على القارئ أن يعيش القرآن، وأن تتجدد مذاقاته وحياته من الحياة به، وأن يكتشف المزيد والجديد من الحقائق المعاشة والمقررات الثابتة ..
عليه أن ينظر فى رصيده من هذه الحقائق والمعانى والمقررات، وأن يحرص على تنميتها وزيادتها، بدل أن تنقص وتضعف وتذوى وتتلاشي ..
إن القارئ فى هذا الأمر أمام إحدى حالات ثلاث:
الأولى: أن يكتشف أن رصيده من المعانى والتوجيهات القرآنية قد نقص عن السابق، وأن عودته الثانية للآية لا تقارب أو تدانى قراءته الأولى لها، وأن ما يجده الآن منها أقل بكثير مما وجده فى أول مرة، وأن ما حصله منه يتناقص ويتناقص، وهو فى طريقه إلى الزوال والنفاد .. فإذا كان كذلك فهو محجوب عن القرآن ولا بد أن يسعى إلى الحياة به من جديد.
الثانية: أن يكتشف أن رصيده كما هو لم يتغير بزيادة أو نقصان، وأن المعلومات بقيت عنده كما هى، وأنه عاجز عن أن يضيف إليها الجديد، أو أن يرفدها بالمفيد .. وهذا كذلك محجوب عن القرآن، وما سبق تحصيله منه تجمد وتحجر، وأنه قد أسن وتغير، وأنه محاصر فى زنزانة القعود والفتور والضعف والمعصية، ومعنى هذا أن حياة العلم والتدبر والفهم عنده جامدة، وأن حركته به متوقفة، وأن نموه العلمى والإيمانى بقى عند حالة واحدة عجز عن تجاوزها .. وعلى هذا القارئ أن يسعى إلى بث الحياة فى معلوماته ومكتسباته، وإلى أن يضيف إليها روحا جديدا ونورا جديدا ومعانى جديدة .. وذلك عن طريق توثيق صلته بالقرآن وحسن تعامله معه وإقباله عليه وتلقيه عنه ..
الثالثة: أن يكتشف أن رصيده قد ازداد، وأن هذه العودة الثانية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
أو الرابعة قد أضافت له الجديد المفيد، وأمدته بالجزيل الجميل، وأنه يقف منه على معان جديدة لم يكن قد حصلها سابقا، وعلى حقائق وتقريرات وظلال لم يكن قد لاحظها أو عاشها .. فهذا هو الموفق فى صلته بالقرآن، وهو الحى بالقرآن، وهو المتحرك بالقرآن، وهو رجل القرآن .. إن رصيده القرآنى يتضاعف، وإن معلوماته تزداد، وإن صلته به تتوثق، وإن حياته به ومعه تنمو وتتجدد .. فليحمد الله على ذلك، وليسأل الله المزيد ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
- 22 - ملاحظة الشخصية المستقلة للسورة
القرآن الكريم وحدة موضوعية متكاملة، ولو كان من عند غير الله لكان فيه اختلاف كبير، وهو كله متناسق جميل فى صياغته فى جمله وعباراته وكلماته، كما أنه متناسب مترابط فى موضوعاته ومعانيه، فالتناسب والتناسق والوحدة فى كل سورة من سوره، وفى كل درس من دروسها، وفى كل مقطع من مقاطعها، وفى كل آية من آياتها، وفى كل كلمة من كلماتها .. إنه بنيان قرآنى متماسك متناسق متصل معجز .. إنه أشبه ما يكون- من باب التقريب والتوضيح- بعمارة رائعة، يلحظ التناسق والانسجام فيها من بعيد، كما يدرك ذلك عند ما ينظر فى كل دور من أدوارها، وفى كل شقة من شقق ذلك الدور، وفى كل حجرة من حجرات تلك الشقة، وفى كل جدار من جدران الحجرة، وفى كل لبنة من لبنات الجدار .. وهكذا القرآن فى عمومه، ثم فى كل سورة منه، ثم فى كل درس من دروسه، ثم فى كل مقطع من مقاطعه، ثم فى كل آية من آيات المقطع، ثم فى كل كلمة من كلمات الآية ..
