المبحث الرابع: أن يكون ذكرًا
من شروط الإمام أن يكون ذكرًا (ولا خلاف في ذلك بين العلماء) (1).
ويدل عليه ما ثبت في (صحيح البخاري) وغيره من حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن فارسًا ملَّكوا ابنة كسرى قال: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) (2). وقد ورد في القرآن الكريم كثير من الآيات الدالة على تقديم الرجال على النساء من ذلك قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ … [النساء: 34] وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ((النساء ناقصات عقل ودين)) (3).
والإمامة تحتاج إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، لذلك لا تقبل شهادتها إلا إذا كان معها رجل، وقد نبَّه الله على ضلالهن ونسيانهن بقوله تعالى: أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة: 282] …
كما أن إمامة المسلمين تقتضي الدخول في المحافل ومخالطة الرجال وقيادة الجيوش ونحو ذلك، وهذا محظور على النساء شرعًا بقوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: 33] وغيرها.
يقول الغزالي: (الرابع الذكورية، فلا تنعقد الإمامة لامرأة، وإن اتصفت بجميع خلال الكمال وصفات الاستقلال، وكيف تترشح امرأة لمنصب الإمامة وليس لها منصب القضاء ولا منصب الشهادة في أكثر الحكومات) (4). وقال البغوي: (اتفقوا على أن المرأة لا تصلح أن تكون إمامًا ولا قاضيًا، لأن الإمام يحتاج إلى الخروج لإقامة أمر الجهاد والقيام بأمور المسلمين، والقاضي يحتاج إلى البروز لفصل الخصومات، والمرأة عورة لا تصلح للبروز وتعجز لضعفها عن القيام بأكثر الأمور، ولأن المرأة ناقصة والإمامة والقضاء من كمال الولايات فلا يصلح لها إلا الكامل من الرجال) (5).
والواقع يشهد لذلك فالناس بتجاربهم يعرفون أنه لا يصلح للإمامة إلا الرجال وإن صار منهن في منصب رئاسة الدولة فإنما كان نادرًا ولظروف استثنائية. وكذلك طبيعة المرأة النفسية والجسمية لا تتلاءم أبدًا مع هذا المنصب، فكما هو معروف أن طبيعة المرأة يلاحظ عليها إرهاف العاطفة وسرعة الانفعال وشدة الحنان (وقد خلقت هذه الصفات في المرأة لتستطيع بها أن تؤدي وظيفتها الأولى وهي الأمومة والحضانة) (6) وإذا كانت هذه الصفات لازمة في مضمار الأمومة والحضانة فقد تكون ضارة في مضمار القيادة والرئاسة، أما الرجل فلا يندفع في الغالب - مع عواطفه ووجدانه - كما تندفع المرأة، بل يغلب عليه الإدراك والفكر والروي وهما قوام المسؤولية والقيادة.
لذلك فإن الله سبحانه وتعالى شرع للرجل ما يلائم بنيته الجسمية والنفسية كالجهاد والقيادة ونحو ذلك، وشرع للمرأة ما يلائم تكوينها أيضًا من تربية وحضانة وأعمال أخرى تلائمها.
هذا وقد حكى الإجماع على عدم جواز تولية المرأة الإمامة ابن حزم الظاهري حيث قال: (وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة المرأة) (7) وكذلك القرطبي (8). وخالف في ذلك الخوارج، فهناك فرقة منهم تقول بجواز ذلك وهي: الشبيبية (أتباع شبيب بن يزيد الشيباني) قال البغداي عنهم: (إنه من أتباعه أجازوا إمامة المرأة منهم إذا قامت بأمورهم وخرجت على مخالفيهم وزعموا أن غزالة أم شبيب كانت الإمام بعد قتل شبيب إلى أن قتلت) (9).
هذا عن الإمامة أما القضاء فلبعض العلماء فيه رأي، ولكن جمهورهم يمنع ذلك قال ابن التين فيما حكاه عنه ابن حجر: (احتج بحديث أبي بكرة - الآنف الذكر - من قال لا يجوز أن تولى المرأة القضاء. وهو قول الجمهور وخالف ابن جرير الطبري فقال: يجوز أن تقضي فيما تقبل شهادتها فيه، وأطلق بعض المالكية الجواز) (10) وروي ذلك عن أبي حنيفة: (أنها تلي الحكم فيما تجوز فيه شهادة النساء) (11). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: 243--------------------------------------------
(1) [12964])) ((أضواء البيان)) (1/ 55)، وعدّه ابن حزم من المسائل المجمع عليها. انظر: ((مراتب الإجماع له)) (ص: 125).
(2) [12965])) رواه البخاري (4425).
(3) رواه البخاري (304) واللفظ له، ومسلم (79، 80). من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4) [12967])) ((فضائح الباطنية)) (ص: 180).
(5) [12968])) ((شرح السنة)) للبغوي (10/ 77).
(6) [12969])) ((الإسلام)) لأحمد شلبي (ص: 226).
(7) [12970])) ((الفصل)) (4/ 110).
(8) [12971])) أحكام القرآن (1/ 271).
(9) [12972])) ((الفرق بين الفرق)) (ص: 110). وعند الذهبي: (أنها امرأته استخلفها بعده، فدخلت الكوفة، وقامت خطيبة وصلَّت الصبح بهم في الجامع فقرأت في الركعة الأول بالبقرة وفي الثانية بآل عمران … ). راجع: ((تاريخ الإسلام)) (3/ 160)، و ((الخطط)) (2/ 355)، و ((المعارف)) لابن قتيبة (ص: 180).
(10) [12973])) ((فتح الباري)) (13/ 56).
(11) [12974])) ((فتح الباري)) (8/ 128).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 45)
المبحث الخامس: العلم
قالوا: يشترط أن يكون بلغ مرتبة الاجتهاد وهم الجمهور، فقد قال الشاطبي رحمه الله: (إن العلماء نقلوا الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع) (1)، وقال إمام الحرمين الجويني: (فالشرط أن يكون الإمام مجتهدًا بالغًا مبلغ المجتهدين مستجمعًا صفات المفتين، ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف) (2)، وقال الرملي في سياق عده لشروط الإمام: ( … مجتهدًا كالقاضي وأولى، بل حكى فيه الإجماع … ) قال: (وكون أكثر من ولي أمر الأمة بعد الخلفاء الراشدين غير مجتهد إنما هو لتغلبهم فلا يَرِدْ) (3).
وإلى هذا القول ذهب الإمام الشافعي (4)، والماوردي (5)، والقاضي أبو يعلى (6)، وعبد القاهر البغدادي (7)، والقرطبي (8)، وابن خلدون (9)، والقلقشندي (10) وغيرهم واستدلوا على ما ذهبوا إليه بالأدلة التالية:
1 - إن الصحابة رضوان الله عليهم قدَّموا للإمامة من قدمه الرسول صلى الله عليه وسلم للصلاة - … - وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة … )) إلخ الحديث (11).
2 - واستدلوا أيضًا بالقياس حيث قاسوا منصب الإمامة العظمى على منصب القضاء، قال الباقلاني: (لأن القاضي الذي يكون من قِبَلِه يفتقر إلى ذلك فالإمام أولى) …
3 - واستدلوا أيضًا بطبيعة العمل الموكل إلى الإمام الأعظم قال إمام الحرمين الجويني: (والدليل عليه أن أمور معظم الدين تتعلق بالأئمة فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر فلا شك في ارتباطه بالإمام، وأما ما عداه من أحكام فقد يتعلق به من جهة انتدابه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو لم يكن الإمام مستقلاً بعلم الشريعة لاحتاج إلى مراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع التي ترفع إلى الإمام، وذلك يشتت رأيه ويخرجه عن دائرة الاستقلال) (12).
ويقول القلقشندي: (لأنه محتاج لأن يصرف الأمور على النهج القويم ويجريها على الصراط المستقيم، ولأن يعلم الحدود ويستوفي الحقوق ويفصل الخصومات بين الناس، وإذا لم يكن عالمًا مجتهدًا لم يقدر على ذلك) (13).
