على منهج هذا الدين .. إن المقدمات الصحيحة التى تعطى عند العاقل الواعى المتزن نتائج صحيحة، تعطى عند هؤلاء نتائج باطلة خاطئة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) [الأنعام: 1]، وهم سذج يتصفون بالبله و «العبط» فى حربهم لهذا الدين ولرجاله، لأنهم فى الحقيقة يحاربون الله، ويقفون فى وجه نوره .. وهل يفعل هذا عاقل رشيد متزن؟ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32) [التوبة: 32].
وإن الله يمكر بهم ويسخر بعقولهم، ويقذف فى قلوبهم اليأس من انتصارهم فى مواجهتهم لهذا الذين، إنهم يبذلون جهودا هائلة، وينفقون أموالا ضخمة، وهى ضائعة، ويحاربون فى معركة معروفة نتيجتها، فيا لطول حسرتهم وحزنهم، وليموتوا بغيظهم .. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (37) [الأنفال: 36 - 37].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
- 15 - توسيع التفسير ليشمل السيرة وحياة الصحابة
قصر بعض الدارسين للقرآن والناظرين فيه التفسير فى زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام على مجال واحد من مجالاته وهو المجال النظرى، فصاروا يبحثون فى كتب الحديث وكتب التفسير بالمأثور، عن الروايات والأحاديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام والمتعلقة ببيان معنى كلمة قرآنية أو توضيح حكم قرآنى، واكتفوا بها فقط كنماذج لتفسير رسول الله عليه الصلاة والسلام .. ثم توجهوا إلى أقوال الصحابة فى تفسير القرآن، وقصروها على بيان الصحابى لمعنى كلمة غريبة أو سبب نزول أو توضيح حكم أو تحديد ناسخ ومنسوخ أو غير ذلك .. وإذا نظرنا فى الحصيلة التى خرجوا بها من جمعهم لهذه الروايات والآثار فإنها ستكون قليلة وبخاصة إذا اعتمدنا ما صح سنده منها .. وهذه الروايات نجدها فى كتب الصحاح والسنن، وفى كتب التفسير بالمأثور وفى مقدمتها جامع البيان للطبرى، وتفسير القرآن العظيم لا بن كثير، والدر المنثور فى التفسير بالمأثور للسيوطى ..
إن التفسير فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام ليس مقصورا على الجانب النظرى، لأنهم هم لم يقصروه عليه، وكم نخسر لو قصرناه عليه ..
لقد كانوا أبصر بالقرآن منا، وأكثر إدراكا لأغراضه منا، وأشد تعلقا وارتباطا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
به منا، وأعظم حرصا على أن يعيشوا به منا، ويحولوه من توجيهات نظرية إلى حقائق حياتية معاشة، ويكونوا الصورة العملية الواقعية الحية لنصوصه وآياته ..
إن التفسير زمن الرسول عليه السلام وأصحابه شمل جانبين: جانب نظرى وهو ما أشرنا إليه، وإلى قلته وضآلته بالقياس إلى الجانب الآخر ..
