Arabic source text

📘 জামালিয়াতুল মুফরাদাহ আল-কুরআনিয়্যাহ (আহমদ ইয়াসুফ)

📘 جماليات المفردة القرآنية (أحمد ياسوف)

📘 জামালিয়াতুল মুফরাদাহ আল-কুরআনিয়্যাহ (আহমদ ইয়াসুফ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
والحديث عن الفاصلة قديم قدم الدراسات الأدبية للقرآن، فقد أكّد الرماني في تعريفه الأدبي للفاصلة سموّها واختلافها عن الأسجاع، وقال: «الفواصل حروف متشابكة في المقاطع، توجب حسن إفهام المعاني، والفواصل بلاغة، والأسجاع عيب، ذلك لأن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها» «1».
والرماني يرى أن التعلق الشكلي المتعيّن في مماثلة الأصوات في الرّويّ يدعو إلى التكلّف المستهجن، وهذا مستفاد من أصل تسمية الأسجاع، فسجع الحمام يعني ترديد الصوت نفسه، وكذلك السّجع في فنّ النثر، وكأنّ الرماني يلمّح إلى وجود فواصل متقاربة الروي في القرآن، فبناء الفواصل ينطوي غالبا على المغايرة والتنويع، مراعاة
للمعاني، وهذه الفضيلة تبعد السّجع عن أسلوب القرآن.
ومن الذين تحمّسوا قديما لقضية نفي السجع أبو بكر الباقلاني، وهو يقوم بهذا الردّ جاهدا في ربط المفردة الأخيرة من الآية بسياق المعنى الكلي، يقول:
«ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز، ولو جاز أن يقال: هو سجع معجز، لجاز لهم أن يقولوا:
شعر معجز، وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجّة من نفي الشعر، لأن الكهانة تنافي النّبوّات، وليس كذلك الشعر» «2».
فهو بعد هذا الرد المنطقي يذكر شواهد من مثل تقديم موسى على هارون في موضع، وهارون على موسى في موضع آخر.
ونقف عند نقطتين في عبارة الباقلاني، الأولى: أن كلامه يوحي بأن جميع القرآن متّهم بالسجع، وإذا كان السجع مماثلة في الرويّ، فقد وقع في القليل منه، وإذ استقلّت الفواصل المتماثلة بإحدى عشرة من السّور القصار وهي: القمر والقدر والعصر والكوثر والأعلى، والليل والشمس والمنافقون والفيل والإخلاص والنّاس.--------------------------------------------
(1) الرماني، علي بن عيسى، ثلاث رسائل في الإعجاز، ص/ 89.
(2) الباقلّاني، أبو بكر، محمد بن الطيب، إعجاز القرآن، ص/ 86.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)

أما مقارنة البيان القرآني بالشعر فهي بعيدة عن التحقيق، لأن قيود القافية والوزن أبعد ما تكون عن نظم القرآن.
والنقطة الثانية: خروج القرآن عن أساليب كلام العرب، وقد دأب دارسو الإعجاز يعلّلون الصور والمجازات بقولهم: كانت العرب تقول كذا، وربما كان هذا زائدا عن حدّه أحيانا.
ولقد توسّم ابن سنان غاية الفصاحة في وجود بعض المماثلة في الكلام، فلا يكون كلّه مسجوعا، يقول: «إن القرآن أنزل بلغة العرب، وعلى عرفهم وعادتهم، وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كلّه مسجوعا، لما في ذلك من أمارات التكلّف والاستكراه والتصنّع، ولا سيّما فيما يطول من الكلام» «1».
ويستفاد هنا من كلام ابن سنان أن المواضيع القرآنية هي التي تتحكم في وجود السجع أو قرب السجعة أو بعدها، وهذا جليّ في أسلوب القرآن، فالسور المدينة تحتاج أفكارها إلى التفصيل، مثل آية الدّين، وآية الحجاب، وآيات التّوريث، فهذا يحتاج إلى دقّة تشريعية، وكذلك الأمر في العتاب والأخلاق وأمور الفقه كافة، وهذا يختلف عن أسلوب السور المكية القصار التي شملت مواضيعها الترهيب والترغيب وقضايا التوحيد، ووصف الجنة والنار، وكانت نبرة الغضب والزجر لا تتطلب النّفس الطويل، فتأتي الفاصلة بسرعة، وكأن المشهد قذيفة في إثر قذيفة، كما أنّ القصص يختلف أسلوب سردها بين السّور المكية وبين السّور المدنية، وعلى الرغم من هذا لم تتماثل الفواصل تمام التماثل غالبا، وذلك لأغراض فنية عميقة.
ومن خلال هؤلاء الأعلام نستنتج تواتر التحرّج من مسّ القرآن باصطلاح «السّجع»، لأصله اللغوي في صوت الحمام، ولعيوبه الكثيرة التي لمسوها عند الخطباء المتقعّرين، وبعض المؤلفين في العصر العباسي، وانزاحت هذه الصورة من أذهانهم مع تقدم الزمن، لذلك رأينا السماحة في قبول مصطلح السجع، على أن سجع القرآن سجع محمود لا تكلّف فيه.--------------------------------------------
(1) ابن سنان الخفاجي، عبد الله بن محمد، سرّ الفصاحة، ص/ 205.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)