والقارئ البصير مطالب أن يلتفت إلى الوحدة الموضوعية للقرآن وللسورة منه، وأن يلحظ التناسق والتناسب والارتباط بين الدروس والمقاطع، وأن يتعامل مع السورة على أنها وحدة موضوعية متكاملة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
متجانسة، وأن يتعامل معها على أن لها شخصية مستقلة متميزة متفردة، شخصية تربط موضوعها الرئيسي بموضوعات دروسها ومقاطعها، بخيوط دقيقة متينة يلحظها المتدبر البصير ..
يقول سيد قطب: «ومن ثم يلحظ من يعيش فى ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة! شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حى مميز الملامح والسمات والأنفاس! ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص! ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها، ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة. تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو. ولها إيقاع موسيقى خاص- إذا تغير فى ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة ..
وهذا طابع عام فى سور القرآن جميعا .. » [الظلال 1/ 28].
ويقول فى تقديمه لسورة الأعراف «إن كل سورة من سور القرآن ذات شخصية متفردة، وذات ملامح متميزة، وذات منهج خاص، وذات أسلوب معين، وذات مجال متخصص فى علاج هذا الموضوع الواحد، وهذه القضية الكبيرة .. إنها كلها تتجمع على الموضوع والغاية ثم تأخذ بعد ذلك سماتها المستقلة، وطرائقها المتميزة ومجالها المتخصص فى علاج هذا الموضع، وتحقيق هذه الغاية ..
إن الشأن فى سور القرآن- من هذه الوجهة- كالشأن فى نماذج البشر التى جعلها الله متميزة .. كلهم إنسان، وكلهم له خصائص الإنسانية، وكلهم له التكوين العضوى والوظيفى الإنسانى .. ولكنهم بعد ذلك نماذج منوعة أشد التنويع .. نماذج فيها الأشباه القريبة الملامح، وفيها الأغيار التى لا تجمعها إلّا الخصائص الإنسانية العامة ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
هكذا عدت أتصور سور القرآن، وهكذا عدت أحسها، وهكذا عدت أتعامل معها. بعد طول الصحبة، وطول الألفة، وطول التعامل مع كل منها وفق طباعه واتجاهاته، وملامحه وسماته!» [الظلال 3/ 1243].
وعلى القارئ أن يسير مع القرآن كما سار سيد قطب، وأن يتعامل مع سوره كما تعامل سيد قطب، وأن يتخذ كل واحدة منها صديقا وحبيبا ومؤنسا وودودا كما فعل سيد قطب .. عندها سيقف على الشخصية المستقلة للسورة وسيحسن الربط بين آياتها وموضوعاتها، وسيلحظ الخيوط الدقيقة المتينة فيها، وسيتزود بزاد عظيم من معانيها وحقائقها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
- 23 - متابعة الاستعمال القرآنى للمصطلح الواحد
إن مصاحبة سور القرآن وآياته وكلماته ومصطلحاته شيقة لطيفة مؤنسة .. إنها تقود القارئ إلى رحلة شيقة لطيفة مؤنسة .. وتطلعه على ألوان وصور ونماذج من المعانى والحقائق والتقريرات والإيحاءات ..
وتوقفه أمام كنوز لا تنفد ومذاقات تتجدد ..
إن القرآن الكريم دقيق فى اختيار مفرداته واستعمال مصطلحاته، وعرض مفاهيمه وحقائقه .. وإنه ينوع صور استعمال المصطلح الواحد، ويبدع فى استخدامها، ويضيف معانى جديدة فى هذا السياق إلى ما قرره فى سياق سابق .. ويلقى فى كل مرة ظلالا خاصة، ويقدم للقارئ فى كل مرة مذاقات جديدة لذيذة ..