وهو الجانب العملى التطبيقى الواقعى .. لقد عاش رسول الله عليه الصلاة والسلام بالقرآن عمليا، وكان يحرص على أن يلتزم توجيهاته وأحكامه، وأن ينفذ أوامره
وواجباته، فكان هو بسيرته وحياته أول مفسر للقرآن الكريم .. ولهذا كم كانت السيدة عائشة رضى الله عنها حكيمة وذكية ونافذة البصر والبصيرة، عند ما كان جوابها على سؤال وجه إليها عن خلق رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقالت: «كان خلقه القرآن»، وكأنها تعنى ما قلناه من أن سيرته وحياته وخلقه وسلوكه تفسير لتوجيهات وآيات القرآن .. وبهذا الفهم للتفسير لا بدّ أن ننظر إلى صلة الصحابة بالقرآن وإلى ممارستهم لحياتهم الواقعية اليومية، فقد كانوا جيلا قرآنيا فريدا يعيشون بالقرآن عمليا، وكان القرآن حاضرا متجددا معهم، ويمكن أن تستخرج من نصوصه صورة شبه متكاملة لحياة الصحابة ومستواهم الإيمانى، والتزامهم العملى، ووقوعهم أحيانا فى تقصيرات وأخطاء يسيرة عالجها القرآن فى وقتها .. إن أى ناظر فى كتب أسباب النزول وفى سيرة رسول الله عليه السلام، وفى مغازيه وجهاده، وفى الكتب التى تحدثت عن حياة الصحابة وطبقاتهم ومناقبهم .. سيقف على ثروة ضخمة لهؤلاء الكرام، يصدق عليها أنها تفسير عملى للقرآن الكريم .. فلماذا نستبعد كل هذه الثروة الغنية، ونكتفى بألفاظ وكلمات يسيرة منقولة عنهم فى تفسير القرآن؟ وكثير منها لم يصح سنده؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
فعلى القارئ المتدبر للقرآن أن يوسع التفسير، وأن يدخل فيه كل سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام ومغازيه، وشمائله وفضائله، وكل ما صح من حياة الصحابة بالقرآن، وجهودهم وجهادهم لأن يبقوا على القمم التى وضعهم عليها القرآن .. وعندها يستفيد هذا القارئ فائدة تفسيرية وتربوية وسلوكية وإيمانية وعملية ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
- 16 - الشعور بأنّ الآية موجّهة له
سبق وأن أشرنا فى آداب التلاوة إلى أن القارئ لا بدّ أن يأخذ القرآن على أنه موجه له هو، وأن الخطاب يعنيه هو .. وها نحن نورد هذا هنا لأهميته، ولحسن تدبر القرآن والتعامل معه وفقهه ..
وقبل حديثنا عنه نحب أن نورد كلام الإمام الغزالى رحمة الله فى الإحياء عنه «التخصيص: وهو أن يقدّر أنه المقصود بكل خطاب فى القرآن، فإن سمع أمرا أو نهيا قدّر أنه المنهى والمأمور، وإن سمع وعدا أو وعيدا فكمثل ذلك، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء علم أن السمر غير مقصود، وإنما المقصود ليعتبر به وليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه .. » إلى أن يقول: «وإذا قصد بالخطاب جميع الناس فقد قصد الآحاد، فهذا القارئ الواحد مقصود، فماله ولسائر الناس، فليقدّر أنه المقصود، قال الله تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: 19]، قال محمد بن كعب القرظى: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله .. وإذا قدّر ذلك لم يتخذ قراءة القرآن عمله، بل يقرأه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذى كتبه إليه ليتأمله ويعمل بمقتضاه .. ولذلك قال بعض العلماء: هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا عز وجل بعهوده، فنتدبرها فى الصلوات، ونقف عليها فى الخطوات، وننفذها فى الطاعات والسنن المتبعات .. » [إحياء علوم الدين:
1/ 517 - 518 باختصار].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
إن القارئ المؤمن مطالب أن ينظر إلى القرآن بهذا المنظار، وأن يتعامل معه على هذا الأساس، وأن يفتح كنوزه بهذا المفتاح .. ولو أن كل قارئ فعل هذا فسوف يخرج من تدبر القرآن بزاد عظيم، من الإيمان والالتزام والتنفيذ والعمل، وسيكون رجلا قرآنيا عمليا نافعا مؤثرا ..
إن مما يؤسف له فى صلة المسلمين المعاصرين بإسلامهم وقرآنهم وتعاملهم مع ربهم، أنهم يفعلون عكس هذه القاعدة .. إن الواحد منهم لا يشعر أنه هو المقصود أساسا بالأمر أو التوجيه، وأنه المطالب به، وأن شخصه بذاته معنى به بخاصة .. ولكنه يشعر أن الخطاب لفلان أو علان ..