وتكمن مشكلة التسمية إذن في رغبتهم في تنزيه القرآن، وإلى هذا توصّل السيوطي فقال: «وأظنّ أن الذي دعاهم إلى تسمية جلّ ما في القرآن فواصل، ولم يسمّوا ما تماثلت حروفه سجعا رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المرويّ عن الكهنة، وهذا غرض في التسمية قريب» «1».
والمشكلة ليست في الاسم، بل في تبعيّة الشكل للمضمون في الفاصلة، وقد ذهب الفراء «2» في تفسيره «معاني القرآن» إلى القول بسجع القرآن، ورأى أن ليس من المعيب الحرص على الرنّة الموسيقية، ودعم رأيه بشواهد من السّور القصار، فرأى أن الغاية الموسيقية هي التي تتحكم في صيغة الفاصلة، فلا بأس أن يوجد الحذف، أو إفراد المثنّى، أو جمع المفرد، وغيرها من الأحكام.
فقد رأى في سورة الضحى أن السجع هو علّة الحذف في قوله تعالى:
ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى «3»، فأصل الكلام عنده: «ما ودّعك ربّك وما قلاك» فهو يقول: «يريد ما قلاك، فألقيت الكاف، كما تقول أعطيك وأحسنت، فهو يقول: «يريد ما قلاك، فألقيت الكاف، كما تقول أعطيك وأحسنت، ومعناه أحسنت إليك، فتكتفي بالكاف من إعادة الأخرى، ولأن رءوس الآيات بالياء، فاجتمع فيه ذلك» «4».
فالسبب الأول هو أن البلاغة الرفيعة على هذا المنوال، والسبب الثاني مراعاة رويّ الفواصل الأخرى، فلا يكتفي بناحية الشكل كما نرى، بيد أننا بينا في مكان سابق كيف توسّمت عائشة عبد الرحمن التهذيب في حذف--------------------------------------------
(1) السيوطي، جلال الدين، الإتقان: 2/ 213.
(2) هو يحيى بن زياد الدّيلمي أبو زكرياء، نحوي، كان أبرع النحويين في الكوفة عاصر هارون الرشيد، ووضع كتابه «معاني القرآن» تلبية لأسئلة الأمراء عن التفسير، توفي في طريقه إلى مكة سنة 207 هـ، من كتبه «المذكر والمؤنث» و «الفاخر» و «الممدود والمقصور»، انظر طبقات النحويين واللغويين للزّبيدي، ص/ 143.
(3) سورة الضّحى، الآية: 3.
(4) الفراء، يحيى بن زياد، 1972، معاني القرآن، تح: د. عبد الفتاح إسماعيل شلبي، ط/ 1، الهيئة المصرية العامة للكتاب: 3/ 271.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)

الكاف، ولم تحتكم إلى عادة الاستعمال اللغوي هنا.
ومن شواهده على أنّ المضمون مسخّر لأجل الشكل قوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى «1»، يقول: «يراد به فأغناك وآواك فجرى على طرح الكاف، لمشاكلة رءوس الآيات، ولأن المعنى معروف» «2».
وهو لا يوضّح هنا تعاضد الشكل والمضمون، كما أنه لا يشير إلى جمال هذا التنغيم الذي هو علّة الحذف، ولا يعطيه حقّه من التّبيان والتعليل، وكأنه يريد أن يرجّح العلة الشكلية فحسب.
لم يكن الفراء وحده آخذا بهذا الرأي، وجاهدا في الدفاع عن سبب الشكل في الحذف في مثل هذه الكلمات، فهناك النيسابوري، والفخر الرازي «3».
وقال السيوطي: «ألّف الشيخ شمس الدين بن الصّائغ الحنفي كتابا سماه «إحكام الرأي في أحكام الآي» قال فيه: اعلم أن المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول» «4»، ومن هذه الأحكام صرف ما لا ينصرف، وحذف المفعول، وغير هذا.
ويرى أحمد حسن الزيات أن «وجود الازدواج والسجع في القرآن الكريم في حالة تجوز لبعض الصيغ والألفاظ، ما يقطع بلزومه في البيان العربي، فأعجاز النخل مرة «خاوية»، ومرة «منقعر» «5».
ومن الحيف أن يكتب هذا في مستهل القرن العشرين، وقد مضت قرون على نظرة الفراء، وجهد القدامى في تأكيد تمكّن الفاصلة، واستقلال كلّ صيغة بمعنى، ويعدّ ما ذكروه دراسات جمّة تردّ على الفراء بأن تمكّن الفاصلة بعيد--------------------------------------------
(1) سورة الضّحى، الآية: 6.
(2) الفراء، يحيى بن زياد، معاني القرآن: 3/ 274.
(3) انظر عبد الرحمن، د. عائشة، الاعجاز البياني للقرآن، ص/ 249.
(4) السيوطي، جلال الدين، الاتقان: 2/ 214، وانظر السيوطي، معترك الأقران:
1/ 32. ولم أجد تعريفا بهذا الكتاب في كشف الظنون وذيله، ويعرف ابن الصائغ في حاشية مقبلة.
(5) الزيات، أحمد حسن، دفاع عن البلاغة، ص/ 47.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)

عن مجرّد المناسبة اللفظية.
وقد كانت حجّة الزيات أن الله عز وجل يقول في سورة القمر: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ «1»، وفي سورة الحاقة يقول: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ «2»، والمقصود بهذا التشبيه واحد، يقول المبرّد في مخطوطة المذكر والمؤنث: «ليس في إحدى الآيتين رعاية للفاصلة، وما أغنى القرآن عن رعايتها لو أدخلت على المعنى، وإنما قصد جنس النخل في التذكير، وأريدت جماعته في التأنيث، وبكلتا الصيغتين نطقت العرب، وعلى كلتيهما بنت تصرّفها في الكلام» «3».
هذا من جهة التذكير والتأنيث أما اختلاف نعت أعجاز النخل مرة خاوية ومرة «منقعر» فإننا نجد أن كلمة «خاوية» معناها ساقطة، وقد ناسبت هذه الفاصلة ما قبلها دون «منقعر» في هذا المقام، لأن القوم صرعى ألقت بهم الريح العاتية على الأرض، كما ألقت بأركان بيوت القرية في قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها «4»، فهنا يقصد مجرد السقوط، وعند ما قصد البيان الإلهي خفّتهم أمام قوة الريح ذكر كلمة «منقعر»، وفي هذا يتضح التمكن في أقصى غاياته.
ونحسّ في تفصيلات الزمخشري دفع تهمة السجع، وذلك من خلال نظرية النظم، وهو يصرح بهذا قائلا: «لا تحسن المحافظة على الفواصل لمجردها إلّا مع بقاء المعنى على سردها على المنهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه .. وبني على ذلك أن التقديم في وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ «5»، ليس لمجرد الفاصلة، بل لرعاية الاختصاص» «6».
فهو يثبت أن التقديم كان لأهمية ما يوقن به المرء في الدرجة الأولى، ويأتي--------------------------------------------
(1) سورة القمر، الآية: 20.
(2) سورة الحاقّة، الآية: 7.
(3) الصالح، د. صبحي، دراسات في فقه اللغة، ص/ 87.
(4) سورة البقرة، الآية: 259.
(5) سورة البقرة، الآية: 4.
(6) الزمخشري، محمود بن عمر الكشاف: 1/ 137.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)

