Arabic source text

📘 জামালিয়াতুল মুফরাদাহ আল-কুরআনিয়্যাহ (আহমদ ইয়াসুফ)

📘 جماليات المفردة القرآنية (أحمد ياسوف)

📘 জামালিয়াতুল মুফরাদাহ আল-কুরআনিয়্যাহ (আহমদ ইয়াসুফ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌الفصل الثالث إسهام المفردة القرآنية في الجمال السمعي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)

‌‌1 - الانسجام بين المخارج
‌‌فكرة الانسجام:
لا شك في أنّ قضية الانسجام فرع أصيل في خصائص الفن، ويشمل الفنون جميعها، كالرسم والنحت والشعر والموسيقا، ونجده في تفريعات هذه الفنون على اختلاف مذاهبها ومشارب أربابها.
ويلحظ في الانسجام أنه يتولّد من لقاء بين شيئين مختلفين، وهذه المقولة واردة على ألسنة الفلاسفة، والمنظّرين الجماليين منذ القدم، وقد أطلقوا على هذا الانسجام الذي يلائم بين شيئين مختلفين اسم «الوحدة في التنوع» فهو شرط أساسي من شروط الجمال، لذلك نرى الرسم الجميل قد تعاور لوحاته تناوب الألوان الغامقة والألوان الفاتحة، وفي إيقاع الفن السّمعي هنالك العلوّ الذي يتبعه انخفاض يدعى ب «القرار».
ولذلك حبّذ الفلاسفة شكل المستطيل قديما، لأنه خير شكل هندسي معبّر عن الوحدة في التنوع، فهو يتكوّن من طول وعرض مختلفين متكررين، وخير مظهر لهذا الانسجام شكل الإنسان الذي خلق في أحسن تقويم «1».
وفائدة هذا المعيار الجمالي أنه معمّم، ولا يبعث حكمه الشكّ في النفس، لأنه موضوعي، وهذا ما يدعى في التراث العربي بالتلاؤم، إذ يختص ببينة المفردة فقط، على خلاف من المعاظلة التي تعني تنافر الكلمات بعضها مع بعض، وعلى خلاف أيضا من مصطلح الانسجام الذي يعني مجيء كلمات على أوزان معروفة، يقترب وزنها من أوزان بحور الشعر، وقد استشهدوا على ذلك بقوله عز وجل: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ «2»، وكذلك قوله تعالى:
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ «3» وقوله: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا--------------------------------------------
(1) انظر غريب، روز، النقد الجمالي: 75.
(2) سورة يوسف، الآية: 86.
(3) سورة الحجر، الآية: 49.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)

مِمَّا تُحِبُّونَ «1».
فواضح أن الآية الأولى قريبة من بحر الرّمل، وأن الثانية قريبة من البحر الكامل. وتمثل الآية الثالثة أربع تفعيلات من بحر الرمل فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن، وهذه التسمية موجودة مثلا في كتاب بديع القرآن، وكتاب الفوائد» «2».
وهي نظرة منهم غير مقبولة إذ لا يخلو أي كلام من تفعيلات البحور الشعرية، ثم إن الموسيقا الداخلية لنسق القرآن في غنى عن التفعيلات.
وقد جاء في تعريف الانسجام في النقد ما ينطبق على فكرة التلاؤم، كما جاءت عند علمائنا القدامى، يقول حامد عبد القادر: «أصحاب المذهب الموضوعي يرون أن منشأ الجمال هو الاتساق والانسجام في الألوان والأشكال والأساليب والنّغمات، سواء أكان ذلك الانسجام طبيعيا أم صناعيا، وأساس الانسجام هو الوحدة مع التّعدّد، أي اجتماع عناصر مختلفة وائتلافها بحيث تكون وحدة مترابطة الأجزاء متناسقة العناصر» «3».
ويحسن هنا أن نبيّن جذور فكرة الانسجام قبل أن نصل إلى ابن سنان، فقد نظر الجاحظ إلى اللغة العربية، ووجد أنّ جمال الانسجام يتجلّى في شكلين:
في انسجام الكلمات فيما بينها، وفي انسجام حروف الكلمة الواحدة، يقول:
«ومن ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر، وإن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلا ببعض استكراه، فمن ذلك قول الشاعر:
وقبر حرب بمكان قفر … وليس قرب قبر حرب قبر
وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج .. وكذلك حروف الكلام وأجزاء الشعر من البيت تراها متّفقة لمسا، ولينة المعاطف سهلة، وتراها--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران، الآية: 92.
(2) انظر ابن أبي الإصبع، بديع القرآن: 166، وابن قيم الجوزية، الفوائد: 219.
(3) عبد القادر، حامد، 1949، دراسات في علم النفس الأدبي، ط 1، المطبعة النموذجية، القاهرة: 103.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)

