لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته، لا يدرى ما آمره ولا زاجره، وما ينبغى أن يقف عنده منه، ينثره نثر الدقل؟ [الإحياء: 1/ 500].
24 - قال عثمان بن عفان وحذيفة بن اليمان رضى الله عنهما:
«لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن .. » [الإحياء: 1/ 522].
25 - قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: «إن هذا القرآن مأدبة الله فمن دخل فيه فهو آمن» [الزهد لابن المبارك: 272].
26 - قال أبو هريرة رضى الله عنه: «البيت الذى يتلى فيه كتاب الله كثر خيره، وحضرته الملائكة، وخرجت منه الشياطين. والبيت الذى لا يتلى فيه كتاب الله ضاق بأهله، وقل خيره، وحضرته الشياطين، وخرجت منه الملائكة .. » [الزهد لابن المبارك: 273].
27 - عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه قال: (من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلّا أنه لا يوحى إليه، ومن قرأ القرآن فرأى أحدا من خلق الله أعطى أفضل مما أعطى فقد حقر ما عظم الله، وعظم ما حقر الله، وليس ينبغى لحامل القرآن أن يجهل فيمن يجهل، ولا يحد فيمن يحد، ولكن يعفو ويصفح [الزهد لابن المبارك: 275 - 276].
وهذه طائفة من أقوال التابعين وتابعيهم الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية يتحدثون فيها عن القرآن الكريم:
1 - قال الفضيل بن عياض رحمه الله: ينبغى لحامل القرآن أن لا تكون له حاجة إلى أحد من الخلفاء، فمن دونهم، وينبغى أن تكون حوائج الخلق إليه» وعنه قال: «حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغى أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيما لحق القرآن .. » [التبيان: 28 - 29؛ وإحياء علوم الدين: 1/ 499].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
2 - قال إبراهيم الخواص- وقيل إبراهيم النخعى- رحمه الله «دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين» [التبيان: 46].
3 - الأعمش قال: دخلت على إبراهيم (النخعى) وهو يقرأ بالمصحف، فاستأذن عليه رجل فغطاه!! وقال: «لا يرى هذا أنى أقرأ كل ساعة».
وعن أبى العالية قال: كنت جالسا مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنهم، فقال رجل منهم: قرأت الليلة كذا .. فقالوا: هذا حظك منه». وكأنه لا أجر له عند الله، لأنه يطلب الثناء من الناس، ولذلك أخذ حظه منه المتمثل فى ثناء الناس. [التبيان: 60].
4 - عن طاوس رحمه الله قال: «أحسن الناس صوتا بالقرآن أخشاهم لله». [فضائل القرآن لابن كثير: 36].
5 - كان أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمى الكوفى- قد قعد يعلم الناس القرآن منذ إمارة عثمان إلى أيام الحجاج .. قالوا وكان مقدار ذلك الذى مكث يعلم فيه القرآن حوالى سبعين سنة!! [فضائل القرآن: 40].
6 - قال الضحاك بن مزاحم: ما من أحد تعلم القرآن فنسيه إلّا بذنب يحدثه، لأن الله تعالى يقول: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30]، وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب» [فضائل القرآن: 43].
7 - ذكر ابن أبى الحوارى قال: أتينا فضيل بن عياض ونحن جماعة، فوقفنا على الباب فلم يأذن لنا بالدخول، فقال بعض القوم: إن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
كان خارجا لشيء فسيخرج لتلاوة القرآن! فأمرنا قارئا فقرأ، فأطلع علينا من كوة، فقلنا: السلام عليك ورحمة الله فقال: وعليكم السلام. فقلنا: كيف أنت يا أبا على، وكيف حالك؟ فقال: أنا من الله فى عافية، ومنكم فى أذى، وإن ما أنتم فيه حدث فى الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ما هكذا كنا نطلب العلم، ولكنا كنا نأتى المشيخة فلا نرى أنفسنا أهلا للجلوس معهم، فنجلس دونهم ونسترق السمع، فإذا مر الحديث سألناهم إعادته فقيدناه، وأنتم تطلبون العلم بالجهل، وقد ضيعتم كتاب الله، ولو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما تريدون. قلنا: قد تعلمنا القرآن! قال: إن فى تعلمكم القرآن شغلا لأعماركم وأعمار أولادكم، قلنا: كيف يا أبا على؟ قال: لن تعلموا القرآن حتى تعرفوا إعرابه، ومحكمه من متشابهه، وناسخه من منسوخه، إذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة» [تفسير القرطبى: 1/ 22].
8 - قال مجاهد: «أحب الخلق إلى الله أعلمهم بما أنزل» [القرطبى: 1/ 26].
9 - قال الحسن البصرى: والله ما أنزل الله آية إلّا أحب أن يعلم فيما أنزلت وما يعنى بها» [1/ 26].
