Arabic source text

📘 মিন রাওয়ায়িইল কুরআন (মুহাম্মাদ সাঈদ আল-বূতি - মৃত্যু 1434 হিজরী)

📘 من روائع القرآن (محمد سعيد البوطي - ت 1434 هـ)

📘 মিন রাওয়ায়িইল কুরআন (মুহাম্মাদ সাঈদ আল-বূতি - মৃত্যু 1434 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ومتفاوتا. فمنها ما يشتمل عليه القرآن بمعناه الحقيقي دون أي تأويل أو مبالغة كعلوم الفقه والأصول والتفسير والبلاغة والقواعد واللغة. ومنها ما يشتمل القرآن على أصوله ومفاتيحه، بمعنى أنه ينبّه القارئ إليه ويرشده إلى كثير من كلياته وأصوله، ككثير من العلوم الكونية والفلكية، وعلم الطب والأبدان.
الوجه الثاني: أن القرآن هو الذي نبّه العرب والمسلمين إلى ضرورة الإقبال على هذه العلوم والأبحاث، بل هو المنطلق الأول لشيء اسمه «التدوين» في التاريخ العربي.
فالقرآن، كما قد رأيت فيما مضى، هو الذي أشعر الناس بضرورة وضع قواعد في النحو والإعراب، وهو الذي أشعرهم بالحاجة إلى وضع موازين وضوابط للبلاغة العربية ووجوهها، وهو الذي دعاهم إلى وضع الموسوعات اللغوية المختلفة، وهو الذي اضطرهم إلى تدوين شيء اسمه (علم الكلام) بما يشتمل عليه هذا العلم من قواعد البحث والمنطق لتعزيز الأدلة النقلية بالبراهين العقلية ثم لولا القرآن وما أدى إليه تدوينه والإقبال عليه، لما أقبلوا بعد ذلك إلى شيء من العلوم الكونية والتشريح والطب. وآية ذلك أن الذين نبغوا من العرب في هذه العلوم، إنما نفذوا إليها من دراساتهم القرآنية قبل ذلك، فأنت لا تكاد تقع على ترجمة واحد منهم إلا وتجده مفسّرا فقيها ذا باع طويل في القرآن وعلومه، كابن النفيس مثلا الطبيب العظيم وصاحب اكتشاف الدورة الدموية، فقد كان من قبل فقيها عظيما ألّف في الفقه والسيرة النبوية، وترجم له السبكي في طبقات فقهاء الشافعية (1).
والخلاصة إن بنية الحضارة العربية بما اشتملت عليه من علوم وفنون وفكر وابتكار، إنما قامت بتأثير القرآن وعلى ضوئه، ولا ينافي ذلك ما نعلمه جميعا من كيفية تسلسل الأحداث وارتباط الأمور ببضعها. إنما المهم أن تعلم أنه لولا القرآن لما كانت هذه المكتبة العربية التي نرفع الرأس بها اليوم عاليا.
وذلك معنى قولنا: القرآن يحتوي على علوم كثيرة جدا وهو معنى قول الزركشي السابق: كل علم من العلوم منتزع من القرآن.--------------------------------------------
(1) انظر طبقات السبكي: 5 - 129.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)

‌‌(علوم القرآن) اصطلاح خاص:
ثم إن هذه الكلمة أصبحت تطلق على طائفة معينة من الأبحاث الهامة المتعلقة بالقرآن تعلقا مباشرا وقريبا. كتفسيره، وناسخه ومنسوخه، ومكيه ومدنيه ومحكمه ومتشابهه، وقراءاته. وذلك، لأن كلّا من هذه الأبحاث، قد دار حوله كلام كثير، واستلزم فهمه معرفة دقيقة لضبطه وتحديده، وألّفت فيه الكتب المستقلة، فتحولت المعرفة بذلك إلى علم، كما يقول ابن خلدون (1).
فالتفسير إذا فن مستقل برأسه، يقوم على أسس ومقوّمات وشروط، والناسخ والمنسوخ في القرآن أيضا فن خاص يقوم على دراسة معينة وأهمية خاصة، والمحكم والمتشابه كذلك … وهلمّ جرا.
ثم لما كثرت تآليف العلماء في هذه القرون، وأطلقوا على جملتها اسم (علوم القرآن) وتكرر هذا الاسم وتداوله الباحثون والكاتبون، أصبح هذا الإطلاق علما على هذه الطائفة من علوم القرآن وأبحاثه. وأصبحت هذه الطائفة من الأبحاث علما مستقلا برأسه.