مختلفة متباينة، ومتنافرة مستكرهة تشقّ على اللسان وتكدّه» «1».
وهذا يعتمد على طبيعة حروف الكلمة التي تتّفق، أو تختلف مع حروف الكلمة المجاورة، ثم يقول الجاحظ: «فهذا في افتراق الألفاظ، فأما افتراق الحروف، فإنّ الجيم لا تقارن الظّاء، ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا تأخير، والزاي لا تقارن الظّاء ولا السّين ولا الضّاد ولا الذّال بتقديم ولا تأخير» «2».
وهذا يدل على أن العرف اللغوي المعتاد يندر فيه الثّقل الناجم عن تنافر بين المخارج، وذلك لأن مخرج الجيم بين اللسان وبين الحنك الأعلى، ومخرج الظاء بين أطراف الثّنايا وبين طرف اللسان، ومخرج القاف أوّل الحلق، ومخرج الطاء طرف اللسان، وأصول الثّنايا، فالمخارج متقاربة.
ويبدو أنّ هذا الاستهجان للثقيل الوعر كانت له دواعيه الناتجة عن استيفاء علماء اللغة قديما لمفردات كلّ القبائل، مما جعلهم يقعون على رصيد لا بأس به من ألفاظ وعرة خشنة، فجاء الأدباء لينفّروا الناس منها.
وبعد أن بيّنا وفق نظرة الجاحظ أن الذوق السليم يميل إلى سهولة المخارج، لا بدّ أن نتعرض لما ذكره الرماني، فما ذكره جدير بالانتباه، لأنه دلّ على سهولة المخارج في القرآن بشكل خاص، يقول: «والسبب في التلاؤم تعديل الحروف في التأليف، فكلّما كان أعدل كان أشدّ تلاؤما، وأما التنافر فالسبب فيه ما ذكره الخليل «3» من البعد
الشديد أو القرب الشديد. والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبّل المعنى له في النفس، لما يرد عليها من حسن الصورة، وطريق الدّلالة» «4».--------------------------------------------
(1) الجاحظ، البيان والتبيين: 1/ 37 - 38.
(2) الجاحظ، البيان والتبيين: 1/ 39.
(3) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب معجم «العين» توفي في 170 هـ، وهو أستاذ سيبويه، ومن كتبه أيضا «العروض» و «معاني الحروف» و «تفسير الحروف» و «النقط والشكل» انظر طبقات النحويين واللغويين للزبيدي ص/ 34 وانظر الأعلام: 2/ 314.
(4) الرمّاني، ثلاث رسائل في الإعجاز: 88.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)

ويعدّ الرماني المنظر الأول لهذا الفن في القرآن، إذ سبقه الجاحظ بالنّظر في سياق المفردات بشكل عام، ولم يخصص كلامه حول القرآن، وهو يحيلنا كما نرى إلى القرن الثاني الهجري الذي كان فيه الخليل قد تعمّق في الثقافة الموسيقية، واكتشف البحور الشّعرية، ووضع معجمه على أساس صوتي.
ويبدو جليا أن هذه النظرة الحسّيّة في تلقّي الصورة الصّوتية يواكبها بيان واضح للأثر النفسي، فالنّفس لا تميل إلى المتنافر، وكأنه يغلق أبواب الفهم، فتصعب ترجمة الدّلالة.
بيد أنّ الرماني لم يدعم كلامه بالشواهد القرآنية وغير القرآنية في هذا المجال، وهذا يعود لصغر حجم رسالته، ولإدراكه تصديق هذا الكلام بمجرّد سماع الآيات القرآنية، فكلّ القرآن الكريم دليل على صحّة نظريّته، حيث لا تثقل كلمة واحدة فيه على اللسان والأذن.
وملاحظته هذه وليدة التدبّر العميق للقرآن، وتفهّم طبيعة اللغة العربية البليغة التي تستعمل، بله اختيار القرآن الكريم.
إذن فقد فسّر الجاحظ جوانب الوعورة والخشونة والتقعّر في العربية، بينما دلّ الرماني على سهولة المخارج في القرآن بشكل خاص، فكلاهما يقدم تفسيرا مقتضبا لمفهوم الوعورة وغيرها، وفي هذا يقول محمد زغلول سلام:
«ملاحظة الرماني لصلة الجمال اللفظي بسهولة حركة اللسان جديرة بالإشارة، إذ خرج الرماني عن حدود الأقوال إلى التجربة والملاحظة، وقديما ذكر اللغويون اللفظ الوحشي، واللفظ الوعر، ولم يذكروا سببا للوحشيّة ولا للوعورة» «1».
والحقّ أنّ الرماني قدّم تفسيرا، ولم يصل إلى نطاق التجربة، ولم يتغلغل في ماهيّات أصوات القرآن، وكأنّه اكتفى بالأمثلة الحافلة التي قدّمها غيره حول الثّقل، لأنّه كتب رسالة مختصرة.--------------------------------------------
(1) سلام، د. محمد زغلول، 1952، أثر القرآن في تطور النقد العربي، ط/ 1، دار المعارف بمصر، ص/ 242.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)

ولعلّ الرمانيّ لحظ أن اللغة المستعملة تكاد تخلو من الثّقيل، وما يحمد له أنّه فتح بابا لجمال المفردة الصوتي من حيث بيانه لتلاؤم المخارج في مفردات القرآن، ولعله تأثّر بدراسة الخليل الصوتية في معجمه «العين»، ليصل بنا إلى أن جمال النّطق يكمن في سهولته، وهذا ما يشهد به علم الجمال في عصرنا، إذ يردّ قيمة الجمال الصوتي في الكلمة إلى رشاقة الحركات، والاقتصاد في الجهد العضلي عند النّطق «1».
ومما يضاف أنّه لم ينس علاقة النّفس بالشيء المسموع، فالأذن منفذ إلى النّفس، وما يثقل سمعه تنفر منه الأذن ثم النفس.
ويبدو أن الوحشي كان ثقيلا على الأذن، فرفضه الذوق اللغوي، ثم صار هذا الذوق قانونا ينفّر من الغريب، لعدم استعماله في المجتمع، ولاتّصافه بالثقل مثل كلمة جلفاط بمعنى لوح، وبعاق: أي بمعنى مزنة وهنا لا بد من شرطين:
1 - تلاؤم المخارج من حيث تلاؤم صفات هذه الحروف الناتجة عن المخارج.
2 - سلامة المفردة من الثّقل من خلال تشكيلها الداخلي، إضافة إلى طبيعة حروفها. وكل هذا نحتكم فيه إلى معيار حسّي هو السّمع، وسيتضح في عرضنا لنظرات الدارسين.