4 - أما ابن خلدون فقد استدل على اشتراط الاجتهاد بقوله: (لأن التقليد نقص، والإمامة تستدعي الكمال في الأوصاف والأحوال). وقال: (لأنه إنما يكون منفذًا لأحكام الله تعالى إذا كان عالمًا بها، وما لم يعلمها لا يصح تقديمه لها) (14).
وهذه المسألة من المسائل الاجتهادية لأنه لم يرد نص صريح فيها، وإنما مرجع ذلك إلى الضرورة والحاجة والمصلحة، فإذا وُجِد مجتهد تتوفر فيه بقية الشروط الضرورية والمنصوص عليها فهو المطلوب، وإن تعذر وجوده فلا تترك مصالح المسلمين تتعطل ويدب فيهم الفساد بسبب عدم وجود المجتهد الذي تتوفر فيه شروط الإمام والله أعلم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: 247--------------------------------------------
(1) [12975])) ((الاعتصام)) (2/ 126).
(2) [12976])) ((غياث الأمم)) (ص: 66).
(3) [12977])) ((نهاية المحتاج)) (7/ 409).
(4) [12978])) ((الأم)) (1/ 161).
(5) [12979])) ((الأحكام السلطانية)) للماوردي (ص: 6).
(6) [12980])) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص: 20).
(7) [12981])) ((أصول الدين)) (ص: 277).
(8) [12982])) ((أحكام القرآن)) (1/ 271).
(9) [12983])) ((مقدمة ابن خلدون)) (ص: 139).
(10) [12984])) ((مآثر الإنافة)) (1/ 37).
(11) [12985])) رواه مسلم (673). من حديث أبو مسعود رضي الله عنه.
(12) [12986])) ((غياث الأمم)) (ص: 66).
(13) [12987])) ((مآثر الإنافة)) (1/ 37).
(14) [12988])) ((مقدمة ابن خلدون)) (ص: 193).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 46)
المبحث السادس: العدالة
العدالة صفة كامنة في النفس توجب على الإنسان اجتناب الكبائر والصغائر والتعفف عن بعض المباحات الخارمة للمروءة، وهي مجموعة صفات أخلاقية من التقوى والورع والصدق والأمانة والعدل ورعاية الآداب الاجتماعية ومراعاة كل ما أوجبت الشريعة الالتزام به.
وبناء على هذا الشرط فلا يجوز تولية الفاسق ولا من فيه نقص يمنع الشهادة. قال القاضي عياض: (ولا تنعقد لفاسق ابتداء) (1) وذكر مثله الحافظ في الفتح (2) وقال القرطبي: (ولا خلاف بين الأمة في أنه لا يجوز أن تعقد الخلافة لفاسق) (3).
ومن الأدلة على اشتراط هذا الشرط ما يلي:
1 - ما ورد في قصة إبراهيم عليه السلام حينما قال له ربه: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124] عن مجاهد: (أنه أراد أن الظالم لا يكون إمامًا … ) (4)، وقال الفخر الرازي: (احتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ووجه الاستدلال بها على وجهين:
الأول: ما بيَّنَّا أن قوله لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ جواب لقوله: وَمِن ذُرِّيَّتِي طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة ليكون الجواب مطابقًا للسؤال فتصير الآية كأنه تعالى قال: لا ينال الإمامة الظالمون، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه، فكانت الآية دالة على ما قلناه) (5). وبنحوه ذهب الشوكاني فقال: (وقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع كما ورد لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالمًا، ويمكن أن ينظر إلى ما يصدق عليه اسم العهد وما تفيده الإضافة من العموم فيشمل جميع ذلك اعتبارًا بعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا السياق … ) إلى أن قال: (فالأولى أن يقال: إن هذا الخبر في معنى الأمر لأن أخباره تعالى لا يجوز أن تتخلف، وقد علمنا أنه قد عهده من الإمامة وغيرها كثير من الظالمين) (6). قال الفقيه الحنفي أبو بكر الجصاص: (فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق وأنه لا يكون خليفة) (7) وقال الزمخشري عند تفسير هذه الآية: (وقالوا: في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة). قال: (وعن ابن عيينة: لا يكون الظالم إمامًا قط، وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما هو لكفِّ الظلمة، فإذا نصب من كان ظالمًا في نفسه فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب ظلم) (8).--------------------------------------------
(1) [12989])) ((إكمال المعلم)) (6/ 128).
(2) [12990])) ((فتح الباري)) (13/ 8).
(3) [12991])) ((تفسير القرطبي)) (1/ 270)، وانظر: ((السياسة الشرعية)) لابن تيمية (ص: 21).
(4) [12992])) ((أحكام القرآن)) للجصاص (1/ 69).
(5) [12993])) ((التفسير الكبير)) للفخر الرازي (4/ 46).
(6) [12994])) ((فتح القدير)) للشوكاني (1/ 138).
(7) [12995])) ((أحكام القرآن)) للجصاص (1/ 70).
(8) [12996])) ((الكشاف)) (1/ 309).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 47)
وقال ابن خلدون: (وأما العدالة فلأنه منصب ديني ينظر في سائر المناصب التي هي شرط فيها، فكان أولى باشتراطها فيه) (1) وقال البغدادي: (وأقل ما يجب له من هذه الخصلة أن يكون ممن يجوز قبول شهادته تحملاً وأداءً) (2) والحقيقة أنه إذا كان الله تعالى قد جعل العدالة شرطًا في أصغر ما يتصور من الولايات والأحكام مثل حضانة الصغير والحكم في جزاء الصيد، وأن الفاسق لا يصلح أن يكون واليًا على صغير أو يتيم، ولا حكمًا في مسألة قياسية فكيف يصلح واليًا على الأمة جمعاء، وحكمًا في قضايا في غاية الخطورة.
- كما يدل على ذلك أن الفسق مدعاة للتساهل في تطبيق أحكام الشريعة وإقامة الدين، فلو كان فسقه بشرب خمر مثلاً فالمتصور عقلاً أنه لا بد أن يقع منه التساهل في شأن الخمر وشاربها، وهكذا في سائر الأحكام كما أن الأخيار العدول في الأمة كثير والحمد لله فما الداعي لتولية الفاسق؟
هذا وقد قسم الماوردي الفسق الذي تزول به العدالة إلى قسمين:
الأول: ما تابع فيه الشهوة.
الثاني: ما تعلق فيه بشبهة.
فأما الأول منها فمتعلق بأفعال الجوارح وهو ارتكابه للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيمًا للشهوة وانقيادًا للهوى، فهذا - كما يرى الماوردي - يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ....
وأما الثاني: فمتعلق بالاعتقاد والتأول بشبهة تعترض فيتأول لها خلاف الحق، فقد اختلف العلماء فيها، فذهب فريق من العلماء إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها … وقال كثير من علماء البصرة: (إنه لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج به منها كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشهادة) (3).
2 - ومنها ما رواه البخاري وغيره عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنكم سترون بعدي أثرة (4) وأمورًا تنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم)) (5).
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة في هذا الموضوع ولذلك كان مذهب السلف رضوان الله عليهم الصلاة والجهاد مع كل إمام برًا كان أو فاجرًا، لأن هذا من طاعة الله، فهم يطاعون في طاعة الله ويعصون في معصيته. وهذا ما أدى بأبي يعلى أن يقول: (وقد روي عن الإمام أحمد ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل فقال في رواية عبدوس بن مالك: (ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا عليه برًا كان أو فاجرًا فهو أمير المؤمنين) وقال أيضًا في رواية المروزي: (فإن كان أميرًا يعرف بشرب المسكر والغلول يغزو معه إنما ذلك له في نفسه) (6).--------------------------------------------
(1) [12997])) ((مقدمة ابن خلدون)) (ص: 193).
(2) [12998])) ((أصول الدين)) (ص: 277).
(3) [12999])) ((الأحكام السلطانية)) (ص: 17).
