والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأي عمر قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبّع القرآن فاجمعه. فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن .. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم». فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهما (1).
فالجديد الذي أمر به أبو بكر رضي الله عنه، هو جمع ما تفرق من الرقاع والعسب وغيرها، ثم استنساخها منها إلى صفحات مرتبة مجتمعات، تكون محفوظة في دار الخلافة ومرجعا للمسلمين في كيفية القراءة والأداء. ولم يكن عبارة عن مجرد جمع تلك القطع المتناثرة إلى بعضها بخيط، كما قد يتصور بعض الناس ويفهمه من كلمة «جمع القرآن» وقول أبي بكر لزيد «فتتبّع القرآن فاجمعه». وإنما كانت مهمة زيد التي وكلت إليه هي جمع هذه المتفرقات ثم الكتابة على منوالها من جديد.
يدلّ على ذلك ما رواه ابن أشتة في المصاحف عن الليث بن سعد قال:
أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد. وأكد ذلك الحارث المحاسبي في كتابه فهم السنن. ويؤكد ذلك ما رواه ابن أبي داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعد على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله، فاكتباه. قال ابن حجر في الفتح: ورجاله ثقات (2).
وإذا وقفت على النهج الذي كان يسير عليه زيد رضي الله عنه في الاستيثاق من الآية عند كتابتها، أدركت مدى الدقة العظيمة التي امتدت مع المراحل التاريخية المختلفة لكتابة القرآن وجمعه. فقد كان لا يكتب من القرآن--------------------------------------------
(1) البخاري: 6 - 98.
(2) انظر الإتقان: 1/ 58 وفتح الباري: 9/ 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
آية إلا بشاهدين يجتمعان عليها من حيث اللفظ والأداء وهما الحفظ والكتابة، رغم أنه كان هو نفسه في مقدمة حفّاظ القرآن غيبا، فكان في غنىّ عن أن يحمّل نفسه هذا الجهد، ولكن الورع في الدين والحيطة في النقل حمّلاه على أن يضع نفسه- من أجل أنه هو الذي تولى الكتابة- في الموضع الأخير بعد عامّة الصحابة.
وهذا المنهج الشديد الذي اتّبعه زيد، هو الذي يفسر لك معنى قوله أنه لم يجد الآيات الأخيرة من سورة التوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري. فليس معنى كلامه هذا أنه اعتمد في كتابتها على خبر الواحد فقط وهو أبو خزيمة، وإنما هو مزيد في الحيطة منه، فهو لا يكتفي بحفظه وحفظ بقية الصحابة لها باللسان، بل لا يكتفي مما كتب أيضا إلا بالذي كان داخلا منه تحت إشرافه عليه الصلاة والسلام وتولى كتابته أحد كتّاب الوحي أنفسهم. فمن أجل ذلك ظلّ متوقفا عن تسجيل هذه الآيات رغم حفظه لها ورغم وجودها في صدور عامّة الصحابة إلى أن عثر لها على الشاهد الثاني أيضا وهو الكتابة الموثوقة الصحيحة.
قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، لا من مجرد الحفظ، قال ولذلك قال في آخر سورة التوبة لم أجدها مع غيره- أي غير أبي خزيمة الأنصاري- أي لم أجدها مكتوبة مع غيره. لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة (1).
ثالثا- ما جدّ من ذلك في خلافة عثمان:
وقد ظلّ الأمر على ما قام به أبو بكر رضي الله عنه، مدة خلافته، ثم مدة خلافة عمر رضي الله عنه، وفي صدر من خلافة عثمان رضي الله عنه. إلا أنه حدث بعد ذلك أمر نبّه المسلمين إلى ضرورة وجود نسخ متعددة من هذا المصحف الإمام الذي اعتمده الخلفاء، لتوزيعها في الأمصار وجمع الناس عليها، كي لا يكون للعجمة واللهجات المختلفة سبيل إلى اختلاف الناس في القراءة أو إلى تحريف شيء من القرآن لفظا أو أداء.--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان: 1/ 58، وفتح الباري: 9/ 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
ولننقل لك مرة أخرى ما رواه البخاري بسنده في ذلك: (عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدّثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن حارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) (1).
وإنك لتدرك من هذا النص أن هنالك فرقا من ثلاثة وجوه بين ما فعله عثمان رضي الله عنه وما كان قد فعله من قبله أبو بكر رضي الله عنه.
