Arabic source text

📘 জামালিয়াতুল মুফরাদাহ আল-কুরআনিয়্যাহ (আহমদ ইয়াসুফ)

📘 جماليات المفردة القرآنية (أحمد ياسوف)

📘 জামালিয়াতুল মুফরাদাহ আল-কুরআনিয়্যাহ (আহমদ ইয়াসুফ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
مع ذلك إلا أن يتخلّله المدّ كما ترى، فتخرج الكلمة وكأنّها كلمتان» «1».
ولولا ذكره المدّ لوصم كلامه بالقصور، لأن القرآن عربي على أية حال، أو وصم بالجمود عند رأي ابن الأثير، لكنه أردف هذا الرأي بأهمية الجمال السّمعي المتعيّن في المدود، ولا يقتصر الأمر على المدّ فحسب، بل هناك موضع الكلمة في التركيب، وقد وردت أسماء ليس فيها مدّ مثل «اليسع» في آيات الأنعام: وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً، وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ «2»، فالمدّ ليس شرطا دائما من شروط الفصاحة. كما أن الألف في «بعاق» لا يستلزم إقرارا بعذوبتها.
لقد استقبح ابن سنان الكلمات الطويلة في الشعر، ولعلّه استقبح هذا لحصول الكلمة على أكثر من تفعيلة في وزن البيت الشّعري، إلّا أنّنا رأيناه يستقبح مجرّد الطّول، ثم جاء
ابن الأثير، ورفض هذه النظرة لمجرّد وجود كلمات طويلة في القرآن، ولاعتماده على جذور الكلمات، ثم جاء الرافعي، وبنى نظرته على البنية الداخلية للمفردة القرآنية، فوجد أنّ الكلمات الطّوال تتمتّع بكثرة المدود والسّكنات مما يجعلها مقاطع، إلا أنه يوافق ابن الأثير في مسألة جذر الكلمة الطويلة، وتعدّ نظرة الرافعي أكثر وضوحا لارتباطها الكلي بطبيعة تشكيل المفردة.
وقد وجدنا أنّ التعلّق بهذه السّمة يدلّ على ترف ذهني، وأنّ القدامى لم يعيروا هذه السّمة اهتماما كبيرا إلّا ما كان من القلّة منهم، ونحن لا نريد أن نعدّ حروف كلمات القرآن، بل نريد وقعها على الآذان، وملاءمتها للمقام، ومخزونها الوجداني، ولهذا ربطنا طول الكلمة القرآنية بطبيعة الحروف، وبتوزيع الحركات، وبيّنا علاقة هذا بمضمون الآية كلّها، وكذلك بيّنا قيمة الصّيغة الجمالية، وتفرّد هذه الصّيغة بمعان سامية، ودلائل فنيّة رفيعة من اختزان المعاني الكثيرة، ومواءمة الموقف.--------------------------------------------
(1) الرافعي، مصطفى صادق، إعجاز القرآن، ص/ 229.
(2) سورة الأنعام، الآية: 86.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)

وهنا نستنتج الأمور الآتية:
1 - ليست العبرة في كثرة عدد حروف المفردة، بل في نوعية هذه الحروف.
2 - تتدخل المدود، والحركات في طول المفردات إذ تقسّمها إلى مقاطع صغيرة سهلة في النّطق والسّمع.
3 - لبعض المفردات الطويلة في القرآن أهمية هي أعلق بالنظم وملاءمة الموقف.
4 - إن سماع المفردات القرآنية لا يشعر بوطء الطول، فالتنسيق الزمني مترافق مع نوعية التّشكيل الصّوتي وكيفيّته.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)

‌‌3 - مفهوم خفة المفردات
كان لبعض القدامى اهتمامات كبيرة بأصوات مفردات القرآن، وقد أكّدوا جمال الشكل السمعي وجمال المضمون، وعدم التنافر بينهما، فلا نجد لدى سماع المفردة القرآنية نبوّا ولا نفورا، ومع هذا فليس هناك بديل عنها في موافقة المعنى.
وتتناول هذه الفقرة بعض ما ورد في كتب الإعجاز البياني- فيما يخص أصوات المفردات- وغايتنا توضيح مصطلح الرّقة والخفّة والعذوبة والجزالة، وما شاكل هذا مما جاء مجملا أو مفصّلا، وسنفسر وجهة نظر القدامى والمحدثين في مفهوم الخفة.

‌‌الذوق الفطري عند ابن الأثير:
لعلّ ما يلحظ هنا تلك القفزة الزمنية إلى القرن السابع الهجري، والممثّل بضياء الدين بن الأثير، وما يتبع هذا من تجاوز لجهود أعلام القرون السابقة، والحق أنهم اهتموا بهذه الجمالية اهتماما طفيفا، جاء في أسلوب مجمل.
لقد استفاد ابن الأثير من ابن سنان الذي سبقه بقرنين من الزمن، والذي يهمنا أن ابن الأثير خصّص الكثير للمفردة القرآنية، يقول ابن سنان عن أحد شروط جمال المفردة: «أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسنا ومزيّة على غيرها، وإن تساويا في التأليف من الحروف المتباعدة … وليس يخفى على أحد من السامعين أن تسمية الغصن غصنا أو فننا أحسن من تسميته عسلوجا، وأن أغصان البان أحسن من عساليج الشّوحط» «1».
ويعيب على المتنبي ذكره كلمة خشنة، فقد ذكر الجرشّى بدلا من النّفس:
مبارك الاسم أغرّ اللقب … كريم الجرشّى شريف النّسب
«2»--------------------------------------------
(1) ابن سنان، سرّ الفصاحة، ص/ 67، الشّوحط شجر يتّخذ منه القسي.
(2) المصدر نفسه، ص/ 69، وانظر، المتنبي، الديوان، شرح ناصيف اليازجي ص/ 466.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)