(4) [13000])) الأثرة: بفتح الهمزة والثاء: الاسم من آثر يؤثر إيثارًا إذا أعطى، أراد أن يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء. والاستئثار: الانفراد بالشيء. انظر: ((لسان العرب)) (4/ 8) مادة (أثر).
(5) رواه البخاري (7052). من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(6) [13002])) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص: 20).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 48)
فمقصود الإمام أحمد الوالي المتغلب كما هو نص الرواية الأولى - لا في حالة الاختيار من قبل أهل الحل والعقد، ويدلّ على ذلك - بالإضافة إلى ما سبق - قوله أيضًا: (وإن الإمامة لا تجوز إلا بشروطها: النسب، والإسلام، والحماية، والبيت … وحفظ الشريعة، وعلم الأحكام، وصحة التنفيذ والتقوى، وإتيان الطاعة، وضبط أموال المسلمين، فإن شهد له بذلك أهل الحل والعقد من علماء المسلمين وثقاتهم أو أخذ هو ذلك على نفسه ثم رضيه المسلمون جاز له ذلك) (1) فهذا يدلّ على أن الإمام أحمد يشترط كغيره العدالة والعلم في حالة الاختيار أما في حالة التغلب فلا يشترط …
وهذا ما حدا بالأحناف ألا يعدوا العدالة من الشروط الواجبة وأجازوا أن يلي الفاسق أمر الأمة، لكنهم يكرهون ذلك (2)، لأنه قد ثبت أن الصحابة صلّوا خلف أئمة الجور من بني أمية ورضوا بتقلدهم رئاسة الدولة.
والرد عليهم أن ذلك في حال التغلب لا في حال الاختيار كما مر. وهناك من يجعل الفسق موجبًا للعزل، وبناء عليه فلا تلزم إمامة المتغلب الفاسق بل العدل فقط، …
وبهذا يتبين أن هذا الشرط واجب توفره في الإمام عند الاختيار دون التغلب لتضافر الأدلة على ذلك.
كما أنه مما ينبغي التنبيه له أنه ليس المقصود بالعدالة أن يكون المرشح للإمامة معصومًا في أقواله وأفعاله وتصرفاته، خاليًا من كل نقص، مبرَّءًا من كل عيب - كما تدَّعي الرافضة -، فهذه الصفات لا يدركها إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام الذين أكرمهم الله بالعصمة من الكبائر والذنوب وعدم إقرارهم على الصغائر إن وقعت منهم.
أما المسلم العادي فقد يقع في بعض الذنوب والآثام ولكنه سرعان ما يسترجع ويستغفر الله مما بدر منه ويعزم أن لا يعود، فهذه لا تخرم مروءته ولا تبطل عدالته.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)) (3).
كما أن العدالة معتبرة في كل زمان بأهله وإن اختلفوا في وجه الاتصاف بها، فنحن نقطع بأن عدالة الصحابة لا تساويها عدالة التابعين، وعدالة التابعين لا تساويها عدالة من بعدهم، وكذلك كل زمان مع ما بعده إلى زماننا هذا، فلو قيس عدول زماننا بعدول الصحابة والتابعين لم يعدوا عدولاً لتباين ما بينهما من الاتصاف بالتقوى والمروءة، ولكن لا بد من اعتبار كل عدول زمان بحسبه، وإلا لم يمكن إقامة ولاية يشترط فيها العدالة التامة … والله أعلم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: 251--------------------------------------------
(1) [13003])) ((طبقات الحنابلة)) (2/ 305).
(2) [13004])) انظر: ((المسامرة في شرح المسايرة)) (ص: 166، 167)، وانظر: ((حاشية رد المحتار على الدر المختار)) (1/ 548).
(3) رواه الترمذي (2499) ، وابن ماجه (4251) ، والحاكم (4/ 272). من حديث أنس رضي الله عنه. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال ابن حجر في ((بلوغ المرام)) (439): إسناده قوي. وحسّنه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 49)
المبحث السابع: الكفاءة النفسية
ومما ينبغي توفره في الخليفة أيضًا أن يكون شجاعًا جريئًا على إقامة الحدود واقتحام الحروب بصيرًا بها كفيلاً بحمل الناس عليها، عارفًا بالدهاء قويًا على معاناة السياسة وحسن التدبير ليصبح له بذلك ما جعل له من حماية الدين وجهاد العدو وإقامة الأحكام وتدبير المصالح.
ودليل اشتراط هذا الشرط هو طبيعة هذا المنصب الذي يحتاج إلى كل هذه الصفات حتى يكون قادرًا على سياسة الرعية وتدبير مصالحهم الدينية والدنيوية، ولأن الحوادث التي تحدث في الدولة ترفع إليه ولا يتسنى له البتّ فيها كما لا تتبين له المصلحة إلا إذا كان على قدر من الحكمة والرأي والتدبير، ولذلك فلا يولى إلا من كان عنده القدرة على ذلك، يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه حينما قال له: ((يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)) (1). وفي رواية قال له: ((يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين ولا تولين مال يتيم)) (2) فإذا كان كان هذا في الولاية الصغرى وفي الأموال فمن باب أولى في الإمامة العظمى الشاملة للقيام بأعباء الولايات الصغرى والكبرى والأموال وغيرها.
وإلى اشتراط هذا الشرط ذهب إمام الحرمين الجويني (3) وسبقه أبو يعلى حيث يقول: (الثالث: أن يكون قَيِّما بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود لا تلحقه رأفة في ذلك والذب عن الأمة) (4) وبه قال الماوردي: (الرابع: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، الخامس: الشجاعة، والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو) (5) وبه قال البغدادي (6)، وابن خلدون (7)، والإيجي في المواقف (8) والغزالي في فضائح الباطنية (9) وغيرهم كثير.
فهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهناك من العلماء من لا يشترطون هذا الشرط مجوزين الاكتفاء بأن يستشير الإمام أصحاب الآراء الصائبة في كل ما يحتاج إلى البتّ فيه من الأمور المهمة معللين ذلك بأنه يندر أن يتوفر هذا الشرط مع الشروط المطلوبة في الإمامة من الاجتهاد وغيره.
والواقع أنه ليس هناك حدّ معين لهذا الشرط، وإنما لكل زمان بحسبه، فالمهم أن لا يكون هناك قصور يخلّ بالمقاصد التي من أجلها نصب الإمام … والله أعلم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: 259--------------------------------------------
(1) [13006])) رواه مسلم (1825).
(2) [13007])) رواه مسلم (1826).
(3) [13008])) ((غياث الأمم)) (ص: 68).
(4) [13009])) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلي الماوردي (ص: 20).
(5) [13010])) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلي الماوردي (ص: 6).
(6) [13011])) ((أصول الدين)) (ص: 277).
(7) [13012])) ((مقدمة ابن خلدون)) (ص: 193)
(8) [13013])) ((المواقف)) (ص: 398).
(9) [13014])) ((فضائح الباطنية)) (ص: 185).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 50)
المبحث الثامن: الكفاءة الجسمية
والمقصود بها سلامة الحواس والأعضاء التي يؤثر فقدانها على الرأي والعمل. كذهاب البصر والنطق والسمع فهذه تؤثر في الرأي، وفقدان اليدين والرجلين يؤثر في النهوض وسرعة الحركة، وتشوه المنظر وتضعف من هيبة الإمام في نفوس الرعية، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الشرط في قصة طالوت كما مر وذلك في قوله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة: 247].
من أجل هذا قسَّم الفقهاء أوجه النقص الجسدية إلى أربعة أقسام:
الأول: ما لا يمنع من عقد الإمامة وهو: النقص الذي لا يؤثر فقده في رأي ولا عمل ولا يشين في المنظر فهذا نقص لا يحول دون قيام الخليفة بوظائفه لأنه لا يؤثر في كفاءته وقدرته على سياسة الأمور في الدولة الإسلامية.