10 - قال أبو سليمان الدارانى: «الزبانية أسرع إلى حملة القرآن الذين يعصون الله عز وجل منهم إلى عبدة الأوثان .. » [إحياء علوم الدين:
1/ 499].
11 - قال الحسن البصرى: إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل، وجعلتم الليل جملا، فأنتم تركبونه فتقطعون به مراحله .. وإنّ من كان قبلكم رأوه رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار [الإحياء: 1/ 500].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
12 - قال مالك بن دينار: ما زرع القرآن فى قلوبكم يا أهل القرآن؟
إن القرآن ربيع المؤمن، كما أن الغيث ربيع الأرض .. [الإحياء:
1/ 518].
13 - قال قتادة: لم يجالس أحد القرآن إلّا قام بزيادة أو نقصان.
قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (82) [الإسراء: 28]، [الإحياء: 1/ 518].
14 - قال ثابت البنانى: «كابدت القرآن عشرين سنة، ثم تنعمت به عشرين سنة» [1/ 522].
15 - قال مجاهد رحمه الله فى قوله تعالى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة: 121] «يعملون به حق العمل» [الزهد لابن مبارك: 273].
16 - قال الحسن البصرى: «إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله .. وما تدبّر آياته إلا باتباعه، وما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده .. حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفا، وقد والله أسقطه كله، ما يرى القرآن له فى خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول إنى لأقرأ السورة فى نفس! والله ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة، متى كانت القراء مثل هذا؟ ..
لا كثر الله فى الناس مثل هؤلاء .. » [الزهد: 274].
17 - قال قتادة فى قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) [المؤمنون: 3] أتاهم والله من أمر الله، ما وقذهم عن الباطل. وقذهم: يعنى صرفهم وأبعدهم [الزهد: 276].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
من آداب تلاوة القرآن
حتى تكون تلاوة القرآن نافعة، وحتى تعطى ثمارها من التدبر والتأثر والاستقامة، وحتى تؤدى كما كان يؤديها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فلا بدّ من ملاحظة آدابها والالتزام بها ومراعاتها قبيل التلاوة وأثناءها.
وقد استخرج العلماء هذه الآداب من خلال تعاملهم مع القرآن، حيث عرفوا بعضها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه، وأدركوا بعضها من خلال تعاملهم الحى مع القرآن الكريم، وتجربتهم الغنية معه.
ومعظم الذين كتبوا عن تلاوة القرآن عرضوا لطائفة من آدابها ومستحباتها، وحذروا من مكروهاتها. ومن أشهر الذين تحدثوا عن ذلك حجة الإسلام أبو حامد الغزالى حيث عرض عشرة من أعمال الباطن- فى نفس القارئ- للقرآن. ومن هؤلاء الإمام النووى الذى ألّف كتابا ممتعا نافعا هو «التبيان فى آداب حملة القرآن» وخصص البابين الخامس والسادس منه لآداب التلاوة .. وقد اطلع السيوطى على ما ذكره الغزالى والنووى- وغيرهما من العلماء- عن آداب التلاوة فأورد فى كتابه: «الإتقان فى علوم القرآن» طائفة من هذه الآداب .. أما الكاتبون المعاصرون عن القرآن فقد عرضوا طائفة من آداب التلاوة التى ذكرها العلماء، ومنهم الإمام حسن البنا فى رسالته «المأثورات»، ونبيه عبد ربه فى رسالته «كيف نحيا بالقرآن»؟.
وسوف أضع بين يدى القارئ الكريم أهم هذه الآداب، بأخصر الألفاظ وأوجزها وأوفاها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
1 - اختيار الوقت المناسب لتلاوة القرآن، والذى يتجلى الله فيه على عباده، وتنزل فيه فيوضات رحمته، وأفضل الأوقات ما كان فى الثلث الأخير من الليل وقت السحر، ثم قراءة الليل، ثم قراءة الفجر، ثم قراءة الصبح، ثم قراءة باقى أوقات النهار.
2 - اختيار المكان المناسب كأن يكون بيتا من بيوت الله، أو ركنا فى بيته يفرغه من الموانع والشواغل والتشويش، ويبعد عنه الضجيج والصياح والكلام الدنيوى ولعب وعبث الأطفال، وجميل جدا أن يتلو القرآن فى حديقة جميلة، أو نزهة ممتعة إلى المناظر الخلابة .. هذا ومن الجائز أن يتلو القرآن وسط الكلام والضجيج والزحام، كأن يكون فى جلسة مع آخرين، أو سائرا فى الطريق العام أو راكبا سيارة أو غيرها، وإن كان التدبر فى هذا قليلا.