إنه يلقي المسئولية عنه، ويلغى خصوصيته ليوجهها إلى غيره، إنه «يوزّع» الواجبات على غيره، بعد أن «يزحلقها» عنه، ولهذا لم يتفاعل معها ولم يسع لكى يلتزم هو بها ..
إذا قرأ آيات القصص قصرها على السابقين، وإذا قرأ آيات الخطاب والتكليف للرسول عليه الصلاة والسلام خصه هو بها، وإذا قرأ حادثة زمن الصحابة فهى لهم فقط .. وإذا سمع يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهى تخاطب الصحابة أو مؤمنين فى العوالم الأخرى، آيات الزكاة والصدقة للأغنياء فقط، وآيات الحكم والالتزام والطاعة للحكام فقط، وآيات الجهاد والحرب للعسكريين فقط، وآيات الولاء والمحبة والنصرة للسياسيين فقط، وآيات الدعوة والبلاغ للشيوخ والعلماء فقط .. وهكذا .. وهكذا وإذا بهذا المسلم لم توجه له آية، ولم يطالب بحكم، ولم يكلف بواجب .. فإذا ما وصلت الآيات إلى الآخرين فإنهم سيفعلون مثل هذا، ويحرصون على أن يوجهوها لغيرهم ويزحلقوها عنهم .. فنرى القرآن موجها لأكوان أخرى، ولأقوام يوجدون فى عالم الأحلام والخيالات والأوهام ..
على القارئ البصير للقرآن أن يوقن أنه هو المقصود بالآية، وأنها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
تعنيه هو، وتخصه هو، وتخاطبه هو، وتطالبه هو، وتحدثه هو .. فإذا قرأها فليفتح لها أجهزة التلقى والاستجابة ليلتزم بما فيها من توجيهات ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
- 17 - حسن التلقّى عن القرآن
القرآن كلام الله، والله هو الذى يعين القارئ له على أن يتلقى عنه، إذا ما سلك السبيل الذى بيّنه الله فاستحضر معه وسائل الفهم وأدوات التدبر، وإذا ما طهر نفسه من الموانع والحجب والأكنة، التى تحجب عنه القرآن وإيحاءاته ..
على القارئ أن يوقن أنّ فهم القرآن إنما هو من نعم الله عليه، ومن منه وأفضاله .. وأن هذا الفهم والتلقى والتدبر والتفسير إنما هو فتوحات من الله عز وجل، يفتح بها
على من يشاء من عباده، عند ما يكونون (أهلا) لهذه الفتوحات، ووسطا صالحا لهذه الفيوضات، إن الفهم والتدبر والتفسير نور من الله سبحانه، ونور الله لن يصل إلى قلب مغطى بالحجب والموانع، وأنها هدايا من الله ورحمة منه، وهدايا الله لا يصلح لها العصاة، ورحمة الله لن تفتح لها قلوبهم ..
ونورد للقارئ قول أبى طالب الطبرى فى أوائل تفسيره- الذى سجله له السيوطي فى الإتقان- فى شروط المفسر وآدابه، على اعتبار أنها تصلح شروطا وآدابا للمتدبر للقرآن المتعامل معه المتلقى عنه، تضمن له إن راعاها حسن التدبر والتعامل والتلقى .. قال: «اعلم أن من شرطه صحة الاعتقاد أولا، ولزوم سنة الدين، فإن من كان مغموصا عليه فى دينه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
لا يؤتمن على الدنيا فكيف على الدين، ثم لا يؤتمن فى الدين على الإخبار من عالم فكيف يؤتمن فى الإخبار عن أسرار الله تعالى، ولأنه لا يؤمن- إن كان متهما بالإلحاد- أن يبغى الفتنة، ويغر الناس بليّه وخداعه .. » إلى أن يقول: «ومن شروطه صحة المقصد فيما يقول ليلقى التسديد، فقد قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: 69] وإنما يخلص له القصد إذا زهد فى الدنيا، لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسل به إلى غرض يصده عن صواب قصده، ويفسد عليه تمام عمله .. » [الإتقان للسيوطى: 2/ 176].