‌‌نظرة ابن سنان:
وضع ابن سنان الخفاجي أسسا فنية لفصاحة المفردة، وبالغ في تعميمها، وذلك في بداية كتابه، فكان الأساس الأول تباعد المخارج، ويبدو أثر الفلسفة الفنية جليا في عبارته، يقول: «الأول أن يكون تأليف اللفظة من حروف متباعدة المخارج، وعلّة هذا واضحة، وهي أن الحروف التي هي أصوات تجري في السّمع مجرى الألوان من البصر، ولا شكّ أن الألوان المتباينة إذا جمعت كانت--------------------------------------------
(1) انظر سلام، د. محمد زغلول، أثر القرآن في تطور النقد العربي، ص/ 240.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)

في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة» «1».
وفكرة الوحدة في التنوع واضحة هنا، لكنه لا يستشهد بالقرآن، بل يربط هذا الأساس بشيء آخر، وهو ترتيب الحروف في الكلمة بما يناسب جهاز النطق بدءا من الحلق حتى الشّفاه، ويستشهد لهذا بكلمات جذرها عذب، إذ يقول: «فإنّ السامع يجد لقولهم العذيب اسم مكان، وعذيبة اسم امرأة، وعذب وعذب وعذبات وليس سبب ذلك بعد الحروف في المخارج فقط، ولكنّه تأليف مخصوص مع البعد، ولو قدّمت الذّال أو الباء لم تجد الحسن على الصّفة الأولى في تقديم العين» «2».
وكأن الأمر مجرّد استحسان «عذب» لبدء الحلق بنطق العين، ثم نطق الذّال بين الأسنان وبين الثّنايا، ثم نطق الباء في الشفاه، وهذا النظام لا يطّرد بالتأكيد في كل المفردات، فكلمة «جمع» فيها عودة من الشّفاه إلى الحلق.
وإذا كان استشهاده جزئيا، وكانت نظرته مبتورة في مجال الكلمة العامّة، فإن المفردة القرآنية لا تحظى بتحليل، بل يكتفي بأن يعترف لها بالتلاؤم والسّهولة، كما اعترف بهذا للسان العربي القديم، ويظنّ أنّه خشي مزالق نظرته إن طبّقها على المفردة القرآنية، فتنكشف له تمحّكاتها، وفذلكتها.
ومما يستغرب هنا أن يظنّ شوقي ضيف أنّ ابن سنان نهل من علم التّجويد هذه اللمسات الصوتية الرائعة، وبالرغم من ذلك فإننا لا نجد خاصية بالصوت القرآني، أو معيارا لغويا صحيحا، يقول شوقي ضيف: «وأكبر الظّن أنه انتفع في ذلك كلّه مما كتبه علماء تجويد القرآن من مباحث قيّمة» «3».
ومما يؤكد عدم استفادته من علم التجويد، أنه لم يدرك تماثل مخرجين وتقاربهما في حالة إدغام حرف بحرف، ونحن لا نتصور أن ابن سنان يجهل تقارب المخارج بل تماثلها في الإدغام، لكنه تجاوز هذا الواقع اللغوي لإقرار الجميع بعدم ثقله.--------------------------------------------
(1) ابن سنان الخفاجي، سرّ الفصاحة، ص/ 66.
(2) المصدر نفسه، ص/ 152.
(3) ضيف، د. شوقي، البلاغة تطور وتاريخ، ص/ 152.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)

ولم يأخذ دارسو الإعجاز في عصرنا برأي ابن سنان في جمالية تباعد المخارج، وقد أشاروا إلى سهولة المخارج في القرآن، بينما ردّوا عليه بأقوال عامة مثل قول البيومي في «البيان القرآني»: و «إذا كان من أسباب الغرابة البلاغية ثقل النّطق كما مثلوا لذلك قول القائل: «تكأكأتم عليّ فافرنقعوا» مما اقتربت فيه مخارج الحروف إلى حدّ يدعو إلى الثّقل، فليس في القرآن إلا ما هو سهل المخرج من الألفاظ» «1»، وهذا الكلام يحتاج إلى تطبيق عملي.
وإذا كنا نوافق على نظرة ابن سنان، ونعترف في الوقت نفسه، وبلا تمحيص بسهولة نطق القرآن، فإننا لا نفهم سرّ السهولة في كلمات تكرّر فيها الحرف نفسه، وليس التقارب فقط، وهكذا يمر المرء بالمخرج مرّتين في كلمة واحدة، ومثل هذا في قوله عز وجل: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ «2»، حيث يوجد كافان، وقوله عن الحيوانات: أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ «3»، وقوله: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ «4»، وعلى لسان مريم العذراء عليها السلام: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ «5» فقد تكررت السين.
وإذا كان التّكرار في ذهن ابن سنان مجرّد صوت واحد، فهناك أمثلة كثيرة من القرآن حول التقارب بين المخارج، ومن ذلك لقاء القاف والكاف في قوله عز وجل: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ «6».

‌‌نظرة ابن الأثير:
لعلنا نجد في ردّ ابن الأثير على الخفاجي ما يكون مرتكزا لنا في رفض جمالية تباعد المخارج، خصوصا أن ما أوردناه من آيات لا تسير وفق بعد العين--------------------------------------------
(1) البيومي، د. محمد رجب، البيان القرآني، ص 128، تكأكأتم: تجمعتم، افرنقعوا: تفرّقوا وابتعدوا.
(2) سورة المدّثّر، الآية: 42.
(3) سورة الأنعام، الآية: 38.
(4) سورة النّساء، الآية: 78.
(5) سورة آل عمران، الآية: 47.
(6) سورة الذّاريات، الآية: 22.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)