3 - اختيار الجلسة المناسبة والحالة الخاصة والهيئة الصالحة لأن يتلقى عن الله .. وهى التى تتجلى فيها عبوديته لله، ويبرز فيها تذلّله وخضوعه، وأفضل الجلسات لمريد التلاوة: أن يستقبل القبلة جالسا جلسة التشهد للصلاة- وهى أظهر الجلسات عبودية- فإذا تعب من هذه الجلسة فليحاول أن يجلس جلسة أخرى مناسبة مستقبلا القبلة، وله أن يجلس أية جلسة شاء، على أن يظهر منها توقيره لكلام الله، وتذلّله لله، وإجلاله له ..
4 - الطهارة الخارجية فلا بد أن يكون متطهرا من الجنابة، وأن تكون المرأة متطهرة من الجنابة والحيض والنفاس، ويفضّل للرجل والمرأة أن يكونا متطهرين من الحدث الأصغر أيضا بأن يكونا متوضئين، ليحسنا التلقى عن الله سبحانه .. ولكن يجوز لهما أن يقرءا القرآن- للعبادة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
أو للحفظ أو للعلم أو للتعليم- على غير وضوء، لعدم ورود دليل من القرآن يمنع ذلك، ولعدم صحة الأحاديث التى تشترط ذلك .. هذا وقد أفتى العلماء للمرأة التى تمارس العلم والتعليم- معلمة أو طالبة- أن تقرأ القرآن للتعلم أو التعليم وهى حائض أو نفساء للضرورة.
5 - تطهير أدوات التلاوة التى يتعامل مع القرآن من خلالها، وتنظيفها مما علق بها من معاص وذنوب ومنكرات، لأن نظافة وطهارة الوعاء شرط للانتفاع بالمضمون! فكيف يحسن تلاوة القرآن وتدبره وفهمه بعين لوثتها النظرات المحرّمة؟ أو بأذن دنستها الأصوات المنكرة ومزامير الشيطان؟ أو بلسان نجسته الغيبة والنميمة والكذب والافتراء والسخرية والاستهزاء؟ وكيف يعى القرآن ويتفاعل معه قلب عليه أكنة وأغطية وحجب وموانع الشبهات والشهوات والرغبة فى المعاصى والمنكرات،
والإقبال على الرذائل والمحرمات، وقد أفسدته الأمراض والآفات من الرياء والعجب والتكبر؟
إن القرآن كالمطر، فكما أن المطر لا يؤثر فى الجماد والصخر، ولا يتفاعل معه إلّا التربة المهيأة، فكذلك القرآن لا بدّ أن ينزل على بيئة صالحة ليتفاعل معها، ويؤثر بها، ويحيا من خلالها، وهذه البيئة هى الحواس والقلوب التى تقبل عليه.
6 - استحضار النية عند التلاوة، والإخلاص الكامل لله، والتجرد من كل غرض دنيوى، وذلك حتى يثاب على تلاوته وعمله وعبادته، لأن الأعمال بالنيات، ولأن العلم والفهم والتدبر محض نعمة من الله ورحمة، ورحمة الله لا تمنح لمن اجتمع فى قلبه التخليط والتدليس والتلبيس!! 7 - الالتجاء إلى الله، والعوذ به، والاحتماء بحماه، والإقبال عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
إقبال المضطر، أو الغريق الطالب النجاة، والتبرّؤ من كل حول أو قوة، أو علم وعقل وفهم وفطنة، والاعتقاد الجازم بأن كل هذا لا نفع له إذا لم يمنّ الله على صاحبه التدبر والفهم والتأثر والالتزام.
8 - الاستعاذة والبسملة. تنفيذا لتوجيهات القرآن للقارئين، كما فى قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98) [النحل: 98]، وعليه أن يعيش معنى الاستعاذة، وأن يتدبرها، وأن يكون صادقا بكيانه كله فى نطقها، لتتحقق الاستعاذة المطلقة بالله سبحانه، وذلك حتى يعيذه الله ويبعد عنه كيد الشيطان، وذلك لأن الله وعد المؤمن إذا استعاذ بالله من الشيطان- إنسيا أو جنيا- فإنه يعيذه ويبعده عنه: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (45) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (46) [الإسراء: 45 - 46].
أما البسملة فيأتى بها عند ما يقرأ السورة من أولها- باستثناء سورة براءة- ويندب له أن يأتى بها عند قراءته من وسط السورة، ويندب له أن يأتى بها إذا قطع تلاوته لعارض ثم عاد إليها. والإتيان بالبسملة من باب التبرك والتيمن بذكر اسم الله، واستدرار فيوضاته وبركاته ورحماته سبحانه.
