أعمال العباد مقدرة
قال رحمه الله: [وكل يعمل لما قد فُرغ له، وصائر إلى ما خلق له].
أي أن العبد يعمل ما يسره الله سبحانه وتعالى له، كما في الحديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، وقوله: (قد فرغ له) أي ما مضى به القدر.
(খণ্ড: 27) (পৃষ্ঠা: 2)
الخير والشر من تقدير الله
قال: [والخير والشر مقدران على العباد].
قدر الله سبحانه وتعالى متعلق بكل شيء من الأحوال الكونية والأوامر الشرعية، فإن الأمر كله لله، والخلق كله لله، كما في قوله تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54]، وقدره سبحانه متعلق بسائر أمره وخلقه.
(খণ্ড: 27) (পৃষ্ঠা: 3)
التفصيل في الاستطاعة
قال: [والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به، تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع التمكين وسلامة الآلات، فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]].
قول أبي جعفر في مسألة الاستطاعة قول محقق؛ فإن لأهل الكلام قولين مشهورين في مسألة الاستطاعة، فمنهم من يقول: إن الاستطاعة تكون مع الفعل، ومنهم من يقول: إن الاستطاعة تكون قبل الفعل، وهذان القولان هما المشهوران عند المعتزلة والأشاعرة؛ والقول المحفوظ عند أهل السنة هو هذا التفصيل، وبهذا التفصيل يعلم أن الطحاوي رحمه الله مجانبٌ لمذهب الأشعرية؛ فإن عامة الأشعرية لا يقررون هذا المذهب.
(খণ্ড: 27) (পৃষ্ঠা: 4)
نقد تعبير الطحاوي بأن الأفعال كسب من العباد
قال: [وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد].
وهذه جملة متعقبة في كلام الطحاوي، فإنه قال: (وأفعال العباد هي خلق الله) وهذا لا إشكال فيه، ولكنه قال: (وكسبٍ من العباد)، وقوله: (وكسب) هو من باب العطف، أي: فهي بخلق وكسب، فهذا التعبير بالكسب تعبير أشعري، وإن كان لفظ الكسب من حيث هو مستعمل في الكتاب وفي السنة أيضاً مثل قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [المدثر:38]، وقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286]، فأفعال العباد سميت بالشرع أو في كلام الله سبحانه كسباً، لكن تسمية أفعال العباد كسباً على الاختصاص بهذا اللفظ وحده هو الطريقة التي استعملها أبو الحسن الأشعري، وعامة أصحابه، ولهذا فإن تعبير المصنف هنا ليس بحسن.
ولو عبر المصنف بالعبارات المأثورة عن السلف لكان أولى، فلم يكن السلف يخصون هذا اللفظ بأفعال العباد، وإن كان أصله مستعملاً في كلام الله سبحانه وتعالى، ولكن الأشاعرة يطلقون أن أفعال العباد كسبٌ ويريدون بذلك أن العبد يفعل بإرادة مسلوبة التأثير، وبإرادة -كما يعبر بعضهم- يقع الفعل عندها لا بها.
فالقصد أن هذا موضع يتعقب فيه أبو جعفر الطحاوي لأنه خص ذلك بالكسب، وهذا التخصيص هو من أحرف الأشعرية في الأصل.
(খণ্ড: 27) (পৃষ্ঠা: 5)
نقد قول الطحاوي: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم)
قال: [ولا يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير: (لا حول ولا قوة إلا بالله) نقول: لا حيلة لأحد، ولا تحول لأحد، ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى].