عن الذال والباء، كما أراد، وقد بين ابن الأثير ردّه من خلال مفردات اقتربت فيها المخارج، وعلى الرغم من ذلك لا ينفر منها السّمع، ومعياره ذوقي خاضع للتّجربة الحسّية المستوفية: «إن حاسّة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحسن ما يحسن من الألفاظ، وقبح ما يقبح .. على أن هذه قاعدة شذّ عنها شواذّ كثيرة، لأنّه قد يجيء في المتقارب المخارج ما هو حسن رائق، ألا ترى أن الجيم والياء والشين مخارج متقاربة، وهي في وسط اللسان بينه وبين الحنك، وتسمّى ثلاثتها الشّجريّة، وإذا تركّب منها شيء من الألفاظ جاء حسنا رائقا، فإن قيل: جيش كانت لفظة محمودة» «1».
ويستشهد ابن الأثير كذلك بلفظة «بفم» لكونها مركبة من ثلاثة أحرف شفوية، إلا أنّه يتبع ابن سنان في جمال التّرتيب، فيقبّح ملع، ويستحسن «علم»، لأنّ مخرج العين الحلق، ومخرج الميم الشفاه.
وتصديقا لردّ ابن الأثير نورد كلمات قرآنية مثل «استجيب، أجيبت، أجيبوا، وغيرها وكلمة «جيدها» في قوله تعالى: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ «2»، والجيم والياء مخرجهما بين اللسان وبين الحنك الأعلى إلا أنّ حرف الياء حرف ليّن رخو، والجيم شديد، وكذلك حرف الشين مهموس والجيم مجهور «3».
فثمّة تلاؤم من جهة أخرى، نقصد بذلك صفات هذه الحروف من حيث الشّدة والرّخاوة، والجهر والهمس، وهذا ما لم ينتبه إليه كلّ من ابن سنان وابن الأثير «4».
إن هذه الجمالية الصوتية، لم يتناولها الكثير، فلم تحظ بأدنى اهتمام لدى الدارسين بعدهما، إلّا ما أشار إليه الزّركشي بصدد ذكره للآية: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ--------------------------------------------
(1) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 152.
(2) سورة المسد، الآية: 5، المسد: الليف.
(3) انظر ابن جني، سر صناعة الإعراب: 1/ 50.
(4) انظر ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة، ص/ 67، وابن الأثير، المثل السائر:
1/ 152.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)

إِلَيْكَ «1»، ولم يهتم بهذا على الوجه الذي ابتغاه ابن سنان، إن هي إلا إشارة واحدة في كتابه، يقول: «قد يقال كيف توخّى حسن الترتيب في عجز الآية دون صدرها؟ والجواب أن حسن الترتيب منع منه مانع أقوى في صدر الآية، وهو مخافة أن يتوالى ثلاثة أحرف متقاربات المخرج، فلذلك حسن تقديم المفعول الذي تعدّى الفعل إليه بالحرف على الفعل الذي تعدّى بنفسه» «2».
وإذا كان مخرج الياء يبتعد عن مخرجي الطاء والتاء، فإنّ النغمة الصوتية للطّاء تظلّ مختلفة عن نغمة التاء، فالطّاء حرف مجهور، والتّاء حرف مهموس، وإشارة الزّركشي هذه تنفي الولاء لنظرة ابن سنان في الوقت نفسه، والسبب- كما يبدو لنا- وهاء الحجّة.
اتخذت هذه الجمالية سيما الإيجاب لدى الرمّاني وابن سنان، وسيما السّلب لدى ابن الأثير، ولكنّ رفض هذا الأخير ضلّ عالقا بمعيار الذوق، ولم يؤطّر بمنطق العلم.
وفي العصر الحديث يؤكّد الرافعي مسألة الانسجام، ليس بين الحروف فقط، بل بين صفات هذه الحروف، فالعذوبة عنده: «لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها، ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر، والشّدة والرّخاوة، والتفخيم والترقيق، والتفشّي والتّكرير» «3».
وتأكيدا لهذا الانسجام الذي ندعو إلى منهجه مع الرافعي، نذكر قوله تعالى:
وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ «4»، فالطّاء حرف إطباق شديد، واستعلاء وجهر، أمّا الشين فهو حرف همس ورخاوة وانفتاح، إنّه انسجام بين الصّفات.
وإذا كان حرفا النّون والرّاء متقاربين مخرجا لخروج النون من طرف اللسان والثّنايا، والرّاء كذلك مخرجه أول طرف اللسان والثنايا، فإنّ كليهما من حروف الذّلاقة، والتأليف بينهما أسهل من التأليف بين الحروف المصمتة،--------------------------------------------
(1) سورة المائدة، الآية: 28.
(2) الزركشي، البرهان: 3/ 433.
(3) الرافعي، مصطفى صادق، إعجاز القرآن، ص/ 215.
(4) سورة الشّعراء، الآية: 130.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)

فليس من القبح أن نقرأ في البيان القرآني الأعلى مثل: «نريك، نرى، لنريه، نريهم» وكلا الحرفين بين الشّدة والرخاوة، فكثيرا ما ينفرد الراء ذلك الحرف المتكرر، فيصبح قويا عنيفا، وكذلك النّون، إلا أن النّسق الموسيقى في المفردات السابقة بوساطة الحركات يجعل للسمع وفي النطق لذة، يقول عز وجل: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا «1»، وقوله: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً، وَنَراهُ قَرِيباً «2»، والشواهد كثيرة.
إضافة إلى إشارتنا إلى أن المعوّل عليه طبيعة النّغمة الصوتية للحرف نفسه، فتفسير الأمر من جهة عضوية محضة لا يكون محقّا في تفسير الحالة الخارجية للصوت بعد خروجه من أعضاء النطق.
ولهذا يتبيّن لنا أنّ أساس الانسجام هو في صفات الحروف، إذ تنقسم إلى صفات كثيرة مثل: شديدة ورخوة، ومجهورة ومهموسة، وحروف صفير واستعلاء وقلقلة وغيرها «3».
ويمكن أن نعطي للتنافر المنبوذ بعدا آخر غير عدم الانسجام، وهذا البعد يتمثّل في الجهد العضلي لجهاز النّطق عند لفظ أصوات بعينها متقاربة، ولا يحصل هذا في كلّ مقام، ولا يطّرد في كل كلمة، وفي هذا الصّدد يقول عبد المجيد ناجي: «يمكن تفسير تنافر حروف بعض الألفاظ، والإحساس بثقلها على اللسان، ونفور النفس منها، خصوصا إذا كانت متقاربة المخارج، بأن النّطق بحروف متقاربة المخارج، يعني الإلحاح على مجموعة معيّنة من العضلات دون سواها، لإخراج أصوات اللفظة المطلوبة،
وهذا يؤدي إلى إحساسها بالتّعب «4».
وإذا كان هذا لا يحصل في كل تقارب، فإنّنا نستطيع القول إن النقد الحديث يعترف بشكل جزئي بنظرة ابن سنان، إلا أنّه يقدّم مقياس الذوق--------------------------------------------
(1) سورة الإسراء، الآية: 17.
(2) سورة المعارج، الآية: 7.
(3) انظر ابن عبد الفتاح، قواعد التجويد، ص/ 41، وابن جني، سرّ صناعة الإعراب:
1/ 56.
(4) ناجي، مجيد عبد الحميد، الأسس النفسية للبلاغة، ص/ 52.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)