‌‌متى ظهر هذا الاصطلاح:
ثم إنك تعلم أن عصر الصحابة كان عصر تلقّ للقرآن والسنّة، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون معاني الألفاظ وما وراءها بفطرتهم العربية الأصيلة، فإذا أشكل عليهم شيء من وراء ذلك أيضا سألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كانت رقعة حياتهم ضيقة لا تزخر أو تتزاحم فيها التقاليد والأفكار والمشكلات الطارئة فكانت معارفهم في أذهانهم، وكان مرجعهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كبار الصحابة من بعده، فلم يكن عندهم شيء مما أطلق عليه فيما بعد اسم «علوم القرآن».
ثم لما كان عصر التابعين، أقبل التابعون على مشاهير الصحابة يعلمون منهم كتاب الله تعالى وتفسيره، وربما أخذ البعض يدوّن من ذلك الكثير مما--------------------------------------------
(1) مقدمة ابن خلدون: 214 طبعة بولاق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)

يحرص عليه. وقد اشتهر من التابعين في دراسة القرآن وتفسيره: مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء ابن أبي رباح والحسن البصري.
روى ابن كثير عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، قال: فيقول له ابن عباس اكتب، حتى سأله عن التفسير كله (1).
وهكذا تكوّن وظهر في عصر التابعين «علم تفسير القرآن» في مقدمة علومه وأبحاثه الأخرى، إذ هو أساسها وإليه مردّها؛ ظهر علما بدأ تدوينه وجمعه، بعد أن كان معارف في الأذهان والصدور.
ثم تفرع عن علم التفسير علومه الأخرى، عند ما تكاثر أرباب الاختصاص في الدراسات العربية والإسلامية.
فالفقهاء والأصوليون عنوا منها بعلم الناسخ والمنسوخ، وعلماء التفسير والكلام اهتموا من ذلك بعلم المحكم والمتشابه والقراءات، وعلماء العربية انصرفوا إلى مباحث الإعجاز والأسلوب وعلم إعراب القرآن … وهلم جرا.
ولا شك أن هذه الفنون لم تظهر في حقبة واحدة من الزمن، وإنما ظهرت متتابعة، إلا أنها تكاملت علوما خلال القرنين: الثاني والثالث.
أما إطلاق لفظ (علوم القرآن) اصطلاحا على هذه العلوم القرآنية فإن البعض يحسب أن الإمام الشافعي هو أول من سيّر هذا الاصطلاح وذلك أنه حينما جيء به إلى الرشيد- عند ما اتهم بالتشيّع- سأله الرشيد: كيف علمك يا شافعي بكتاب الله؟ فقال الشافعي: عن أيّ كتاب من كتب الله تسألني يا أمير المؤمنين؟ فإن الله أنزل كتبا كثيرة، قال الرشيد: قد أحسنت، لكن إنما سألت عن كتاب الله المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم، فقال الشافعي إن للقرآن علوما--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير 1 - 4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)

كثيرة، فهل تسألني عن محكمه ومتشابهه، أو عن تقديمه وتأخيره أو ناسخه ومنسوخه؟
وأغلب الظن أن الكلمة إنما أصبحت اصطلاحا، بتداول المؤلفين لها، وجعلها اسما على مباحثهم المتعلقة بالقرآن. وأيّا كان الأمر فإن الخطب في ذلك يسير وهو ما لا يتعلق لنا به غرض كبير.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)

‌‌التّفسير‌‌ حقيقته، نشأته وتطوّره، مذاهبه وشروطه
حقيقته:
قال في البرهان: التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزّل على نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه؛ واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والصرف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات (1).
وثمة كلمة أخرى كثيرا ما تستعمل في مكان التفسير، وهي: التأويل.
إلا أنها ليست مرادفة للتفسير بمعناه الدقيق، بل هي في الأصل تختلف عنه اختلافا ما، ولكن كثرة استعمالها في مكان «التفسير» جعلها تؤدي معناها وتقوم مقامها.
قال في تهذيب الأسماء واللغات في بيان الفرق بينهما: أما التأويل فقال العلماء هو صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه يحتمله، أوجبه برهان قطعي في القطعيات وظني في الظنيات، وقيل هو التصرّف في اللفظ بما يكشف عن مقصوده. وأما التفسير فهو بيان معنى اللفظة القريبة أو الخفية (2).
أقول: ولعلّ هذا التفريق أصحّ ما قد قيل في ذلك.
ولكن هذا الفرق ناظر إلى معنى كلّ من الكلمتين من حيث دلالتها--------------------------------------------
(1) البرهان للزركشي 2 - 13.
(2) تهذيب الأسماء واللغات للنووي 3 - 15، وانظر البرهان 2 - 149.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)