الأول: أن السبب فيما فعله عثمان إنما هو ما رآه من اختلاف بعض المسلمين في قراءة القرآن، من أثر اتساع الفتوحات ودخول قدر كبير من الأعاجم في الإسلام، يدلك على ذلك ما قاله حذيفة بن اليمان وقد أفزعه ما رآه من بادرة الاختلاف في قراءة القرآن، وهذا ما حمله رضي الله عنه على أن يتشدد في المسألة فيأمر بإحراق كل ما يوجد من صحف ومصاحف أخرى في أيدي الناس، حصرا للاعتماد وحيطة في الضبط، وإنما كان ذلك منه بعد أن جمع المهاجرين والأنصار وجلّة أهل الإسلام وشاورهم في الأمر، فاتفقت كلمتهم على استنساخ المصاحف المتعددة من الأصل المعتمد واطراح ما سواها.
روى القرطبي عن عمير بن سعيد قال علي رضي الله عنه: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان (2).--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري: 6 - 99.
(2) انظر تفسير القرطبي: 1 - 52، و 5، والبرهان: 1 - 230.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
أما ما فعله أبو بكر فإنما كان ذلك بسبب مصرع كثير من حفّاظ القرآن، كما قد رأيت.
الثاني: اعتمد عثمان رضي الله عنه في كتابة المصاحف على لجنة مكونة من أربعة أشخاص من كبار القرّاء والحفّاظ، من بينهم زيد بن ثابت. أما الجمع الأول فقد اعتمد فيه أبو بكر كما قد رأيت على زيد بن ثابت فقط، ولعلّ سبب هذا الفرق مضاعفة الجهد هنا بسبب كتابة النسخ المتعددة.
الثالث: الصحف التي جمعت في المرة الأولى، إنما كان المراد منها أن تبقى في دار الخلافة معتمدا ومرجعا للدولة، إذ لم يكن في البال ما تسرب إلى بعض الألسنة أخيرا من الاختلاف في قراءة القرآن بسبب شيوع العجمة واتساع الرقعة الإسلامية. أما هذه الكتابة الثانية فإنما أريد منها اعتمادها ثم توزيعها في الأمصار لتتوحد القراءة على أساسها.
إلا أن الباحثين اختلفوا في عدد المصاحف التي استنسخها، والراجح الذي عليه أكثرهم أنها سبعة مصاحب، استبقى واحدا منها عنده وهو الذي سمي بالمصحف الإمام ووزع سائرها على الكوفة والبصرة والشام واليمن ومكة والبحرين (1).
ثم إنك إذا تأملت في قصة هذا الجمع الثاني وقفت على حقيقتين لا بدّ من إدراكهما:
الأولى: ترتيب مصاحف عثمان ورسمها إنما كان على نسق ما كتبه زيد بن ثابت في الجمع الأول، إذ إن الصحف التي اعتمد عليها إنما كانت كما علمت من كتابة زيد، بعد أن أمره كلّ من أبي بكر وعمر بذلك، وزيد بن ثابت هذا هو من أشهر الصحابة ضبطا للقرآن وحفظه، وهو صاحب العرضة الأخيرة للقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيل وفاته، فأقرّه الرسول عليه الصلاة والسلام، وأمر الناس بأخذ القرآن عنه، ومن هنا قطع كافة العلماء والباحثين--------------------------------------------
(1) البرهان: 2 - 240.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
بأن هذه المصاحف التي وزّعها عثمان في الأقطار هي الصورة المحققة الدقيقة للقرآن الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي كان يتلى به.
الثانية: أن القرآن إنما نزل بلهجة قريش فينبغي أن يكتب أيضا برسمهم وطريقة كتابتهم، تفهم ذلك من قول عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن- أي إملاء ولهجة- فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم.
وقد تم هذا العمل العظيم الذي قام به عثمان بن عفان رضي الله عنه في عام 25 للهجرة. أما ما قام به أبو بكر رضي الله عنه فقد كان بعد موقعة اليمامة في العام الثاني عشر للهجرة.
ثم إن الصحف التي أعادها عثمان رضي الله عنه إلى حفصة، بقيت عندها إلى وفاتها. ومن هنا تعلم أن هذه الصحف لم تكن من بين الصحف أو المصاحف التي أحرقت. قالوا وقد حاول مروان بن الحكم في عام 65 أن يأخذها منها ليحرقها، فأبت، حتى إذا توفيت أخذ مروان الصحف وأحرقها، وقال مدافعا عن وجهة نظره: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف الإمام، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب (1).
وما هو إلا أن توزعت هذه المصاحف في البلدان الإسلامية حتى أحرق كل امرئ ما كان عنده من قبل. وأقبلوا يعكفون على استنساخ المصاحف من هذه الأصول الوثيقة المعتمدة، إلى جانب دراستها وتلقّيها مشافهة من كبار القرّاء الذين كان يبعثهم عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار ليتلقى الناس منهم كتاب الله عز وجل.
