخة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
مخطوطة، وله كتابات في تاريخ الحديث، يتفق فيها غالباً مع آراء المُسْتَشْرِقِينَ المتحاملين، وقد حرصت على أنْ أُبَيِّنَ له أنَّ الدراسات الاستشراقية السابقة فيها تحامل وبُعْدٌ عن الحقيقة، وَتَعَرَّضْتُ لآراء جولدتسيهر وأثبتُّ له أخطاءه التَارِيخِيَّةِ وَالعِلْمِيَّةِ، فكان مِمَّا أجاب به عنه: «لا شك أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ في هذا العصر أكثر اطِّلَاعاً على المصادر الإسلامية من جولدتسيهر نظراً لما طبع ونشر وعرف من مؤلفات إسلامية كانت غير معلومة في عصر جولدتسيهر»، فقلت له: «أرجو أنْ تكون أبحاثكم - المُسْتَشْرِقِينَ - في هذا العصر أقرب إلى الحق والإنصاف من جولدتسيهر، ومرجليوث، وأمثالهما». فقال: «أرجو ذلك». وفي جامعة "ليدن" بهولندا اجتمعت بالمستشرق الألماني اليهودي " شاخت " وهو الذي يحمل في عصرنا هذا رسالة جولدتسيهر في الدَسِّ على الإسلام والكيد له وتشويه حقائقه، وَبَاحَثْتُهُ طويلاً في أخطاء جولدتسيهر وَتَعَمُّدِهِ تحريف النصوص التي ينقلها عن كتبنا، فأنكر ذلك أول الأمر، فضربت له مثلاً واحداً مِمَّا كتبه جولدتسيهر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
في تاريخ «السُنَّة»، فاستغرب ذلك، ثم راجع كتاب جولدتسيهر - وكنا نجلس في مكتبته الخاصة - فقال: «معك الحق، إِنَّ جولدتسيهر أخطأ هنا»، قلت له: «هل هو مجرد خطأ؟» فاحتد وقال: «لماذا تسيئون به الظن؟» فانتقلت إلى بحث تحليله لموقف الزُّهْرِيِّ من عبد الملك بن مروان، وذكرت له من الحقائق التاريخية ما ينفي ما يزعمه جولدتسيهر. وبعد مناقشة في هذا الموضوع قال: «وهذا خطأ أيضاً في جولدتسيهر، ألا يخطئ العلماء؟» قلت له: «إنَّ جولدتسيهر هو مؤسس المدرسة الاستشراقية التي تَبْنِي حُكْمَهَا في التشريع الإسلامي على وقائع التاريخ نفسه، فلماذا لم يستعمل مبدأهُ هنا حين تكلم عن الزهري؟ وكيف جاز له أنْ يحكم على الزُّهْرِيِّ بأنه وضع حديث فضل المسجد الأقصى إرضاء لعبد الملك ضد ابن الزبير؟ مع أَنَّ الزُّهْرِيَّ لم يلق عبد الملك إِلَاّ بعد سنوات من مقتل ابن الزبير؟» وهنا اصفر وجه " شاخت " وأخذ يفرك يداً بيد، وَبَدَا عليه الغيظ والاضطراب، فأنهيت الحديث معه بِأَنْ قلت له: «لقد كان مثل هذه " الأخطاء " كما تُسَمِّيهَا أنت، تشتهر في القرن الماضي، ويتناقلها مستشرق منكم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
عن آخر على أنها حقائق علمية، قبل أنْ نقرأ - نحن المسلمين - تلك المؤلفات إلَاّ بعد موت مؤلفيها، أما الآن فأرجو أنْ تسمعوا منا ملاحظاتنا على أخطائكم لِتُصَحِّحُوهَا في حياتكم قبل أنْ تتقرر كحقائق علمية».
ومن الملاحظ أنَّ هذا المستشرق كان يدرس في جامعة القاهرة - فؤاد سابقاً - وله مؤلف في تاريخ التشريع الإسلامي كله دَسٌّ وتحريف على أسلوب شيخه جولدتسيهر!.