ترنيم الواو والنون في الدرجة الثانية.
والمحدثون لم يميلوا إلى جانب سيطرة الشكل على المضمون، فهم يعترفون برنة الفاصلة من حيث هي قرار موح، وترجيع رائع، ولكن هذا مرتبط أشدّ الارتباط بالمعنى، فأحمد بدوي يقول: «فإنك لتجد أن الفاصلة القرآنية كالقافية الشعرية، وتزيد الفاصلة على نظيرتها بشحنة المعنى، ووفرة النّغم، والسعة في الحركة» «1».
وقد حاولت عائشة عبد الرحمن جاهدة الردّ على الفراء الذي قال بعلّة السجع في وجود الفاصلة، وكان اختيارها لتفسير قصار السور مناسبا، لأن الفراء فسّر مقولته بشواهد من السّور القصار.
ومعيارها الاستخدام الصحيح للغة، والأسلوب الخاص للبيان القرآني من خلال اطّراد صيغ ما، فلا يوجد إسقاط نفسي يدعو إلى الأخذ به، أو إلى رفضه، بل اللغة الصحيحة التي تعلّمنا الفروق الدقيقة هي المتحكم، وفي كل وقفة لها نقع على احتراز من توهم المراعاة الشكلية للفواصل.
وتقول في الآية الكريمة: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ «2»: «لم يعدل فيها عن الكريم إلى الأكرم لمجرد رعاية الفاصلة، ولا قصد بها المفاضلة بين أكرم وكريم، على ما تأوّله المفسّرون، فالغاية من صيغة أفعل هي أبعد ما يكون من التصوير».
وهذا ما تراه أيضا في اسم الأعلى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «3»، تقول:
«وإنّما القصد المضيّ بالعلوّ إلى نهايته القصوى بغير حدود ولا قيود» «4».
وهي تنظر في صيغة الفاصلة، وتبحث عن نظائرها محافظة على أسلوبها الشمولي، ففي الآية: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى «5» تقول: «واستعمال العسرى--------------------------------------------
(1) بدوي، د. أحمد، من بلاغة القرآن، ص/ 89.
(2) سورة العلق، الآية: 3.
(3) سورة الأعلى، الآية: 1.
(4) عبد الرحمن، د. عائشة، البيان في الإعجاز، ص/ 253.
(5) سورة الليل، الآية: 7.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)

كاستعمال اليسرى ليس ملحوظا فيه المصدرية كالعسر واليسر، وإنما الملحوظ فيها بصيغة فعلى أقصى اليسر، وأشدّ العسر، أو هما اليسر الذي لا يسر مثله، والعسر الذي ما بعده عسر، ونظيرهما في القرآن الكريم من غير المادة:
«البطشة الكبرى والنّار الكبرى» «1».
فقرين هذا في الآية الكريمة: وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى «2» وقوله عز وجل: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى «3».
والجدير بالذكر أن صيغة الكبرى لم ترد إلا مسندة إلى آيات الله، وفي وصف القيامة، وهذا يحقق غاية الفاعلية، ليظلّ التفكير يحوم حول مدى قدرة الله المطلقة.
وفي تفسيره سورة الهمزة تذكّر بالاستعمال الصحيح الذي تعدّه سلاحا في رفض القول بالسجع، قال تعالى: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ «4».
وهي لا ترى في الأفئدة معنى عضويا إذ تقول: «إذن يكون إيثار الأفئدة هنا لا لنسق الفاصلة فحسب، ولكنه كذلك لتخليص الأفئدة من حسّ العضويّة التي تدخل على دلالة لفظ القلوب فيما ألف العرب من لغتهم، ولا نزال نستعمل القلب بمعناه العضويّ، ولا نستعمل الفؤاد بهذا المعنى قطّ» «5».
وهي قلّما تسهب في بسط الجوانب النفسية، إذ تكتفي غالبا بذكر التمكن اللغوي، إلا أن أسلوبها يوحي بمجاوزة البعد اللغوي، لأجل تبيين المقدرة التصويرية من خلال الفروق، فهي لا تعلّق مثلا على أهمية الأفئدة لا القلوب بشكل واضح، مما يفسّر العذاب الذي ينال النّفس.
وبعد هذا لا بدّ من الإشارة إلى أن الدراسين لم ينكروا مراعاة الفواصل--------------------------------------------
(1) عبد الرحمن، د. عائشة، التفسير البياني: 2/ 111.
(2) سورة الأعلى، الآيتان: 11 - 12.
(3) سورة الدخان، الآية: 16.
(4) سورة الهمزة، الآيتان 6 - 7.
(5) عبد الرحمن، د. عائشة، التفسير البياني: 2/ 181.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)

تماما خصوصا إذا أمعنّا النظر في سياق كلامهم، فنجد عبارة «لمجرد مراعاة الفواصل»، فهم على يقين بانسجام الشكل والمضمون، إلا أنهم يقدّمون المضمون على الشكل.