هذا ونستطيع أن نقطع بأن واحدا من المصاحف العثمانية كان باقيا في دمشق بمسجد بني أمية الكبير حتى القرن الثامن الهجري، حيث يقول ابن كثير--------------------------------------------
(1) مباحث علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح نقلا عن كتاب المصاحف لابن أبي داود ص:
74.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
في كتابه فضائل القرآن: (أما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله) (1).
أما بعد ذلك، فالحديث عن تحقيق هذه النسخ ونقلها بين المكتبات والمتاحف والبلدان، أمر يطول ولسنا بصدد هذا البحث.
فإذا تأملت في هذه الخلاصة التي سردناها من تاريخ هذا الكتاب العظيم، منذ نزوله على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى وصوله إلينا اليوم من حيث الأدوار التي تدرج فيها كتابة وجمعا، وتلقيا ودرسا- تصورت أنك من هذا الكتاب المبين أمام شمس واضحة مشرقة تسير أمام عينيك في قبة السماء الصافية، ليس حولها مزقة سحاب تغشي عليها وليس بينك وبينها أي زوبعة أو ضباب يحجبها عنك.
سلسلة متصلة من التدوين الكتابي الدقيق، والتلقّي الشفهي السليم، يسيران جنبا إلى جنب في مطابقة واتفاق، منذ بزوغ فجر هذا التنزيل إلى هذه الساعة من يومنا هذا، لا ترى فيها حلقة مفقودة أو ثغرة ينفذ منها الشك أو اختلافا يبعث على الريبة.
فأي خبر أو كتاب سار خلال القرون في مثل هذا النفق المحكم العجيب من الحفظ والوقاية؟ اللهمّ إن العقل لا يفهم من ذلك إلا أنه تصديق الدهر والقرون لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وقوله تعالى:
كتاب لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.--------------------------------------------
(1) انظر المرجع السابق: 90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
رسم القرآن والمراحل التحسينية الّتي ندرّج فيها
مما لا شك فيك، أن الصحف التي كانت قد كتبت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والمصاحف العثمانية التي وزعت على الأمصار، كانت كلها خالية عن الشكل والنقط. وكان العرب إذ ذاك يهتدون إلى النطق السليم بوسيلتين:
إحداهما: السليقة العربية الأصيلة التي كانوا يتمتعون بها، والأصالة اللغوية التي كانت فطرتهم مطبوعة عليها، فلم يكن لما عرف بعد ذلك باسم اللحن أي سبيل إلى ألسنتهم، وليس لديهم أي فقر في فهم المعنى الصحيح للفظ من الألفاظ العربية أو في الشكل السليم للنطق بها.
الثانية: التلقي والمشافهة، وقد قلنا إن القرآن كان يضبط ويحفط، بكلّ من وسيلتي الكتاب والتلقّي، فلا الكتابة وحدها كانت معتمدا كافيا لهم، ولا التلقي وحده كان أساسا معتمدا عندهم، بل الأمر إنما يعتمد على كلا الوسيلتين.
فكان التلقي يزيد من وضوح الكتابة، ويزيل ما قد يتصور من اللبس في النطق ببعض الكلمات، كتلك التي تحتمل عددا من وجوه الأداء والقراءة، بسبب عدم توفر النقط فيها. على أن رخصة النطق بالأحرف السبعة في أول عهد العرب بالقرآن ساهمت باعتبارها وسيلة ثالثة في تسهيل ضبط القرآن دراسة وحفظا، وأورثت طمأنينة بعدم الوقوع في أي لبس أو وهم، عند النطق بهذه الكلمات المحتملة.
ومما لا ريب فيه أيضا، أن رسم المصاحف العثمانية التي نسخت على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
هدي الصحف الأولى، يقوم على إملاء خاص به في ذلك العصر وفيما بعده أيضا. وإنك لتجد في إملائه من أنواع الزيادات والحذف للحروف والمدود وطريقة الرسم، ما
لم يكن معهودا حتى عند كثير من القبائل العربية إذ ذاك.
إلا أنه كان يتفق في جملته مع الرسم القرشي في ذلك الوقت، ومن هنا قال عثمان رضي الله عنه للكاتبين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في كلمة من كلمات القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم (1).
ولقد ظهر تطبيق هذه الوصية، عند ما اختلف الكتّاب الأربعة في كيفية رسم «التابوت» في قوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ … (البقرة: 248)، فقد قال زيد «التابوة» وقال القرشيون «التابوت» وترافعوا إلى عثمان فقال: اكتبوا «التابوت» فإنما أنزل القرآن على لسان قريش (2).