وإذا أراد القارئ أن يسعد ويحيا ويعيش بالقرآن فلا بد أن «يسلم» نفسه إليه، وأن يستسلم بين يديه، وأن «يمتع» مشاعره وحواسه وقلبه وعقله وكل كيانه فى رحلة قرآنية ممتعة، يعود منها بزاد ومدد عظيمين ..
إننا ندعوه إلى أن يتتبع استعمال القرآن للمصطلح الواحد، وأن يجمع صور وأساليب وألوان استخدامه له، وأن يلحظ ما أضافه إلى المرات السابقة .. عليه أن يسجل
مظاهر الاختلاف فى الاستعمال، وأن يقدمها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
للناس .. لكنه لا يجوز أن يكتفى بتسجيل هذه المظاهر، وملاحظة هذه الظواهر .. بل لا بد أن يتبعها بخطوة أخرى «يعلل» فيها هذه الظواهر ويفسرها ويتفحصها، ويبين الحكم منها والأسرار التى فيها، والعبر والدلالات التى تؤخذ منها ..
وفى هذا الموضوع نقول: لقد لاحظ السابقون كثيرا من الظواهر فى أسلوب القرآن، فوقفوا عليها وسجلوها وقدموها للناس فأفادوهم فائدة عظمى، جزاهم الله خيرا .. لكن مما يلاحظ عليهم أنهم غالبا لم يقفوا أمام هذه الظواهر وقفة طويلة متأنية فاحصة متدبرة، ولم يحاولوا أن يعللوها وأن يفسروها، وأن يسجلوا الحكم فيها، وأن يبينوا الأسرار التى فيها، وأن يتحدثوا عن نكاتها ولطائفها .. ونحن بدورنا يجب أن نبنى على ما ذكروه، وأن نستكمل ما تركوه، وصدق من قال: «كم ترك الأول للآخر؟؟» ..
وحتى ننجح فى استخلاص ذلك من المصطلحات القرآنية لا بد أن نتتبعها فى أساليب القرآن، ثم نجمعها ونلاحظ الظاهرة التى توحى بها، ثم نعللها ونفسرها ونحاول إدراك الحكمة منها، وذلك بأن نسأل باستمرار «لماذا» لماذا وردت هكذا؟ وما هى الحكمة التى قد تبدو لنا؟ وما هو السر الذى قد نكشف عنه؟ وما هى الدلالة التى تؤخذ منها؟ ..
فمصطلح «الكفر» على سبيل المثال كثر استعماله فى القرآن الكريم فى عشرات المواضع، ولكن يلاحظ أنه استعمل عدة اشتقاقات للكلمة: من الفعل والمصدر واسم الفاعل والصفة المشبهة .. استعمله كفعل ماض مجرد، وماض مسند إلى تاء المتكلم وتاء المخاطب وتاء التأنيث والمخاطبين والمتكلمين والغائبين .. واستعمله فى حالة المضارعية.
مضارع مسند إلى مفرد متكلم، وإلى مخاطب مفرد، ومخاطبين جماعة.
ومسند إلى المتكلمين، وإلى الغائب والغائبين. وفعل أمر للمفرد وللجمع،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
واستعمله ماضيا مبنيا للمجهول. وأما استعماله اسما فورد فى الصيغ التالية: كفر- كافر- كافرة- كفرة- كفار- كافرة- كفور (بالضم) - كفور (بالفتح) - كفارا كفارة- كفران .. فما هى الحكمة من كثرة هذه الاستعمالات وتعددها وتنوعها التى كادت أن تشمل كل اشتقاقات الكلمة؟
إن هذا يدرك عند النظر فى الآيات مجتمعة، والتعرض إلى دلالاتها متكاملة ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
- 24 - تجاوز الخلافات بين المفسّرين والعودة إلى معين القرآن
على القارئ أن لا يكون أسيرا لعصر خاص من عصور المسلمين، ولفهمه لآيات القرآن، ولا أسيرا لفرقة خاصة من فرق المسلمين فى فهمها للقرآن، ولا أسيرا لمذهب خاص من مذاهب المسلمين فى فهمه للقرآن، ولا أسيرا لمفسر خاص من المفسرين فى تفسيره للقرآن.