- قوله: (ولا يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون):
هذه جملة أشعرية صريحة، بل يقولها الغلاة من الأشاعرة، والحق أن الله سبحانه وتعالى كلف العباد ما يطيقون، وأما قوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) فإن الأمر ليس كذلك، بل تفضل سبحانه وتعالى ورفق بهم وكلفهم، مع أنهم يطيقون فوق ما كلفوا به، فالصلاة فرضت خمسين صلاةً، ثم راجع النبي صلى الله عليه وسلم ربه إلى أن جعلها الله سبحانه وتعالى خمس صلوات، وهذا إنما أطلقه والتزمه بعض أئمة الأشاعرة المتكلمين الذين غلوا في تقرير مسألة تكليف ما لا يُطاق، وهذه المسألة ما كان السلف يذكرونها.
بل إن تسمية أحكام الشريعة تكليفاً ليس مأثوراً عن أحدٍ من السلف، وهذا مما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال: (صريح في القرآن أن الله سمى العمل تكليفاً، أو سمى التشريع تكليفاً، لكن أن تسمى سائر مسائل الشريعة الواجب منها والمستحب والمباح تكليفاً، وكذلك أن تكون المنهيات من باب التكليف فهذا الإطلاق إنما حدث في اصطلاح المتأخرين).
هذا فضلاً عن تكليف ما لا يطاق، فإن هذه ما نطق بها السلف أصلاً، والعبد إنما يكلف ما يطيق، وهذا بالإجماع لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].
(খণ্ড: 27) (পৃষ্ঠা: 6)
هل يطيق العبد فوق ما كلف؟
وأما هل يطيق العبد فوق ما كلف، فإنه بيّن بالضرورة العقلية والحسية أن العبد يطيق أكثر مما كلف؛ فإن العبد يصلي هذه الخمس الصلوات مع أنه يطيق أن يصلي ست صلوات وعشر صلوات في اليوم والليلة، وهذه مسائل معروفة بينة الوضوح.
وهذه النتائج من مسائل تكليف ما لا يطاق، ومسائل التعديل والتجوير التي توجد في كتب الأصوليين، فضلاً عن كتب أصول الدين عند المتكلمين، هي في الغالب نتائج في مسألة القدر.
وهنا تنبيه: وهو أن هذه المسائل إذا ذكرت في كتب أصول الدين، يقول علماء الأشاعرة: هذا قول أصحابنا -يعنون الأشعرية-، والمعتزلة يقولون بأن هذا قول أصحابنا -يعنون المعتزلة- فيكون بيناً أن هذا قولٌ للمعتزلة وهذا قولٌ للأشاعرة، ولكن إذا ذكرت في كتب الأصول الكلامية، فمعلوم أن جمهور المتكلمين من الأصولين على طريقة أبي الحسن الأشعري هم من الشافعية، ومتكلمة الحنفية كثير منهم أو بعضهم على الاعتزال، فإذا ما ذكر معتزلة الحنفية هذه المسائل في مسائل أصول الفقه وقالوا: وقول أصحابنا كذا، فُهِم أن هذا مذهب الحنفية، في حين أن الغزالي أو الآمدي أو الرازي من أشعرية الشافعية إذا ذكروا هذه المسائل فقالوا: وقول أصحابنا، فيفهم أن هذا مذهب للشافعية.
فهذه المسألة التي حقيقتها خلاف بين المعتزلة والأشعرية قد تنصب في كتب أصول الفقه الكلامية خلافاً بين الحنفية والشافعية، والحقيقة أنها ليست كذلك، بل هي خلاف بين المعتزلة والأشاعرة، وليست خلافاً بين سائر الحنفية مع سائر الشافعية أو المالكية.
(খণ্ড: 27) (পৃষ্ঠা: 7)
تفسير الطحاوي للحوقلة
قال: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم، فهو تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله).
أما المسألة فمن أصلها غلط، وأما كونها تفسيراً لهذه الكلمة فكذلك هو غلط آخر، بل قوله صلى الله عليه وسلم لـ أبي موسى -كما في صحيح البخاري -: (ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة قال: بلى يا رسول الله! قال: لا حول ولا قوة إلا بالله)، أي: أنه لا يكون شيء ولا تقع قوة من العبد ولا قدرة من العبد ولا تمكين من العبد إلا بقوة الله سبحانه وتعالى وحوله وطوله وتمكينه، فهذا من الاستعانة، وهذه أحد جمل الاستعانة، وأحد جمل التوحيد المحكمة، ولهذا جعلها النبي صلى الله عليه وسلم كنزاً من كنور الجنة.