فقد علمت إذا، أن في الرسم القرآن في عهده الأول، ظاهرتين:
الظاهرة الأولى: أن له إملاء خاصا به من حيث كيفية كتابة الهمزة مثلا، أو الأحرف اليائية والواوية ومن حيث الزيادة والنقص وما شابه ذلك.
الظاهرة الثانية: أنه كان مجردا عن الشكل الذي يوضّح إعرابه، وعن النقط الذي يميز الأحرف المعجمة عن المهملة.
فأما الظاهرة الأولى:
فقد استمرت فيما بعد، ولم يطرأ عليها تغيير أو تحوير يذكر، فقد أخذ الناس يعتبرون الرسم القرآني رسما معينا خاصّا به ولم يجدوا ما يدعوا إلى مدّ يد التغيير إليه، بعد أن وصل إليهم بهذا الشكل صورة طبق الأصل للكتابة المعتمدة الأولى، بل لقد رأى العلماء أن الحيطة في حفظ القرآن تدعوا إلى وجوب إبقائه على شكله الأول، وتحريم أو تكريه أي تطوير كتابي فيه، تطبيقا للقاعدة الشرعية الكبرى: سدّ الذرائع.--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري: 6 - 98.
(2) البرهان: 1 - 376، والإتقان: 1 - 98.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
روى أبو عمرو الداني عن أشهب، قال: سئل مالك رحمه الله: هل بكتب المصحف على ما أخذته الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى، وسئل مالك مرة أخرى عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف:
أترى أن تغير من المصحف إذا وجدوا فيه ذلك؟ فقال: لا:
وذهب أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك (1).
وليس يعنينا هنا، أن نعرض لتحقيق الحكم الشرعي في هذا الأمر، خصوصا في مجالات التعليم والتدريس، إنما الذي نقصد إليه هو أن نتأمل في مدى الحيطة والشدّة العجيبتين اللتين صين بهما القرآن خلال تاريخ وصوله إلينا.
أما الظاهرة الثانية:
فقد دخلها التطوير. والتحسين فيما بعد، كما نجد أثر ذلك في رسم المصاحف في عصرنا هذا.
وأصحّ ما قيل عن تاريخ أول طور تحسيني دخل رسم القرآن، أنه كان في عهد التابعين في منتصف القرن الأول للهجرة، وأصحّ ما قيل فيمن باشر ذلك أنه أبو الأسود الدؤلي الذي توفي عام تسع وستين. فقد أجمعت روايات الثقات- كما يقول المرحوم مصطفى صادق الرافعي- على أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من وضع النحو بإشارة من علي ابن أبي طالب رضي الله عنه.
ولعلك تقول: فما علاقة وضع النحو بتحسين رسم القرآن، وهل يلزم من أن أبا الأسود الدؤلي هو الواضع للنحو أن يكون هو أول مباشر لتحسين الرسم القرآني؟
والجواب: إن عامّة روايات هؤلاء الثقات تتفق على أن سبب وضعه النحو هو ما رآه أو قيل له من شيوع اللحن في قراءة القرآن، كما تتفق معظم هذه الروايات- ومنها رواية أبي الطيب اللغوي وابن النديم وابن عساكر- على--------------------------------------------
(1) انظر البرهان: 1 - 279.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
أن وضعه للنحو كان مصحوبا بتنقيط المصحف (1) ولعلّ الرواية التي ساقها ابن خلكان تجمع القدر المشترك بين مختلف تلك الروايات، وإليك ما يقوله في ذلك: كان أبو الأسود الدؤلي لا يخرج شيئا أخذه من علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أحد (يقصد به الرقعة التي كان قد أعطاه إياها وفيها قواعد أولية للنحو) حتى بعث إليه زياد بن أبيه- والي العراق يومئذ- أن اعمل شيئا يكون إماما ويعرف به كتاب الله عز وجل، فاستعفاه من ذلك، حتى سمع أبو الأسود قارئا يقرأ: (إن الله بريء من المشركين ورسوله بالكسر) فقال: ما ظننت أن أمر الناس آل إلى هذا، ورجع إلى زياد فقال:
أفعل ما أمر به الأمير؛ فليبغني كاتبا لقنا يفعل ما أقول له، فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه، فأتي بآخر، فقال له أبو الأسود إذا رأيتني قد فتحت فيّ بالحرف، فانقط نقطة فوقه، وإن ضممت فمي فانقط بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت، ففعل ذلك (2).