-‌‌ مناسبة الفاصلة لما قبلها:
غايتنا هنا البحث عن العلائق المعنوية التي تربط مفردة الفاصلة بما يسبقها من كلام، وهذا ما يمكن أن يسمى مراعاة النظير، فتكون المفردة تتويجا لما يسبقها، بحيث تناسب فحوى المعنى الوارد.
لقد بذل الخطيب الإسكافي جهدا كبيرا في المتشابهات في اللفظ، وذلك في كتابه «درّة التنزيل» الذي عني فيه بالآيات المتشابهات، قال تعالى: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ «1».
ففي تذييل الآية الأولى نجد كلمة الفاصلة «يتفكّرون» وفي تذييل الثانية كلمة «يعقلون» وفي تذييل الآية الثالثة «يذّكّرون»، يقول الخطيب الإسكافي في هذا التنوع: «إن التفكير إعمال النظر، لتطلّب فائدة، وهذه المخلوقات التي تنجم من الأرض إذا فكّر فيها علم أن معظمها ليس إلا للأكل .. فهذا موضع تفكّر بعث الناس عليه، ليفضي بهم إلى المطلوب منهم، وأما تعقيب ذكر الليل والنهار، وما سخّر في الهواء من الأنواء بقوله لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فلأن متدبّر ذلك أعلى رتبة من متدبّر ما تقدم، إذ كانت المنافع المجعولة فيها أخفى وأغمض ..
وأما الآية الثالثة وهي لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ فلأنه لما نبّه في الأوّلين على إثبات الصانع، نبّه في الثالثة على أنه لا شبه له مما صنع» «2».
لقد دلّ على تماسك كلمات القرآن، وربط معنى الفاصلة بالآية، بل إنه دلّ على ارتباط «يذكرون» بتنزيه الخالق كما ورد في أول السورة: سُبْحانَهُ--------------------------------------------
(1) سورة النّحل، الآيات: 11 - 13، ذرأ: خلق.
(2) الإسكافي، محمد بن عبد الله، درّة التنزيل وغرّة التأويل، ص/ 258 - 259.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)

وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ «1».
ونظير هذا ما ورد عند تملّي الزمخشري جمال آيات سورة الأنعام، فهو يقول عند الآية: قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ «2»، وعند الآية التي تتلوها قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ «3»: «فإن قلت: لم قيل: «يعملون» مع ذكر النجوم، و «يفقهون» مع ذكر إنشاء بني آدم؟ قلت: كان إنشاء الإنس من نفس واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدقّ صنعة وتدبيرا، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقا له» «4».
ومن هذا جاءت تسمية تفاصيل التشريع الإسلامي فقها، لأنه يعتمد الفهم لدقائق الأمور، مما يحتاج إلى دقّة وفهم واسع، كذلك فقه اللغة، والزمخشري لا يتعرض هنا للجانب الموسيقى، فكلا الفاصلتين على الواو والنون، وهو الأكثر في القرآن.
يضع ابن أبي الإصبع أمثال هذه الشواهد تحت عناوين متعددة هي التوشيح، أي دلالة أول الكلام على آخره، والتصدير الذي هو في الشعر ائتلاف القافية مع سائر كلمات البيت، والإيغال الذي هو تتميم المعنى، وما قد ذكره الزمخشري نجده تحت عنوان «التخيّر» فالتذييل ينتهي بقوله تعالى: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ «5» وهو يقول: «إن نفس الإنسان وتدبّر خلق الحيوان أقرب إليه من الأول، وتفكّره في ذلك مما يزيده يقينا في معتقده الأول، وكذلك معرفة جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار، وإنزال الرزق من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح تقتضي رجاحة العقل ورصانته» «6».
وقد امتاز الخطيب الإسكافي والزمخشري بصفاء الذّهن والترفّع عن التعلّق--------------------------------------------
(1) سورة النّحل، الآية: 1.
(2) سورة الأنعام، الآية: 97.
(3) سورة الأنعام، الآية: 98.
(4) الزمخشري، محمود بن عمر، الكشّاف: 2/ 39، وانظر تفسير أبي المسعود:
3/ 166.
(5) سورة الروم، الآية: 24.
(6) ابن أبي الإصبع، تحرير التحبير، ص/ 528.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)

بالمصطلحات والتفريعات، كما صنع ابن أبي الإصبع، إذ كان يردّد الشواهد نفسها تحت عنوان آخر، على الرغم من إدراكه جمالية تماسك آيات القرآن.
وهو يستشهد للتّصدير ببعض الآيات، ومن شواهده قوله تعالى: قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا، إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ «1» ..
ويعلق على هذا التذليل قائلا: «إنّ هذه الآية الكريمة لما تقدم فيها ذكر العبادة والتصرف في الأموال، كان ذلك تمهيدا تاما لذكر الحلم والرّشد، لأن الحلم: العقل الذي يصحّ به التكليف، الرّشد حسن التصرف في الأموال» «2».
إنه يستعين بما يعرف في الشرع عن التكليف، وحقّ التصرف في الأموال، ويمكن أن يضاف هنا بعد التهكّم في الكلمتين.
ويستشهد للتّوشيح بقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ، فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ «3»، ويعرّفه قائلا: «سمّي هذا الباب توشيحا، لكون أوّل الكلام يدلّ على لفظ آخره، فيتنزّل المعنى منزلة الوشاح، ويتنزّل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح» «4».
ونحن لا نرى هذا الفرق الذي يحدو به على تخصيص مكان للتوشيح، وآخر للتّصدير، فكلاهما يعني العلاقة القوية بين الأوّل والآخر، وكان يكفي الحديث عن التمكن من غير هذه التفريعات، إلا أن هذه التفريعات لا يخلو مضمونها من نظر ثاقب وتذوق رفيع مبدع.
ويتبع السيوطي خطا ابن أبي الإصبع، وينقل رأيه قائلا: لا تخرج فواصل القرآن عن أحد أربعة أشياء: التمكين والتصدير والتوشيح والإيغال» «5».
ثم ينقل شواهده مع اختصار التّعليق الفني، وبعد هذا يذكر ما يحصل من--------------------------------------------
(1) سورة هود، الآية: 87.
(2) ابن أبي الإصبع، تحرير الحبير، ص/ 224.
(3) سورة يس، الآية: 37.
(4) ابن أبي الإصبع، تحرير التحبير، ص/ 228.
(5) السيوطي، جلال الدين، معترك الأقران: 1/ 23.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)