قال: (نقول: لا حيلة لأحد ولا تحول لأحد، ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحدٍ على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى).
أما أن هذا بمعونته وتيسيره وتوفيقه فهذا صحيح، وهذا انفكاك عن كونها تفسيراً لمسألة تكليف ما لا يطاق.
(খণ্ড: 27) (পৃষ্ঠা: 8)
تعلق الحوادث بمشيئة الله تعالى
قال: [وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه، وقدره].
أي: سواء كان ذلك في أفعال العباد، أو غير أفعال العباد، فسائر ما يقع فإنه بمشيئة الله سبحانه وتعالى وحكمته.
قال: [غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً].
هذه الجملة مرادها صحيح، لكن التعبير بها ليس له تمييز، إلا على توجيه أن مراده رحمه الله أن مشيئته سبحانه وتعالى هي النافذة، وأن مشيئة العباد تبع لها، فهذا صحيح، ولكن لو عبر بغير ذلك لكان أولى.
(খণ্ড: 27) (পৃষ্ঠা: 9)
تنزيه الله تعالى عن كل نقص
قال: [تقدس عن كل سوء وحَيْن، وتنزه عن كل عيب وشين {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]].
وهذا من التنزيه المجمع عليه بين المسلمين.
(খণ্ড: 27) (পৃষ্ঠা: 10)
انتفاع الأموات بدعاء الأحياء وصدقاتهم
قال المصنف رحمه الله: [وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعةٌ للأموات].
ذكر هذه المسألة في مسائل أصول الدين والاعتقاد ليس محكماً، وإن كان أبو حنيفة رحمه الله يذهب هذا المذهب، وهذه المسألة فيها نزاع مأثورٌ عن السلف، إلا أن المصنف خصص فقال: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم)، وبهذا التخصيص يكون كلامه صحيحاً، فإن الإجماع عند السلف منعقد على أن الدعاء والصدقة تنفعان الميت؛ لما جاء في ذلك من الآثار الصريحة في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأما ما عدا ذلك من القرب كقراءة القرآن فهي موضع نزاع بين السلف.
وذكر المصنف لهذه المسألة هنا ليس له مقصودٌ بين، فهو وإن لم يكن مما ينتقد لكنها ليست من مسائل العقيدة، ولهذا ترى أن كتب أصول الدين لا تذكرها، فلو قُررت في مسائل الإجماعات الفقهية لكان أولى، وإن كان قد يستثني أحياناً فيقال: إن طوائف من أهل البدع يخالفون في هذا الإجماع ولهذا تذكر هذه المسألة في أبواب العقيدة، ولكن لا يطرد هذا؛ لأن هذا يستلزم في إجماع فقهي عند السلف خالف فيه طوائف من أهل البدع؛ أن يدخل في هذه المسائل، والأمر ليس كذلك.
(খণ্ড: 27) (পৃষ্ঠা: 11)
الدعاء سبب لحصول المقدور
قال: [والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات].
الدعاء من قدر الله، وهو سبب لحصول المقدور، وليس كما قال طوائف من الصوفية وبعض المتكلمين، إن الدعاء يقع على جهة التعبد المحض، أي أنه لا أثر له في حصول المقدور، وحجتهم في ذلك أنه قد سبقت الكتابة.
والجواب: أن يقال: نعم قد سبقت الكتابة، ولكن كما أن الله كتب المقدر أو المسبب فقد كتب السبب، فالدعاء هو سبب من الأسباب، كما أن صلاة العبد قد قدرها الله وكتبها، فكذلك دعاؤه قد قدره الله وكتبه، فكما أن الصلاة سبب لدخول الجنة، فكذلك الدعاء سبب لحصول المقدور والمدعو به.