9 - تفريغ النفس من شواغلها، وقضاء حاجاتها، وتلبية طلباتها قبل الإقبال على القراءة، وذلك لأن الحاجات تبقى تلح على النفس وتخايل لها، وبذلك تحجب القلب عن التدبر والوعى والتلقى .. فلا يكون قارئ القرآن- أثناء قراءته- جائعا أو عطشا، أو مهموما قلقا مضطربا، أو يعيش فى برد شديد أو حر مؤذ، أو جالسا فى مكان عام ينظر فيه للغادين والرائحين وينشغل بهم، أو جالسا أمام التلفاز عينه فى القرآن وأذنه تسمع التلفاز، أو منتظرا تقديم الطعام ونفسه وأحاسيسه مشغولة باستقباله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
10 - حصر الفكر أثناء التلاوة وجعله مع القرآن فقط، وقصر الخيال على الآيات، ومنعه من الشرود والتجوال مع مظاهر الحياة وظواهرها، وتوظيف كل نوافذ المعرفة ووسائل التدبر وعوامل التلقى، فى النفس والمشاعر والأحاسيس والفكر والخواطر والخيال .. توظيفها للقرآن فقط، وإعادة كل من حاول الخروج عن هذه المهمة. فإذا ما فعل القارئ هذا فإنه سيخرج بزاد عظيم من التلاوة وسيحصل نتائج باهرة وثمارا يانعة.
11 - استحضار الخشوع اللائق بكتاب الله وتلاوته، واستجلاب التأثر والانفعال، وملاحظة بعض نماذج الخاشعين المتأثرين أثناء التلاوة من الصالحين، لتكون له بهم قدوة.
12 - البكاء أثناء التلاوة، وبخاصة إذا قرأ آيات العذاب، أو مر بمشاهده، وذلك عند ما يستحضر مشاهد القيامة وأحداث اليوم الآخر، ومظاهر الهول فيها، ثم يلاحظ تقصيره فى الحقوق، وتفريطه فى جنب الله.
فإذا لم يستطع البكاء فليحاول التباكى، والتباكى هو استجلاب للبكاء واستقدام له، فإذا عجز عن البكاء وعن التباكى فليحاول أن يبكى على نفسه هو، وعلى قلبه وروحه، لكونه محروما من هذه النعم الربانية، مريضا بقسوة القلب وجمود العين!! 13 - تعظيم المتكلم سبحانه وتعالى، والشعور بكرمه وفيوضاته وعطاياه، الذى يخاطب- وهو العلى العظيم سبحانه- عباده الضعاف.
وهذا التعظيم يدعوه- من جملة ما يدعوه إليه- إلى تعظيم كلامه، والإقبال عليه للتفاعل والتدبر والتربية والالتزام. ولعل هذا التعظيم لله ولكلامه، يجعل القارئ ملتزما بآداب التلاوة الأخرى مستحضرا لها،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
ولعله من أهم الوسائل للخروج من التلاوة بزاد عظيم من المعانى والحقائق والدروس والدلالات.
14 - الوقوف أمام الآيات ليتدبرها ويفهم معانيها، ويدرك حقائقها، ويلاحظ علومها ومعارفها ودروسها ودلالاتها .. لأن هذا هو الهدف من التلاوة، وما نفع تلاوة لا تحقق هذا التدبر؟ ولا تولد هذا الفهم؟ ولا تعطى هذا الرصيد الخير؟
15 - التأثر والانفعال بالآيات حسب موضوعاتها وسياقها، فتجده يفرح إذا قرأ آيات التبشير والرجاء والأمل، ويحزن ويبكى عند آيات الإنذار والتهديد والوعيد، ويسر إذا قرأ آيات النعيم، ويخاف عند آيات العذاب، ويعرض نفسه على آيات صفات المؤمنين ليستكمل الناقص، وعلى آيات صفات الكافرين والمنافقين ليتخلى عما علق به منها، ويفتح حواسه على الأوامر والتكاليف الربانية ليعمل بها، وعلى المنهيات والمحرمات ليبتعد عنها.
وإذا قرأ آية نعيم سأل الله أن يكون من أهله، وإذا قرأ آية عذاب تعوذ بالله منه، ويجيب على استفهامات القرآن وأسئلته، وينفذ الأوامر والتكاليف، ويتبرأ من الكفار وصفاتهم، ويقبل على المؤمنين ويوثق ولاءه لهم .. وهكذا ..
16 - الشعور بأن القارئ نفسه هو المخاطب بالآيات، وهو الذى وجهت إليه التكليفات، ثم يعيش هذا الشعور، ويدرك نتائجه وآثاره على نفسه وكيانه كله .. وبذلك يقف طويلا أمام الآية، ويعرف ماذا تطلبه منه وماذا تنهاه عنه .. وتستوقفه آيات التكاليف المبدوءة ب: يا أيها الذين آمنوا، ويا أيها الناس، ويا أيها الإنسان، ويفتح لها كل منافذ التلقى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
والانفعال والاستجابة، لأن ما بعدها إما أمر للتنفيذ، أو نهى عن محظور، أو عتاب وتذكير، أو توجيه إلى خير وهدى ..