الثاني: النقص الذي يمنع من اختيار الشخص لمنصب الخلافة كفقد اليدين أو عجز الرجلين الذي يمنعه من النهوض ويؤثر في حركته، فهذا وذاك نقص يؤثر في الكفاءة اللازم توفرها في المرشح للخلافة، ويعوقه عن مباشرة سلطاته واختصاصاته فيما لو ولي أمر الأمة، وهو ما يضر بحقوقها ومصالحها العامة، لذلك فإن هذا النقص يحول دون صلاحية الشخص لرئاسة الدولة، كما أنه يؤدي في حالة طروء هذا النقص عليه بعد توليته الخلافة إلى منع استدامتها.
الثالث: وهو النقص المؤدي إلى العجز الجزئي ويؤثر في أداء بعض الأعمال كقطع إحدى اليدين أو الرجلين، وهذا من شأنه أن يحول دون اختياره للخلافة لعجزه عن كمال التصرف، ولم يختلف الفقهاء في ذلك وإنما اختلفوا في استدامتها …
الرابع: وهو النقص الذي يمنع الخليفة من مباشرة الأعباء المقررة على المنصب ولا يحول دون قيامه بسائر اختصاصاته وسلطاته كالنقص المؤثر في المظهر كجدع الأنف وسمل إحدى العينين، فهذا لا يخرجه من الإمامة بعد عقدها اتفاقًا، لعدم تأثيره في شيء من حقوقها، أما في الاختيار فالعلماء فيه على رأيين منهم من أجاز، ومنهم من منع ليسلم الولاة من شين يعاب ونقص يزدرى فتقلّ هيبتهم، وفي قلَّتها نفور عن الطاعة، وما أدى إلى هذا فهو نقص في حقوق الأمة. أما عن شرط سلامة الحواس. فالسمع والنطق يشترطه كثير من الفقهاء، لأن الوقوف على مصالح المسلمين والرأي والتدبير يتوقف عليهما ومنهم من لم يشترطهما لإمكان الفهم عن طريق الكتابة (1) ونحوها. لكن الراجح اشتراط توفرهما في الخليفة للحاجة إليهما، وكذلك البصر فهو من الشروط التي يجب توافره ضرورة، لأن الأعمى لا يستطيع أن يدبر أمر نفسه وهو ما لا يسمح له أن يدبر أمر المسلمين، أما في الولاية الصغرى فجائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولى ابن أم مكتوم وهو رجل أعمى على المدينة عدة مرات (2) وقد خالف في اشتراط هذا الشرط ابن حزم رحمه الله تعالى فقال: (لا يضر الإمام أن يكون في خلقه عيب، كالأعمى والأصم والأجدع والأجذم والأحدب، والذي لا يدان له ولا رجلان، ومن بلغ الهرم ما دام يعقل ولو أنه ابن مائة عام … فكل هؤلاء إمامتهم جائزة، إذ لم يمنع منها نص القرآن ولا سنة ولا إجماع ولا نظر ولا دليل أصلا) (3).
ونحن لا نقول بأنه نص عليه قرآن ولا سنة ولا إجماع، وإنما مقصود الإمامة لا يتم إلا بمن كانت فيه هذه الشروط، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والله أعلم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي - بتصرف– ص: 261--------------------------------------------
(1) [13015])) انظر: ((الأحكام السلطانية)) للماوردي (ص: 19)، ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص: 21، 22)، ((مآثر الإنافة)) (1/ 34)، ((مقدمة ابن خلدون)) (ص: 193) ((طرق اختيار الخليفة)) د. فؤاد محمد النادي (ص: 64)، ((رئاسة الدولة في الفقه الإسلامي)) (ص: 168).
(2) [13016])) حديث استخلاف ابن أم مكتوم على المدينة رواه أبو داود (2931)، وأحمد (3/ 132) (12366)، وأبو يعلى (5/ 422) (3110). من حديث أنس رضي الله عنه. والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في ((الأحكام الصغرى)) (496)، وحسن سناده ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (1/ 174)، وحسنه ابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (4/ 2) كما قال ذلك في المقدمة.
(3) [13017])) ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) (4/ 167).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 51)
المبحث التاسع: عدم الحرص عليها
وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الشرط، وجعل الحرص عليها بغير مصلحة شرعية تهمة يعاقب عليها بمنعه منها. والأدلة على هذا الشرط كثيرة منها:
1 - عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)) (1).
2 - وعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من قومي فقال أحد الرجلين: أَمِّرنا يا رسول الله، وقال الآخر مثله، فقال: ((إنا لا نُوَلِّي هذا من سأله ولا من حرص عليه)) (2).
ولذلك قال سفيان الثوري رحمه الله: (إذا رأيت الرجل يحرص على أن يؤَمَّر فأخِّرْه) (3) أما إذا كان في تقديم الإنسان نفسه مصلحة شرعية كأن يكون أهلاً لهذا المنصب فيموت الوالي ولا يوجد غيره، وخشي من التأخر الفتنة والضياع، فله أن يقدم نفسه بنية المصلحة الشرعية لا بنية الحرص عليها، قال الحافظ ابن حجر: (وهذا لا يخالف ما فرض في الحديث الذي قبله من الحصول بالطلب أو بغير طلب، بل في التعبير. بـ (حرص) إشارة إلى أن من قام بالأمر عند خشية الضياع يكون كمن أُعْطى بغير سؤال، لفقد الحرص غالبًا عمن هذا شأنه، وقد يغتفر الحرص في حق من تعين عليه لكونه يصير واجبًا عليه) (4). …
هذا وقد سأل الولاية بعض الأنبياء المصطفين عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام حينما رأوا أنهم أكفأ من يقوم بها، ولخطورة ما يترتب عليها لو وضعت في يد غير أمينة، فهذا يوسف عليه السلام يقول للملك: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: 55] وهذا سليمان عليه السلام يسأل الله عز وجل الولاية فيقول: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي … [ص: 35] الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي - بتصرف– ص 264--------------------------------------------
(1) [13018])) رواه البخاري (6622)، ومسلم (1652).
(2) [13019])) رواه البخاري (3194).
(3) [13020])) رواه ابن الجعد في مسنده (ص: 269).
(4) [13021])) ((فتح الباري)) (13/ 126).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 52)
المبحث العاشر: القرشية
هذا الشرط من الشروط التي وردت النصوص عليه صريحة وانعقد إجماع الصحابة والتابعين عليه، وأطبق عليه جماهير علماء المسلمين، ولم يخالف في ذلك إلا النزر اليسير من أهل البدع كالخوارج وبعض المعتزلة وبعض الأشاعرة، …
من هم قريش؟
قبيلة قريش هم أولاد قريش، واختلف النَّسَّابون في قريش هذا من هو؟ على عدة أقوال:
الأول: قيل هو: النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. قال ابن هشام: (النضر قريش، فمن كان من ولده فهو: قرشي. ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي) (1). وإلى هذا القول ذهب بعض الشافعية (2)، ويدل على ذلك ما ذكره ابن إسحاق وغيره في قصة وفد كنده: ((أن الأشعث بن قيس قال: يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار (3) فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث … ثم قال لهم: لا. بل نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا (4) ولا ننتفي من أبينا، فقال الأشعث بن قيس: هل فرغتم يا معشر كندة؟ والله لا أسمع رجلاً يقولها إلا ضربته ثمانين)) (5). قال البغدادي: (وهذا اختيار أبي عبيدة معمر بن المثنى، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وبه قال الشافعي رضي الله عنه وأصحابه) (6) وهو قول ابن حزم (7) وابن منظور (8).
وقول الحافظ ابن حجر (9) وابن قيم الجوزية (10) رحمهم الله تعالى.
الثاني: أن قريشًا هو فهر بن مالك، قال الزبيري: (قالوا: اسم فهر بن مالك، قريش، ومن لم يلد فهر فليس من قريش) (11). وقال الزبيدي: (والصحيح عند أئمة النسب أن قريشًا هو: فهر بن مالك بن النضر، وهو: جماع قريش وهو: الجد الحادي عشر (12) لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل من لم يلده فليس بقرشي (13) قيل: اسمه فهر. ولقبه: قريش. وقيل: العكس، وقد روي عن نسابي العرب أنهم قالوا: من جاوز فهرًا فليس من قريش (14)، قال الزهري: (وهو الذي أدركت عليه من أدركت من نسابي العرب أن من جاوز فهرًا فليس من قريش) (15).--------------------------------------------
(1) [13022])) ((سيرة ابن هشام)) (1/ 93).