فإذا تأملت في هذا الخبر- وهو كما قلت لك قدر مشترك للروايات التي ساقها ابن عساكر وابن النديم وأبو الطيب اللغوي- علمت أن الذي بدأ بتحسين رسم القرآن هو أبو الأسود الدؤلي، وعلمت أن هذا التحسين هو وضع النقط للقرآن؛ وأنه لم يكن يقصد به تمييز الحروف المهملة عن المعجمة كما هي وظيفة النقط فيما نعلم، وإنما كان
يراد به الشكل الذي يقوم مقام الفتح والكسر والضم منعا عن اللحن في القراءة وعلمت أيضا أنه إنما وضع النحو من حيث نقّط القرآن وأن الذي دفعه إلى وضع النحو وتقعيد قواعده وإبراز الرقعة التي كان قد أعطاه إيّاها علي بن أبي طالب، هو ما أفزعه من سماع اللحن في تلاوة القرآن.
ولعلك تسمع بعد هذا، عن روايات تقول بأن يحيى بن يعمر--------------------------------------------
(1) انظر وفيات الأعيان: 1 - 240، وانظر كتاب «النحو العربي» للأستاذ الدكتور مازن المبارك ص 100 - 29 فقد عرض فيه لتحقيق واسع فيما روي من خبر أول واضع للنحو، وقارن بين مختلف الروايات في ذلك.
(2) وفيات الأعيان: 22 - 40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
(ت: 129) هو أول من نقط القرآن، أو أن الذي بدأ بذلك هو نصر بن عاصم الليثي (ت 89). وهي في الحقيقة لا تنافي ما نقلناه، فقد كان كلّ من يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم تلميذين لأبي الأسود الدؤلي، وقد كان يحيى بن يعمر قاضيا بمرو، فلعله عمد فنقط مصحفه على نحو ما فعل أستاذه، قبل أن يفعل ذلك هناك أحد غيره، وأما عمل نصر بن عاصم فهو في أغلب الظن إنما يعتبر طورا آخر من التحسين بعد العمل الذي قام به أبو الأسود، تدلّ على ذلك الرواية التي ساقها ابن خلكان، إذ يقول (ثم كثر التصحيف وانتشر بالعراق؛ ففزع الحجاج بن يوسف إلى كتّابه، فسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات، فيقال إن نصر بن عاصم قام بذلك) (1). فأنت ترى أن الحجاج إنما أمر كتّابه أن يعملوا شيئا تتميز به الحروف المشتبهة في القرآن، والحروف المشتبهة إنما هي المهملة والمعجمة كالحاء والجيم والعين والغين.
فيكون عمل نصر ابن عاصم إن صحّت الرواية تنقيطا، لتمييز المتشابه من الحروف لا لضبط الشكل والإعراب كما فعل أبو الأسود.
ثم إن هذا التحسين الذي ذكرناه، دخل طورا ثانيا، بل أخذ يتدرّج في أطوار متلاحقة، لا يمكننا أن نضبط كلّا منها بتاريخ دقيق صحيح، وأن ننسبه إلى شخص معين في رواية موثوقة.
ولكن مما لا شك فيه أن للحجاج عملا عظيما في ذلك بقطع النظر عن تفاصيل ما قام أو أمر به كما يقول الدكتور صبحي الصالح (2). ومما لا شك فيه أيضا أن النقط والشكل تكامل وجودهما في القرآن على عهد الخليل بن أحمد (المتوفى: 170) عند ما ألّف كتابه في النقط والشكل (3).
وظلت الخطوات التحسينية في رسم القرآن مطّردة إلى يومنا هذا، ابتغاء تحقيق المزيد من ضبطه وتسهيل قراءته. إلا أن الظاهرة الأولى المتعلقة بإملائه--------------------------------------------
(1) انظر المرجع السابق: 1 - 135.
(2) انظر كتاب مباحث في علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح: 97.
(3) وفيات الأعيان: 1 - 172.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
ظلت- كما ترى- على الشكل الذي كتبت به الصحف الأولى والمصاحف العثمانية.
ومن هذا الذي ذكرناه يتضح لك أن علم النحو لم يقعد ويدوّن إلا خدمة لضبط القرآن، كما قد رأيت، وستجد فيما بعد أن معظم العلوم العربية الأخرى إنما قامت لخدمة القرآن أو نبعت من مضمونه.