17 - التخلى عن موانع الفهم لآيات القرآن، وحجب التدبر لها، ومن هذه الموانع والحجب، نقيض الآداب والقواعد التى سبق إيرادها، لأن التلبس بضدها هو حائل يحول بين القارئ وبين القرآن، وحجاب ساتر سميك يستر عنه أنوار القرآن وهداه .. كذلك من موانع وحجب الفهم والتدبر عدم ملاحظة ومراعاة المفاتيح التى سنوردها فى المباحث القادمة بعون الله ..
18 - وعلى المستمع للقرآن والمتدبر لما يسمع منه، سواء كان يسمع قراءة قارئ آخر بجانبه، أو يسمعه من قارئ فى الإذاعة أو شريط مسجل، عليه أن يلاحظ الآداب السابقة كلها، وأن يزيد عليها حسن السماع، وحسن الإنصات، وحسن التدبر وحسن التلقى، وأن لا يفتح للتلاوة أذنيه فقط، بل يفتح لها كل نوافذ التلقى والاستجابة والانفعال فى كيانه ومشاعره وأحاسيسه، وأن يلتزم فى سماعه واستماعه التوجيه الربانى الراشد فى كتابه الكريم: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) [الإسراء: 204].
ولا يليق بهذا المستمع للقرآن أن يفتح الراديو أو المسجل على قارئ للقرآن وينصرف عنه، ويتشاغل بأشغال أو أحاديث جانبية، وإن اضطر إليها فليغلق الراديو أو المسجل على أن يعود إليه بعد ما ينتهى من عمله .. وليس من اللائق أن يغلق الراديو والقارئ ما زال يقرأ، بل ينتظر إلى أن يسكت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
نحو نظرية حركية لتدبّر القرآن والحياة به
تدبّر القرآن واجب، والحياة به ضرورة، والحياة فى ظلاله نعمة لا يعرفها إلّا من ذاقها، نعمة تبارك العمر وترفعه وتزكيه .. ولا يدرك هذا إلّا من عاش فى ظلال القرآن فعلا، وتذوق من مظاهر هذه النعمة ما تذوق، ولمس من آثارها ما لمس، ووقف على ما فيها من أنس وسعادة، وراحة وطمأنينة، واسترواح وانشراح (انظر مقدمة الطبعة المنقحة من الظلال وتعريف سيد قطب بسورة الأعراف- على سبيل المثال).
ونحب أن نضع بين يدي القارئ الكريم عبارات رصينة ناتجة عن تجربة عملية رائدة، قام بها رائد الفكر الإسلامى المعاصر الشهيد سيد قطب، ووضعها بين أيدى قراء الظلال، ونحن سنستخرج منه هذه العبارات، التى هى بمثابة أضواء كاشفة، تنير للقارئ الطريق نحو تدبر القرآن وفهمه، وتطلعه على نظرية لازمة للتعامل مع القرآن، والحركة به، والحياة فى ظلاله، وهذه النظرية لا بد أن يطلع عليها المسلمون، ليعرفوا المفتاح الحركى لفتح كنوز القرآن الحركية المذخورة فيه.
إننا ننادى بما نادى به أستاذنا سيد قطب، بنظرية جديدة لفهم القرآن وتدبره وتفسيره، إلا هى نظرية «التفسير الحركى» ونعتبر الأستاذ سيد قطب هو الرائد لها والموضح لأسسها، والمؤسس لمدرسة «التفسير الحركى» التى قدمت القرآن حيا فاعلا مؤثرا للمسلمين المعاصرين، وهو الذى وضع الله سبحانه بين يديه مفتاحا أصيلا هو «المفتاح الحركى» الذى فتح به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
كنوز القرآن، وقدمها للناس فى الظلال .. (انظر كتابنا: «المنهج الحركى فى الظلال»).
يقول فى كتابه: «خصائص التصور الإسلامى» عن جوهر النظرية الحركية فى فهم القرآن وتدبره وتفسيره والحركة به.
«إن المسألة- فى إدراك مدلولات هذا القرآن وإيحاءاته- ليس هى فى فهم ألفاظه وعباراته، ليست هى «تفسير القرآن- كما اعتدنا أن نقول! - المسألة ليست هذه .. إنما هى استعداد النفس برصيد من المشاعر والمدركات والتجارب: تشابه المشاعر والمدركات والتجارب التى صاحبت نزوله، وصاحبت حياة الجماعة المسلمة وهى تتلقاه فى خضم المعترك ..