تقديم وتأخير وغيره لمراعاة الفاصلة، وينقل أحكام ابن الصّائغ «1» من كتابه «إحكام الرأي في أحكام الآي» «2»، وكأنّ الأصل ليس على ما جاءت عليه الفواصل، إنما خولفت الأصول التي يريدها ابن الصائغ لأجل مراعاة لفظية.
وعند أبي السعود نجد تعدّدا لا يدل على تناقض، فهو يضيف إلى أهمية النظم- كما رأيناها عند الزمخشري تتخذ الأولوية- مراعاة الفواصل، ومن هذا ما جاء في تفسيره للآية الكريمة: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ «3» فهو يقول: والتقديم لمزيد الاهتمام والمسارعة إلى تحقيق مدار الإنكار والاستبعاد، والمحافظة على الفواصل» «4».
والمحدثون لم يخصّصوا فصلا في أسفارهم لتمكّن الفاصلة، واحتوائها لمعناها صنيع القدامى، فذلك نجده منثورا في صفحات جمال اللفظة القرآنية بشكل كلي.
ولهذا يلفت الدارس نظرنا إلى جمال المفردة، فنجد أن هذا الجمال يشمل فصولا متعدّدة من بحثنا، ولا ريب في أنّ المفردة القرآنية تتّسم بتعدّد جوانب جمالها، فهناك الصوت الموسيقى، وهناك الإيجاز والتهذيب، ومناسبة المقام وإحكام الصورة، وغير هذا.
وقد خصصت عائشة عبد الرحمن جانبا لتمكّن الفاصلة، كما وجدنا سابقا، وكذلك في الفصل الأول، وسائر الدارسين المحدثين لم يبخلوا بعطائهم في إثبات تمكّنها وجمالها، لكنّهم ينظرون إليها على أنها مفردة، ولذلك مرّت بنا فواصل كثيرة في فقرات سابقة.--------------------------------------------
(1) هو محمد بن عبد الرحمن، شمس الدين الحنفي من أدباء مصر، درس بالجامع الطولوني، وولي في آخر عمره قضاء العسكر ودار الإفتاء توفي سنة 776 هـ، ومن كتبه «الغمر على الكنز» في فقه الحنفية»، و «المنهج القويم في فوائد تتعلق بالقرآن العظيم» و «المباني في المعاني» انظر الأعلام: 7/ 66.
(2) السيوطي، جلال الدين، الاتقان: 2/ 214، وانظر السيوطي، معترك الأقران:
1/ 32.
(3) سورة الأنعام، الآية: 1.
(4) أبو السعود العمادي، محمد بن محمد، إرشاد العقل السليم: 3/ 105.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)

ونورد هنا ما قاله حفني محمد شرف الذي سار على نهج القدامى، فقد جاء في كتابه: «ومن دقّة اختيار ألفاظ القرآن، والتمييز بين معانيها ما نجده في التفرقة في الاستعمال بين لفظ «يعلمون» و «يشعرون»، وقد كثر دورانهما في القرآن، فنجد أنه في الأمور التي يرجع إلى العقل وحده في الفصل فيها يستعمل كلمة «يعلمون»، لأنها صاحبة الحق في التعبير عنها، وأما الأمور التي يكون للحواس مدخل في شأنها فيستعمل كلمة «يشعرون» «1».
وإذا تلمسنا ورود كلمة «يشعرون» مثلا نجد أنها أعلق بحاستي السمع والبصر، كقوله عز وجل: فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ «2»، ولا شكّ أن التتبّع الدقيق والتفسير القويم يوصلانا إلى نتيجة تطابق ما ذكره شرف.
وهذه النظرة تتكئ على ما ذكره القدامى، بيد أنّ الباحث ينظر إلى القرآن كلّه، وقد ظلّ الزمخشري مثلا يقتصر على الآية التي يفسرها، ولا يصل بنا إلى النظام القرآني الكلي، إلا أنه لا جديد إزاء ما بذل القدامى من جهد في هذا الشّأن.

-‌‌ انفراد الفاصلة بمعنى جديد:
ثمّة فواصل تحسبها النظرة السطحية زائدة عن المعنى، وأنّها أضيفت لأجل النّسق الموسيقى، وقد لفت بعض المحدثين الأنظار إلى مثل هذه الفواصل، وما تضيئه في النص، وحجم فاعليتها في التأثير، ولم تكن هذه السّمة بعيدة عن تذوّق القدامى، فقد سمّاها ابن أبي الإصبع إيغالا، ومن شواهده قوله تعالى: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ «3»، وقد قال: «فإن قيل: فما معنى «مدبرين»؟ وقد أغنى عنها قوله: «إِذا وَلَّوْا» قلت:
لا يغني عنها قوله: «ولّوا»، فإن التولّي قد يكون بجانب دون جانب، وبدليل--------------------------------------------
(1) شرف، د. حفني محمد، الإعجاز البياني بين النظرية والتطبيق، ص/ 224.
(2) سورة الزّمر، الآية: 25.
(3) سورة النّمل، الآية: 80.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)