وقد نصب ابن الأثير نفسه منظّرا لجمال المفردة شأن سابقه ابن سنان، بيد أنه أضاف تطبيقات من القرآن الكريم، يقول: «ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ نغمة لذيذة، كنغمة أوتار، وصوتا منكرا، كصوت حمار، وأن لها في الفم حلاوة، كحلاوة العسل، ومرارة كمرارة الحنظل» «1».
إنه يحكّم معيار التذوق الحسّي بعيدا عما يقنّن، وهذا التذوق ليس فرديا، بل يرتبط بالذوق الفطري الذي ينبذ ما هو ثقيل على الآذان والنّطق.
وقلّد ابن سنان فاعتمد على معياره، وراح يسفّه رأي من لا يفرّق بين السّيف والخنشليل. ويقول: «ومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرّق بين لفظة الغصن والعسلوج، وبين لفظة المدامة، ولفظة الاسفنط، وبين لفظة السيف، وبين لفظة الخنشليل، وبين لفظة الأسد، وبين لفظة الفدوكس، فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب ولا يجاوب بجواب» «2».
وفي هذه الأمثلة يظهر أثر العصر، فبيئة الجاهلي لا تستبعد كلمة (بعاق) ولا تستهجن خشونتها، لأن الطبيعة كانت تميل إلى الخشونة.
وإذا طبّقنا رأيه في الآية: أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ «3»، فهذا يدعونا إلى تفضيل المزن على البعاق كما أراد ابن الأثير، والمزن هاهنا تساهم في النّسق
الموسيقى، إذ يتكرر حرفا النّون والزّاي.
وبما أن الموقف موقف استلطاف واستمالة قلوب مع ذكر النّعم، فإنّ لفظة البعاق، وتظلّ بعيدة، ونافرة غير لائقة بالسّياق الموسيقى، وكذلك لم يرد مثل هذه المفردة في القرآن، ولعل مما يكره، ويعدّ تفسيرا لتذوق ابن الأثير، أن يفصل بين العين والقاف بمدّ، وهما متقاربان حلقيّان، والقرآن ذكر «عقر» و «يعقلون» و «عقد» وغيرها.
هنالك وقفة حاول فيها ابن الأثير الاقتراب من التوضيح، يقول تعالى:--------------------------------------------
(1) ابن الأثير، ضياء الدين، المثل السائر: 1/ 150.
(2) المصدر نفسه: 1/ 150.
(3) سورة الواقعة، الآية: 69.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)

فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ «1»، يقول:
«وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي الطّوفان والجراد والدم، فلما وردت هذه الألفاظ بجملتها قدّم منها لفظتا الطوفان والجراد، وأخّرت لفظة «الدّم» آخرا، وجعلت لفظة القمّل، والضّفادع في الوسط، ليطرق السّمع أولا الحسن من الألفاظ الخمسة، وينتهي إليه آخرا، ثمّ إنّ لفظة الدّم أحسن من لفظة الطّوفان والجراد، وأخفّ في الاستعمال، ومن أجل ذلك جيء بها آخرا» «2».

-‌‌ إضافة الرافعي على ابن الأثير:
لقد حاول الرافعي أن يكون واضح الحكم، لأنه يشير إلى المدود في الجراد والطّوفان، وقلّة الأحرف في «الدّم»، فاقترب من الجمالية الموضوعية، وقد اعتمد الرافعي على هذا التّحليل، وأضاف إليه لمسات صوتية من خلال تأمّله المحكوم بطبيعة التّركيب الداخلي للمفردة، إذ إنّه يلقي الضوء في شاهد ابن الأثير قائلا: «أخفّها في اللفظ «الطّوفان والجراد والدّم»، وأثقلها «القمّل والضّفادع» فقدّم «الطّوفان» لمكان المدّين فيها، حتى يأنس اللسان بخفّتها ثم الجراد، وفيها كذلك مدّ، ثمّ جاء باللفظين الشّديدين مبتدئا بأخفّهما في اللسان، وأبعدهما في الصوت، لمكان تلك الغنّة فيه، ثم جيء بلفظة «الدّم» آخرا، وهي أخفّ الخمسة، وأقلّها حروفا، ليسرع اللسان فيها، ويستقيم لها ذوق النّظم، ويتم بها هذا الإعجاز في التركيب» «3».
ولعلّ ابن الأثير لم يصرّح بالعلّة هنا، لأنّه رفض مبدأ طول الكلمات وقصرها كما يرى ابن سنان، ونلاحظ هنا أن المفردة إسهام جزئي في إيقاع الآية كلها.
وتتبدّى مظاهر موضوعية في تأمل الرافعي من خلال ذكر المدود التي تقسّم الكلمات إلى مقاطع صغيرة خفيفة، وهذا ما يسمّى في العروض بالأوتاد، وكذلك من خلال ذكر الغنّة في كلمة «قمّل» ففيها إدغام بغنّة.--------------------------------------------
(1) سورة الأعراف، الآية: 133.
(2) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 148.
(3) الرافعي، مصطفى صادق، إعجاز القرآن، ص/ 135.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)