معترك الجهاد، جهاد النفس وجهاد الناس .. جهاد الشهوات وجهاد الأعداء .. والبذل والتضحية، والخوف والرجاء، والضعف والقوة، والعثرة والنهوض .. جو مكة، والدعوة الناشئة، والقلة والضعف، والغربة بين الناس .. جو الشّعب والحصار، والجوع والخوف، والاضطهاد والمطاردة، والانقطاع إلّا عن الله .. ثم جو المدينة: جو النشأة الأولى للمجتمع المسلم بين الكيد والنفاق والتنظيم والكفاح .. جو «بدر» و «أحد» و «الخندق» و «الحديبية» .. وجو «الفتح» و «حنين» و «تبوك» وجو نشأة الأمة المسلمة، نشأة نظامها الاجتماعى، والاحتكاك الحى بين المشاعر والمصالح والمبادئ فى ثنايا النشأة وفى خلال التنظيم.
.. فى هذا الجو الذى تنزلت فيه آيات القرآن حية نابضة واقعية ..
كان للكلمات وللعبارات دلالالتها وإيحاءاتها .. وفى مثل هذا الجو الذى يصاحب محاولة استئناف الحياة الإسلامية من جديد، يفتح القرآن كنوزه للقلوب، ويمنح أسراره، ويشيع عطره، ويكون فيه هدى ونور .. ».
[خصائص التصور الإسلامى: 7 - 8].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
من هذه الفقرة الكاشفة يتبين لنا بعض الأسس التى بنى عليها نظريته الحركية فى التفسير. منها:
1 - تزوده برصيد ضخم من المشاعر والمدركات والتجارب، واستصحابه لها وهو ينظر فى نصوص القرآن ويتلقى إيحاءاته ..
2 - ذهابه- بخياله ومشاعره وأحاسيسه- إلى الجو الذى تنزل فيه القرآن فى مكة والمدينة، لإدراك أثر القرآن وتأثيره هناك ..
3 - ملاحظته حركة الصحابة- فى جو مكة والمدينة- بالقرآن وتفاعلهم معه وحياتهم به.
4 - وقوفه على الأغراض الأساسية للقرآن، ومنهجه الواقعى الحركى الذى صاغ به حياة الأمة المسلمة، وتنزيله نصوص القرآن على واقع جدى حى مجاهد.
5 - قيامه بدور عملى جهادى، وتجربة حية دعوية، مشابهة- فى بعض مظاهرها- لتجربة الصحابة الكرام- وبخاصة فى جو «مكة»، والحركة العملية الجهادية بالقرآن، وشغل النفس والمشاعر والكيان بشواغلها واهتماماتها، وهمومها وآلامها .. والإقبال- من ثمّ- على القرآن ليجد عنده الجواب الواضح والبلسم الشافى ..
وإذا ما انتقلنا إلى «فى ظلال القرآن» لنبحث عن عبارات توضح النظرية الحركية فى تدبر القرآن وتفسيره فإننا نجدها وافرة متفرقة فى ثناياه.
يدعونا سيد قطب إلى أن نعيش فى جو القرآن- كما عاش هو- للوقوف على أسراره وطبيعته وكنوزه .. «الحياة فى جو القرآن لا تعنى مدارسة القرآن وقراءته والاطلاع على علومه .. إن هذا ليس «جو القرآن»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
الذى نعنيه .. إن الذى نعنيه بالحياة فى جو القرآن: هو أن يعيش الإنسان فى جو، وفى ظروف، وفى حركة، وفى معاناة، وفى صراع، وفى اهتمامات .. كالتى كان يتنزل فيها هذا القرآن .. أن يعيش الإنسان فى مواجهة هذه الجاهلية التى تعم وجه الأرض اليوم، وفى قلبه وفى همه وفى حركته، أن «ينشئ» الإسلام فى نفسه، وفى نفوس الناس، وفى حياته وفى حياة الناس .. مرة أخرى فى مواجهة هذه الجاهلية، بكل تصوراتها وكل اهتماماتها وكل تقاليدها، وكل واقعها العملى، وكل ضغطها كذلك عليه، وحربها له، ومناهضتها لعقيدته الربانية، ومنهجه الربانى، وكل استجاباتها كذلك لهذا المنهج ولهذه العقيدة، بعد الكفاح والجهاد والإصرار ..
هذه هو الجو القرآنى الذى يمكن أن يعيش فيه الإنسان، فيتذوق هذا القرآن، فهو فى مثل هذا الجو نزل، وفى مثل هذا الخضمّ عمل .. والذين لا يعيشون فى مثل هذا الجو معزولون عن القرآن، مهما استغرقوا فى مدارسته وقراءته والاطلاع على علومه ..
والمحاولة التى نبذلها لإقامة القنطرة بين المخلصين من هؤلاء وبين القرآن، ليست بالغة شيئا، إلّا بعد أن يجتاز هؤلاء القنطرة، ويصلوا إلى المنطقة الأخرى، ويحاولوا أن يعيشوا فى «جو القرآن» حقا، بالعمل والحركة، وعندئذ فقط سيذوقون هذا القرآن ويتمتعون بهذه النعمة التى ينعم الله بها على من يشاء .. [الظلال 2/ 1016 - 1017].