السمعي، كما هو الحال عند ابن الأثير، كأن يتلو السّين حرف الشين، وكلاهما مهموس ومخرجهما واحد، فتتعب عضلات النّطق في إخراجهما متتاليين، وهنا يتضح لنا أن الغرابة يقصد بها عدم تآلف السّمع مع أصوات كلمة ما، فينبذ هذا التشكيل.
وإذا عدنا إلى بعض مفردات القرآن الكريم التي ورد فيها حرفان متماثلان مثل السين في الآية السابقة: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ «1» وكلمة «سلككم»، وكلمة «أمم» نجد أن السّين الأولى في «يمسسني» مفتوحة والثانية ساكنة، والكاف الأولى في «سلككم» مفتوحة والثانية مضمومة، والميم الأولى في «أمم» مفتوحة والثانية مضمومة، ونؤكّد السهولة في كلمة «رزقكم» من خلال أن نغمة القاف غير الكاف بالرغم من وجود الضمة على الاثنين.
ويقول إبراهيم أنيس في أهمية الحركات في هذا المقام: «لمعرفة ثقل الحروف في تواليها يجب أن نذكر دائما أن المجاورة بين الحرفين، يجب أن تكون مباشرة، فلا يفصل بينهما بحرف أو بحركة» «2»، وهذا غير موجود في العربية.
لقد كان يجدر بمن تناول هذه الجمالية، وحكّم بعد المخارج في الألفاظ القرآنية وغيرها، أن ينتبه إلى أن اللغة العربية المستعملة، أو كما يقال «الكلام» العربي- وهو الجزء اليومي المستخدم والمنتزع من المخزون اللغوي الكلّي- كان يميل إلى الصّفاء، والبعد عن الوعورة، وهذا ما ورد على ألسنة فصحاء العرب، فكيف إذا تأكدنا من أن كلمات القرآن الكريم انتقائية صوتية مهذّبة من لغات القبائل العربية، وأكثرها من قريش، فقد أخذ القرآن ما كان نافعا، ونبذ ما كان زبدا.
وعلم اللغة الحديث يؤكّد أنّ اللغات جميعها، قلّما تشتمل على أصوات متنافرة، يقول إبراهيم أنيس: «إن اللغات في أحدث صورها تكاد تخلو من المجموعات الصوتية المتنافرة التي تتعثّر في نطقها الألسنة، مثل الكلمات التي--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران، الآية: 47.
(2) أنيس، د. إبراهيم، 1972، موسيقا الشعر، ط/ 4، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة ص/ 28.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)

يصفها علماء البلاغة بتنافر الحروف مجتمعة كالهخع ومئتشزرات» «1».
ثم ما الذي يدعونا إلى تصور قلب كلمة علم وعذب إلى العكس لنجد قبحا لا سبيل الآن إلى وجوده، وذلك ما دمنا قد عرفنا «علم» ولم نعرف «ملع» ويبدو أن هذه الخاصية كانت من دواعي التّرف الذهني والتعلّق بالشكل، كما هي الحال في مسألة طول الكلمات كما سنجد.
لقد استطاع ابن الأثير بما ذكر من أمثلة أن يبطل نظرية ابن سنان، إلا أن الأمر ظلّ يفتقر إلى لمسات الرافعي الذي يبني نظرته على صفات الحروف، وهذا وليد التدبر العميق للكلمات القرآنية، مما يكشف جماليات موسيقية، ولم يعتمد الذوق الشخصي، بل حكّم طبيعة الحروف.
وإن القراءة الدقيقة لآيات القرآن الكريم تؤكد أنّ السهولة نابعة من الانسجام، ولا يقتصر هذا الانسجام على تباعد المخارج، بل هناك الحروف والحركات، وصفات الحروف هي المعوّل عليه هنا، وإن الانسجام يحصل بين تلاقي هذه الصفات، وليس بين مخارجها قبل النّطق بالحرف.
ويبدو أن الذوق الفطري كان عند الجاحظ هو الذي يرفض التنافر، لنبوّ المسموع على الآذان، ولم يخطئ هذا الذّوق الفطري، الذي ارتبط لدى الدارسين بعده بما أفادوه من الثقافة الصوتية السابقة، مثل ما جاء في مقدمة كتاب العين، وبداية سر صناعة الأعراب لابن جني، إذ درس الخليل مخارج الأصوات، وكذلك صنع ابن جني، وراح يشبّه المخارج بالناي، وهذا مما ينظر إليه بإجلال، إلا أن ما أفاده البلاغيون من هذه الدراسات لم يكن لائقا أحيانا.
ونحن نقول هذا مع إقرارنا التام بأن القرآن نفسه كان حافزا قويا على الدراسات الصوتية التي تهدف إلى تجويد نطق القرآن، وإلى حسن أدائه «2».--------------------------------------------
(1) أنيس، د. إبراهيم، 1960، دلالة الألفاظ، ط/ 2، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ص/ 32.
(2) انظر أبو مغلي، د. سميح، 1986، جهود علماء العرب في الأصوات اللغوية، مجلة الفيصل، السعودية، العدد 108، السنة التاسعة، شباط ص/ 33.
وراجع ابن جني، سر صناعة الإعراب: 1/ 50 - 65.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)