أما عن تاريخ طباعة القرآن، فيقول الدكتور صبحي الصالح: قد ظهر القرآن مطبوعا للمرة الأولى في البندقية في حدود سنة 1530، ولكن السلطات الكنسية أصدرت أمرا بإعدامه حال ظهوره. ثم ظهرت أول طباعة إسلامية خالصة للقرآن في سانت بترسبورغ، بروسيا سنة 1787. ثم عنيت الآستانة ابتداء من سنة 1877 بهذا الأمر العظيم (1).--------------------------------------------
(1) مباحث في علوم القرآن: 103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
الأحرف السّبعة
وهذا أيضا بحث من أهم ما يتعلق بتاريخ القرآن وكيفية نزوله.
ولنبدأ بما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
روى مسلم عن أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار (غدير صغير، بموضع قرب مكة) فأتاه جبريل عليه السلام فقال له: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم أتاه ثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف: فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيّما حرف قرءوه عليه فقد أصابوا.
وروى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال:
سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها، فكدت أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم
لبيته بردائه فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله ثم قال (اقرأ يا هشام) فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هكذا أنزلت» ثم قال لي اقرأ، فقرأتها، فقال «هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما يتيسر منه».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
وروى الترمذي بسند صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم لقي جبريل فقال: يا جبريل إني بعثت إلى أمة أمية منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتابا قطّ، فقال لي يا محمد إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف.
هذا بعض ما ورد من الأحاديث الصحيحة في موضوع الأحرف السبعة.
فما هي الأحرف السبعة: وما معنى أن القرآن أنزل على سبعة أحرف؟.:
هي في الصحيح الذي ذهب إليه الجمهور كمكي بن طالب، وابن عبد البرّ، وابن قتيبة وابن شريح وغيرهم: لغات متفرقة في القرآن مختلفة في السمع، متفقة في المعنى أو مختلفة في السمع وفي المعنى، وزيادة كلمة ونقص أخرى، وزيادة حرف ونقص آخر، وتغيير حركات في موضع حركات أخرى، وتقديم وتأخير، ومدّ وقصر، وشبه ذلك مما يتعلق بجوهر الكلمة أو كيفية أدائها.
وقد يكون هذا الاختلاف مما يخضع لرسم واحد، وقد يكون مما يختلف به الرسم.
فكل وجه من هذه الأوجه المختلفة يسمى حرفا، وأطلق على مجموعها الأحرف السبعة، لأنها- فيما ذكره مكي بن طالب وجمهور من أهل العلم- ترجع إلى أربعة أوجه:
الأول: أن يختلف في مدّ الكلمة وقصرها أو في إعرابها أو في حركات بنائها بما لا يغير معناها، كالبخل والبخل، وميسرة وميسرة.
الثاني: أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حركات بنائها بما يغير معناها على غير التضاد ولا يزيلها عن صورتها في الخط، كقوله: «ربنا باعد بين أسفارنا» و «ربنا بعّد بين أسفارنا».
الثالث: أن يكون الاختلاف في تبديل حرف الكلمة دون إعرابها، بما يغيّر المعنى ولا يخرج عن القصد ولا يغيّر صورة الخط نحو: ننشرها، ننشزها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
الرابع: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغيّر صورتها في الكتاب ولا يغيّر معناها نحو «إن كانت إلا صيحة واحدة» و «إن كانت إلا زقية واحدة».
الخامس: أن يكون الاختلاف بما يزيل صورة الكلمة في الخط ويزيل معناها، دون أن يكون بينهما تضاد نحو: الم تنزيل الكتاب، في موضع: الم ذلك الكتاب.
السادس: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير كقوله «وجاءت سكرة الحق بالموت» بدلا من «وجاءت سكرة الموت بالحق».
السابع: أن يكون الاختلاف بالزيادة أو النقص في الحروف والكلم، شريطة أن لا يحدث ذلك حكما لم يقبله أحد نحو «تجري تحتها» بدلا من «تجري من تحتها» (1).
إذا عرفت المعنى المراد بالأحرف السبعة، فلتتساءل عن معنى كون القرآن قد نزل بها.
والجواب أن الله قد أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقرئ أمته القرآن على هذه الأوجه المختلفة بالحدود والضوابط التي أجملنا بيانها، وأن لمن شاء من أمته أن يقرأ بما شاء من هذه الأوجه، بعد أن يكون قد سمعها تلقيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبذلك تعلم أن اختلاف القراءة من وجه إلى آخر لم يقع ولا يجوز أن يقع بالتشهي، بأن يغيّر كل قارئ الكلمة إلى مرادفها أو إلى وجه آخر من كيفية النطق بها. بل ذلك- كما قال الزرقاني على الموطأ- مقصور على السماع منه صلى الله عليه وسلم، كما يشير إليه قول كلّ من عمر وهشام، في الحديث السابق ذكره:
أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم (2).