ولم يتخلّص من غموض ابن الأثير، إذ لم يشر إلى طبيعة النّبر القوي في الضّاد من كلمة «الضّفادع»، واكتفى بمصطلح الشّدّة وكثرة الأحرف، والضّاد من حروف الإطباق والجهر، وقد تلاه حرف الفاء الشّفوي بشدّته.
وإن عدم إشارته إلى الطبيعة النّغمية للضّاد جعله يعيد حكم السابقين في جمال إفراد الأرض، وقبح جمعها، ويتّضح هذا في قوله تبارك وتعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ «1»، فلم يذكر البيان القرآني «أرضون»، يقول الرافعي: «ولم يقل سبع أرضين، لهذه الجسأة التي تدخل اللفظ، ويختلّ بها النظام اختلالا» «2».
ومما لا شكّ فيه أن وجود الضّاد في «أرضين»، أخفّ من وجوده في «الضّفادع» لوجود مدّ الياء بعد الضّاد، وقبله الكسرة، إنما الأمر يعني غرابة المفردة فيما يبدو لنا، وهذه الغرابة لا يتطلّبها مضمون سياق الآية، حتى تكون الغرابة الصوتية موائمة لغرابة المعنى أو الموقف.
ومما يؤكّد هذا أن البيان القرآني يذكر الأحرف الأربعة الأولى في كلمة أخرى، إذ يقول عز وجل: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ «3»، فهنا ذكرت الهمزة والرّاء والضّاد والياء، ولم تثقل في اللسان.
ولربّما كان للإفراد هنا تفسير علمي ما زال في طيّات الغيب، أو إن نغم التركيب الكلي لا يساعد على ذكر سبع «أرضين» من حيث النّظم الموسيقى، كما رأى الرافعي.
أما من حيث المعنى، فقد كان شائعا بين الناس خلق «سبع سماوات» ولا يعلم أحد بسبع أرضين، فجاءت كلمة «مثلهن» لتنزيح الاستغراب والإنكار عن وجود سبع أرضين، وكأنه يقول: الذي خلق سبع سماوات خلق سبع أرضين، وهو قادر على ذلك من باب أولى.--------------------------------------------
(1) سورة الطّلاق، الآية: 12.
(2) الرافعي، إعجاز القرآن: 233 وقد ذكر الجاحظ هذا في البيان والتبيين:
1/ 141.
(3) سورة التوبة، الآية: 38.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)

ونستطيع أن نقول: إن ابن الأثير ظلّ منظّرا أميل إلى ذكر الأحكام والأفكار من غير تطبيق، خصوصا إذا تعرّض لمفردات القرآن، وقد قال: «الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكلّ منها موضع يحسن استعماله فيه، فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، وفي قوارع التهديد والتخويف، وأشباه ذلك، وأما الرقيق منها، فإنه يستعمل في وصف الأشواق، وذكر أيام البعاد، وفي استجلاب المودات، وملاينات الاستعطاف» «1».
فهو يؤكّد أن الألفاظ جزلة ورقيقة، وأساس هذا هو الموضوع نفسه، لأنه يتطلّب تشكيلا صوتيا معيّنا، فقد أدرك العلاقة بين التشكيل الصوتي وبين المشاعر الإنسانية في الفن القولي، بيد أنه لا يطبّق هذا إلا في مجال رقة الألفاظ، وما يحمد له أنّه ربط الصوت بالموضوع.
ولو أنّ ابن الأثير أجال النظر في آيات السور المكية القصار مثلا لوجد أن نبرة التهديد والغضب والعنفوان واضحة المعالم في المفردات، وفي قصر الجمل أو الآيات القرآنية، وكثيرا ما لا يراعي الشعراء تنظيم الإيقاع وجزئياته، ليوافق المشاعر كما نجد الشّدّة في غزل أبي الطيب أحيانا.
ويمكننا أن نورد بعض الآيات مما يراعى فيها الموقف تفسيرا لمقولة ابن الأثير التي ذكرها في كتاب خصّص في الأصل لأدب الكاتب والشاعر، وإن عدّ البيان القرآني الأسوة الحسنة لصنّاع الأدب، ففي قوله عز وجل: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ «2» تمثّل المفردات صرخة عنيفة بأصواتها، وكان باستطاعة ابن الأثير أن يتلمّس مظاهر الجزالة في تعدّد الباءات، والباء حرف شفوي انفجاري، ويزيده عنفا كونه مشدّدا أو ساكنا بالتنوين والسكون، أو مشددا ساكنا مقلقلا قلقلة كبرى.
كذلك يمكنه أن يتلمّس مظاهر الرقة في إيقاع أغلب السور المدنية، وكثير من السور المكية، ففي قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام:
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ، فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ--------------------------------------------
(1) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 168.
(2) سورة المسد، الآية: 1.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)

وَلِيًّا «1»، وعلى الرغم من أن سورة مريم مكية، فإن الآية تفوح من كلماتها رائحة البنوّة الإنسانية، فهو يستميل قلب والده، وإضافة إلى وجود تسعة مدود في الآية، فإنّ طبيعة الأصوات الرّخوة تناسب مقام الملاينة، فلم يذكر عز وجل «يصيبك» بل «يمسّك» للطف فعلها من حيث المسّ فقط، ولهمس السين فيها، وفي المفردات الخاء والحاء في «أخاف» و «الرحمن»، والأحرف الليّنة كالواو والياء.
فإذا جاء ردّ الأب المتغطرس نقرأ كلمات ذات صوت شديد، يقول عز وجل على لسان آزر: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا «2»، وجرس «لأرجمنّك» يوحي بوقع الحجارة على الجسم لوجود النون، وهي ترد فيها ثلاث مرات، ومرة مدغمة باللام، فتصير شديدة، والجيم كذلك، ووردت الراء مرتين ساكنة، مما يعطي نبرا قويا مضافا إلى طبيعة هذا الحرف الذي يتكرر في أثناء نطقه.
فيجب أن يتلاءم التشكيل الموسيقى مع طبيعة الموقف الذي يذكره القرآن، وقد قال جويو: «وإذا كان الإيقاع إشارة طبيعية إلى عمق الانفعال، فإنّ هذا الإيقاع يميل إلى أن ينقل الانفعال إلى قلب السامع» «3».
ونلحظ أن خصوصية تعبيره عن الفن الأدبي تطلّبت كلمة «انفعال» الخاصة بالطبع البشري، ونحن ننزّه الخالق عن الانفعال، ونؤكّد أن تعبير القرآن عن المواقف جاء بإيقاع مناسب، وسوف يتّضح هذا في شواهد عدّة نذكرها في مكانها إن شاء الله.
خلاصة القول: على الرغم من تفصيل ابن الأثير وتنظيره وإطالته في الموضوع فقد بقيت هذه الناحية ذوقية، ولم توضع وفق منهج واضح.--------------------------------------------
(1) سورة مريم، الآية: 45.
(2) سورة مريم، الآية: 46.
(3) جويو، جان ماري، 1948، مسائل فلسفة الفن المعاصرة، تر: سامي الدروبي ط/ 1، دار الفكر العربي، القاهرة، ص/ 139، وانظر أيضا ص/ 183 من هذا الكتاب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)