ولقد سبق أن تحدثنا عن مفتاح ضرورى للتعامل مع القرآن، وهو دخول القارئ عالم القرآن بدون مقررات سابقة، وهو مرتبط بهذا الأساس الذى نقرره هنا. فهناك اشترطنا له حسن المدخل لعالم القرآن وحسن الاستعداد له وحسن الوصول إليه، وهنا نشترط له حسن البقاء معه، وحسن التلقى عنه، وحسن التعرض لأنواره، وحسن الحياة مع فتوحات الله ورحماته وفيوضاته فيه. وهذا كله لا يتحقق إلّا بصحة الاعتقاد أولا ثم صحة المقصد والغاية ثانيا .. إن الأهواء والبدع والضلالات والانحرافات حجب وموانع على قلوب أصحابها، وإن المنكرات والمحرمات والمعاصي والذنوب حجب وموانع كذلك. وإن فساد المقصد وسوء الباعث و «دنيوية النية وتجاريتها» فى التعامل مع القرآن كذلك. فلا بدّ من الإخلاص لله والإنابة إليه والاستعانة به والتلقى عنه ليستفيد ويفيد .. عليه أن لا يفسر أو يفهم القرآن حسب معلوماته السابقة التى تخالف توجيهات القرآن، ولا حسب أهوائه وميوله ورغباته التى لا يقرها القرآن .. وإنما يسعى إلى فهم مراد الله سبحانه من كلامه وأخذه والتعامل معه والالتزام به، إنه من المرفوض أن يستغل أناس القرآن، وأن يتعاملوا معه تعاملا مصلحيا نفعيا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
تجاريا، وأن يوظفوه لدنياهم وأهوائهم وشهواتهم، وأن يقيدوا نصوصه بمعلوماتهم ومعارفهم المخالفة له .. إن هؤلاء محجبون عن القرآن، مخطئون فى التعامل معه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
- 18 - تسجيل الخواطر والمعانى لحظة ورودها
عند ما يعيش القارئ مع القرآن بكل كيانه، ويتلقاه بكافة أجهزة التلقى والاستجابة عنده، سيأخذ عن القرآن الكثير من المعانى والإيحاءات، وترد على ذهنه وشعوره الخواطر واللطائف واللفتات والدلالات، وسيتذوق مذاقات، وسيجد راحة وسعادة، وسيتقلب فى أفياء رحمة الله ونعمته ..
عندها سيعرف معنى الحياة، وسيجد طعم السعادة، ويستروح الطمأنينة واليقين ..
وهذا الذى يجده ويستشعره ويعيشه قد يزول وينتهى إذا ما أقبل على آيات أخرى، لأنه سيجد عندها معانى جديدة، وسيتلقى عنها مذاقات جديدة، وقد يزول وينتهى إذا غادر ظلال القرآن وأقبل على الدنيا بشواغلها وصوارفها، وقد يزول وينتهى إذا أزله الشيطان إلى المعصية أو الغفلة أو الشهوة. ولذلك نوجه القارئ إلى أن يسجل ما يعيشه أولا بأول، وأن يقيد خواطره ولفتاته ولطائفه لحظة ورودها، وأن يقتنص هذه المعانى والحقائق قبل أن ينساها أو يصرف عنها .. وعندها سيحصل على سعادتين اثنتين: السعادة الغامرة فى أن يعيشها بكيانه ويتذوقها بمشاعره، وينفعل لها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
بأحاسيسه، وترتد عنده إلى مذاقات وحقائق معاشة .. والسعادة الثانية فى أن يحتفظ بها ويحرص عليها ويشعر بغناه بها، وثروته منها .. فى أن يجعلها كنزا من كنوزه الثمينة العتيقة، ورصيدا وافرا من علمه ومعارفه وحقائقه ويقينياته، ومعينا ثرّا معطاء يعود إليه عند ما يحتاجه ليمده بالزاد والوقود والثقة والإيمان والثبات ..