(2) [13023])) انظر: ((حاشية الجمل)) (7/ 784).
(3) [13024])) المرار شجر من شجر البوادي، وآكل المرار هو: الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن كندة، وللنبي صلى الله عليه وسلم جدة من كندة مذكورة وهي أم كلاب بن مرة وإياها أراد الأشعث. عن ((زاد المعاد)) (3/ 40).
(4) [13025])) قفى أمه: أي رماها بالفجور، وانتفى من أبيه أي انتسب إلى غير أبيه.
(5) [13026])) رواه ابن ماجه (2132)، وأحمد (5/ 211) (21888)، والطيالسي (2/ 222) (1145)، وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (1/ 23)، قال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (2/ 186): إسناده جيد قوي، وحسنه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)).
(6) [13027])) ((أصول الدين)) (ص: 276)، ((الحاوي)) للماوردي (8/ 466)، ((روضة الطالبين)) للنووي (5/ 321).
(7) [13028])) ((جمهرة أنساب العرب)) (ص: 12).
(8) [13029])) انظر: مادة (قرش) من لسان العرب لابن منظور (6/ 334).
(9) [13030])) ((فتح الباري)) (6/ 534).
(10) [13031])) ((زاد المعاد)) (3/ 40).
(11) [13032])) ((نسب قريش)) لابن المصعب الزبيري (ص: 12).
(12) [13033])) لأن نسبه صلى الله عليه وسلم كالتالي: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر … إلخ. انظر: ((سيرة ابن هشام)) (1/ 1).
(13) [13034])) ((إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين)) (2/ 30).
(14) [13035])) ((شرح المواهب اللدنية)) للزرقاني (1/ 75).
(15) [13036])) ((زاد المعاد)) لابن القيم (3/ 40).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 53)
قال الشنقيطي: (فالفهري قرشي بلا نزاع، ومن كان من أولاد مالك بن النضر، أو أولاد النضر بن كنانة ففيه خلاف، ومن كان من أولاد كنانة من غير النضر فليس بقرشي بلا نزاع) (1) ويدل على ذلك ما رواه واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بين هاشم)) (2).
وهناك أقوال أخرى ضعيفة .... وسميت قريش قريشًا من التقرش، والتقرش التجارة والاكتساب، وقال ابن إسحاق: يقال سميت قريش قريشًا لتجمعها من بعد تفرقها (3)، قال الزبيدي: (وقد حكى بعضهم في تسمية فهر بقريش عشرين قولاً أوردتها في شرحي على (القاموس)) (4) وقيل غير ذلك (5).
أدلة أهل السنة والجماعة على اشتراط القرشية
قلنا: إن جماهير علماء المسلمين قاطبة ذهبوا إلى اشتراط هذا الشرط وحكى الإجماع عليه من قبل الصحابة والتابعين، وبه قال الأئمة الأربعة، فقال الإمام أحمد في رواية الإصطخري: (الخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم، ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة) (6) (وقد نص الشافعي رضي الله عنه على هذا في بعض كتبه (7)، وكذلك رواه زرقان عن أبي حنيفة) (8) وقال الإمام مالك: (ولا يكون - أي الإمام - إلا قرشيًا. وغيره لا حكم له إلا أن يدعوا إلى الإمام القرشي) (9) ولم يخالف في ذلك إلا النزر اليسير من الخوارج وبعض المعتزلة وبعض الأشاعرة، واستدل المثبتون بعدة أدلة صريحة صحيحة من السنة والإجماع فمن السنة ما يلي:
1 - ما رواه البخاري في صحيحه عن معاوية رضي الله تعالى عنه حيث قال البخاري: (باب الأمراء من قريش، حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية - وهم عنده في وفد من قريش - أن عبد الله بن عمرو يحدث ((أنه سيكون ملك من قحطان فغضب فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولئك جهالكم فإياكم والأماني التي تضل أهلها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين)) (10).
2 - ومنها الحديث المتفق على صحته عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)) (11) قال الحافظ ابن حجر: (وليس المراد حقيقة العدد، وإنما المراد به انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش) (12).--------------------------------------------
(1) [13037])) ((أضواء البيان)) (1/ 52).
(2) رواه مسلم (2276).
(3) [13039])) ((سيرة ابن هشام)) (1/ 93، 94). وانظر: ((لسان العرب)) (6/ 334) مادة (قرش).
(4) [13040])) انظر: ((تاج العروس)) (4/ 337).
(5) [13041])) من شاء الاستزادة فليراجع ((نسب قريش)) لابن المصعب الزبيري (ص: 12)، و ((لسان العرب)) مادة (قرش) (6/ 335)، و ((فتح الباري)) (6/ 534).
(6) [13042])) ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلي (1/ 26).
(7) [13043])) ((الأم)) (1/ 143).
(8) [13044])) ((أصول الدين)) (ص: 275).
(9) [13045])) ((أحكام القرآن)) لابن العربي (4/ 1721).
(10) [13046])) رواه البخاري (3500).
(11) [13047])) رواه البخاري (3501).
(12) [13048])) فتح الباري (13/ 117).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 54)
3 - ومنها ما رواه البخاري ومسلم في (صحيحيهما) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم)) (1).
4 - وفي مسند الإمام أحمد: ((أن أبا بكر وعمر لما ذهبا إلى سقيفة بني ساعدة حين اجتمع الأنصار لاختيار خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تكلَّم أبو بكر ولم يترك شيئًا أنزل في الأنصار وذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا ذكره، وقال: ولقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا سلكت وادي الأنصار. ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر فَبَرُّ الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم، فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء)) (2).
وقد مرَّ معنا في الرواية الواردة في الصحيح … في مبايعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه عند ذكره لهذا الحديث بمعناه لا بلفظه حيث قال: (ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش) (3).
(5) ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب البيت ونحن فيه فقال: الأئمة من قريش، إن لهم عليكم حقًا ولكم عليهم حقًا مثل ذلك، ما إن استرحموا رحموا، وإن عاهدوا وفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) (4). وقال ابن حزم: (وهذه رواية الأئمة من قريش. جاءت مجيء التواتر رواها أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومعاوية وروى جابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وعبادة بن الصامت معناها) (5).
… وأكثر من هذا ما ذكره الحافظ ابن حجر حيث قال: (قد جمعت طرقه عن نحو أربعين صحابيًا لما بلغني أن بعض فضلاء العصر ذكر أنه لم يرد إلا عن أبي بكر الصديق) (6). إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة في هذا الباب.
ثانيًا الإجماع:
أما الإجماع: فقد حكاه غير واحد من العلماء منهم: النووي حيث قال في شرحه لحديث: ((الناس تبع لقريش … )) إلخ. الحديث: (هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة) (7).--------------------------------------------
(1) [13049])) رواه البخاري (3495)، ومسلم (1818).
(2) [13050])) رواه أحمد (1/ 5) (18). قال ابن تيمية في ((منهاج السنة)) (1/ 536): مرسل حسن، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/ 194): رواه أحمد - وفي الصحيح طرف من أوله - ورجاله ثقات إلا أن حميد بن عبد الرحمن لم يدرك أبا بكر، وقال الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)): رجاله ثقات إلا أن حميد بن عبد الرحمن لم يدرك أبا بكر وللحديث شاهد.
(3) [13051])) جزء من حديث طويل رواه البخاري (6830). من حديث بن عباس رضي الله عنهما.
(4) [13052])) رواه أحمد (3/ 129) (12329)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (3/ 467) (5942)، والطيالسي (ص: 284)، والطبراني (1/ 252) (725)، والبيهقي (8/ 134) (16318)، والمنذري في ((الترغيب والترهيب)) (3/ 186). وقال: إسناده جيد، والحديث صحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في ((الأحكام الصغرى)) (483) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/ 195): رجال أحمد ثقات، وصححه العراقي في ((محجة القرب)) (189).