(খণ্ড: 27) (পৃষ্ঠা: 12)
افتقار الخلق إلى الله
قال: [ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء].
أي: لأنه سبحانه وتعالى له الملك.
قال: [ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين].
هذا مما ينبغي تأديب المسلمين بفقهه، ولاسيما في التعبيرات والألفاظ، كتعليق المشيئة على مشيئة العبد ومشيئة الرب، فمن شرك الألفاظ قول: (ما شاء الله وشئت) والحلف بغير الله، فإن الإنسان عند حلفه إنما يريد التعظيم، أو العزم ونحو ذلك من المقاصد، فيشيع في كثير من المسلمين الحلف بالنبي أو بالأمانة، أو بغير ذلك، فهذا مما ينبغي تأديب المسلمين في فقهه، وهذا من فقه التوحيد.
(খণ্ড: 27) (পৃষ্ঠা: 13)
إثبات صفتي الغضب والرضا لله
قال: [والله يغضب ويرضى لا كأحدٍ من الورى].
وهذه جملةٌ حسنة في كلام أبي جعفر، وهي صريحة في مخالفة مذهب الأشعرية، فإن الأشاعرة لا يثبتون صفة الغضب والرضا، وإذا ذكروه فإنهم يتأولونه، فـ الأشعري في بعض كتبه يذكر الغضب والرضا ولكن يتأول ذلك بالإرادة.
والإمام الطحاوي لما قال: (والله يغضب)؛ فإن الأصل في كلامه أنه يريد الحقيقة، ومن تأوله من الشراح الأشعرية بأن مراده إرادة الانتقام أو إرادة الإنعام فإن هذا يقال: إنه تأويل لكلام المصنف على خلاف ما أراد.
وكان ابن كلاب يثبت لله غضباً ورضا، ومن هنا فإن ابن كلاب أجود حالاً من الأشعري في الصفات، لكنه مع هذا يجعل الغضب الذي يثبته واحداً أزلياً كما يجعل الكلام واحداً أزلياً، ومن هنا فارق ابن كلاب السلف في صفة الرضا والغضب، وأما الأشعري فإنه دونه؛ حيث يتأول الغضب وما في معناه من الصفات على الإرادة، وإن كان الأشعري في الجملة أحسن حالاً من متأخري أصحابه؛ لأن الأشعري هو والمحققون من الأشاعرة، كالقاضي أبي بكر ونحوه يفسرون ذلك بالإرادة، فيفسرونه بصفة، وأما المتأخرون ممن تأثر بالاعتزال كثيراً فإنهم يفسرون ذلك بالمفعولات على طريقة المعتزلة كـ أبي هاشم الجبائي ونحوه.
(খণ্ড: 27) (পৃষ্ঠা: 14)
شرح العقيدة الطحاوية - يوسف الغفيص (يوسف الغفيص)القسم: العقيدة
الكتاب: شرح الطحاوية
المؤلف: يوسف بن محمد علي الغفيص
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 31 درسا]
تاريخ النشر بالشاملة: 12 شعبان 1432
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
شرح العقيدة الطحاوية [28]
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم صفوة الخلق الذين اختارهم الله سبحانه لصحبة نبيه ونصرته واتباعه، ورفع راية الدين من بعده، فكان لزاماً على كل من يأتي بعدهم موالاتهم ومحبتهم واتباع آثارهم.
(খণ্ড: 28) (পৃষ্ঠা: 1)
موالاة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومحبتهم
قال المصنف رحمه الله: [ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم].