قوله تعالى: أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ «1»، أراد تتميم المعنى بذكر تولّيهم في حال الخطاب، لينفي عنهم الفهم الذي يحصل من الإشارة، فإن الأصمّ يفهم بالإشارة ما يفهمه السّميع بالعبارة، ثم اعلم أن التولّي قد يكون بجانب من المتولّي، فيجوز أن يلحظ بالجانب الذي لم يتولّ به» «2».
وكأن عنوان هذا الفن يوحي بأن البيان القرآني يوغل في المعنى، وفي رسم المشاهد حتى يكون التصوير واضحا للعيان، ومؤثّرا بشكل أقوى.
والشواهد التي قدّمها ابن أبي الإصبع تميل إلى المعيار اللغوي دائما، ولهذا لم يكن منه تخيّل للإيحاءات النفسية التي تضيفها الفاصلة الموغلة، وهذا نستشفّه في تفسير أبي السّعود الذي سار على خطا الزمخشري، ففي تفسيره للآية: يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ «3» يقول: «والجلود عطف على «ما» وتأخيره عنه إما لمراعاة الفواصل، أو للإشعار بغاية شدّة الحرارة، بإيهام أنّ تأثيرها في الباطن أقدم من تأثيرها في الظاهر، مع أن ملابستها على العكس» «4».
فهو لا يسمّي هذا الفنّ، ولا يذكر شواهد شعرية شأن ابن أبي الإصبع، وهذه طبيعة كتب التفسير البياني المختلفة عن طبيعة كتب الإعجاز والبلاغة، ولكن يؤخذ عليه هنا تعدّد في الرأي، فرأيه بين مراعاة الفواصل، وأهمية معنى الجلود.
ولا شك أن كلمة الجلود هنا تنمّ على الإحساس بالنار التي تصهر، وهي كذلك توحي بالفروج، وما يتصل بها من زنى وقبائح، وأنّ الوقوف عليها يبعث في روع المرء رهبة، وقد تبيّن في العلم الحديث أنّ الجلد مستقل بمراكز إحساس، ولا يتلقّى الإحساس من الباطن.
لقد وردت في القرآن فواصل يظنّ أنها زائدة، وفائدتها تكمن في إحكام--------------------------------------------
(1) سورة الإسراء، الآية: 83.
(2) ابن أبي الإصبع، تحرير التحبير، ص/ 234.
(3) سورة الحجّ، الآية: 20.
(4) أبو السّعود العماديّ، محمد بن محمد، إرشاد العقل السليم: 6/ 101.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)

الصورة الفنية، وهذا ليس ببعيد عن معنى الإيغال الذي ذكره لنا ابن أبي الإصبع.
وهذه الفاصلة تقع من جهة الإعراب صفة للكلمة التي تكون قبلها، فتعطيها إيغالا، وزيادة تأثير، ومن هذا قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ «1»، فإنّ هذه الفاصلة أضافت إلى غباء الحمر ضعفها، فهي تهرب من اللّيث، وهذا يصوّر مقدار إنكار الكفار وتهربهم من الرسالة السماوية.
وكذلك قوله تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى «2» فالفاصلة توحي باستدامة هذه النار، والفاعلية تضاف إلى الماهيّة، ويمكن أن نقول هذا في قوله تعالى:
فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ «3»، وكذلك قوله: فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ «4»، فهاتان الكلمتان تكملان الصورة أمام البصر ولا تدعان للنّقص مكانا، إضافة إلى جمال المحافظة على الرّنّة الموسيقية.
نستنتج مما سبق أنّ جمالية تمكّن الفاصلة لم تكن وليدة عصرنا، فقد أفاض القدامى في بيان مضمون الفاصلة، وحقّه من الوجود، وبعدها عن التكلّف والقلق في مكانها، وردّوا تهمة السّجع، بيد أنهم لا ينفون قصد القرآن إلى الترنيم بالفواصل، وذلك بتقديم معنى الفاصلة وأهميّته في الآية على المراعاة اللفظية.
وكان لكلّ دارس أسلوبه في إبراز تمكّن الفاصلة، وقد أثبتنا في الفقرة وقفات رائعة لهم، وبيّنّا المعيار الذي يعتمده كلّ منهم، فهناك المعيار اللغوي، ودقّة الاستعمال والفروق، وهناك معيار النظر إلى أوّل الآية، ولم تخل نظراتهم من تمحيص وكشف لظلال الفاصلة، وقد وجدوا جمالها يتوزّع بين مناسبتها لما قبلها، وإضاءتها للنص بمعنى جديد، وقد تبيّن لنا أن القدامى بذلوا جهدا كبيرا في هذا المضمار، لم يزد عليه المحدثون كثيرا.--------------------------------------------
(1) سورة المدّثّر، الآية: 50.
(2) سورة الليل، الآية: 14.
(3) سورة الهمزة، الآية: 9.
(4) سورة الحاقّة، الآية: 22.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)