ننصح القارئ أن يكون إلى جانبه أوراقه أثناء التلاوة، وأن يسجل فيها كل ما يجده، وأن لا يكون همه- وبخاصة عند أدائه لورد التدبر الذى أشرنا إليه، أن ينتهى من الآية أو الآيات بأقصر الأوقات .. إن حرصه على تقصير الوقت قد يكون مانعا من تدبره للقرآن، وإن «الكم» القرآنى وحرصه على تكثيره قد يكون مانعا كذلك، فلا يلتفت إلى مقدار ما قرأ وما تدبر، ولا يلتفت إلى الوقت الذى أمضاه فيه، فكم من الأوقات أمضاها الصحابة والعلماء والمتدبرون للقرآن فى تدبر آية من الآيات، وترديدها ساعات وساعات قد تستغرق الليل بطوله، رغم حرصهم على أوقاتهم وشعورهم بأهميتها وقيمتها وتحرجهم من أن يضيعوا لحظتها .. ومع ذلك جادوا بها من أجل التدبر والحياة فى ظلال القرآن، وقدموها له بسخاء وكرم ويقين ..
الوقت عند القارئ البصير خادم للقرآن وتابع له، يوظفه توظيفا نافعا، ويبذله بذلا كريما بسخاء، وبدون من أو أذى ..
وإذا ما سار القارئ فى يومه لعمله أو حاجته، أو ضرب فى الأرض لوظيفته، أو ساح فى ساعات نهاره، فماذا يشغل فكره ومشاعره أثناء سيره؟
وإلى أين سيرسل خطراته وخواطره وخياله؟ لا يجوز أن يخرجها عن عالم القرآن، بل يختار آية يعيشها بكيانه، ويرددها بمشاعره وحواسه، ويتلقى ظلالها وإيحاءاتها .. وعندها يحاول أن يسجل ما تلقيه إليه .. فإن لم يستطع أثناء سيره فليكن هذا أول ما يقوم به عند حلوله ونزوله ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
كذلك إذا قرأ القرآن فى صلاته بتدبر وانفعال ومعايشة، فكم سيرد عليه من معانيه وحقائقه ولطائفه؟ فإذا خرج من صلاته سجل ما وجده منها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
- 19 - التمكن من أساسيات علوم التفسير
وهذا شرط لا بدّ منه حتى تكون استنتاجات القارئ صحيحة واستدلالاته مقبولة، ونظراته صائبة، وتدبره فى القرآن علمى منهجى، ونتائجه يقينية جازمة قاطعة، وحتى يحسن التلقى عن القرآن وفهمه، وحتى لا يلوى أعناق النصوص إلى خطأ أو باطل أو يقوّلها ما لم تقله، أو يختلق لها ما ليس عندها ..
لقد وضع العلماء علوما ومعارف لخدمة القرآن وحسن تدبره وتفسيره، وهى علوم نظرية نافعة، وتعين على النتائج الصائبة ..
علوم اللغة ومباحثها وقضاياها، ومسائل النحو وموضوعاته، وأساليب البيان والبلاغة وضروبها وصورها وألوانها، ومباحث الأصول وفروعه، وقضايا الفقه وأحكامه .. ثم موضوعات علوم القرآن الهامة والضرورية لكل ناظر فى القرآن متدبر له مثل: أسباب النزول، وجو النزول، وزمان النزول، وملابسات النزول، والمكى والمدنى فى القرآن، والناسخ والمنسوخ فى القرآن، وأساليب البيان فى القرآن، والتصوير الفنى فى القرآن، وإعجاز القرآن، وبديع القرآن، وقصص القرآن، وأمثال القرآن، وأقسام القرآن، وأحكام القرآن، وجدل القرآن. وغير ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
كل هذه العلوم والمعارف والمسائل والقضايا والمباحث، ضرورية للتعامل مع القرآن وتدبره والأخذ عنه، وعاصم يعصم القارئ من الخطأ والزلل- إذا صلحت نيته واستقامت حياته واستعاذ بمولاه ..