هذا من أصول أهل السنة، ولهذا قال شيخ الإسلام في الواسطية: (ومن أصول أهل السنة والجماعة، سلامة قلوبهم وألسنتهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه جملة جامعة، لأن الإيمان يتحقق بسلامة القلوب وسلامة الألسنة، وأما من أظهر سلامة اللسان مع ما في قلبه من الطعن والبغي أو الانتقاص، فإن هذا من النفاق الباطن، ومن مرض القلب، وهذا لا يختص بالشيعة، بل يقع فيه كثير من المنتسبين إلى التسنن العام في مقابل الشيعة، كما يقع في ذلك بعض الكتاب، أو بعض المفكرين أو نحوهم، ممن يتكلمون في بعض مقامات الصحابة وأحوالهم، ولاسيما موقف الصحابة من مسألة الخلافة كموقف أبي بكر وموقف عمر مع الأنصار، أو الخلاف الذي حصل بين علي ومعاوية، فترى أنهم يعرضون ويطعنون في بعض الصحابة الأكابر، مع أنهم ليسوا على مذهب من التشيع معروف، بل هم مباعدون لهذه المذاهب، فهؤلاء وإن أجملوا أو حسنوا بعض العبارات فإن ما يكون في القلب يعلمه الله سبحانه وتعالى.
فالقصد أن عبارة شيخ الإسلام في الواسطية عبارة محكمة، فإنه قال: (ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم)، فلا بد أن يكون ذلك محققاً في القلب.
والصحابة هم السادة الذين أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في كتابه، ومن الممتنع في العقل والشرع أن يكون هؤلاء السادة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، قد انحرفوا أو ضلوا أو نافقوا في زمنه صلى الله عليه وسلم، أو ارتدوا من بعده، إلى غير ذلك من الأكاذيب التي يكذبها العقل قبل الشرع، ويقولها أهل البدع والضلال، ومقام الصحابة مقام مجمع عليه بين السلف، وقد رضي الله عنهم، ورضوا عنه، ولهم درجة الصحبة التي لا يبلغها أحد.
قال: [ولا نفرط في حب أحدٍ منهم ولا نتبرأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دينٌ وإيمانٌ وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان].
(খণ্ড: 28) (পৃষ্ঠা: 2)
ترتيب الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم
قال المصنف رحمه الله: [ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولاً لـ أبي بكر الصديق رضي الله عنه، تفضيلاً له، وتقديماً على جميع الأمة، ثم لـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لـ عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم لـ علي رضي الله عنه، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون].
هذا مجمع عليه، حتى آل البيت من أصحاب السنة والجماعة يجمعون على ذلك، وإن كان علي بن أبي طالب -كما هو معروف- قد تأخر عن بيعة أبي بكر زمناً، وبعض أهل التاريخ ينازعون في هذه المسألة، وهي مسألة طويلة.
(খণ্ড: 28) (পৃষ্ঠা: 3)
موقف علي بن أبي طالب من بيعة أبي بكر
لكن الذي جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن علياً رضي الله عنه لم يبايع أبا بكر رضي الله عنه إلا بعد ستة أشهر، وهذه على كل حال مسألة مختصة، فإنه ثبت في الصحيح وغيره أن علياً بايع بعد ذلك، وبيعة علي لـ أبي بكر متفق عليها.
وبيعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه مجمع عليها بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم حتى علي، فإنه قبل بيعته لـ أبي بكر ما كان خارجاً عليه، فلا يفهم من عدم مبايعة علي لـ أبي بكر رضي الله عنهما في بداية الأمر أنه كان خارجاً على أبي بكر، ومعلوم أنه لا يلزم سائر الأعيان من أهل الحل والعقد أن يأتوا بأعيانهم للمبايعة، فقد يكون هناك موجبات وأسباب، أو حتى تقصير في الإتيان، لكن مع هذا لا يسمى هذا رفضاً أو إبطالاً من علي لبيعة أبي بكر أو تحريضاً للناس على الخروج عليه.