إن المفسرين السابقين بذلوا جهدهم فى تفسير القرآن، ومحاولة بيان مراد الله سبحانه من كلامه، وتفاوتت المعانى التى سجلوها، والإضافات التى قدموها، ونحن نشيد بهم ونترحم عليهم وندعو لهم ونقدرهم ونبجلهم .. لكن هذا شيء، وأن نبقى حتى فى أخطائهم فى تفسير القرآن- وكل المسلمين معرضون للخطأ باستثناء الرسول صلى الله عليه وسلم شيء آخر.
لا يجوز أن نتابعهم فى أخطائهم، ولا فى خلافاتهم التى لا ضرورة لها فى غالب الأحيان ولا داعى لورودها، ولا ثمرة علمية نافعة منها، لا يجوز أن نتابعهم فى نقاشاتهم العديدة، ولا فى استدلالاتهم الكثيرة، ولا فى استنباطاتهم وترجيحاتهم وردودهم، ولا فى مجادلاتهم العقيمة. بل نقدم على تفاسيرهم ونتخير منها ما يصلح لنا ويناسبنا، ونأخذ منها ما يتفق مع النص القرآنى، وما يوحى به ويدل عليه، وما فيه من معنى مقبول، وإضافة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
نافعة، وثمرة علمية، وعملية، وبعد تربوى توجيهى، وحاجة واقعية حياتية .. وما لم يكن كذلك نطلع عليه اطلاعا ثقافيا، ولا يكون له عندنا أكثر من المعنى التاريخى التراثى ..
لذلك على القارئ أن يتجاوز الخلافات المذهبية بين فرق المسلمين، والخلافات الكلامية بين رجال تلك الفرق، والخلافات البلاغية والنحوية والتاريخية والفقهية أيضا، وأن يعود إلى معين القرآن الصافى النزيه الثر الكريم .. وأن يغترف منه ويعب ويشرب ولا يرتوى، فمن يرتوى من معين القرآن؟ ومن يشبع من زاد القرآن؟ ومن يمل صحبة القرآن؟ ومن يستبدل بالقرآن وكنوزه وخيراته وأنواره كلام البشر وخلافاتهم ومشكلاتهم ومجادلاتهم؟
كيف نأخذ العقيدة من القرآن؟ الجواب عند القرآن، وليس عند رجال الفرق وعلماء الكلام، من معتزلة وخوارج وشيعة ومرجئة وأشاعرة وحنابلة وغير ذلك .. ماذا يقول القرآن عن رؤية الله فى الدنيا، وعن رؤية الكافرين لله يوم القيامة، وعن رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة فى الجنة؟
يقبل القارئ عليه متجاوزا الخلافات العقيمة بين الفرق الإسلامية فيها ..