وفي جامعة «أبسلا» في السويد التقيت بالشيخ المستشرق " نيبرج " وهو الذي كان قد أشرف على تصحيح كتاب " الانتصار " لابن الخياط - على ما أظن - وطبعته قديماً لجنة التأليف والترجمة في القاهرة وجرى بيني وبينه حديث طويل كان أكثره حول أبحاث المُسْتَشْرِقِينَ ومؤلفاتهم عن الإسلام وتاريخه، وجعلت جولدتسيهر محور الحديث عن المُسْتَشْرِقِينَ، وذكرت له أمثلة من أخطائه وتحريفه للحقائق، فكان مِمَّا قاله بعد ذلك: «إن جولدتسيهر كان في القرن الماضي ذا شهرة علمية ومرجعاً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
للمستشرقين، أما في هذا العصر - بعد انتشار الكتب المطبوعة في بلادكم عن العلوم الإسلامية - فلم يعد جولدتسيهر مرجعاً كما كان في القرن الماضي. . لقد مضى عهد جولدتسيهر في رأينا!. .» وقد أتيح لي خلال تلك الرحلة أنْ أواصل زيارة الجامعات عدا ما ذكرته منها في عواصم كل من (بلجيكا) و (الدانيمرك) و (النرويج) و (فنلندا) و (ألمانيا) و (سويسرا) و (باريس) واجتمعتُ بمن كان موجوداً فيها حينئذ من المُسْتَشْرِقِينَ. وَمِمَّا ذكرته آنفاً وما دَوَّنْتُهُ في مذكراتي عن المُسْتَشْرِقِينَ الذين لقيتهم خلال تلك الرحلة اتَّضَحَتْ لي الحقائق التالية:
أولاً: أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ - في جمهورهم - لا يخلو أحدهم من أنْ يكون قِسِّيساً أو استعماريّاً أو يهوديّاً، وقد يشذ عن ذلك أفراد.
ثانياً: أنَّ الاستشراق في الدول الغربية غير الاستعمارية - كالدول السكندنافية - أضعف منه عند الدول الاستعمارية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
ثالثاً: أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ المعاصرين في الدول غير الاستعمارية يَتَخَلَّوْنَ عن جولدتسيهر وأمثاله المفضوحين في تعصبهم.
رابعاً: أنَّ الاستشراق بصورة عامة ينبعث من الكنيسة، وفي الدول الاستعمارية يسير مع الكنيسة ووزارة الخارجية جنباً إلى جنب، يلقى منهما كل تأييد.
خامساً: أنَّ الدول الاستعمارية كبريطانيا وفرنسا ما تزال حريصة على توجيه الاستشراق وجهته التقليدية من كونه أداة هدم للإسلام وتشويه لسمعة المسلمين.
ففي فرنسا لا يزال " بلا شير " و " ماسينيون " وهما شَيْخَا المُسْتَشْرِقِينَ الفرنسيين في وقتنا الحاضر يعملان في وزارة الخارجية الفرنسية كخيبرين في شؤون العرب والمسلمين. وفي إنجلترا رأينا - كما ذكرت - أنَّ الاستشراق له مكان محترم في جامعات لندن وأكسفورد وكمبردج وأدنبره وجلاسكو وغيرها، ويشرف عليه يهود وإنجليز استعماريون وَمُبَشِّرُونَ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
وهم يحرصون على أنْ تَظَلَّ مؤلفات جولدتسيهر ومرجليوث ثم شاخت من بعدهما، هي المراجع الأصلية لطلاب الاستشراق من الغَرْبِيِّينَ، وللراغبين في حمل شهادة الدكتوراه عندهم من العرب والمسلمين، وهم لا يوافقون أبداً على رسالة لطلب الدكتوراه يكون موضوعها إنصاف الإسلام وكشف دسائس أولئك المُسْتَشْرِقِينَ.