‌‌2 - المفردات الطويلة في القرآن
-‌‌ نظرة ابن سنان:
لفت نظر ابن سنان وجود كلمات طويلة، كثيرة الأحرف في الشعر العربي، فراح يتّخذ من طولها مقياسا لقبح المفردات، فاستهجن ما يطول من الكلمات في الشّعر، وهذه الخاصية الفنية جزء من الفصاحة المتعلقة بالنّظم الموسيقى بشكل عام، وهذا الجنوح للتفتيش عن كلمات طوال يبدو أنّه من دواعي التعلق الشّكلي بالمفردات.
والمفردة تتخذ بعدا بصريا في حجم المشهد الذي ترسمه، كما أنها تتّسم بحيّز زمني متعيّن في عدد مقاطعها، وقال برتيليمي: «وقد عرّف أو غسطين الموسيقا بأنها علم الحركة، والحركة تضم الزمن إن هي ضمّت فكرة العدد» «1».
ومن خلال هذا التعريف صار بالإمكان إطلاق اسم «التنسيق الزمني» «2» على هذه الخاصية، من حيث إن عدد المقاطع شبيه بالسلّم الموسيقى.
بدأت تظهر بذور هذه الفكرة لدى ابن سنان الخفاجي الذي خصّص في كتابه «سرّ الفصاحة» بابا لجمال المفردة، وآخر لجمال التركيب، وكأنّما كانت سعة الباب الأول المتعلق بالمفردة تسمح له بدراسة هذه الخاصية الدّالة على ترف ذهني، وهذا طبيعي في كتاب يدرس المفردة، ويقسم جماليتها إلى عشرة أقسام، فلا ضير في وجود قسم لطول الكلمات، تنثر فيه تمحّلات وتعليلات، القرآن الكريم غنيّ عنها، وهو يدرس هذا في مجال الأدب فقط، ورأينا أن ندرسها لاستكمال البحث، ولاكتشاف معالم جمالية فيها.
فالقسم السابع من فصاحة المفردة أن تكون قليلة الأصوات، يقول ابن سنان: «والسابع مما قدّمناه، أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف، فإنّها--------------------------------------------
(1) برتيليمي، جان، بحث في علم الجمال، تر: أنور عبد العزيز، ص/ 353.
(2) ورد هذا المصطلح عند عز الدين إسماعيل في الأسس الجمالية، ص/ 175.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)

متى زادت على الأمثلة المعتادة قبحت، وخرجت من وجوه الفصاحة» «1».

-‌‌ نظرة ابن الأثير:
وإذا كان ابن سنان يعيب طول الكلمات، فإنه لا يرجّح جماله في القرآن، وقد أشار ابن الأثير إلى جمال طول مفردات القرآن كما سنرى، وحدود الجمال لا تظهر عنده بذكر عدد الأحرف في المفردة، بل يستهجن ما جاء في بعض الشّعر، وكأنه يرى أنّ طول النّفس في نطق معنى يسبّب جهدا عضليّا لأعضاء النّطق يصحبه ملل غير خفيّ، والحقّ أنّ سماع كلمات القرآن ينفي هذا.
وإذا استطلعنا بعض الآيات الكريمة وجدنا مفردات ذات أحرف كثيرة، مثل: «نستدرجهم» من قوله عز وجل: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ «2»، و «نلزمكموها» من قوله عز وجل عن عناد قوم نوح عليه السلام ورفضهم للإيمان: أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ «3»، وكذلك قوله: وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ «4»، وكلمة «أسقيناكموه» من قوله تعالى عن المطر: فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ «5» وفي قوله تعالى على لسان فرعون مهدّدا: لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ «6»، وغيرها من الكلمات الطوال، فإنّ هذا يدحض نظرية ابن سنان.
لقد نظر ابن الأثير إلى مثل هذه الكلمات، وراح يفنّد رأي ابن سنان، وعدّها سلاحا ماضيا لنسف رأيه، وتلمّس جمالها في القرآن من خلال ردّها إلى الأصل الثّلاثي، وإذا طبّقنا رأيه قلنا: إن الأصول الثلاثية هي صلب، سكن، سقى، لزم، درج، وهي أصول مجردة، وكذلك بعض الأصول الرباعية، فالمعيار صرفي لا علاقة له بقضية انسجام المقاطع الصوتية، وسهولة نطق الأصوات، وهو يتبع خطا ابن سنان في استهجان الكلمة الطويلة في الشّعر،--------------------------------------------
(1) ابن سنان الخفاجي، سرّ الفصاحة، ص/ 95.
(2) سورة الأعراف، الآية: 182.
(3) سورة هود، الآية: 28.
(4) سورة إبراهيم، الآية: 14.
(5) سورة الحجر، الآية: 22.
(6) سورة الشّعراء، الآية: 49.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)

ولا يرى هذا في القرآن، لذلك يذكر بيت أبي الطيب:
إنّ الكرام بلا كرام منهم … مثل القلوب بلا سويداواتها
«1» ولا يحبّذ كلمة «سويداواتها»، إذ يقول عن ابن سنان: «وقال: إنّ لفظة «سويداواتها» طويلة فلهذا قبحت، وليس الأمر كما ذكره، فإن قبح هذه اللفظة لم يكن بسبب طولها، وإنما لأنّها في نفسها قبيحة، وقد كانت منفردة حسنة، فلمّا جمعت قبحت لا بسبب الطّول، والدّليل على ذلك أنّه ورد في القرآن الكريم ألفاظ طوال، وهي مع ذلك
حسنة كقوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ «2»، فإن هذه اللفظة تسعة أحرف، وكقوله تعالى: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ «3»، فإن هذه اللفظة عشرة أحرف، وكلتاهما حسنة رائعة، ولو كان الطول مما يوجب قبحا لقبحت هاتان اللفظتان، وليس كذلك» «4».
فهو يرفض ما ارتكز عليه ابن سنان في فصاحة المفردة، ويستمدّ هذا الرفض قوّته من وجود طوال الكلمات في القرآن، وهو في بداية كلامه يعبّر عن سمة القبيح بذاته في مفردة أبي الطيّب، مما لا يحتاج إلى سبب، وكشف مزايا، ويعبّر عن الجميل بذاته في جمال طوال الكلمات القرآنية، ولهذا يحاول قدر المستطاع الاستناد إلى معيار به يقبل، وبه يرفض، فيقول: «ألا ترى أنه لو أسقط من لفظة «سويداواتها» الهاء والألف اللتين هما عوض عن الإضافة، لبقي منها ثمانية أحرف، ومع هذا، فإنّها قبيحة، ولفظة «ليستخلفنّهم» عشرة أحرف، وهي أطول منها بحرفين، ومع هذا فإنّها حسنة رائعة، والأصل في هذا الباب ما أذكره، وهو أنّ الأصول من الألفاظ لا تحسن إلا في الثّلاثي، وفي بعض الرباعي، كقولنا: عذب وعسجد، وأما الخماسي فإنه قبيح» «5».
وقد تدارك الأمر فنبذ تقويم الجميل بذاته، والقائم على المثالية الغامضة، وراح يقرّر الجمال الموضوعيّ الذي يتعيّن في نسب المادّة وشكلها، وهذا--------------------------------------------
(1) أبو الطيب، العرف الطيّب، شرح ديوان أبي الطيّب لناصيف اليازجي ط/ 2، دار القلم، بلاتا، بيروت، ص/ 192.
(2) سورة البقرة، الآية: 137.
(3) سورة النّور، الآية: 55.
(4) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 188.
(5) المصدر نفسه: 1/ 188.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)