ما هى صفات الله وأسماؤه الواردة فى القرآن، نأخذها من القرآن، نأخذها من القرآن ونقول بها كلها، ولا يجوز أن نقصرها على خمس أو سبع أو عشر أو حتى عشرين صفة!! لأن القرآن ذكر أكثر من ذلك، ولا معنى اتصاف الله بها وكيفية ذلك .. يجب تجاوز هذا كله والالتفات إلى «الإيجابية الفاعلة» لصفات الله، التى تدبر وتقدر وتوجه
وتحصى وتراقب وتعلم .. والتى يخضع لها كل صغير وكبير فى هذا الوجود الكونى والحياة الإنسانية .. ثم ننتقل من هذا للالتفات إلى الآثار والمعانى والدروس والعبر، التى يستفيدها المؤمن من معرفته بصفات الله واطلاعه على القرآن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
وهو يعرضها ويقررها .. ثم نعيش البعد التربوى الإيمانى لمعرفتنا بهذه الصفات، وما نستفيده منها فى زيادة الإيمان وحيوية الخشية واستمرار المراقبة وتقوية النفوس والسير فى الصراط المستقيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
- 25 - معرفة الرجال بالحق
إن ما قررناه فى القاعدة السابقة يقود إلى هذا المفتاح والمقياس والميزان، إن قارئ القرآن عليه أن يتمتع «بملكة نقدية» أثناء نظره فى التفاسير واطلاعه على أقوال أصحابها .. فلا يقبل على كل ما فيها مهما كان، باسم احترام صاحبه وتوقيره، وباسم علم السابقين وفقههم وإدراكهم، ومن نحن حتى نرفض لهم شيئا، أو نرد لهم قولا؟
إننا لا نتحدث هنا عن احترام العالم المفسر وتوقيره، والنظر له بعين الإكبار والإجلال والتقدير، لأننا نعتقد أن هذه بدهية مقررة، تمثل حقيقة دائمة يجب استحضارها دائما، وعدم مفارقتها أو مخالفتها لحظة واحدة ..
وهى سبب أساسى للحصول على رحمة الله ونعمته فى التعليم والإدراك والتلقى، ومن فقد هذا السبب وتخلى عن هذا الشرط، فإنه محروم من هذه الفيوضات والفتوحات والمنح والعطايا الربانية .. فلا يجوز بحال أن يطيل القارئ لسانه على أحد العلماء السابقين، أو أن يقع فى علمه ودينه، ويتهمه فى نيته وعقيدته، ويجهله فى علمه وعقله وتفكيره، ويلغى كل نتاجه العلمى نتيجة لخطأ أو أخطاء وقع بها.
حديثنا هنا عن تعامل القارئ مع العالم المفسر- الذى يحكمه إجلاله وإكباره وتقديره واحترامه له- وهو أن يقرأ فى نتاجه قراءة فاحصة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
وأن ينظر فيه نظرة نافذة متوازنة، وأن يملك حاسة نقدية عادلة، وذلك بأن يعرض كلامه على الحق الأصيل المتمثل فى الكتاب والسنّة. وأن يزنه بميزانه ويقيسه بمقياسه، وأن يعرفه من خلاله، ويحكم عليه على هديه، فما وافق ذلك الحق قبله ورضيه وأخذ به ودعا لصاحبه، وما خالف ذلك الحق رفضه وألقاه، مع التقدير والاحترام والدعاء لصاحبه أيضا، وهذه النظرة تمثل الاتزان الإسلامى، والوسطية الإسلامية، والعدالة فى الأخذ والرد والسلب والإيجاب .. لأن أخذ كل ما صدر عن العالم بدون نظر أو تمحيص ظلم وجهل .. ورفض كل ما صدر عنه لخطأ غير مقصود وتجريحه واتهامه وتجهيله، ظلم وجهل كذلك، والقارئ البصير يتجرد عن الأمرين وينزه نفسه عنهما ..