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: الصحيح أن هذه الأحرف السبعة--------------------------------------------
(1) انظر الإبانة لمكي بن طالب ص 37 - 42.
(2) انظر الزرقاني على الموطأ 1 - 363.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
ظهرت واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضبطها عنه الأمة (1).
ونتساءل بعد هذا عن الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف، وهل كان ذلك رخصة منوطة بسبب عارض أم هو عزيمة باقية؟
يتضح لك من الأحاديث التي ذكرناها في أول البحث، أن الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف، هي التخفيف على العباد وتسهيل سبيل قراءة القرآن عليهم، إذ فيهم كما قال عليه الصلاة والسلام العجوز والشيخ الكبير والرجل الذي لا يقرأ كتابا.
واستنادا إلى هذا الدليل، ذهب كثير من أهل العلم إلى أن ذلك إنما كان رخصة اقتضاها حال العرب في صدر الإسلام من تفرقهم واختلافهم إلى قبائل شتى يتخالفون ويتفاوتون في كيفية القراءة والنطق. والرخصة هي تحوّل الحكم الشرعي إلى الأسهل لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي (2).
يدل على ذلك إلى جانب دلالة الأحاديث السابقة، أن هذا الإذن من الله عز وجل في القراءة بالأحرف السبعة إنما اقتصر على القراءة فقط، أما كتابة القرآن فإنما كانت بحرف واحد هو حرف قريش، وهو الحرف الذي أشار إليه جبريل بقوله في أول الحديث الذي رواه مسلم عن أبي بن كعب: إن الله يأمرك أن تقرئ القرآن على حرف.
قال مكّي بن طالب: «وكان المصحف قد كتب على لغة قريش، على حرف واحد، ليقلّ الاختلاف بين المسلمين في القراءة … » (3).
وهكذا، فقد كانت كتابة المصحف بحرفه الأصلي الواحد ضمانة لبقائه والرجوع إليه بعد انتهاء العذر الذي اقتضى التخفيف، كما كانت ضمانة لعدم ضياعه وتميّعه في غمار تلك الأحرف الأخرى التي أذن الله عز وجل أن تقرأ بها قبائل العرب تخفيفا وتيسيرا.--------------------------------------------
(1) انظر شرح النووي صحيح مسلم 6 - 100.
(2) انظر جمع الجوامع وشرحه 1 - 67.
(3) الإبانة ص 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
ولنتساءل إذا: ما هو مصير الأحرف السبعة اليوم؟
والجواب أن مصيرها مصير كل رخصة زال العذر المسبّب لها. وقد علمت أن جواز القراءة بالأحرف الستة الأخرى غير التي كان يكتب بها القرآن، إنما كان رخصة اقتضاها حال العرب في صدر الإسلام لما قد رأيت من اختلاف اللهجات وشيوع الأمية. فلما صهرهم الدين وجمعهم القرآن وتقلصت الأمية، انتهت الرخصة وانحسرت الحاجة إليها، وعاد الحكم فانحصر بالحرف الذي كان يكتب؛ وهو حرف قريش. فاجتمع الناس كلهم على النطق به معتمدين في ذلك على ما وجدوه مكتوبا عندهم من الرسم الصحيح المعتمد للقرآن.
روى القرطبي عن الطحاوي: «إنما كانت السعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم، لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا لقليل منهم، فلما كان يشقّ على كلّ ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ إلّا بمشقة عظيمة، فوسّع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى متفقا. فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدروا بذلك على تحفّظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرءوا بخلافها (1).
وذكر النووي مثل هذا في شرحه على صحيح مسلم (2).
وعزا الزرقاني على الموطأ ذلك إلى أكثر أهل العلم كابن عيينة وابن وهب والطبري وابن عبد البرّ والطحاوي (3).
ولكن كيف سقط العمل بما يخالف خط المصحف، حتى لم تجز القراءة بالأحرف الأخرى وهل كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأمره أم في عهد عثمان وبتوجيهه؟--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن: 1 - 42، 43.
(2) انظر شرح النووي على مسلم: 6 - 11.
(3) الزرقاني على الموطأ: 1 - 263.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
اختلف العلماء في ذلك، ونقل الزرقاني أن أكثرهم على أن ذلك إنما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأمره، فقد قال: «وهل استقرّ ذلك في الزمن النبوي أم بعده؟ الأكثر على الأول واختاره الباقلاني وابن عبد البرّ وابن العربي وغيرهم، لأن ضرورة اختلاف اللغات ومشقة نطقهم بغير لغتهم اقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر … حتى انضبط الأمر وتدربت الألسن وتمكن الناس من الاقتصار على لغة واحدة، فعارض جبريل النبي صلى الله عليه وسلم القرآن مرتين في السنة الأخيرة واستقر الأمر على ما هو عليه الآن فنسخ الله تلك القراءة المأذون فيها، بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التي تلقاها الناس (1).