اللغوية. أما عند ما تصبح «التفسير» إطلاقا على علم معين كما ذكرنا، فهي تتسع حينئذ لمعنى التفسير والتأويل، إذ الكل يدخل تحت مدلول هذا العلم.
وتبقى العلاقة حينئذ بين الكلمتين، العموم والخصوص المطلق، فكل تأويل تفسير وليس كل تفسير تأويلا.
ولعلك تسأل فتقول:
فإذا كان القرآن كتابا مبينا، وقد نزل إلى الناس ليقرءوه فيفهموه، فينبغي أن يكون غنيا عن التفسير والمفسرين؛ وينبغي أن يكون مفهوما بذاته لأن الله تعالى إنما يخاطب عباده بما يفهمونه، ففيم احتيج إلى تفسيره؟
فالجواب: الحاجة إلى تفسير القرآن ليست بسبب أنه كتاب مبهم يحتاج إلى مفتاح له ومترجم عنه وإنما الحاجة إليه من وجوه أخرى نجملها فيما يلي:
الوجه الأول: أن القرآن جار على أسلوب يصلح أن يخاطب به طبقات الناس كلهم على اختلاف مداركهم وثقافاتهم (كما سنشرح ذلك فيما بعد) فهو يعطي كلّا، من معانيه وأحكامه قدر طاقته وما يتسع له فكره؛ فإذا أراد القارئ أن يستشف منه ما وراء ذلك وينتهي في سبر أغواره إلى أكثر مما فهمه منه بطبيعته وفكره، فإن سبيله إلى ذلك الرجوع إلى فهم من هم أوسع منه علما وأغزر ثقافة وفهما ليبصروه بما وراء الذي انتهى عنده علمه من دلائله ومعانيه.
فهذا وجه من وجوه الحاجة إلى التفسير.
الوجه الثاني: أن القرآن- كما قال الزركشي- كلام متكلم لم يصل الناس إلى مراده بالسماع منه، ولا إمكان للوصول إليه، بخلاف الأمثال والأشعار، فإن الإنسان يمكن علمه بمراد المتكلم بأن يسمع منه أو ممّن سمع منه (1). ومن هنا تجد القرآن محاطا بسور من الرهبة والجلال يمنع قارئه أن يسرع فيقتحم إليه بالشرح والتفسير كما يشرح الكتب الأخرى. وإنما الشأن أن يتوسط إلى ذلك بما قد أثر من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم له أو أثر من تفسيرات الصحابة رضوان الله عليهم، فهو الذي أوحي إليه القرآن مباشرة، وهو الذي أمره الله عز وجل بأن يبيّن--------------------------------------------
(1) البرهان: 1 - 16

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)

للناس ما نزل إليهم. فهذا وجه ثان في الحاجة إلى تفسيره والاطمئنان إلى حقيقة معانيه المرادة منه.
الوجه الثالث: إن القرآن كتاب يحوي ببين دفتيه مبادئ العقيدة والتوحيد، كما يحوي مبادئ الشريعة وأحكام الحلال والحرام، ويشمل التوجيهات الأخلاقية ومبادئ التنظيمات الاجتماعية، إلى جانب ما فيه من عبر الأمم الماضية والإخبار عن المغيبات ووجوه النقاش والحجاج.
فلا جرم أنه إنما يتناول كل ذلك ويعالجه بأسلوب من التركيز والاختصار يضمن للقارئ الفهم الموجز الكلي من ناحية، ويحمله على البحث والدرس والوقوف على تفصيلات ذلك من ناحية أخرى. فكانت الحاجة إلى تفسير القرآن من هذه الجهة استجابة للغرض المتعلق بتفصيل موجزاته وشرح كلياته.
الوجه الرابع: أن المعنى الذي يراد بتفسير القرآن بعد كل هذا الذي ذكرناه- ليس متوقفا على شرح الكلمة وترجمتها، وإنما هو يتعدى ذلك إلى وجوه وأنواع من الاستنباطات المتعلقة بدقائق المباحث والعلوم، تختلف حسب اختلاف وجهة المفسّر واختصاصه من عربية وأصول فقه وتوحيد وكونيات.
والقرآن «كما قد علمت وستعلم» ذو دلالات متسلسلة لا تكاد تتناهى. وإنما سبيل الكشف عنها أو عن بعضها، بعكوف أرباب الاختصاصات عليه بالدرس والبحث والتفسير.
فهذه هي خلاصة الأسباب الداعية إلى تفسير القرآن وشرحه. وهي كما رأيت، أسباب لا تتنافى مع كونه كتابا عربيا غير ذي عوج، ولا تتعارض مع ما هو مقرر ثابت من أن الله إنما يخاطب عباده بما يفهمون.