(5) [13053])) ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) (4/ 89).
(6) [13054])) ((فتح الباري)) (7/ 32).
(7) [13055])) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (12/ 200).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 55)
ومنهم القاضي عياض. فقد نقل عنه النووي قوله: (اشتراط كونه – أي الإمام - قرشيًا هو: مذهب العلماء كافة. قال: وقد احتج به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على الأنصار يوم السقيفة فلم ينكره أحد، قال القاضي: وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول ولا فعل يخالف ما ذكرنا، وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار قال: ولا اعتداد بقول النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع أنه: يجوز كونه من غير قريش، ولا سخافة ضرار بن عمرو في قوله: إن غير القرشي من النبط وغيرهم يقدم على القرشي لهوان خلعه إن عرض منه أمر وهذا الذي قاله من باطل القول وزخرفه مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين والله أعلم) (1).
وممن حكى هذا الإجماع أيضًا الماوردي (2)، والإيجي في (المواقف) (3)، وابن خلدون في (المقدمة) (4)، والغزالي في (فضائح الباطنية) (5) وغيرهم.
ومن المحدثين الشيخ محمد رشيد رضا حيث قال: (أما الإجماع على اشتراط القرشية فقد ثبت بالنقل والفعل، رواه ثقات المحدثين، واستدل به المتكلمون وفقهاء مذاهب السنة كلهم، وجرى عليه العمل بتسليم الأنصار وإذعانهم لبني قريش، ثم إذعان السواد الأعظم من الأمة عدة قرون … ) (6).
ولكن الحافظ ابن حجر يعترض على هذا الإجماع بقوله: (قلت: ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك، فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: (إن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل … الحديث). ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش فيحتمل أن يقال: لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًا، أو تغير اجتهاد عمر في ذلك والله أعلم) (7).
القائلون بعدم اشتراط القرشية وأدلتهم
أول من قال بعدم اشتراط القرشية الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه (إذ جوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش، وكل من نصبوه برأيهم وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور كان إمامًا) (8).
وزعم ضرار بن عمرو - من شيوخ المعتزلة - أيضًا أن الإمامة تصلح في غير قريش (حتى إذا اجتمع قرشي ونبطي قدمنا النبطي إذ هو أقل عددًا وأضعف وسيلة فيمكننا خلعه إذا خالف الشريعة) (9) قال الشهرستاني: (والمعتزلة - أي جمهورهم - وإن جوزوا الإمامة في غير قرشي، إلا أنهم لا يجيزون تقديم النبطي على القرشي (10) وزعم الكعبي أن القرشي أولى بها من الذي يصلح لها من غير قريش، فإن خافوا الفتنة جاز عقدها لغيره) (11).--------------------------------------------
(1) [13056])) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (12/ 200).
(2) [13057])) ((الأحكام السلطانية)) (ص: 6).
(3) [13058])) ((المواقف)) (ص: 398).
(4) [13059])) ((مقدمة ابن خلدون)) (ص: 194).
(5) [13060])) ((فضائح الباطنية)) (ص: 180).
(6) [13061])) ((الخلافة أو الإمامة العظمي)) لرشيد رضا (ص: 19).
(7) [13062])) ((فتح الباري)) (13/ 119). والواقع أنه لا يرجع إلى التأويل إلا إذا صح الخبر في مخالفة عمر للإجماع، ولكن هذا الأثر ضعيف لانقطاعه.
(8) [13063])) ((الملل والنحل)) (1/ 116).
(9) [13064])) ((الملل والنحل)) للشهرستاني (1/ 91).
(10) [13065])) ((الملل والنحل)) (1/ 91).
(11) [13066])) ((أصول الدين)) (ص: 275).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 56)
ومن الأشاعرة إمام الحرمين الجويني حيث مال إلى عدم اشتراطه، وزعم أنه من أخبار الآحاد وهو على مذهبه الباطل لا يحتج به في مثل هذه المسائل حيث قال: (وهذا مسلك لا أوثره، فإن نقلة هذا الحديث معدودون لا يبلغون مبلغ عدد التواتر والذي يوضح الحق في ذلك: أنا لا نجد في أنفسنا ثلج الصدور واليقين المثبوت بصدد هذا من فلق (1). في رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما لا نجد ذلك في سائر أخبار الآحاد، فإذًا لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب في الإمامة) (2) وقال في كتابه (الإرشاد): (وهذا مما يخالف فيه بعض الناس، وللاحتمال فيه عندي مجال، والله أعلم بالصواب) (3).
وقد اختلف قول أبي بكر الباقلاني، فاشترط القرشية في كتابه (الإنصاف) فقال: (ويجب أن يعلم أن الإمامة لا تصلح إلا لمن تجتمع فيه شرائط منها: أن يكون قرشيًا لقوله صلى الله عليه وسلم: ((الأئمة من قريش)) (4) ولم يشترطها في كتابه (التمهيد) حيث قال: (إن ظاهر الخبر لا يقضي بكونه قرشيًا، ولا العقل يوجبه) (5).
وإلى نفي اشتراط القرشية ذهب أكثر الكتاب المحدثين منهم: الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية) وذهب إلى أن الأحاديث الواردة مجرد أخبار لا تفيد حكمًا (6)، ومنهم العقاد (7)، ومنهم د. علي حسني الخربوطلي في كتابه (الإسلام والخلافة) (8) وتجرأ على رمي الأحاديث المذكورة بالوضع، ومنهم د. صلاح الدين دبوس في كتابه (الخليفة توليته وعزله) وذهب إلى أن هذه الأحاديث مجرد أخبار (9)، ومنهم الأستاذ محمد المبارك رحمه الله وعفا عنه واعتبرها من باب السياسة الشرعية المتغيرة بتغير العوامل (10).
واستدل من ذهب إلى نفي اشتراط القرشية بما يلي:
1 - بقول الأنصار يوم السقيفة (منا أمير ومنكم أمير) (11) قالوا: فلو لم يكن الأنصار يعرفون أنه يجوز أن يتولى الإمامة غير قرشي لما قالوا ذلك.
2 - ومن أدلتهم أيضًا ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسوا الله صلى الله عليه وسلم: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)) (12) فالحديث أوجب الطاعة لكل إمام وإن كان عبدًا، فدل على عدم اشتراط القرشية.--------------------------------------------
(1) [13067])) الفلق: بيان الحق بعد إشكاله.
(2) [13068])) ((غياث الأمم)) للجويني (ص: 163).
(3) [13069])) ((الإرشاد إلى قواعد الأدلة في أصول الاعتقاد)) لأبي المعالي الجويني (ص: 427).
(4) [13070])) ((الإنصاف)) للباقلاني (ص: 69).
(5) [13071])) نقلاً عن الأستاذ عبد الوهاب عبد اللطيف في تعليقه على ((الصواعق المحرقة)) للهيتمي (ص: 9) ولم أقف على هذا الكلام في كتاب ((التمهيد)) لأن النسخة الموجودة المتداولة الآن من تحقيق جماعة من المستشرقين، وقد حذفوا كتاب ((الإمامة)) كاملاً، وقد نسب هذا الكلام إلى الباقلاني ابن خلدون أيضًا. انظر: ((المقدمة)) (ص: 194).
(6) [13072])) ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (1/ 90).
(7) [13073])) ((الديمقراطية في الإسلام)) (ص: 69).
(8) [13074])) ((الإسلام والخلافة)) (ص: 42).
(9) [13075])) ((الخليفة توليته وعزله)) (ص: 270).
(10) [13076])) ((نظام الإسلام في الحكم والدولة)) (ص: 71).
(11) رواه البخاري (3667، و3668). من حديث عائشة رضي الله عنها.
(12) رواه البخاري (7142).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 57)
3 - واستدلوا أيضًا بقول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حيّ استخلفته … فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل) (1) والمعروف أن معاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش (2) فدل على الجواز. كما روي عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: (لو أدركني أحد رجلين، ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح) (3).