ونجد في كتاب ابن أبي الإصبع ما يعدّ مسايرة لأحكام الدارسين قبله، فقد استمرت ألفاظ مثل «فصيح وجزل ورقيق وعذب»، وغيرها مما يدلّ على التعميم والإجمال، يقول عن الفرق بين الجزالة والفصاحة في كتابه «بديع القرآن»: ومنها قوله تعالى: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ «1»، وقوله سبحانه:
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا «2»، فألفاظ هذه الجملة كلّها من هذا الباب، وأجزلها قوله تعالى: «اسْتَيْأَسُوا» وأفصحها قوله سبحانه: «خَلَصُوا نَجِيًّا»، وقلّ أن تجتمع الفصاحة والبلاغة في جملة من هذا الباب إلا في هذه الجملة» «3».
وكأنما يخلو القرآن من أمثال هذه المفردات، وكأنما أحصاها، فاستوفى السور كلّها، ومن ثمّ أطلق حكمه هذا الذي يعدّ أشدّ تعميما من حكم أسلافه، وما هي إلا إشارة عابرة كانت له في كتابه.

-‌‌ الخفّة عند البارزي:
ينقل السيوطي في «إتقانه» ما ورد في أوّل كتاب «أنوار التحصيل في أسرار التنزيل»، ونقع في هذا الاقتباس على ما يدل على تدبّر عميق لماهية الصّوت، وذلك من خلال ذكر مفردات مرادفة مما يبيّن لنا مظاهر الخفّة في المفردة، إذ يقول البارزي: «اعلم أنّ المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض، ومنها قوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ «4» أحسن من التعبير بتقرأ لثقله بالهمزة، ومنها: لا رَيْبَ فِيهِ «5» أحسن من لا شكّ فيه، لثقل الإدغام، ولهذا كثر الرّيب، ومنها وَلا تَهِنُوا «6» أحسن من ولا تضعفوا لخفّته، ووَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي «7» أحسن من ضعف، لأن الفتحة أخفّ من--------------------------------------------
(1) سورة يوسف، الآية: 51.
(2) سورة يوسف، الآية: 80، نجيّا: يناجي بعضهم بعضا.
(3) ابن أبي الإصبع، بديع القرآن، ص/ 287.
(4) سورة العنكبوت: الآية: 48.
(5) سورة البقرة، الآية: 2.
(6) سورة آل عمران، الآية: 139.
(7) سورة مريم، الآية: 4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)

الضمة» «1».
وكأنما صار مفهوم الخفّة يتّصل بما هو رقيق فقط، ويجب أن نؤكد أنّ خفّة مفردات القرآن متحقّقة في الأصوات القوية والأصوات الرّخيّة، ودليل هذا عدم النّبوّ، وسهولة النطق.
ومن البداهة أن تكون دلالة شكّ غير دلالة ريب، وأنّ الإدغام موجود في القرآن، فليس هناك مانع من وجود «شكّ» إلا موافقة الدّال للمدلول، وهذا ينطبق على «وهن» وضعف، فقد قال تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ «2»، وقال: قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «3»، وذلك أنه لا بدّ من ملاحظة أمرين:
الأول: نظم الكلام الذي وقعت فيه الكلمة من حيث انسجام الصوتيات.
الثاني: المعنى المراد، فالرّيب هو الشّكّ مع التّهمة، أما الشّكّ فهو عدم ترجيح أحد الاحتمالين أو الأمرين.
ومما يستحبّ هنا هو إحساس البارزي بقوة الضادّ ورقّة الهاء، فهو يبيّن علّة الخفّة التي خفيت على كثير من أسلافه، ويتابع رأيه قائلا: «ومنها «آمن» أخفّ من صدق، ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق، و «آثرك الله» «4» أخفّ من فضّلك الله و «أتى» أخفّ من أعطى، و «أنذر» أخفّ، من خوّف، و «خَيْرٌ لَكُمْ «5» أخفّ من أفضل لكم، والمصدر في «هذا خلق الله» «6» و «يؤمنون بالغيب» «7» أخفّ من مخلوق والغائب، ونكح أخفّ من تزوّج، لأن فعل أخفّ--------------------------------------------
(1) السيوطي، الإتقان: 2/ 269، لم نجد شيئا عن كتاب البارزي في كشّاف الظّنون أو ذيله، وكذلك كتب التراجم.
(2) سورة يونس: الآية: 94.
(3) سورة إبراهيم، الآية: 10.
(4) سورة يوسف، الآية: 91.
(5) سورة البقرة، الآية: 184.
(6) سورة لقمان، الآية: 11.
(7) سورة البقرة، الآية: 3.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)

من تفعّل، ولهذا كان ذكر النّكاح فيه أكثر» «1».
وقد سبق أن أوضحنا في الفصل الأول أهمية المعنى المبتغى من جمال الشكل في المفردات التي سردها البارزي، والجدير بالذكر أن بعض المعاصرين يقتبسون رأي البارزي، ويزينون به بحوثهم من غير تعليق، حالهم في هذا حال السيوطي الذي يجمع، ولا ينقد في الأغلب.
ولا يمكن أن ندّعي إسراف البارزي وتفريطه في مضمون الكتاب لأجل الحلاوة والخفّة، فهو ينظر باحتياط إلى مجموع القرآن، لأنّه يحترز بكلمة «أكثر» أو «كثر ذكره» تحاشيا للتعميم غير الدقيق، فقد جاء في القرآن قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها «2».
ومما يسترعي الانتباه رهافة حسّه، فقد رأى أن التشديد يجعل الحرف ثقيلا أو قويا، وخصوصا إذا كان حرف لين، فالقرآن ذكر فعل تزوّج على قلّة.
وقد انتبه البارزي إلى ثقل الشّدّة على الواو، وكذلك يعبّر عن إحساس بالبنية الداخلية، فإن مادة (خلق) تعاد في مخلوق، لكنّه يستقبح الوقوف على القاف بعد مدّ الواو، وكأنه لمس شدّة تسكين الفاء الحرف الشّفويّ الذي يخرج من باطن الشّفة السّفلى وأطراف الثّنايا العليا، ولتفادي النّبر القاسي عند الوقوف عليها كان وجود «خير» لا أفضل.
وكذلك تتعدّى نظرته ماهية الصوت إلى ميزة أخرى، وهي نوعية الحركة، فالفاء قاسية اللفظ في «أفضل» وليست بقاسية في قوله تعالى: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ «3»، وذلك لاستراحة الشّفاه مع الكسرة.
وفي الموضع نفسه يرى البارزي أن الاختصار الذي يكون في المجاز، والتطويل الذي يكون في الحقيقة، ما يجعلنا نحبّذ لفظة «آسفونا» في قوله تبارك وتعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ «4» فهو يقول: «أحسن من «فلمّا--------------------------------------------
(1) السيوطي، الإتقان: 2/ 270.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 37.
(3) سورة الشعراء، الآية: 80.
(4) سورة الزّخرف، الآية: 55.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)