‌‌نشأته وتطوره:
نشأ علم التفسير في صدر الإسلام، في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن يسمى حينئذ علما. وذلك هو الشأن في سائر العلوم الإسلامية (تقريبا) نشأت حقائقها في صدر الإسلام، وتكونت أغلفتها فيما بعد.
ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول من مارس التفسير وعلمه للناس، إذ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)

كان هو المصدر الأول لفهم الكتاب وتبيينه. ولا بدّ أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لأصحابه سائر معاني الكتاب كما بيّن لهم ألفاظه وطريقة تلاوته (1).
أما الصحابة، فهم الطبقة الأولى في تاريخ علماء التفسير، وهم الأساس والأصل اللذان قامت عليهما نشأة علم التفسير.
غير أن الصحابة ليسوا كلهم في مستوى واحد من العلم بكتاب الله تعالى والوقوف على تفسيره، وإنما هناك نخبة امتازت واشتهرت من بين سائر الصحابة بهذا العلم. منهم الخلفاء الراشدون وابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضوان الله تعالى عليهم أجمعين (2).
ولقد كان أكثر هؤلاء رواية للتفسير، أكثرهم تعميرا وأطولهم حياة، فمن أجل ذلك كان ابن عباس رضي الله عنه المتوفى سنة 68 في مقدمة من اشتهر من الصحابة بالتفسير، وقد روي عنه في التفسير ما لا يكاد يحصى كثرة وقد سمّاه ابن مسعود: ترجمان القرآن. ومن أجل ذلك تجد الخلفاء الثلاث: أبا بكر وعمر وعثمان أقل الذين ذكرناهم رواية له بسبب تقدم وفاتهم، ولعله بسبب أعباء الخلافة أيضا (3).
وأنت تعلم أن التفسير إنما كان عند هذه الطبقة رواية وأداء بالنطق والمشافهة فقط، ولم يكن شيء منه يكتب على عهدهم، كما لم يكتب أيّ علم آخر اللهمّ إلا القرآن والحديث.
ثم تأتي (الطبقة الثانية) من علماء التفسير، وهي طبقة التابعين. وقد نبغ منهم في التفسير ثلاث طوائف:

‌‌الطائفة الأولى: وهم أصحاب عبد الله بن عباس، من علماء مكة المكرمة--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان للسيوطي وما يرويه في هذا البحث عن ابن تيمية: 2 - 178.
(2) انظر كشف الظنون: 1 - 178.
(3) انظر كشف الظنون: 1 - 298، والإتقان: 2 - 187، وتفسير ابن كثير: 1 - 4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)

أشهرهم مجاهد بن جبر (ت: 103) وسعيد بن جبير (ت: 94) وعكرمة مولى ابن عباس (ت: 105) وطاوس بن كيسان (ت: 106) وعطاء بن أبي رباح (ت: 114).
وهذه الطائفة تعدّ من أعلم الناس بالتفسير في عصر التابعين، وفي مقدمتهم مجاهد بن جبر، نقل النووي عنه أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، وقال: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد (1).

‌‌الطائفة الثانية: وهم أصحاب عبد الله بن مسعود، من علماء الكوفة
فمنهم علقمة بن قيس (ت: 102) والأسود بن يزيد (ت: 75) وإبراهيم النخعي (ت: 95) والشعبي (ت: 105).