كما أنه لا يقبل من قارئ أن يردد قولا ليس عليه دليل من القرآن أو السنّة، ويتبناه لأنه قال به أحد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. كأن يقول: هذا قول ابن مسعود رضى الله عنه، أو قول ابن عمر أو ابن عمرو رضى الله عنهم، أو قول ابن عباس رضى الله عنهما .. فقد تصح نسبة هذا القول إلى الصحابى أولا، وإذا صحت نسبته له فهل الصحابة معصومون؟
كلا. إنهم قد يخطئون وهم صحابة، وتبقى منزلتهم سامية. إن فهم الصحابة للقرآن تحكمه كذلك نصوص القرآن، فلا نقبل منهم ما تعارض مع القرآن- إن وجد- ولا نأخذ عنهم فى تفصيل ما أجمله القرآن وتبيين ما أبهمه، من أنباء الغيب وقصص السابقين، ما لم يصح عندنا أنه أخذ فى هذا عن المعصوم عليه الصلاة والسلام .. فكل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلّا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ونحن يجب علينا أن نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال، وفهمهم تابع للنص محكوم به، وليس مقيدا له حاكما عليه ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
عند ما نطبق هذه القاعدة على نتاج السابقين فكم سنترك من أقوال؟
وكم سنلغى من صفحات؟ وكم سنرفض من تفصيلات وشروحات؟ وكم سنعدم من أساطير وخرافات وموضوعات؟ ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
- 26 - ترتيب الخطوات فى التعامل مع القرآن
عند ما يتعامل القارئ مع القرآن فلا بدّ أن يرتب خطوات هذا التعامل وأن يحدد المراحل ويبينها، فما هى الخطوة الأولى ثم التى تليها وهكذا؟
وبماذا يبدأ؟ وما هو المقدم وما هو المؤخر؟ .. وليحرص على أن تكون الخطوات متناسقة متتابعة متزنة، وأن تكون المراحل متدرجة متكاملة ..
الخطوة الأولى: يجب أن تكون فى استحضار الجو الإيمانى، ومعايشة الحالة الإيمانية التى سيتقدم بها للفهم والتدبر، ويستحضر فيوضات الله وفتوحاته عليه، وذلك بأن يراعى آداب التلاوة التى أشرنا إليها فى أول الكتاب.
الخطوة الثانية: هى إقباله على القرآن وتلاوته لآياته، فيبدأ به ويعيش فى ظلاله، ويتلقى عنه المعانى والحقائق والتقريرات والموحيات، وينفعل معه بكيانه الإنسانى كله .. وسيخرج من ذلك بحصيلة عظيمة وجنى وافر وكنز ثمين ..
الخطوة الثالثة: الاطلاع على تفسير مختصر لبيان كلمة غريبة أو تحديد سبب نزول أو الوقوف على معنى غامض، أو معرفة حكم خاص .. وهذا الاطلاع ليستعين بفهم العلماء السابقين، فيتضح له ما كان غامضا، ويبدو له ما كان خافيا، فيصوب نتيجة لذلك فهمه ويصححه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
أو يستدرك على نفسه، ويضيف إلى معلوماته ما غفل عنه .. فهذا الاطلاع للتوضيح أو التصويب أو الاستدراك ..
الخطوة الرابعة: الاطلاع على تفسير مطول يتوسع صاحبه فى مباحثه ويستطرد فى موضوعاته، ويعرض ألوانا مختلفة من المعارف والثقافات ..
فيتعامل معه القارئ- بملكته النقدية الواعية- ليثرى معلوماته ويزيد على معارفه وثقافته، ويعيش مع العلم لحظات وفترات مباركة .. وينمى ملكته العلمية وموهبته الاستنباطية ..
وننصح فى الخطوة الثالثة أن يبدأ ببيان معانى كلمات القرآن، وأجود كتاب فى هذا كبداية «كلمات القرآن تفسير وبيان» لحسنين مخلوف. ثم يطلع على تفسير معاصر يتحدث عن القضايا والمسائل والمشكلات المعاصرة ويتخصص فى المباحث المعاصرة .. ولن يجد القارئ هذا إلّا عند سيد قطب فى تفسيره الرائد «فى ظلال القرآن» الذى نراه وسيلة واجبة لفهم حى للقرآن، ونعتقد أن من أعرض عنه فسيحرم الكثير من معانى القرآن وحقائقه وتقريراته .. ثم يطلع على تفسير قديم متزن، وتفسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير خير من يمثل هذا.