وقد حَدَّثَنَا الدكتور أمين المصري - وهو خِرِّيجُ كلية أصول الدين في الأزهر وكلية الآداب ومعهد التربية في جامعة القاهرة - عما لقيه من عناء في سبيل موضوع رسالته التي أراد أنْ يتقدم بها لأخذ شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعات إنجلترا.
لقد ذهب إليها منذ بضع سنوات لدراسة الفلسفة وأخذ شهادة الدكتوراه بها، وما كان يطلع على برامج الدراسة - وخاصة دراسة العلوم الإسلامية فيها - حتى هاله ما رآه من تَحَامُلٍ وَدَسٍّ في كتب المُسْتَشْرِقِينَ، وخاصة " شاخت " فقرر أنْ يكون موضوع رسالته هو نقد كتاب شاخت في تاريخ الفقه الإسلامي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
وتقدم إلى البروفسور أندرسون ليكون مُشْرِفاً على تحضير هذه الرسالة وموافقاً على موضوعها، فأبى عليه هذا المستشرق أنْ يكون موضوع رسالته نقد كتاب شاخت وَعَبَثاً حاول أنْ يوافق على ذلك، فلما يئس من جامعة لندن، ذهب إلى جامعة كامبردج وانتسب إليها، وتقدم إلى المشرفين على الدراسات الإسلامية فيها برغبته في أنْ يكون موضوع رسالته للدكتوراه هو ما ذكرناه، فلم يُبْدُوا رضاهم عن ذلك، وظن أنَّ من المُمْكِنِ موافقتهم أخيراً، ولكنهم، قالوا له بصريح العبارة: إذا أردت أنْ تنجح في الدكتوراه فَتَجَنَّبْ انتقاد شاخت، فإنَّ الجامعة لن تسمح لك بذلك، وعندئذ حَوَّلَ موضوع رسالته إلى " معايير نقد الحديث عند المحدثين" فوافقوه، ونجح في نوال الدكتوراه - وهو الآن أستاذ في كلية الشريعة بجامعة دمشق.
هذه كلمة موجزة عما تَحَقَّقْتُهُ بنفسي عن المُسْتَشْرِقِينَ، وخاصة كتب جولدتسيهر وآرائه، وقد أفردت لمناقشته فصلاً خاصّاً في كتابي " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي"، بَيَّنْتُ فيه تحامل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
هذا المستشرق اليهودي، وتشويهه للحقائق، وتحريفه للنصوص، وتأويله للوقائع التاريخية وِفْقَ هدفه الذي سعى إليه، واعتماده على مصادر لا قيمة لها في نظر العلم، وتكذيبه للمصادر العلمية المعترف بها عند أئمتنا وعلمائنا المحققين.
أما في أمريكا فالاستشراق فيها الآن يمثل ذروة العداء للإسلام والمسلمين، ويشرف على الدراسات الإسلامية في جامعاتها أشد أعداء الإسلام تعصباً وحقداً كما يتضح من أسماء أخطر المُسْتَشْرِقِينَ ومؤلفاتهم التي ذكرناها قبل قليل.
ومن المؤلم أَنَّ طلاب العالم الإسلامي الذين يدرسون باللغة الإنجليزية في بلادهم لا يزالون مُضَطَرِّينَ إلى دخول الجامعات الإنجليزية والأمريكية، فلا يجد طلاب الدراسات الإسلامية أمامهم مراجع لدراستهم التي ينالون بها الدكتوراه غير تلك المراجع المسمومة، وهم لا يعرفون اللغة العربية، فَتَتَقَرَّرُ عندهم أَنَّ تلك الدسائس حقائق مأخوذة من كتب الفقهاء والعلماء المسلمين أنفسهم.
إنَّ هذا مِمَّا يدعو جامعاتنا العربية للتفكير في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
إنشاء أقسام لفروع شهادة الدكتوراه باللغة الإنجليزية، وأعتقد أنَّ ذلك من شأنه أَنْ يُحَوِّلَ أنظار كثيرين من طلاب العالم الإسلامي عن جامعات الغرب إلى بلادنا العربية - فَنَصُونَ هؤلاء من التأثر بدسائس المُسْتَشْرِقِينَ المتعصبين الاستعماريين.