4 - كما استنتجوا من قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه: (إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش … ) (4) أن هذا تعليل لطاعة العرب لهم فإذا تغير الحال تغير موضع الاختيار.
5 - ومنهم من قال: إن هذه الأحاديث التي يستدل بها أهل السنة إنما هي على سبيل الإخبار، وليس فيها أمر يجب امتثاله، ذهب إلى ذلك بعض الكتاب المحدثين كالشيخ محمد أبي زهرة (5) ود. صلاح الدين دبوس (6). وغيرهم.
6 - واستدلوا على ذلك أيضًا بقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13] فجعل الأفضلية والإكرام بالتقوى لا بالمعايير الأخرى كالنسب ونحوه، بل وردت أحاديث تحذر من التفاخر بالأنساب والأحساب، وتنهى عن العصبية الجاهلية منها:
أ- قوله صلى الله عليه وسلم: ((أربع من أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالنجوم)) (7).
ب- ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أذهب عنكم عُبِّيَّة (8) الجاهلية وفخرها بالآباء. الناس رجلان: مؤمن تقي، وفاجر شقي. أنتم بنو آدم، وآدم من تراب. ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن)) (9).
مناقشة هذه الأدلة--------------------------------------------
(1) [13079])) رواه أحمد (1/ 18) (108). قال ابن حجر في ((فتح الباري)) (13/ 127): رجاله ثقات.
(2) [13080])) انظر: الإصابة لابن حجر (9/ 219).
(3) [13081])) رواه أحمد (1/ 20) (129). من حديث أبي رافع رضي الله عنه. قال ابن كثير في ((مسند الفاروق)) (1/ 380): إسناده على شرط السنن وعلي بن زيد بن جدعان له غرائب وإفرادات ولكن له شاهد، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (4/ 223): رواه أحمد وفيه علي بن زيد وحديثه حسن وفيه ضعف، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (1/ 80).
(4) [13082])) رواه البخاري (6830) بلفظ: ((ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش)). من حديث عائشة رضي الله عنها.
(5) [13083])) ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (1/ 90).
(6) [13084])) ((الخليفة توليته وعزله)) (ص: 270).
(7) [13085])) رواه مسلم (934). من حديث أبو مالك الأشعري رضي الله عنه.
(8) [13086])) عُبِّيَّة الجاهلية: بضم العين المهملة وكسر الموحدة المشددة وفتح المثناة التحتية المشددة: أي: فخرها وتكبرها. قال الخطابي: العبية الكبر والنخوة، يريد بهذا القول ما كان عليه أهل الجاهلية من التفاخر بالأنساب والتباهي بها، وأصله مهموز من العبء وهو: الثقل وفيه لغة أخرى وهي: العبية بالكسر. انظر: ((غريب الحديث)) للخطابي (1/ 190).
(9) [13087])) رواه أبو داود (5116)، والترمذي (3955)، وأحمد (2/ 523) (10791)، والمنذري في ((الترغيب والترهيب)) (4/ 62). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن غريب، وحسن إسناده المنذري، وقال ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/ 247): صحيح.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 58)
1 - أما استدلالهم بقول الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير) (1) فواضح البطلان، وذلك لرجوعهم رضي الله عنهم عن هذا القول في تلك اللحظة بعد أن سمعوا النص الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو بكر رضي الله تعالى عنه في قوله: ((ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم. فقال له سعد: صدقت. نحن الوزراء وأنتم الأمراء)) (2). فيحتمل أنهم قالوا هذا القول قبل أن يعرفوا النص الذي يثبت الخلافة في قريش ولهذا رجعوا إلى رشدهم لما عرفوا الحقيقة.
2 - أما استدلالهم بأحاديث الأمر بالطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا، فقد سبق الجواب عليها مفصلاً وأن المراد إما إمامة المتغلب أو الإمارة الصغرى على بعض الولايات، أو لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة وضرَبَهُ مثلاً.
3 - أما استدلالهم بقول عمر في إرادته استخلاف معاذ بن جبل الأنصاري رضي الله تعالى عنه فهذا لم يتم، وإنما رشح عمر ستة قرشيين اختارهم وقال: (ليختاروا أحدهم)، وأيضًا لو ثبت ذلك فإن النص مقدَّم على قول الصحابي وإن بلغ من الفضل ما بلغ، ولعله اجتهاد من عمر رضي الله تعالى عنه ثم تراجع عنه إلى النص، وقد أجاب الحافظ في (الفتح) (3) على هذا الاعتراض باحتمالين هما:
أ- إما أن يكون الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًا.
ب- وإما أن يكون قد تغير اجتهاد عمر في ذلك.
… وإما أن يريد من قوله ذلك الولاية الصغرى، أي: على أحد الأقاليم، وهذا لا يشترط فيه النسب اتفاقًا. هذا على افتراض صحة الحديث، وإلا فالحديث ضعيف لانقطاع سنده فلا يصلح للاحتجاج به.
أما الحديث الثاني والذي فيه ذكر سالم مولى أبي حذيفة وأبي عبيدة فيحتمل إرادة التولية الصغرى أيضاً، أو أنه يعتبر قرشياً، لأن أبا حذيفة القرشي (4) قد تبناه وهو مولى له، ومولى القوم منهم، وقد أرضعته زوجه - وهو كبير - بعد تحريم التبني فأصبح ابنًا له، وقصة إرضاعه مشهورة وهي في صحيح مسلم وغيره، قال ابن عبد البر: (وهو يعد في قريش لما ذكرنا) (5) ويقصد قوله: (لأنه لما أعتقته مولاته زوج أبي حذيفة تولى أبا حذيفة وتبناه أبو حذيفة، ولذلك عُدَّ في المهاجرين) (6) أما أبو عبيدة فقرشي باتفاق (7).
4 - أما استدلالهم بقول أبي بكر: (إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش … ) وقولهم بأن هذا تعليل لطاعة العرب لهم، فإذا تغير الحال تغير موضع الاختيار، هكذا عللوه، وهو تعليل بعيد، لأنه ظاهر في أحقية قريش بالخلافة فهو بحق دليل على اشتراط القرشية لا على نفيها، والنصوص التي ذكرت استدلال أبي بكر مبينة لهذا الظاهر، وهذا ما فهمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بدليل تسليمهم بالطاعة لأبي بكر رضي الله عنه حينما بين لهم هذا الدليل … والله أعلم.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (3667، و3668). من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) [13089])) رواه أحمد (1/ 5) (18). قال ابن تيمية في ((منهاج السنة)) (1/ 536): مرسل حسن، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/ 194): رواه أحمد - وفي الصحيح طرف من أوله - ورجاله ثقات إلا أن حميد بن عبد الرحمن لم يدرك أبا بكر، وقال الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)): رجاله ثقات إلا أن حميد بن عبد الرحمن لم يدرك أبا بكر وللحديث شاهد.
(3) [13090])) ((فتح الباري)) (13/ 119).
(4) [13091])) ((الإصابة)) (11/ 81).
(5) [13092])) ((الاستيعاب)) (2/ 567).
(6) [13093])) ((الاستيعاب)) (2/ 567).
(7) [13094])) ((الإصابة)) (5/ 285).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 59)
5 - وأما من قال بأنها على سبيل الإخبار وليس فيها أمر فمردود، لأنها أمر في صيغة الخبر، وقد وردت بعض الأحاديث بالأمر الصريح كقوله صلى الله عليه وسلم: ((قدموا قريشًا ولا تقدموها)) (1) فهذا أمر منه صلى الله عليه وسلم بذلك.
كما أنه لو كان إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم لتحقق الخبر، وهو: أنه لن يتولى الخلافة إلا قرشي، لأن خبر الصادق لابد أن يتحقق، لكن الواقع غير ذلك، فقد تولى الخلافة غير القرشيين، منهم من يدعي كذبًا أنه قرشي كالعبيديين الذي تسموا بالفاطميين (2)، ومنهم: من لم يدع ذلك كسلاطين الدولة العثمانية، قال ابن حزم: (هذان الخبران - يقصد حديث ابن عمر، ومعاوية السابق ذكرهما - وإن كانا بلفظ الخبر فهما أمر صحيح مؤكد إذ لو جاز أن يوجد الأمر في غير قريش لكان تكذيبًا لخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كفر ممن أجازه) (3).