عاملونا معاملة الغضب، أو «فلمّا أتوا إلينا بما يأتيه المغضب» «1».
والحق أن هذه المفردة تنم على سموّ في التعبير عن فواحش هؤلاء القوم، وتتخذ طابعا تهذيبيا يصدر عن الخالق، كما أن مما فات البارزي هنا الجمال الموسيقى في الخفّة التي تحدّث عنها، فيجب أن نعقّب على رأيه بأن هذا الفعل يمتاز بثلاثة مدود، وخفّفت النّون بالمدّ، وكذلك خفّفت الفاء بالمدّ، بالإضافة إلى حرف السين الهامس الدّالّ على الرّقّة.
لقد انتبه البارزي إلى كمية وجود المفردة في القرآن الذي يميل إلى الخفّة، فكان من الجدّة في نظرته هذا الإحصاء الذي احتاط فيه من التعميم المغالط، بيد أنه يخطئ في وقوف مبتور عن باقي السور أحيانا، فليس من المعقول أن يقول امرؤ بخفّة كلمة «تتلو» وثقل «تقرأ» ووجود الثانية في القرآن أكثر.

-‌‌ ضآلة التوضيح عند المحدثين:
تمنينا مناقشة واحد من المحدثين لهذه الفقرة الواردة في كتاب الإتقان، إذ كان همّهم النّقل الحرفي، ولا شيء فيما بعد أقواس الاقتباس «2»، ولهذا سوف نتناول في كتب المحدثين ما كان يتّسم بالجدّة والأصالة، لنخفّف عنا مئونة التّكرار والاتكاء في الشواهد والأحكام.
ومن الطبيعي أن نتجاوز عبارات مجملة مثل عذب، وخفيف، ولذيذ، ولم تقتصر على القدامى، فقد وجدت بغزارة عند الرافعي، لأنّها لا تبيّن مواطن الحسن والخفّة، وخصوصا أن العصر الحديث تقوم دراساته النقدية للأدب على تحليل استقطابي لمادة النص، وقد ظلّ الرافعي وقطب يطلقان العبارات البيانية شأن الدارسين الأسلاف، فتمدح الكلمات بأنّها ذات نغم وعذوبة ونسق ولذّة وغير هذا.
ولأحمد بدوي وقفات فاحصة نذكر منها واحدة من خلال المقارنة بغيره،--------------------------------------------
(1) السيوطي، الإتقان: 2/ 270.
(2) انظر مثلا الخطيب، د. عبد الكريم: 2/ 275، وانظر شرف، حفني محمد، الإعجاز البياني، ص/ 189.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)

ففي قوله تعالى على لسان فرعون: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ «1» لحظ المحدثون أن المقصود هنا تسخين الطّين حتى يصبح قرميدا، وذلك من خلال التفاسير، فيصبح الطّين قرميدا أو آجرّا لأجل البناء، يقول بدوي: «هناك لفظتان أبي القرآن أن ينطق بهما، ولعلّه وجد فيهما ثقلا، وهما الآجرّ والأرضون» «2».
ولا نحب هنا أن نسفّه هذه الإجمالية في الاكتفاء بذكر الثقل، فما يعذر به بدوي أن المفسرين القدامى الذين عنوا بالبيان لم ينتبهوا إلى هذا، فقد جاء في تفسير هذه الآية: «أي اطبخ لي الآجرّ، واتخذه، وإنما لم يقل مكان الطين هذا، لأنه أول من عمل الآجرّ فهو يعلّمه الصّنعة بهذه العبارة» «3».
ومثل هذا التفسير لا علاقة له بالوجهة الفنية، وقد استبعد الرافعي كلمة الآجر إذ يقول: «ومن الألفاظ لفظة الآجر، وليس فيها من خفّة التركيب إلا الهمزة، وسائرها نافر متقلقل لا يصلح- مع هذا المدّ- في صوت ولا تركيب على قاعدة نظم القرآن» «4».
ونظرته تتّسم بشيء من التقصير، فنحن نلتمس فيها استثقال الجيم والراء، فالجيم حرف شديد، والراء حرف يميل إلى الشّدّة بفضل تكرّره على اللسان، ولكن الرافعي لا يستوفي ما جاء في الآيات الكريمة من كلمات توالى فيها الجيم والراء مثل «أجر» «تجري» «يجرّه» «مجرمين» وغير ذلك.
وأحيانا يتطلّب مضمون الكلمة هذين الحرفين ليكونا بشدّتهما عونا على تصوير المشهد الذي تعنيه، مثل قوله عز وجل عن ماء جهنّم: «يتجرّعه ولا يكاد يسيغه» «5»، ففي
المفردة قسوة حروف في تركيب خاص، لتصوّر هذه القسوة عملية الشرب لهذا الماء المغلي، وليس هذا مما يتطلّب في قول فرعون، وقسوة آجر على كل حال في تركيبها أيضا.--------------------------------------------
(1) سورة القصص، الآية: 38.
(2) بدوي، د. أحمد، من بلاغة القرآن، ص/ 71.
(3) النّسفي، مدارك التنزيل: 3/ 237.
(4) الرافعي، إعجاز القرآن: 232.
(5) سورة إبراهيم، الآية: 17.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)