الجمال الموضوعي- كما نرى- يتّصف بالكمّ، ولا يتّصف بالماهيّة، فعدد الحروف هو المعيار، وليس أنواعها.
ويجب أن نقول: إنّ علاقة القارئ أو السامع بالكلمة كما يجدها، ومن التّعسّف إحالته إلى الأصل، ثلاثيا كان أو رباعيّا، فإنّ هذا لا يعدّ تبريرا لطول النّفس معها، فما شأن القارئ أو السامع بكون الجذر الأصلي للكلمة «خلف»؟، لذلك نرى أنّ موضوعية ابن الأثير غير مقنعة، كما أن سطحيّة ابن سنان مجحفة، وكأنّما الأمر مجرّد كمّ لا كيفية ولا نوعيّة.
ويبدو أن جمال كلمة «ليستخلفنّهم» له وجه آخر يتّضح من وجود السين، والخاء الساكنتين، وهما من حروف الهمس، وهذا هو سرّ فصاحة الكلمة.
وإذا كان ابن الأثير يعوّل في هذا الأمر على جذر الكلمة، ولا يحتكم إلى الذّوق على جاري عادته في كثير من صوتيات القرآن، فإن هذا الاحتكام إلى الذوق المبهم يتكرر لدى يحيى العلوي الذي خصّص صفحات مطوّلة لفصاحة المفردة أيضا، إذ يقول: «والتّعويل في ذلك على الذّوق، فإنّها ربّما كثرت الحروف، وهي خفيفة على اللّسان، كقوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وكقوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ «1».
ومفهوم الخفة يبدو غامضا، وكثيرا ما قرنوه بالعذوبة، لذلك يبقى هذا التفسير بحاجة كبيرة إلى التوضيح، فلا نعرف إن كانت الخفّة في التشكيل الصوتي الكلي للكلمة أو في طبيعة الصوت بمفرده.
ويبدو لنا أنّ قبح كلمة «سويداواتها» ينتج عن ندرة استعمالها في صيغة الجمع، واطراد استعمال المفرد منها «سويداء»، وهذا الاضطرار الموسيقى في إحكام الوزن الشّعري الذي يخلّف كثيرا من الحشو، عادة لا يكون في نسق القرآن الكريم، ويضاف إلى هذا أن تكرار الواو والمدّ معا قد يعطي النّطق مدّا جبريّا، وصعودا شاقّا، فالقبح في الشّكل والمضمون معا.
والجدير بالذكر أنّ الأسلاف لم يلتفتوا إلى دراسة هذه الخاصيّة، ولم--------------------------------------------
(1) العلوي، يحيى، الطّراز: 1/ 110.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)

يعيروها انتباههم، إلّا ما كان من هؤلاء الثلاثة: ابن سنان وابن الأثير ويحيى العلويّ، وباقي أبواب الفصاحة تكاد توجد في كل الكتب التي تبحث في البلاغة.
وسبب ضالة هذه المادة- فيما نرى- هو ضعف الحجّة عند من يتصدّى للبحث فيها، وثمّة سبب آخر فقد تراءى لهم عيب التعلّق الشكلي غير المجدي بهذا الفنّ، وعدم جدواه في البلاغة القرآنية.
وقد كان يجدر بمن درس طول الكلمات القرآنية التي ذكرناها، أن يهتمّ بالدّلالة الصّرفية، وقيمة الاختزان للمعاني الكثيرة في بنية كلمة واحدة، وأن يلتفت إلى تجسيم شكل الكلمة للمعنى المبتغى، فإن لفظة «سنستدرجهم» توحي بطول المدّة مدة عدم انصياعهم، وخصوصا في صيغة «استفعل» ففيها تصيير لهم، وحركة جعلية متمهّلة، وهذا ما يوحي به توالي المقاطع وتعدّدها مما يجسّم طول فترة الغفلة التي يكون فيها الكافرون، وفي هذا المعنى تقول روز غريب: «والألفاظ التي يشبه لفظها معناها: ذات الأصوات الممتدة التي توحي بالطّول والسّعة، والقصيرة التي توحي بالخفّة والسّرعة، وتلك التي بأصواتها تعبّر عن القوة النّشاط، والهدوء أو الخشية والاضطراب، والألم والعياء، أو النّعومة والتّرف» «1».
ونستطيع أن نتلمّس جمال كلمة «أنلزمكموها» بألا نسير وفق نظرة القدامى، فلا نقف عند عدد حروفها، إلّا فيما يتعلّق بالمضمون، ففيها سمة الاختزان، لأن صيغتها تعني
وجود مفعولين، وكأنّما أضمر هذان المفعولان لموافقة نبرة الغضب التي تتطلّب السّرعة، والمفعولان هما الكفّار والآيات، وكذلك يضمر مفعولان في كلمة «فسيكفيكهم» وكأنّ غرابة استعمال الكلمة على هذا الشّكل يمثّل غرابة الموقف الإلهي من البشر، فإنه عز وجل لا يجعل الإيمان فعلا قسريا كالتّنفّس والنّوم، مما ينفي إرادة البشر، ويحطّ من كرامتهم، ومن ثمّ يبطل الثّواب، إذ لا ثواب على فعل التّنفّس مثلا، ويكون للتنفس والنوم ثواب إذا قصد بهما مواصلة العبادة، ومن هذا ثواب الطعام الذي يقصد به التقوّي على إقامة العبادة والنّسك الربانية. فالإيمان محض اختيار،--------------------------------------------
(1) غريب، روز، النقد الجمالي، ص/ 91.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)