-‌‌ رأي الدّاني في الفاصلة:
والجدير بالذكر أن هناك تعريفا للفاصلة انفرد به أبو عمرو الدّاني «1»، إذ يرى أنّ الفاصلة هي كلمة آخر الجملة، وليس آخر الآية، كما هو متعارف عليه، وقد نقل الزركشي رأيه هذا، إذ يقول أبو عمرو: «أمّا الفاصلة فهي الكلام المنفصل مما بعده، والكلام المنفصل، قد يكون رأس آية، وغير رأس، وكذلك الفواصل يكنّ رءوس آي وغيرها، وكلّ رأس آية فاصلة، وليس كلّ فاصلة رأس آية، فالفاصلة تعمّ النّوعين، وتجمع الضربين، ولأجل كون معنى الفاصلة هذا ذكر سيبويه في تمثيل القوافي يَوْمَ يَأْتِ «2» وما كُنَّا نَبْغِ «3»، وهما غير رأس آيتين بإجماع- مع وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ «4»، وهو رأس آية باتّفاق» «5».
وإذا كانت الفاصلة القرآنية قرينة السّجعة والقافية، فإنّ هذه الفواصل الداخلية تختلف برويّها عن الفاصلة في رأس الآية، ومما يفاد من نظرة أبي عمرو الدّاني أنّ الوقوف على رأس الجملة لتحديد الفاصلة يعدّ مظهرا آخر لتمكّن الكلمات من أماكنها.
ومما يفاد أيضا أنّ الوقوف الجائز على رأس الجملة لا يفقد القارئ شيئا من الترنيم الذي يكون في فاصلة رأس الآية، ويبدو مما اقتبسناه أنّ سيبويه ذكر هذا فقرن «يأت» مع «يسر».
ولم يناقش الزركشي هذا الرأي، وكأنّه ذكره لأجل استيفاء الآراء في تعريف الفاصلة، ونودّ أن نقف عند قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا--------------------------------------------
(1) هو عثمان بن سعيد، أحد حفّاظ الحديث، ومن الأئمة في علوم القرآن، من أهل «دانية» بالأندلس، توفي في بلده 444 هـ، ومن كتبه: «اليسير» و «جامع البيان» و «طبقات القراء» انظر الأعلام: 4/ 306.
(2) سورة هود، الآية: 105.
(3) سورة الكهف، الآية: 64.
(4) سورة الفجر، الآية: 4.
(5) الزركشي، محمد بن عبد الله، البرهان: 1/ 84، وانظر السيوطي، الإتقان:
2/ 209.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)

بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ «1» في الحديث عن يوم القيامة، فإنّ الوقوف على كلمة «يأت» لا يخلو من نغم، وكذلك يعني الوقوف هنا استحضار الذّهن لتلقّي النتيجة حيث الشّقاء والسّعادة.
وكذلك في قوله عز وجل عن موسى عليه الصلاة والسلام وفتاه عند ما نسيا الحوت: قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ، فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً «2» فإنّ الوقوف على كلمة «نبغ» يعني استحضار تأمّل النبي الكريم موسى، وصمته وفهمه لحكمة ربّه، ومن ثمّ يأتي الحديث عنهما، بعد كلام النبي.
وقد بينّا في الفصل الأول كيف حضّت الأحاديث النبوية الشريفة على القراءة المتأنّية للقرآن، وقد ذكر السيوطي أن الوقوف على كل كلمة جائز «3».
ويمكن أن نطبّق رأي أبي عمرو الدّاني في الفاصلة في آية الكرسي، وهي من الآيات الطوال، يقول عز وجل: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ، وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ، مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ «4».
فنحن في هذه الآية إزاء تسع فواصل: «القيّوم، نوم، الأرض، بإذنه، خلقهم، شاء، الأرض، حفظهما، العظيم»، فالمدّ الجميل ذو الحركات السّتّ في كلمة القيّوم، ويتبعه جمال الوقوف عند «نوم»، مع إطالة الإحساس بالواو قبل التّركيز على الميم، وكذلك كلمة «الأرض»، ثم يأتي الوقوف عند «بإذنه»، حيث تشبع كسرة الهاء، فتحدث في الأذن تطريبا، وكذلك «خلفهم» ثم المدّ الجميل يكون في شاء، لينسجم مع سكون الميم الشّفوية، وكذلك المدّ في «حفظهما» ينسجم مع الوقوف على الضّاد «الأرض»، ثم يأتي مسك الختام في المدّ الذي يسبق الميم «العظيم»، وهي الفاصلة التي تعارف عليها الدارسون.--------------------------------------------
(1) سورة هود، الآية: 105.
(2) سورة الكهف، الآية: 64.
(3) انظر السيوطي، جلال الدين، الإتقان: 2/ 209.
(4) سورة البقرة، الآية: 255، لا يؤده: لا يثقله، ولا يشقّ عليه: ماضيه آد أودا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)

ونلتمس من رأي الداني جمالا في الشكل بحيث أكّدت لنا التلاوة جمال الوقوف على أواخر الجمل: اسمية أو فعلية، وهذا ما يدفع شبهة السّجع بقوّة، لأجل تنوّع رويّ هذه الفواصل بشكل واضح، كما يؤكّد مفهوم الفاصلة في رأس الجملة مناسبة كلّ كلمة قرآنية للمقام، هذا من جهة المضمون، أما الشكل فقد دلّتنا نظرة الدّاني على جمال موسيقي في تركيب الجمل ومشاركتها للفواصل بالأنغام الداخلية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)

‌‌الخاتمة
تقع المفردة في غاية الأهمية في دراسة بلاغة القرآن، من حيث إنها الوحدة المكونة للآيات، وإنها عنصر فعّال في توصيل المعنى إلى المتلقّي بصورة بيانية، ومن حيث إن الكلام الرّبّاني محكم متماسك لا غنى فيه عن مفردة، بل عن حرف.
وقد تبين لنا في هذا البحث أن جمال المفردة مرئيّ من حيث التصوير، وسمعي من حيث متعة الأنغام، ونفسي من حيث إمتاع الوجدان وموافقة المواقف.
وقدّمنا الجمال البصري على الجمال السمعي لكثرة الاهتمام به، إذ رأينا أن الأسلاف الميامين يعنون بالجمال البصري، ويبذلون الكثير في تبيينه، لأنه أعلق بالصورة البيانية، وسنذكر أهم الاستنتاجات التي توصّل إليها البحث:
1 - أسهمت المفردة القرآنية في تبيين جمال الصورة البيانية، فكانت عنصرا مهما من عناصر الجمال البصري، لأنها حلقة الوصل بين المعنى وبين توصيله بصورة جمالية رفيعة.
فالمفردة القرآنية تجسّم المعاني وتحيلها إلى مشاهدات بعد أن تكون دفينة مكنونة ومشاعر ومجرّدات، ومن جوانب هذا الجمال البصري إسباغ الصّفات الآدمية على الجمادات، فالمفردة تشخّص، فترتفع بالأشياء بعد أن تلقي عليها الأحاسيس واللواعج البشرية، كما أنّها تصوّر الحركة المنشودة المناسبة للموقف وتترجم بسرعة الحركة أو بطئها المشاعر الخبيئة.
ومما أسهم في تصوير الجمال البصري ذكر أسماء من الطبيعة الجامدة والحيوان، ووجدنا أن ما استعير منهما كان مناسبا للمواقف، ومتميزا بطابع الاستمرار والشّمول، ورأينا أن القرآن اقتصر على الصّفات القبيحة في الحيوان لدى الاستعانة بها في تصوير الكفار والمنافقين، كما أنّه نفى الحياة عن النبات المستعار، ليدلّل على صفة الجمود في تفكير الكفار، وإصرارهم الفارغ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)