ونود أن نقول ما الذي يوجب ذكر لفظ آجر حتى نبرر عدم استخدام القرآن لهذا اللفظ؟ ثم إن هذا كلام فرعون حكاه القرآن؟ فما معنى التساؤل؟ ولم لا يكون السبب في تعبير القرآن بالطين هنا العمد إلى مادة تبيّن الضّعف والوهاء يعتمد عليها فرعون في مواجهة معجزات الأنبياء والحقّ الأعظم، وهو الإيمان بالله، وهذا مما يضع فرعون موضع السخرية لدى القارئ أو السامع الذي ترتسم في ذهنه صورة الطين أداة في مواجهة ذلك كلّه.
ويستحسن أن ندرس المفردات التي ذكرها القرآن، وليس ما تجنّبه من مفردات، وهنا ننبّه إلى أن الخفّة لا تكون مع الصوت الرخي دائما، بل تكون أيضا مع الصوت القوي، ولكلّ مقام مناسب، وليست العذوبة في تجنّب أصوات الضاد والجيم والقاف والراء مثلا، وتجنب حركة الضم لكون الفتحة أسهل على الشّفاه، فإنّ ما يحتاج إليه زمن الفترة المكية من تهديد وتقريع يؤكّد وجود أصوات مهيبة تروّع القلوب.
وقد تحدث عبد الكريم الخطيب عن قوة الصوت في القرآن، فراح يرصد الأحرف المتكررة في بعض الآيات، ليستشفّ من ورائها ظلالا فنية، فبعد أن ينقل رأي البارزي سالف الذكر الذي بيّن التفاضل بين تقرأ وتتلو يذكر الآية الكريمة: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، وَنَحْنُ أَغْنِياءُ، سَنَكْتُبُ ما قالُوا، وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَنَقُولُ: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ «1».
ويقول الخطيب: «فقد اجتمع في الآية الكريمة عشر قافات، ومنها سبعة في المقطع الأخير منها، ومع هذا فأنت ترى ماء الحسن يترقرق على محيّاها والملاحة تقطر من جبينها … واللام قد عارضت حرف القاف فيها، فكانت عدّتها أحد عشر لاما، وقد عرفنا أن اللام من الحروف الخفيفة التي مخرجها طرف اللسان، على حين أن القاف من «أثقل» الحروف نطقا، لأن مخرجها من أقصى الحلق إلى ملتقى الشفتين» «2».
فقد بيّن أن هناك انسجاما بين الشدة واللين مما يحقق الخفّة على الرغم من قوة القاف، ثم يذكر شاهدا هو الآية الكريمة: قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا، وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ، وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ، وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ، ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران، الآية: 181.
(2) الخطيب، د. عبد الكريم، إعجاز القرآن: 2/ 277 - 278.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)

أَلِيمٌ «1»، ويقول: «لقد جمعت هذه الآية ثمانية عشر ميما، نثرهم بين كلمات الآية، بل تكاد تحشدهم حشدا في مقطعين، حتى ليبدو المقطع، وكأنه مشكّل من ميمات، والميم وحده حرف «ثقيل» مضغوط، يشدّ عضلات الفم كلّها حتى يؤدّى على هيئة صوت، فكيف به إذا تكرر، ثم كيف يكون ميزانه من الثقل حين يتكرر بهذه الكثرة الكثيرة المتلاحقة؟ وليس هذا النغم المجلجل المتتابع من هذه الميمات إلا أداة يقتضيها المقام من دواعي القوة التي تحيط بالموقف وتظاهره» «2».
فقد ربط بين قوة الميم والموقف المصوّر في الآية بعد الحديث عن الطوفان واستواء السفينة، وهو يؤكّد هذا في مواضع التهديد من السّور المكية مثل الآية الكريمة: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ «3»، وهي لازمة موسيقية ترد عشر مرات في سورة المرسلات، كما كانت: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ «4» لازمة سورة الرحمن.
ويقول الخطيب: «وليس في هذا المقطع نبرة حنان ولا حرف ليّن، إنه بناء من صخر وجلمد، واجتمعت حروفه على هذه الصورة فكانت قذيفة منطلقة، أو شهابا منقضّا، يقع على رءوس المكذّبين» «5».
ولا شك في أنّ تكرار هذه اللازمة يمثّل اقتحام مفردات صارخة بحروفها وحركاتها الإيقاع الكلّيّ، بما يقوى على السّمع وقعه، وذلك مما يناسب المقام، ولم تكن إشارات المحدثين واضحة كلّ الوضوح، فمثل قول الخطيب قريب من التفسير في ضوء طبيعة الحروف النغمية، وتغيّرات طبيعة الحروف مع بعض الحركات.
ولا بد من إضاءة مديحه لآية المرسلات بذكر قوة التنوين في «ويل» و «يومئذ» ثم وجود الشّدّة على الذال، وحركات الشّفاه في الميم والباء.
والحق أن الخطيب لم يكن بدعا فيما قرّره، إنّما اقتفى أثر الرافعي، لكنه--------------------------------------------
(1) سورة هود، الآية: 48.
(2) الخطيب، د. عبد الكريم، إعجاز القرآن: 2/ 277 - 278.
(3) سورة المرسلات، الآية: 15.
(4) سورة الرحمن، الآية: 13.
(5) الخطيب، إعجاز القرآن: 1/ 374.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)