وإذا كان بعض المبتدعة قد سمى هذا رفضاً من علي رضي الله عنه، فكل هذا لم يكن، فضلاً عن كون علي رضي الله تعالى عنه جاء بعد ذلك وبايع أبا بكر رضي الله عنه، فهذه بيعة متفقٌ عليها.
ثم إن الكثيرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما بايعوا علياً بالتعيين مع أن بيعة علي رضي الله عنه وخلافته مجمع عليها بين أهل السنة والجماعة، فإذا كان فعل علي رضي الله عنه يعد طعناً في بيعة أبي بكر رضي الله عنه، لزم أن يكون فعل هؤلاء الصحابة طعناً في بيعة علي، فإن المتخلفين عن بيعة علي أكثر، ولم ينقل أن أحداً تخلف عن بيعة أبي بكر إلا علياً ثم جاء وبايع، وأما من عداه فإنهم بايعوه وأقروه، سواء جاءوا بالتعيين، أو أقروا إقراراً، أو اتخذوا طاعته وسمعوا له، ومعلوم أن من سمع وأطاع فإنه يعد مبايعاً ولا يلزم بالضرورة أن يأتي بعينه، والإلزام من تكلف أهل البدع في التشكيك بخلافة إمام الأمة وصديقها رضي الله تعالى عنه.
ثم الخلافة من بعد أبي بكر في عمر رضي الله تعالى عنه، ثم الخلافة من بعده في عثمان رضي الله عنه، ثم الخلافة من بعده في علي رضي الله عنه، وخلافة الخلفاء الأربعة مجمع عليها بين السلف.
والحقيقة أن المسألة الممكنة التي لو فرض جدلاً أن فيها مثاراً من الإشكال والسؤال -ولهذا كان السلف يدرءون القول فيها، ويحققون الجزم بها- هي خلافة علي رضي الله عنه، فإن الناس كانوا فيها متفرقين حتى الصحابة وحتى حصل القتال، وأما بيعة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فإنها بإجماع أهل العلم كانت أحكم من بيعة علي رضي الله عنه، مع أن بيعة علي رضي الله تعالى عنه بيعة شرعية بإجماع السلف، وخلافته خلافة نبوية.
وقد كان الإمام أحمد وأمثاله يقولون: (من لم يربع بـ علي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله)، مع أن طائفة من الصحابة كانوا مقاتلين لـ علي، ولهذا قيل للإمام أحمد: فكيف بمن قاتله؟ فقال: (أنا لست من حربهم في شيء)، وقيل له أيضاً: قد كان لا يربع به من لا يقال له: إنه أضل من حمار أهله، يعنون بذلك من قاتله من الصحابة، كـ معاوية وغيره، فقال الإمام رحمه الله: (أنا لست من حربهم في شيء).
فالإمام أحمد رحمه الله وغيره من أئمة السنة جزموا بخلافة علي وأنها خلافة راشدة بالسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، كما في حديث سفينة رضي الله عنه المخرج في المسند وغيره، وهو حديث صحيح ذكره الإمام أحمد واحتج به وكذا غيره من أئمة السنة، فهذا هو الموجب عندهم.
ومعنى قوله: (أنا لست من حربهم في شيء)، أي أنه إذا اجتهد مجتهدٌ ولو كان صحابياً فأخطأ في اجتهاده ولم يتبع علياً رضي الله تعالى عنه، فإن اجتهاده وخطأه لا يمكن أن يكون موجباً لترك ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم من البيان في هذه المسألة.
(খণ্ড: 28) (পৃষ্ঠা: 4)
حكم التخميس بعمر بن عبد العزيز في الخلافة
ذكر بعض المتأخرين من أهل السنة، ونسبوا هذا القول لبعض المتقدمين -وكأنه لا يصح عن أحد من المتقدمين- أن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، ولما بلغ الإمام أحمد عن بعض أهل العراق أنه كان يقول بأن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، كان ينكر ذلك إنكاراً شديداً، وموجب ذلك: أن الخلافة الراشدة التي قال فيها عليه الصلاة والسلام في حديث العرباض في السنن والمسند: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) هي خلافة الخلفاء الأربعة الراشدين فحسب، وأما عمر بن عبد العزيز فهو مقتدٍ بهم، ولا يعد خليفةً راشداً على معنى الحديث النبوي، لأن الخليفة الراشد له سنة متبعة.