وعلى هذا، فقد كان إقدام عثمان رضي الله عنه على جمع الناس على حرف قريش ومنع القراءة بكل حرف آخر سواه مما يخالف خط المصحف المعتمد، وتحريق المصاحف الأخرى المخالفة له- كان كل ذلك منه باستناد إلى هذا الذي رواه الزرقاني عن أكثر أهل العلم من استقرار القرآن كتابة وقراءة، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جزء من الأحرف السبعة، وهو الذي كانت كتابة القرآن به.
وما أجمع الصحابة ومن بعدهم مع عثمان على صنيعه، إلا استنادا إلى أن الأمر كان قد استقر على ذلك في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأمر منه.
ويبقى بعد ذلك السؤال التالي: ولكن جمع عثمان الناس على حرف واحد لم يوحّد القراءات توحيدا تاما، بل بقي الناس مع ذلك يختلفون في القراءة بأوجه من النطق والأداء ضمن ما يتحمله الحرف الواحد المعتمد كتابة، منذ عهد الرسول، والذي أصبح معتمدا في الكتابة والقراءة معا في عهد عثمان! …
والجواب أن هذه القراءات المختلفة التي ظل الناس يقرءون بها حتى بعد عهد عثمان، إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وإنما سوغ القراءة بها أنها موافقة لخط عثمان الذي أجمع الصحابة فمن بعدهم عليه (2).--------------------------------------------
(1) الزرقاني على الموطأ: 1 - 363.
(2) الإبانة لمكّي بن طالب ص 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
وبيان ذلك أن الأحرف السبعة تتفاوت في درجة تخالفها وتباعدها عن بعضها، كما مرّ بيانه. فمنها ما يتعلق بكيفية النطق والأداء من قصر ومد ونحوهما دون أن تتغير به صورة الخط، ومنها ما يتغير به صورة الخط والرسم كإبدال كلمة بأخرى …
فلما جمع عثمان الصحابة على خط واحد، وهو حرف قريش، ومنع المسلمين من القراءة بما خالفه، وقد كان خط المصحف خاليا- إذ ذاك من النقط والشكل- بقيت الأوجه الخاضعة لذلك الحرف الباقي، معتمدة في القراءة والتعبّد بها، طالما ثبتت روايتها عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالتواتر.
إذ الذي بطلت القراءة به من مجموع الأحرف السبعة، سواء قلنا إن ذلك كان في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في عهد عثمان، إنما هو كل ما خالف حرف قريش ولم يقبله التأويل بحال، فبقي ما كان مندرجا ضمنه على أصله من الاعتماد وصحة القراءة به.
وهذا القدر المتفق مع الخط المعتمد للمصحف، من مجموع الأحرف السبعة، هو الذي سمي فيما بعد بالقراءات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
علوم القرآن
تمهيد
1 - ما هي علوم القرآن؟
2 - (علوم القرآن) اصطلاح خاص.
3 - متى ظهر هذا الاصطلاح؟
ما هي علوم القرآن؟
علوم القرآن كثيرة، وحسبك أن تعلم أن المكتبة العربية كلها بعلومها المختلفة الكثيرة، إنما انبثقت عن القرآن وتفرعت عنه، فعلم العربية بفروعها من أدب وبلاغة وقواعد ولغة، من علوم القرآن. والشريعة الإسلامية بفروعها من الفقه والأصول، والتفسير والحديث والتوحيد، من علوم القرآن. والتاريخ وكثير من مسائل الكونيات وأصول البحث من علوم القرآن.
قال الزركشي: وكل علم من العلوم منتزع من القرآن وإلا فليس له برهان (1).
وروى البيهقي في المدخل عن ابن مسعود أنه قال: من أراد العلم فليثوّر القرآن (أي ليفكر في معانيه وتفسيره وقراءته) فإن فيه علم الأولين والآخرين قال: وإنما أراد به أصول العلم (2).
وقبل أن تستعظم هذا الكلام، وتردّه إلى المبالغة والتزيد، نقول لك:
إنما يصدق هذا، على أساس الوجهين التاليين:
الوجه الأول: أن القرآن يشتمل على كل تلك العلوم اشتمالا مختلفا--------------------------------------------
(1) البرهان: 1 - 7.
(2) المرجع السابق: 1 - 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)