قصّر عنه في أنّ الرافعي عرّفنا بأدوات القرآن التي يجعلها لتعديل الكفّة، وإيجاد التلاؤم والانسجام، أما الخطيب فلم يفعل ذلك.
وقد أكّد الدكتور نور الدين عتر أهمية الصوت في مراعاة المواقف المصوّرة، وهو لا يظهر هذا في السور المكية، بل في سورة البقرة، إذ يظهر التباين في التشكيل الصوتي بين الحديث عن المؤمنين وبين الحديث عن الكافرين في سورة واحدة، فقد جاء في تفسيره لأوائل سورة البقرة: «ففي الحديث عن المؤمنين تجد المدّات في فواصل الآيات مع الحروف السّهلة ذات الوقع الخفيف على الأذن تعطي الكلام وقعا لطيفا مناسبا للتأثير العاطفي. وفي الغضب والسّخط تجد الحروف قوية الوقع شديدة التأثير، مثل الميم الساكنة في الحديث عن الكافرين، ثم هذه الألفاظ «صمّ، بكم، رعد، برق»، والحركات المتلاحقة ذات الجرس القوي «صواعق، ظلمات» تقرع الأذن بأصداء المشهد المخيف حتى تشترك في الإحساس بما أحسّ به الفكر، وما وقع في القلب» «1».
ونلاحظ فيما ذكره الدكتور عتر مفهوم الشّدة وليس الثّقل، كما أنه دلّ على مواقع الخفّة والشّدة مما يبعد نظرته عن خطل التكهّن، وهو يؤكد أن أصوات القرآن كلّها خفيفة، وهذه الخفّة متفاوتة، ولذلك نستبعد قول الباحثين «حرف ثقيل» ونستبدل به قولنا: حرف شديد، لأن العربية الرفيعة قد استبعدت ما هو ثقيل عن الاستعمال، وجاء القرآن الكريم، واستبعد مفردات أخرى من خلال اختياره للأصوات، فالقاف ليس حرفا ثقيلا، ولن يتعسّر النّطق به، أو يثقل على لسان القارئ، وفي أذن السامع «2».
ويجب أن ننوّه بأن القدامى لم يكونوا مقصّرين في إحساسهم بالصوت، وإذا كانوا قد أكّدوا رقّة الصوت، فإنهم أحسّوا أيضا بالشّدة الصوتية، وأطلقوا عليها فصاحة وجزالة، إذ كان هذا المصطلح يغلّف الكثير مما ذكره المحدثون، فالإحساس بالرّهبة والشّدة موجود في تأملات القدامى الفنية، بيد أن المصطلح القديم لم يكن يساعد على الكشف الواضح، ولكي لا نبخسهم حقّهم نقول:
إن عدم الكشف هذا لا يقتصر على الأسلاف بل ينطبق على كثير من المحدثين.--------------------------------------------
(1) عتر، د. نور الدين، القرآن والدراسات الأدبية: 291.
(2) من توجيهات الدكتور المشرف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)

ولنورد هنا الحديث النبوي الذي ورد عنه صلى الله عليه وسلم: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» «1»، ولنقرأ شرح هذا الحديث، لنؤكد أن المقصود هو القراءة الصحيحة وفق قواعد التجويد، فقد جاء في شرحه: «الهجوا بقراءته وأشغلوا أصواتكم به، واتخذوه شعارا وزينة لأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا، وفي أدائه بحسن الصوت وجودة الأداء بعث للقلوب على استماعه وتدبّره والإصغاء إليه .. هذا إذا لم يخرجه التغنّي عن التجويد، ولم يصرفه عن مراعاة النّظم في الكلمات والحروف، فإن انتهى إلى ذلك عاد الاستحباب كراهة» «2».
فلا نفهم من الحديث الشريف أنّ القرآن يتألف من أصوات رخيّة نديّة فقط، بل يدعو الحديث إلى إعطاء الحروف حقّها من حيث صحّة النّطق، إضافة إلى طبقة صوت القارئ، ففي القرآن حروف رخية وحروف شديدة لا ثقيلة، والتجويد مراعاة دقيقة لما يعدّ نبرا أو تنغيما، ففي قوله تعالى:
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ «3» يحدّد علم التجويد القلقلة في القاف، وهذا يساعد على تبيان أهمية المعنى من حيث تصويره بالصّوت، وكذلك مراعاة المدّ الطويل في قوله تعالى: شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ «4»، فهو يعطي للوقوف على القاف قوة تفيد في تجسيم الموقف.
نخلص مما سبق أن مصطلح الخفّة يشمل كلّ مفردات القرآن الكريم، وأن العذوبة نابعة من قراءة كل مفردة، فليس في القرآن ما يثقل نطقا أو سمعا، إنما وظّفت طبيعة الأصوات لتجسيم المواقف، ومن يقرأ الآيات يتوصّل إلى هذه النتيجة.
وإذا كانت جهود القدامى في مفهوم الرّقة والخفّة تكاد تنحصر في الأصوات الليّنة، فهذا مما يساعدنا في تكميل نظرتهم، ومما لا شكّ فيه أن الانسجام واضح بين أصوات القرآن، فالأصوات الشديدة تتلوها أصوات ليّنة،--------------------------------------------
(1) رواه الحاكم كما في السّيوطي، الجامع الصغير: 2/ 32.
(2) المناوي، عبد الرءوف، 1938، فيض القدير في شرح الجامع الصغير، طبعة أولى، المكتبة التجارية، القاهرة: 4/ 68.
(3) سورة ق، الآية: 19.
(4) سورة الأنفال، الآية: 13.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)