وقد يهول هذا بعض القارئين، فيشفقون منه ويستصعبونه، ويظنون أنفسهم غير مؤهلين ولا من أصحابه ولا قادرين عليه، ويقصرونه على العلماء المتخصصين فى دراسة القرآن وتفسيره، من أصحاب الألقاب الجامعية وحملة الشهادات العليا، والممارسين لرسالة التدريس والتعليم والتوجيه ..
وهذا وهم باطل وظن خادع، فالقرآن ليس موجّها لهذا الصنف من العلماء والمثقفين فقط، بل هو موجه أساسا لكل مسلم ومسلمة، حيث طولبوا بتلاوته والنظر فيه وتدبره .. وتحدثنا عن أهمية شعور القارئ بأنه هو المقصود أساسا بالخطاب القرآنى، فإذا ما حول هذا إلى المختصين فكم سيخسر؟؟ ..
ثم إن التمكن من أساسيات علوم التفسير والإلمام بموضوعات علوم القرآن ليس شاقا ولا مستحيلا، فنحن عند ما وجهنا القارئ إلى هذا المجال، لم نطلب منه أن يكون عالما متخصصا بكل موضوع من موضوعات القرآن وعلومه، ملما بكل دقائقه وتفصيلاته وجزئياته ولطائفه وشوارده .. بل عليه أن يترك هذه التفصيلات والتدقيقات لأهل الاختصاص، إنما طلبنا منه أن يعلم ما يحتاجه من هذه العلوم ويطلع على الضروري منها للتعامل مع القرآن، ويأخذ مجمل الموضوع بإيجاز واختصار يحقق الغاية .. ويمكنه أن يكتفى بدراسة كتاب واحد من كتب علوم القرآن التى تعرض هذه العلوم والمعارف والموضوعات بإيجاز قاصد مجمل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
مفيد ..
ونحن على يقين بأن هذا القارئ عند ما يتذوق حلاوة هذه العلوم والموضوعات ويجد طعمها ولذتها، ويفرح ويسر بالمعانى واللطائف والإضافات التى حصلها بسببها، فإنه يسعى بهمة وشوق وحماس إلى التمكن منها والزيادة المتجددة على رصيده منها. ورفده دائما بلطائف وإشارات ونكات تثريه وتباركه، وكلما زادت مكتسباته من القرآن كلما زاد طلبه لهذه العلوم ورغبته فيها وإحاطته بمباحثها ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
- 20 - الاستعانة بالمعارف والثقافات الحديثة
سبق أن تحدثنا عن أمر ضرورى للتعامل مع القرآن، والوقوف على معانيه وحقائقه وعلومه وكنوزه، وهو ملاحظة البعد الواقعى للآيات، كما تحدثنا عن أمر آخر ضرورى وهو «توسيع التفسير» وثالث وهو: «تحرير النصوص من قيود الزمان والمكان» .. وحتى ينجح القارئ البصير فى تحقيق تلك الأمور، وفى استعمال تلك المفاتيح، فلا بدّ أن يستعين بالعلوم والمعارف والثقافات الحديثة، وأن يلم منها بطرف موجز، وأن يطلع منها على مسائل وقضايا ذات ارتباط بآيات القرآن .. وذلك حتى يوظف هذه العلوم والمعارف فى خدمة النص القرآنى وتوسيعه وزيادة أبعاده ودلالاته ..