أما فى الخطوة الرابعة فننصح أن يقبل على تفسير إمام المفسرين على الاطلاق محمد بن جرير الطبرى- مع القراءة فيه بحذر شديد والتمتع بالملكة النقدية- ثم يقرأ ما طاب له من التفاسير الأخرى كتفاسير الرازى والنيسابورى والزمخشرى والقرطبى وأبى السعود والآلوسي والشوكانى ورشيد رضا فى المنار ..
إذا خلط القارئ بين المراحل وشوّش فى ترتيب الخطوات فسيقع فى خلط وتشويش وسيحرم الكثير من العطاء القرآنى الكريم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
ورحم الله الإمام الشهيد حسن البنا عند ما أجاب على سؤال وجه إليه عن أقرب الطرق لفهم كتاب الله، فقال: «قلبك، فقلب المؤمن ولا شك هو أفضل التفاسير لكتاب الله تبارك وتعالى .. وأقرب طرائق الفهم: أن يقرأ القارئ بتدبر وخشوع، وأن يستلهم الرشد والسداد، ويجمع شوارد فكره حين التلاوة .. وأن يلم مع ذلك بالسيرة النبوية المطهرة، ويعنى بنوع خاص بأسباب النزول وارتباطها بمواضعها من هذه السيرة، فسيجد فى ذلك أكبر العون على الفهم الصحيح السليم.
وإذا قرأ فى كتب التفسير بعد ذلك فللوقوف على معنى لفظ دق عليه، أو تركيب خفى أمامه معناه، أو استزادة من ثقافة تعينه على الفهم الصحيح لكتاب الله. فهى مساعدات للفهم .. والفهم بعد ذلك إشراق ينقدح ضوؤه فى صميم القلب» [مقدمات تفسير القرآن: 30].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
- 27 - جنى الثمار العملية للتعامل مع القرآن
لا بدّ من الحضور الفاعل الحى المؤثر أثناء تلاوة القرآن وتدبره والتعامل معه بكافة مشاعره وأحاسيسه وانفعالاته، واستخدام كل أجهزة كيانه الإنسانى .. فلا يكون هدف القارئ من نظراته فى القرآن مجرد الأجر والثواب فهذا وارد وسيحصل عليه بإذن الله .. كما لا يكون هدفه «تثقيف» نفسه بثقافة قرآنية شاملة، وحشو ذهنه المجرد وعقله النظرى بألوان شيقة من المعرفة والثقافة، وزيادة رصيده من الثقافات والعلوم والمعارف .. وإن الوقوف عند الثقافة وحدها لا يولد عملا ولا التزاما ولا سلوكا سليما .. كل ما فى الأمر أنه يملأ عقله بهذه المعلومات، فتتحول إلى قضايا ومعلومات وثقافات نظرية، وتوضع هناك فى «خانة» المنطق الذهنى النظرى المجرد، وتتجمد فيه إلى أن تضعف فتزول وتتلاشى، أو تبقى مجمدة عاجزة عن الوصول إلى منافذ التوجيه والقيادة والتربية .. فترى هذا الإنسان يردد ما فى عقله من معلومات، وما فى ذهنه من ثقافات، ويتحدث عنها- بلباقة وفصاحة- ولكن أين هو فى شخصيته واستقامته مما يقول؟ وأين هو فى مسلكياته وحياته مما يبشر به؟ وأين هو فى ارتباطه وصلته بمن حوله مما يتحدث عنه؟
على القارئ أن يتلقى إيحاءات القرآن بمشاعره وأحاسيسه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
وانفعالاته، أن يتلقاه معلومات وثقافات، وأن يتلقاه أفكارا وتصورات، وأن يتلقاه حقائق وبدهيات، وقيما حية، وتوجيهات حياتية، ومبادئ معاشة، وأوامر عملية ميدانية، ودليلا عمليا لحياته فى يومه ونهاره .. عليه أن يتلقاه بعقله وذهنه وخياله، وأن يتلقاه بفكره ووعيه وإدراكه، وأن يتلقاه بقلبه وروحه ووجدانه وضميره، وأن يتلقاه بشعوره وإحساسه وهمته وطاقته، وأن يصل بين كل الأجهزة فى كيانه، وأن ينسق بين ما تلقاه كل منها، وأن يجمع هذه الحصيلة مجتمعة، وأن يربط بينها بخيوط متينة دقيقة، وأن يحولها إلى برنامج يومى، وسلوك عملى، وحقائق معاشة، وإيمان قرآنى حى فاعل مؤثر .. وأن يقتدى فى ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقول السيدة عائشة رضى الله عنها- كان خلقه القرآن، وأن يقتدى بأصحابه الكرام رضوان الله عليهم الذين كانوا يتلقون القرآن «تلقيا للتنفيذ» لينفذوه فور سماعه، وينظرون له نظرة الجندى فى الميدان إلى «الأمر اليومى» الصادر إليه، ليعمل به فور تلقيه. (كما يقول سيد قطب فى معالم فى الطريق:
17 - 20).