وقد استطاع المحدثون بعض الشيء الوصول إلى هذه الحقيقة، وإن ظلّت أحكامهم مجملة أحيانا، وتفتقد المنهج العلمي الواضح كما رأينا.
لقد قلّد ابن الأثير سلفه ابن سنان، وأتى بشواهد قرآنية جاعلا الفطرة هي المعيار في توضيح الخفّة، وما يحمد في نظرته التحدث عن الجزالة والرقة، وهذا يعني في القرآن ارتباط الصوت بالموقف حيث الشّدة في مواقف الترهيب، واللين في مواقف الترغيب، كذلك تحدّث البارزي عن الخفة من خلال تقديم بعض المترادفات، مما يدلّ على تفهّمه لصفات الحروف، ووجد أن الخفيف هو الأكثر في القرآن.
أما المعاصرون فقد فهموا الخفّة على أنها سمة تشمل كلّ مفردات القرآن، وقد اقتبسنا بعض ما ورد عند عبد الكريم الخطيب والدكتور عتر، لنبيّن أن المواقف في القرآن هي التي تحدّد طبيعة الحروف والحركات، وبيّنّا أن القدامى، وإن صرّحوا بجمال الأصوات الليّنة، فإنهم قد وقعوا على جمال الأصوات الشديدة، وعبّروا عن هذا بالفصاحة، وأكّدنا أن القرآن كلّه يتّسم بالخفّة، وليس فيه ما يثقل على اللسان أو الأذن، أو يبعث على النّفور، إنما كانت فيه أصوات شديدة تجسّم المعاني المطلوبة، وقد شارك الصوت الفكرة في القرآن مشاركة فعّالة معبّرة عن الانسجام بين الشكل والمضمون.
ونحن لا نصم القدامى بالخلط والتلفيق عند ما يطلقون عبارات مثل الخفّة والرّشاقة والجزالة، فلا شكّ في أنّها عبارات صحيحة يدركها معاصروهم، وإن يعدّها التّحليل الصّوتي مصطلحات مجملة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)

‌‌4 - الحركات والمدود
رأينا أن نذكر الكلام على جمال الحركة مع الكلام على جمال المدود لسببين:
الأول صوتي: لأن الحركة جزء من الصوت، والمدّ حركة طويلة، فالضّمّة صويت، أمّا الواو فهي صوت، وتعدّ ضمّة طويلة المدى.
والسبب الثاني: ضآلة المادة في التّراث وهذا لا يخصّ الحركة والمدود، إذ يتجاوز البنية الداخلية، ليشمل كلّ جوانب الجمال السمعي، وليس الأمر كالتشبيه مثلا، إذ يصادفنا في كلّ التراث البلاغي، ولعلّ السبب يتعيّن في احتياج هذا الفن إلى ذوق خاص، وتمحيص مصاحب بمعرفة لغوية صوتية، فالذين درسوا البنية الداخلية قلّة يعدّون على الأصابع، كما أن كثيرا من نظراتهم بحاجة إلى تصحيح وتوضيح، وتبدو غير مرضية من جهة التعليل.
إن القرآن الكريم هذا السّفر العظيم المعجز، أنزل بلغة العرب، فكان من المحتّم، ومن العناية الإلهية أن يشذّب المفردات، وأن ينتقي ما هو نافع، ويترك الزّبد، ولهذا تعيّن إعجازه في امتلاك المعنى في أجمل صورة، وكان لمن لا يفهم العربية قطعا موسيقية تمتاز بانسجام وترتيب للحركات، وبمدود كثيرة، وأكثر هذه المدود مدّ الألف، وهو سرّ الفصاحة كما قال الرافعي.
وهناك محطّات يقف عندها: أصيلة في الفواصل، وثانوية في الوقف والفواصل الداخلية، وهذه الآيات بالنسبة إلى العربي صورة موسيقية إن صحّ التعبير، فهو لا يمكن أن يفصل هذا النّغم المعبّر عن المشاهد التي ترسمها الكلمات بدقة بارعة، كما يضيف إلى تغنّي غير العربي بالمقاطع عذوبة الفهم والتصور، وفسحة الخيال عند كلمات لا تنحصر معانيها، والكلمات القرآنية كما يبدو للقارئ تكتنف معاني قرآنية لا توجد في العرف، ذلك لأن القائل خالق هذا الكون.
ومن يتمتع بذوق مؤطّر بالعلم، وبالموضوعية ينف أن توزيع الحركات في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)

مفردات القرآن قد أتى عبثا أو مصادفة، إنّما هناك قصد التهذيب الصوتي، كما وجه التهذيب المعنوي.
ولشدة عناية القرآن بالتنغيم نجد أن أغلب فواصله كانت بالميم والنون، والمدّ بالألف أو الياء أو الواو يسبق معظم رويّ فواصله.

-‌‌ جمالية الحركات:
امتاز ابن الأثير بنظرة فاحصة جعلته يقلّب النظر في جزئيات الكلمة القرآنية، فراح يتحدّث عن جمال الأصوات من خلال مصطلح الخفّة أو العذوبة، لكنّه أضاف شيئا آخر، وهو أن الجمال الصوتي يتعلّق بالصوت، وكذلك بالصّويت، فذكر أن كثرة الحركات الخفيفة تطيب للسمع، وتلذّ في النّطق، وتلك مسألة صوتية دقيقة دلّ بها على ذوقه الرفيع، ورهافة حسّه.
يقول: «ومن أوصاف الكلمة أن تكون مبنيّة من حركات خفيفة، ليخفّ النطق بها، وهذا الوصف يترتب على ما قبله من تأليف الكلمة، لهذا إذا توالى حركتان خفيفتان في كلمة واحدة لم تستثقل، وبخلاف ذلك الحركات الثقيلة … واعلم أنّه قد توالت حركة الضّم في بعض الألفاظ، ولم يحدث فيها كراهة ولا ثقلا» «1».
ويستشهد ابن الأثير لهذا الاستثناء بكلمات قرآنية توالت فيها حركات الضم، كقوله عز وجل: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ «2»، وقوله: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ «3»، وهو يريد أن يقول: إن الكسرة والفتحة حركتان خفيفتان، بخلاف الضّمة فهي ثقيلة، وتلك القضية الصوتية تشهد بها عملية نطق الضمة التي يكون فيها انكماش الشّفاه.
وقد عاد إلى سورة القمر ونهل منها شواهده، ولكن المرء يؤكّد فكرة عظيمة تتصل بالعقيدة بمجرّد وجود آية تثبت صحّة كلامه، وهنا يعدّ القرآن--------------------------------------------
(1) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 191.
(2) سورة القمر، الآية: 47.
(3) سورة القمر، الآية: 52، الزّبر: كتب الحفظة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)