خاتمة البحث:
وكلمة أخيرة أقولها عن المُسْتَشْرِقِينَ:
منذ أَنْ انتهت الحروب الصليبية بالفشل من الناحية العسكرية والسياسية، لم ينقطع تفكير الغرب في الانتقام من الإسلام وأهله بطرق أخرى، فكانت الطريقة الأولى هي دراسة الإسلام ونقده، وفي جَوِّ هذا التفكير الذي ساد البيئة المسيحية في الغرب خلال القرون الوسطى نشأت فكرة الاستيلاء على البلاد الإسلامية عن طريق القوة والغلبة حين بدأ العالم الإسلامي يتدهور سياسيّاً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً، وأخذ الغرب يسطو مرة بعد مرة على بلد بعد بلد في العالم الإسلامي، وما كاد ينتهي للغرب استيلاؤه على أكثر أقطار العالم الإسلامي حتى بدأت الدراسات الغربية عن الإسلام وتاريخه تنمو وتتكاثر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
بقصد تبرير سياستهم الاستعمارية نحو هذه الشعوب، وقد تم لهم في القرن الماضي دراسة التراث الإسلامي من جميع نواحيه الدِّينِيَّةِ والتاريخية والحضارية، ومن الطبيعي أَنْ تكون الدراسة محجوبة عن إصابة الحق فيها بحاجبين:
الأول: التعصب الديني الذي استمر لدى ساسة أوروبا وقادتها العسكريين حتى إذا دخلت جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الأولى بيت المقدس، قال اللورد " ألنبي" كلمته المشهورة: «الآن انتهت الحروب الصليبية» أي من الناحية العسكرية.
أما التعصب الديني: فما يزال أثره باقياً في كثير مِمَّا يكتب الغَرْبِيُّونَ عن الإسلام وحضارته وأكثر ما نجد إنصاف الإسلام ورسوله عند العلماء والأدباء الغَرْبِيِّينَ الذين تَحَلَّلُوا من سلطة ديانتهم، ونضرب لذلك مثلاً بكتاب " حضارة العرب " لمؤلفه " جوستاف لوبون " فإنه أعظم كتاب ألفه الغَرْبِيُّونَ في إنصاف الإسلام وحضارته.
هذا، لأن " غوستاف لوبون " فيلسوف مادي لا يؤمن بالأديان قطعاً، من أجل هذا ومن أجل إنصافه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
للحضارة الإسلامية، لا ينظر إليه الغَرْبِيُّونَ في أوساطهم العلمية نظر التقدير الذي يستحقه علمه. فهو - بلا شك - من أعظم علماء الاجتماع والتاريخ في القرن التاسع عشر ومع هذا فقد تحامل عليه الغَرْبِيُّونَ - وخاصة الفِرَنْسِيِّينَ - لما ذكرناه.
الثاني: أنَّ القوة المادية والعلمية التي وصل إليها الغَرْبِيُّونَ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أدخلت في نفوس علمائهم وَمُؤَرِّخِيهِمْ وَكُتَّابِهِمْ قدراً كبيراً من الغرور حتى اعتقدوا أنَّ الغَرْبِيِّينَ أصل جميع الحضارات في التاريخ - ما عدا المصرية - وَأَنَّ العقلية الغربية هي العقلية الدقيقة التأمل التي تستطيع أَنْ تفكر تفكيراً منطقياً سليماً، أما غيرهم من الشعوب - وخاصة الإسلامية - فَإِنَّ عقليتهم بسيطة ساذجة، أو بالأصح " ذرية " كما عبر بذلك المستشرق " جب " في كتابه " وجهة الإسلام " ويقصد بذلك أَنَّ العقلية الإسلامية تدرك الأمور بواسطة الجزئيات ولا تدركها إدراكاً كُلِياً. وهم لم يحكموا بذلك إِلَاّ على ضوء ما رأوه بأعينهم من ضعف الشعوب التي استعمروها، وما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)