كالنّخل الخاوي والعصف المأكول.
وتأكدنا أن الحسية المطلوبة في التجسيم وغيره مرحلة أوّلية، وواضحة السّبل إلى الأثر النفسي، فلا يوجد في القرآن إثارة حسّية تقصد لذاتها، بل الغاية الدائمة هي سبر أغوار النفس، وتوصيل رسالة الهداية.
2 - وقد اتسمت المفردة القرآنية بجمال الشكل والمضمون، فجمعت بين قوة تأثير التصوير، وبين عذوبة الصوت، ونقصد بالعذوبة سهولة نطق مخارجها، وشهادة السّمع بسهولة أصواتها، وهذه العذوبة لم تنتج عن اجتماع الأصوات الرّخوة أو تباعد مخارج حروف المفردات، إذ تبيّن لنا أن العبرة بصفات الحروف لا بمخارجها العضوية.
وقد استعنّا بمعطيات علم التجويد وفقه اللغة لمعرفة صفات الحروف من حيث الشّدة والهمس والإطباق والذّلاقة والقلقلة وغير هذا، ولدى تطبيقنا لهذه المعطيات تبيّن لنا في دراسة بعض المفردات أنّ ثمّة انسجاما ملموسا بين هذه الصّفات مما يبعد الثّقل عنها، كما أن ثمة علاقة وشيجة بين طبيعة الأصوات وتشكيلها وبين المواقف التي تذكرها.
وقدمنا بعض الشواهد التي تثبت العلاقة بين الأصوات الشديدة وبين مواقف الوعيد والترهيب، والعلاقة بين مواقف الرحمة وبين الأصوات اللينة، وقد عمدنا إلى مصطلح «الشّدة» لا مصطلح «الثّقل» لعدم وجوده في مفردات القرآن مقابلا لمصطلح الخفّة.
وتعرّضنا في البحث للمفردات ذات الحروف الكثيرة، ونفينا عنها عيب الطّول من خلال التّنويه بأهمية التشكيل الداخلي الصوتي، وإفاضة هذا الطول لبعض الإيحاءات مما ينفي عيب الطول ووطأته.
وكان للمفردات القرآنية جمال خاص، من حيث إن بعضها مصوّر بأصواته للحدث وهو ما دعي ب «الأونوماتوبيا»، ولكي نبعد طابع الرمز المغرق، لجأنا إلى علم اللغة لمعرفة صفات الحروف، وإمكان ربطها بالتصوير، وقد أكّدنا وجود جذور لهذه الفكرة في التراث العربي، على الرغم من وجودها في الأدب الأوروبي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)

ولدى ذكر بعض الشواهد تبيّن لنا أن على الدارس أن يتسلّح بمعطيات علم اللغة وعلم التجويد، ليتفهّم صفات الحروف، فيربطها بالمواقف أو يبحث في صحة محاكاتها للمعاني والأحداث، لكي لا يقع في تخمين ووهم، وقد رأينا أن الحركات تشارك الحروف في المحاكاة، وأنّهما لا يوظّفان لمطلب المحاكاة في كل موضع.
3 - ثمّة جانب آخر لجمال المفردة تتلقّفه البصيرة، ويدخل في أغوار النفس، ويحيط بأحكام المنطق وثباته، وهو ليس بالجمال الحسّي كالمرئي والمسموع، بل يدل على إقناع وموافقة السّياق الكلي، وقد حرصنا على كشف المعالم الفنية في اختيار المفردة، ومن خلال أسلوبها في التعبير عن المعنى.
وهاهنا درسنا الأبعاد الفنية لصيغ المفردات، وخصوصية التعبير بصيغة ما، فوجدنا أن الصيغة تختصر الكثير من المفردات، وأنها تنمّ على رفعة البيان القرآني ودعوة
إلى التهذيب، وأنها تلقي ظلالا نفسية خاصة.
ورأينا أن ثمة مفردات قصد فيها البيان القرآني الإيماء وعدم التصريح بالمعنى فوضع مفردات شفّافة تومئ إلى المعنى إيماء، وهذه المفردات تخصّ المرأة وعلاقتها بالرجل، وأضفنا إلى هذا مفردات في شئون عامة دلّ فيها القرآن على سموّ خطابه ورفعته.
وكذلك درسنا المفردات التي تختزن المعاني الكثيرة التي تدلّ على تماسك الآيات، وهي تضاف إلى إيجاز الآيات، وقد حاولنا تبيين التوقيع على أوتار النفس بهذا الاختزان، وقدرة القرآن على التوصيل بأقلّ عدد من المفردات.
وقد حاولنا أن نبيّن سيطرة المضمون على الشكل في فواصل الآيات، إذ ربطنا المفردة بما يسبقها، واختصاصها بمعنى جديد على سائر مفردات الآية، وبهذا نفينا أن تقصد المراعاة الموسيقية في وجود مفردة ما أو صيغتها، إذ المعنى هو المقدّم.
وقد بيّنّا استيعاب المفردة لجوانب المعنى من خلال الاستعانة بالفروق الدقيقة بين المفردات، وأضفنا إلى هذا الدّلالة الخاصة لبعض المفردات التي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)