ويدلنا على الطريقة الصحيحة لقراءة القرآن وتدبره والوقوف على أسراره وكنوزه فيقول: «إن هذا القرآن ينبغى أن يقرأ، وأن يتلقى من أجيال الأمة المسلمة بوعى. وينبغى أن يتدبر على أنه توجيهات حية، تتنزل اليوم، لتعالج مسائل اليوم، ولتنير الطريق إلى المستقبل. لا على أنه مجرد كلام جميل يرتل، أو على أنه سجل لحقيقة مضت ولن تعود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنلتمس عنده توجيهات حياتنا الواقعة فى يومنا وفى غدنا، كما كانت الجماعة الإسلامية الأولى تتلقاه لتلتمس عنده التوجيه الحاضر فى شئون حياتها الواقعية .. وحين نقرأ القرآن بهذا الوعى سنجد عنده ما نريد. وسنجد فيه عجائب لا تخطر على البال الساهى! سنجد كلماته وعباراته وتوجيهاته حية، تنبض وتتحرك وتشير إلى معالم الطريق .. » [الظلال: 1/ 61].
ويشير- فى تعريفه بسورة آل عمران سورة المعركة والحركة- إلى الحياة فى القرآن وإلى شروط الحصول عليها وإدراكها .. «ستظل هنالك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل فى حسنا، ونستحضر فى تصورنا أن هذا القرآن خوطبت به أمة حية، ذات وجود حقيقى، ووجهت به أحداث واقعية فى حياة هذه الأمة.
.. وسيظل هنالك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن، طالما نحن نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهوّمة، لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية ..
.. ومعجزة القرآن البارزة تكمن فى أنه نزل لمواجهة واقع معين فى حياة أمة معينة، فى فترة من فترات التاريخ محددة، وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كله معها .. ولكنه- مع هذا- يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة، وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة فى شئونها الجارية، وفى صراعها الراهن مع الجاهلية من حولها ..
.. ولكى نحصل نحن من القرآن على قوته الفاعلة، وندرك حقيقة ما فيه من الحيوية الكامنة، ونتلقى منه التوجيه المدخر للجماعة المسلمة فى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
كل جيل .. ينبغى أن نستحضر فى تصورنا كينونة الجماعة المسلمة الأولى التى خوطبت بهذا القرآن أول مرة، كينونتها وهى تتحرك فى واقع الحياة ..
.. إننا بهذه النظرة سنرى القرآن حيا يعمل فى حياة الجماعة المسلمة الأولى. ويملك أن يعمل فى حياتنا نحن أيضا. وسنحس أنه معنا اليوم وغدا. وأنه ليس مجرد تراتيل مهوّمة بعيدة عن واقعنا المحدد .. » [الظلال: 1/ 348 - 349 باختصار].
ويدلنا على طريق التعامل مع القرآن وفهم نصوصه بقوله: «إن النصوص القرآنية لا تدرك حق إدراكها بالتعامل مع مدلولاتها البيانية واللغوية فحسب .. إنما تدرك أولا وقبل كل شيء بالحياة فى جوها التاريخى الحركى، وفى واقعيتها الإيجابية، وتعاملها مع الواقع الحى ..
وهى لا تتكشف عن هذا المدى البعيد إلّا فى ضوء ذلك الواقع التاريخي ..
ثم يبقى لها إيحاؤها الدائم، وفاعليتها المستمرة، ولكن بالنسبة للذين يتحركون بهذا الدين وحدهم، ويزاولون منه شبه ما كان يزاوله الذين تنزلت هذه النصوص عليهم أول مرة، ويواجهون من الظروف والأحوال شبه ما كان أولئك يواجهون. ولن تتكشف أسرار هذا القرآن قط للقاعدين، الذين يعالجون نصوصه فى ضوء مدلولاتها اللغوية والبيانية فحسب .. وهم قاعدون» [الظلال: 3/ 1453 باختصار].
إن القرآن له طبيعة حركية وله مهمة واقعية حية متحركة، ونتيجة لهذا لن يتذوق هذا القرآن ولن يحسن التعامل معه إلّا من يتحرك به فعلا فى عالم الواقع .. يقول: «إن هذا القرآن لا يتذوقه إلّا من يخوض مثل هذه المعركة، ويواجه مثل تلك المواقف التى تنزل فيها ليواجهها ويوجهها.