6 - وأما ما قالوه من أن الإسلام نهى عن العصبية، وأن تسود طائفة معينة على سائر المسلمين وأنه جاء بالمساواة بين المسلمين جميعًا لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى … إلخ.
إن الإسلام باشتراطه أن يكون الإمام قرشيًا لم يكن بذلك داعيًا إلى العصبية القبلية التي نهى عنها في أكثر من موضع، فإن الإمام في نظر الإسلام ليس له أي مزية على سائر أفراد الأمة ولا لأسرته أدنى حق زائد على غيرهم، فالإمام وغيره من أفراد المسلمين سواء في نظر الإسلام، بل هو متحمل من التبعات والمسؤوليات ما يجعله من أشدَّ الناس حملاً وأثقلهم حسابًا يوم القيامة.
وهذا وليس معنى أن الإسلام نهى عن العصبية أن الناس لا تفاضل بينهم، بل التفاضل بين الخلق في الدنيا من صميم الفطرة ووردت أدلة شرعية على ذلك. فجمهور العلماء (4) على أن جنس العرب خير من غيرهم، كما أن جنس قريش خير من غيرهم، قد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم – ((أنه سئل أي الناس أكرم؟ فقال: أتقاهم. فقالوا: ليس عن هذا نسألك، فقال: فيوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق نبي الله، ابن إبراهيم خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: أفعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) (5). وفي رواية: ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) (6). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ذهبت طائفة إلى عدم التفضيل بين الأجناس، وهذا قول طائفة من أهل الكلام: كالقاضي أبي بكر بن الطيب وغيره … وهذا القول يقال له مذهب الشعوبية وهو: قول ضعيف من أقوال أهل البدع) (7). وقال: (لكن تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد فإن في غير العرب خلق كثير خير من أكثر العرب، وفي غير قريش من المهاجرين والأنصار خير من أكثر قريش … ).--------------------------------------------
(1) رواه البزار (2/ 119)، والطبراني كما في ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (10/ 28). من حديث علي رضي الله عنه. وقال: روي من غير وجه وابن الفضل ليس بالحافظ، وأبو بكر بن أبي جهمة، وأبوه لا نعلمهما يحدثان إلا بهذا الحديث، وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه أبو معشر وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (4384).
(2) [13096])) انظر لكشف كذبهم وتبين أصلهم: ((تاريخ السيوطي)) (ص: 4).
(3) [13097])) ((المحلى)) لابن حزم (10/ 503).
(4) [13098])) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (19/ 29).
(5) [13099])) رواه البخاري (3353)، ومسلم (2378). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(6) [13100])) رواه مسلم (2638). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(7) [13101])) ((منهاج السنة)) (2/ 260).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 60)
قال: (والمقصود أنه أرسل صلى الله عليه وسلم إلى جميع الثقلين الإنس والجن فلم يخص العرب دون غيرهم من الأمم بأحكام شرعية، ولكن خص قريشًا بأن الإمامة فيهم، وخص بني هاشم بتحريم الزكاة عليهم، وذلك لأن جنس قريش لما كانوا أفضل، وجب أن تكون الإمامة في أفضل الأجناس مع الإمكان، وليست الإمامة أمرًا شاملاً وإنما يتولاها واحد من الناس) (1). وقال شيخ الإسلام: (وإذا فرضنا اثنين أحدهما: أبوه نبي. والآخر: أبوه كافر. وتساويا في التقوى والطاعة من كل وجه كانت درجتهما في الجنة سواء، ولكن أحكام الدنيا بخلاف ذلك في: الإمامة، والزوجية، والشرف، وتحريم الصدقة ونحو ذلك … ) قال: والخير في الأشراف أكثر منه في الأطراف (2).
أما نفس ترتيب الثواب والعقاب على القرابة ومدح الله عز وجل للشخص المعين وكرامته عند الله وفضله فهذا لا يؤثر فيه النسب، وإنما المؤثر الوحيد هو التقوى والعمل الصالح، كما قال عز وجل: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13]
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في فضل قريش على سائر القبائل (3) منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم)) (4). فالحاصل أن هناك من ألغى فضيلة الأنساب مطلقًا، وهناك من يفضل الإنسان بنسبه على من هو أعظم منه في الإيمان والتقوى فضلاً عمن هو مثله. قال ابن تيمية: (فكلا القولين خطأ، وهما متقابلان، بل الفضيلة بالنسب فضيلة جملة، وفضيلة لأجل المظنة والسبب، والفضيلة بالإيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية، فالأول يفضل به لأنه سبب وعلامة، ولأن الجملة أفضل من جملة تساويها في العدد، والثاني يفضل به لأنه الحقيقة والغاية، ولأن كل من كان أتقى كان أكرم عند الله، والثواب من الله يقع على هذا، لأن الحقيقة قد وجدت فلم يعلق الحكم بالمظنة) (5).
فالمقصود أن اشتراط القرشية في الإمام ليس له علاقة بالعصبية القبلية التي نهى الإسلام عنها ألبتة. كما أن النسب في حد ذاته في أصل الشريعة لا قيمة له ذاتية وإنما هو صفة كمال.
هذا وأهل السنة لم يقصروها على نوع بعينه من قريش، وإنما كان من انتسب إلى قريش جازت له الإمامة إذا توفرت شروطها الأخرى، وهناك من المبتدعة من قصرها على فرع معين، فقصرها بعضهم على بني هاشم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي- بتصرف – ص: 265--------------------------------------------
(1) [13102])) ((مجموع الفتاوى)) (19/ 30).
(2) [13103])) ((المنتقي من منهاج الاعتدال)) للذهبي (ص: 530).
(3) [13104])) انظر: كتاب ((السنة)) لابن أبي عاصم (2/ 632).
(4) رواه مسلم (2276) بلفظ: ((ولد)) بدلاً من ((بني)). من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه.
(5) [13106])) ((منهاج السنة)) (2/ 261).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 61)
تمهيد
حِمْلُ الإمامة ثقيل، وواجباتها كبيرة لا يستطيع القيام بها على وجهها الأكمل إلا أولو العزم من الرجال، لذلك كانت من أعظم القربات عند الله لمن احتسب القيام بها، وقصد التقرُّب إليه تعالى، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله … )) وذكر منهم: ((إمام عادل … )) (1).
ومما يدل على ثقل هذا الحمل ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في الإمارة: ((إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)) (2). وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيِّده وهو مسؤول عنه، ألا كلّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) (3). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: 234--------------------------------------------
(1) [13107])) رواه البخاري (660)، ومسلم (1031). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) [13108])) رواه مسلم (1825).
(3) رواه البخاري (5200)، ومسلم (1829). من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 62)
المبحث الأول: الواجبات الأساسية
• المقصد الأول: إقامة الدين.
• المقصد الثاني: سياسة الدنيا بهذا الدين.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 63)
المقصد الأول: إقامة الدين
وتتمثل في:
أولاً: حفظه وذلك بما يلي:
1 - نشره والدعوة إليه بالقلم واللسان والسنان.
2 - دفع الشبه والأباطيل ومحاربتها.
3 - حماية البيضة وتحصين الثغور حتى يكون المسلمون في أمن على دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم.
ثانيًا: تنفيذه وذلك بما يلي:
1 - إقامة شرائعه وحدوده وتنفيذ أحكامه: وذلك يشمل جباية الزكاة، وتقسيم الفيء، وتنظيم الجيوش المجاهدة لأجل رفع راية الإسلام، وإقامة قضاة الشرع للحكم بين الناس بما أنزل الله، وتنفيذ هذه الأحكام والحدود التي شرعها الله لعباده … إلخ.
2 - حمل الناس عليه بالترغيب والترهيب.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 64)