لأنه أرقى من سائر التصرّفات البشرية.
ولو أنهم ردّوا جمالية كلمة «ليستخلفنّهم» إلى أمر التوكيد باللام والنون، وسمة الهيمنة النابعة من الضّغط على السين والخاء لكان أجدى، وكذلك فإن هناك وقوفا على حرف شديد، وهو الميم، وكذلك زيادة التوكيد الدالّ على التعجرف والثّقة العمياء بالنّفس في صيغة كلمة «لأصلّبنّكم»، والتوكيد باللام ونون التوكيد معا.
لقد فسّرنا ضآلة عدد الدارسين القدامى في هذا المجال بظهور التعلّق الشّكلي، وضعف الحجّة، وهذا ينطبق على الدراسات الأدبية الحديثة للقرآن، فلم يذكر طول الكلمات إلا الرّافعي، وهو لا يسفّه رأي سابقيه، ولا يدلّل على عدم جدوى هذا البحث، بل يقدّم تبريرا آخر لم ينتبه إليه السابقون.
وكأنّ سكوت القدامى عن الدلائل المضمونية لطول الكلمات جعل مفتاحا لنظرة الرافعي الصوتية إلى هذا الأمر، إلّا أنّ هذه النظرة لا تتّسم بالغموض وإطلاق عبارات مثل الخفّة والرّشاقة، وإن كانت واضحة الدّلالة لدى معاصريهم، بل تتّسم بموضوعية واضحة جليّة المعالم.
يقول الرافعي: «وقد وردت في القرآن ألفاظ هي أطول الكلام عدد حروف ومقاطع مما يكون مستثقلا بطبيعة وضعه أو تركيبه … إذ تراه قد هيّأ لها أسبابا عجيبة من تكرار الحروف وتنوّع الحركات، فلم يجرها في نظمه إلا وقد وجد ذلك فيها، كقوله: «ليستخلفنّهم في الأرض» «1»، فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف، وقد جاءت عذوبتها من تنوّع مخارج الحروف، ومن نظم حركاتها، فإنّها بذلك صارت في النّطق كأنّها أربع كلمات، إذ تنطق على أربعة مقاطع، وقوله: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ «2»، فإنها كلمة من تسعة أحرف، وهي ثلاثة مقاطع، وقد تكرّرت فيها الياء والكاف، وتوسّط بين الكافين هذا المدّ الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلّها» «3».--------------------------------------------
(1) سورة النّور، الآية: 55.
(2) سورة البقرة، الآية: 137.
(3) الرافعي، مصطفى صادق، إعجاز القرآن، ص/ 229.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)

ومما يسترعي الانتباه، ويؤكّد عدم اهتمام الدارسين بهذا الأمر أنّ ابن الأثير ثم يحيى العلويّ، وأخيرا الرافعيّ لم يذكروا غير هذين الشاهدين، أحدهما بعشرة أحرف، والثاني بتسعة أحرف، مع أن الكلمات ذات الأحرف العشرة، كثيرة في القرآن، وقد ذكرنا بعضا منها قبل قليل.
ومن المعروف أن المفسّرين اهتموا بجلاء المعاني، وما يتضمّنه من التصوير بفروعه لتوصيل المعنى، فكانت نظراتهم منصبّة في مضمون المفردة أكثر من شكلها.
ومما ينوّه به هنا أنّ المقطع الأول من كلمة «فسيكفيكهم» طويل إلّا أنّه يتمتّع بتوالي الفتحات، ومع الفتحة تنفرج الشّفتان مما جعل نطق الكلمة سهلا، ولو أن الرافعي استشهد بكلمة «أسقيناكموه» لوقع على كلمة ذات أربع مقاطع أيضا.
ويؤخذ عليه أنّه لا يقدّم تحليلا صوتيا يسير فيه بدقّة مع القارئ، ليفسّر له عملية نطق المقاطع، فكلامه لا يشرح في ضوء العلم، ليكون ثابتا بعيدا عن الذّوق المبهم، ويكفيه فخرا هذا التّغلغل في استنتاج أهمية المخارج، وخفّة المقاطع، بدلا من الوقوف عند العدد، فكأنما المدّ لم يضف فصاحة على مفردة أبي الطيب المتنبي، لتقارب مخارج الواو والياء والألف، فهي حروف ليّنة، وليست العذوبة في توالي الحروف الرّخوة، فهذا بعيد عن فنّ البيان القرآني الذي يهتم بالانسجام، فقوّة حروف «لأصلّبنّكم» ملائمة للمعنى، وسهلة النّطق.
والرافعي يوافق ابن الأثير الذي اتّخذ الأصول الثلاثية والرباعية مقياسا لجمال المفردة الطويلة، ولكنه لا يكتفي بهذا فهو يقول: «وهذا إنّما هو الألفاظ المركّبة التي ترجع عند تجريدها من المزيدات إلى الأصول الثّلاثية أو الرّباعية، أما أن تكون اللفظة خماسيّة الأصول، فهذا لم يرد منه في القرآن شيء، لأنّه مما لا وجه للعذوبة فيه، إلّا ما كان من اسم عرّب، ولم يكن في الأصل عربيا، كإبراهيم وإسماعيل وطالوت وجالوت، ونحوها، ولا يجيء به

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)