والذين يلتمسون معانى القرآن ودلالاته وهم قاعدون. يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يملكون أن يجدوا من حقيقته شيئا فى هذه القعدة الباردة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
الساكنة، بعيدا عن المعركة وبعيدا عن الحركة .. إن حقيقة هذا القرآن لا تتكشف للقاعدين أبدا، وإن سرّه لا يتجلى لمن يؤثرون السلامة والراحة مع العبودية لغير الله، والدينونة للطاغوت من دون الله .. ) [الظلال: 4/ 1864].
ويؤكد على هذا المعنى فى موطن آخر بعبارات أخرى قائلا: «وهكذا يمكن اليوم وغدا أن يتحرك القرآن فى طلائع البعث الإسلامى، ويحركها كذلك فى طريق الدعوة المرسوم.
إن هذه الطلائع فى حاجة إلى هذا القرآن تستلهمه وتستوحيه.
تستلهمه فى منهج الحركة وخطواتها ومراحلها، وتستوحيه فى ما يصادف هذه الخطوات والمراحل من استجابات، وما ينتظرها من عاقبة فى نهاية الطريق.
والقرآن- بهذه الصورة- لا يعود مجرد كلام يتلى للبركة، ولكنه ينتفض حيا يتنزل اللحظة على الجماعة المسلمة المتحركة لتتحرك به، وتتابع توجيهاته، وتتوقع موعود الله فيه ..
وهذا ما نعنيه بأن هذا القرآن لا يتفتح عن أسراره إلّا للعصبة المسلمة التى تتحرك به لتحقيق مدلوله فى عالم الواقع. لا لمن يقرءونه لمجرد التبرك! ولا لمن يقرءونه لمجرد الدراسة الفنية والعلمية، ولا لمن يدرسونه لمجرد تتبع الأداء البيانى فيه!.
إن هؤلاء جميعا لن يدركوا من هذا القرآن شيئا يذكر. فإن هذا القرآن لم يتنزل ليكون مادة دراسة على هذا النحو، إنما تنزل ليكون مادة حركة وتوجيه .. » [فى ظلال القرآن: 4/ 1948].
وننتهى من هذه النقول الكاشفة التى أخذناها من الظلال، إلى ضرورة إحسان فهم القرآن وتدبره، والتفاعل معه من خلال نظرية حركية فى ذلك،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
وباستعمال مفاتيح هادية لذلك التعامل والتدبر .. لأن هذا هو الذى يتفق مع طبيعة هذا القرآن الأساسية، وسمته المطردة، إلا هى «الواقعية الحركية» مفتاح التعامل مع هذا الكتاب العجيب المعجز ..
ونختم هذه النقول بهذه الفقرة الرائدة لسيد قطب، التى توضح هذه السمة، وتدل على المفتاح لهذه النظرية، وتدعو إلى هذا المنهج .. ومن مزيتها أنها تمثل خلاصة رأيه فى هذا، وهو الرأى النهائى الأخير الذى استقر عليه وأصبح عنده بدهية يقينية، وحقيقة قطعية .. لأنه أوردها فى تعريفه بسورة الحجر- من الطبعة المنقحة- وهو الذى كتبه قبيل اعتقاله الأخير بأيام- أو بساعات-!!.
يقول: « .. ومن ثم تواجه حاجات الحركة الإسلامية ومقتضياتها كلما تكررت هذه الفترة (الفترة الحرجة فى الدعوة الإسلامية فى مكة ما بين عام الحزن والهجرة)، وذلك كالذى تواجهه الحركة الإسلامية الآن فى هذا الزمان ..
ونحن نؤكد على هذه السمة فى هذا القرآن .. سمة الواقعية الحركية .. لأنها فى نظرنا مفتاح التعامل مع هذا الكتاب، وفهمه وفقهه، وإدراك مراميه وأهدافه ..
إنه لا بد من استصحاب الأحوال والملابسات والظروف والحاجات والمقتضيات الواقعية العملية التى صاحبت نزول النص القرآنى .. لا بدّ من هذا لإدراك وجهة النص وأبعاد مدلولاته، ولرؤية حيويته وهو يعمل فى وسط حى، ويواجه حالة واقعة، كما يواجه أحياء يتحركون معه أو ضده ..
وهذه الرؤية ضرورية لفقه أحكامه وتذوقها، كما هى ضرورية للانتفاع بتوجيهاته كلما تكررت تلك الظروف والملابسات فى فترة تاريخية تالية، وعلى الأخص فيما يواجهنا اليوم ونحن نستأنف الدعوة الإسلامية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
نقول هذه المقالة ونحن على يقين أنه لن يرى هذه الرؤية اليوم إلّا الذين يتحركون فعلا بهذا الدين فى مواجهة الجاهلية الحاضرة، ومن ثم يواجهون أحوالا وملابسات وظروفا وأحداثا كالتى كان يواجهها صاحب الدعوة الأولى صلوات الله وسلامه عليه والعصبة المسلمة معه .. » [فى ظلال القرآن: 4/ 2121 - 2122].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)