لذلك على القارئ أن يتمتع أثناء النظر فى القرآن بحضور كامل فاعل، وأن لا يشغله عن القرآن- وهو يتلوه- شاغل، أو يصرفه عنه صارف، أو يحول بينه وبين إيحاءاته وأنواره حجاب أو مانع، وأن يجمع على فهمه نفسه وهمته وفكره، ووجدانه وخياله وشعوره، وقلبه وعقله ووعيه ..
على القارئ أن لا يخلط بين الوسائل والغايات، وأن لا يجعل من الوسائل غايات، فكم سيخسر لو فعل ذلك! إن كل ما يستخدمه أثناء التلاوة لا يعدو أن يكون وسائل توصله إلى غاية واحدة محددة .. التلاوة، والتدبر، والنظر، وما يحصل عليه من حقائق ولطائف ومعلومات وتقريرات، وما ينقدح فى قلبه من أفهام ومبادئ وآراء، والاطلاع على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
التفاسير، والحياة مع القرآن لحظات أو ساعات، هذه كلها لا يجوز أن تكون إلّا وسائل لغاية، ولا يمكن أن تكون بحد ذاتها غايات .. لأنه إن وقف عندها واكتفى بتحقيقها وتحصيلها، فلن يحيا بالقرآن ولن يعيش مع القرآن ولن يدرك كيفية التعامل مع القرآن! ..
ونحن نعلم أن من المسلمين من يكتفى بها، ويقعد عندها، ويجعلها هى الهدف المرجو والغاية المطلوبة، لكن هؤلاء لم يفهموا القرآن، ولم يعيشوا به!!.
المؤمن عند ما يصاحب القرآن فى رحلة شيقة ممتعة لا بد أن ينظر فى ما حصله فيها، ولا بد أن يقوّم هذه الرحلة، ويعرف كم ربح فيها، وكم استفاد منها، وكم جنى من ثمار مباركة دانية .. إن الثمار التى يرجوها لن تكون إلّا فى تحقيق الغاية التى حددها وطلبها .. وهو عند ما يكون قارئا سيسأل القرآن عن غايته، وعن غاية المؤمن من تلاوته، وسيجد فى القرآن الجواب الواضح البين، وقد سبق أن تحدثنا عن غاية القرآن فى الحياة عند حديثنا عن «الالتفات إلى الأهداف الأساسية للقرآن» و «ملاحظة المهمة العملية الحركية للقرآن» وغيرهما من مفاتيح التعامل مع القرآن ..
يحدد القرآن للمؤمن المتدبر الغاية من قراءته فيه وتعامله معه وتدبره له .. قال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (27) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (23) [الزمر: 22 - 23].
إن الغاية المحددة هنا هى «الهدى» .. ذلك هدى الله يهدى به من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)