ومعلوم أن «الخلفية الثقافية» للقارئ وسيلة نافعة لتعامله مع القرآن، وأن حصيلته من المعارف والثقافات المعاصرة تعينه على سعة نظرته إلى الآية وتلقيه عنها وحياته بها .. ولا يتعارض هذا مع ما بيناه فى قاعدة سابقة من اشتراط دخوله عالم القرآن بدون مقررات سابقة، لأن اشتراط إلقاء المقررات والأفكار على عتبة القرآن حتى لا تحجبه عن تدبره أو تقوده إلى خطأ التعامل معه .. لا يعنى أن ينخلع القارئ من معلوماته وأن ينسلخ من ثقافاته، وأن يزيل علومه ومعارفه .. إن هذه كلها تضر إذا جعلها حاكمة على القرآن، فتحجب عنه أنواره، لكنها تنفع إذا جعلها خادمة للقرآن تابعة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
له يستعين بها على توسيع معانيه وتكثيرها وزيادتها، عندها ستكون وسيلة نافعة وأداة طيعة .. وهذا ما نقصده منها هنا ..
على القارئ أن يلم بعلم «التاريخ» ومراحله وعصوره، وأن يستعين بذلك فى تفسير الآيات ذات البعد التاريخى والتوجيهات التاريخية، مثل قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) [آل عمران: 137]، وقوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) [الحج: 46].
وعليه أن يلم بعلم الفلك، ويستعين به فى فهم وتدبر الآيات ذات التوجيهات الفلكية، والتى تلفت الأنظار فى السماء وأفلاكها، كما فى قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) [الأنعام: 97]، وفى قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [الإسراء: 12].
وأن يلم بالموضوعات العلمية المختلفة، كالطب وعلم الأجنة ليستعين به فى تدبر وتفسير مثل قوله تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر: 6]، وعلم البحار لقوله تعالى:
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (10) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (12) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (13) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (15) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (19) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (20) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (22) [الرحمن: 19 - 22]، وعلم طبقات الأرض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
لقوله تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (27) [فاطر: 27]. وعلم الفضاء لقوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) [الذاريات: 47]، وغير ذلك.
كما أن عليه أن يلم بمسائل علم النفس التحليلى الصائبة، وحالات النفس الإنسانية ومشاعرها وميولها، ليفسر بها تربص المعتدة وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: 228]، ويدرك سر الأمر بقضاء عدتها فى بيت زوجها وإضافة البيت لها وهى المطلقة: وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ [الطلاق: 1] وليفسر بها مراحل سقوط الساقط فى مصائد الشيطان واستجابته لزخارفه وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) [الأنعام: 113].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
- 21 - العودة المتجددة للآيات والزيادة فى معانيها
القرآن غنى فى معانيه ودلالاته، والآيات تنشر على القارئ من معانيها ودلالاتها حسب حالته فى التعامل معها، ودرجة استعداده فى التلقى عنها ..
وهذا القرآن لا يعطى القارئ إذا كان قاعدا عن العمل به والحركة به والجهاد به، إنه لا يفتح كنوزه إلّا لمن يتحرك به، ولا ينشر ظلاله إلّا على من يقبل عليه، ولهذا لا بد للقارئ من سلوك الطريق المضمونة الصحيحة لفهمه والتعامل معه، واستخراج كنوزه ومعانيه وحقائقه ..
وما نريد بيانه هنا للقارئ أن عليه ملاحظة أن مكتسباته من القرآن، وثمرات رحلته معه، ونتائج حياته فى ظلاله، وحصيلته من علومه وحقائقه وتقريراته، تنمو وتزداد باستمرار، ويضاف إليها الجديد المفيد، والجزيل الجميل ..
وحتى يحقق هذا، لا بدّ من مراعاة قواعد الإقبال عليه واستخراج كنوزه ومفاتيح التعامل معه، ولا بدّ أن تكون له عودة للآيات التى عاشها.
يستخرج الجديد من معانيها، ويزيد رصيده السابق منها .. وأن يتبعها بعودة أخرى وثالثة ورابعة وهكذا، بمعنى أن تكون عودته للآيات متجددة مكررة، وأن تكون وقفاته أمامها وتأملاته فيها كذلك متجددة متكررة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)