وأما تسمية عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ورحمه خليفة راشداً، فمعنى ذلك أنه على منهاج الخلافة الراشدة، وهذا لا إشكال فيه، كما أنه يسوغ عند عامة أهل العلم أن يسمى السلاطين من المسلمين إذا جمعوا كلمة المسلمين خلفاء، وقد كان شائعاً تسمية بني أمية وسلاطين بني العباس بالخلفاء، فمن سمي خليفة على هذا الوجه فلا إشكال فيه، حتى عمر بن عبد العزيز، إذا قيل: إنه خليفة راشد، أي أنه مقتدٍ بهم، فنعم، أما إذا قيل: خليفة خامس، والخلفاء الراشدون خمسة، فهذا لا شك أنه غلط مخالف للسنة.
(খণ্ড: 28) (পৃষ্ঠা: 5)
المفاضلة بين معاوية وعمر بن عبد العزيز
وعمر بن عبد العزيز ليس له سنة متبعة، بل إن معاوية بإجماع أهل العلم أفضل منه، وعمر بن عبد العزيز حقيقته أنه ملك، قال شيخ الإسلام رحمه الله: (وكان الخلفاء الراشدون، خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمة، هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وما بقي من إمارة الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه، ثم جاء معاوية، فـ معاوية هو أول ملوك المسلمين وهو بإجماع أهل السنة والجماعة أفضل ملوكهم).
أي: فهو أول ملوك المسلمين، وسائر من بعده يسمون ملوكاً، وإذا سموا خلفاء فعلى المعنى العام، الذي هو إمارة المسلمين والقيام على شئونهم، أما الخلفاء الراشدون، فإن المقصود بكونهم خلفاء ليس هو خلافة المسلمين والقيام على شئونهم فحسب، بل هذا المعنى حاصل لهم مع كونهم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمة، وهذه المنزلة خاصةٌ بـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ولا تكون لـ معاوية فضلاً عن كونها لـ عمر بن عبد العزيز، قال شيخ الإسلام: (وإن كان حصل في زمن عمر بن عبد العزيز من مقامات العدل ما لم يتحقق في زمن معاوية، ومع هذا فإن معاوية أفضل منه بالإجماع).
وتفضيل عمر بن عبد العزيز على معاوية ليس محكماً من أوجه كثيرة، حتى في مسألة العدل، لأن عمر بن عبد العزيز جاء في زمن فيه قدر من الاستقرار، بخلاف الزمن الذي جاء فيه معاوية رضي الله تعالى عنه، فإنه ما كان زمناً مستقراً، بل كان فيه منازعة بعض آل البيت، وكان معاوية يقابله مجتهدون أكابر كـ عبد الله بن الزبير والحسين بن علي، بخلاف عمر بن عبد العزيز فلم يكن يعارضه إلا معارض لا قيمة له، ولهذا لا ينبغي الطعن على معاوية بأي مسألة من المسائل أبداً.
وأما قتاله لـ علي فقد خالف فيه، والحق مع علي رضي الله تعالى عنه، وقد جاءت الدلائل من السنة على أن علياً أولى بالحق، وأن عماراً تقتله الفئة الباغية، كما في حديث أم سلمة رضي الله عنها، فدل هذا على أن اجتهاد معاوية رضي الله عنه كان خطأً، ولكنه خطأٌ مغفور من إمامٍ هو صاحب مقام في الاجتهاد.
(খণ্ড: 28) (পৃষ্ঠা: 6)