‌‌الطائفة الثالثة: وهم أصحاب أنس بن مالك وغيره
فمنهم زيد بن أسلم (ت: 136) وقتادة بن دعامة السدوسي (ت: 117) والحسن البصري (ت: 110) وعطاء بن أبي سلمة (ت: 135) ومحمد بن كعب القرظي (ت: 117).
فهذه الطوائف الثلاث، هي التي تكوّن الطبقة الثانية من علماء التفسير.
وإنما كان علم التفسير عند هؤلاء، الرواية عن الصحابة. فكانوا يروون عنهم التفسير إلى جانب ما يروونه من الحديث والفقه، ولكنهم اشتهروا بمزيد من العناية بتفسير كتاب الله، لا سيما بعضا منهم مثل مجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري.
غير أن عمل هذه الطبقة يمتاز عن عمل الصحابة بظهور الكتابة والتدوين عند بعضهم، وقد كان في مقدمة من قام بذلك مجاهد بن جبر من أصحاب ابن عباس رضي الله عنه. روى ابن جرير عن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه. قال: فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله (2).--------------------------------------------
(1) تهذيب الأسماء واللغات: 2 - 83، وانظر الإتقان: 2 - 189، وكشف الظنون: 1 - 299.
(2) تفسير ابن جرير: 1 - 30.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)

وهي وإن كانت كتابة جزئية لم تبلغ درجة التأليف بمعناه المألوف إلا أنها مهدت ذلك لأرباب الطبقة الثالثة الذين عكفوا على تصنيف كتب التفاسير.
(أما الطبقة الثالثة)، فقد قام علماؤها بتأليف تفاسير واسعة تجمع ما انتهى إليهم من أقوال الصحابة والتابعين (كتفسير سفيان بن عيينة (ت: 198) ووكيع بن الجراح (ت: 197) وشعبة بن الحجاج (ت: 160) وغيرهم؛ وهم كثير. ثم جاء في أعقابهم محمد بن جرير الطبري (ت: 310) فجمع أشتات هذه التفاسير وقرّب منها البعيد، وفعل مثله عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت: 271) وابن عطية وغيرهما. وكلهم كما يقول الزركشي متقن مأجور (1)، ولكن الذي وصل إلينا منها تفسير ابن جرير، وهو تفسير عظيم جمع فيه المأثور بالسند وميّز بين الصحيح منه وغيره، وأصبح مستندا هامّا لسائر المفسرين من بعده.
ولقد امتاز عمل هذه الطبقة من المفسرين بما يلي:
أولا- جمع ما انتهى إليهم من أقوال الصحابة والتابعين في تفسير آيات القرآن، في مؤلفات منسقة ينتظم فيها تفسير جميع آي القرآن بترتيبها المعروف، وبذلك تم
ظهور هذا الفن العظيم في مؤلفات ومصنفاته جامعة.
ثانيا- ضبط الرواية عن الصحابة. فقد بحثوا في حال التابعين الذين نقلوا إليهم أقوال الصحابة في القرآن، فاعتمدوا منهم من توفرت لديهم شروط الرواية وأمارات الثقة وأهملوا الآخرين، وذلك لما اندسّ في صفوفهم من الدخلاء المتسترين بلباس العلم والإسلام.
فمن عملهم في ذلك أنهم اعتمدوا طرقا معدودة في الرواية عن ابن عباس، أفضلها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي (ت: 143) واعتمد عليها البخاري في صحيحه، وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم، وأهملوا طريقة محمد بن السائب الكلبي (ت: 146) عن ابن صالح--------------------------------------------
(1) انظر البرهان: 2 - 159.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)

(ت: 223) عن ابن عباس، قالوا: فإن انضم إليهما محمد بن مروان السدي (ت: 186) فهي سلسلة الكذب (1).
ثالثا- أنهم أضافوا إلى ما نقلوه عن الصحابة والتابعين زيادات واستنباطات توسعوا فيها، فمنها ما يتعلق بالعربية ومنها ما يتعلق بالقراءات، ومنها ما يتعلق بالفقه وأحكام الحلال والحرام، ملتزمين في ذلك قواعد التفسير وشروطه التي سنتحدث عنها فيما بعد إن شاء الله.
ولعلّ أهم هذه الأعمال الثلاثة، هو ضبط الأسانيد والروايات ونخلها بذاك المنخل العلمي العظيم الذي لا ولن يملك مثله لدى البحث العلمي غير المسلمين، وأنّى للآخرين أن يرتقوا فيما يزعمونه من البحث العلمي إلى هذا المستوى، وإنما بحوثهم العلمية كلها تقوم على أساس (الاستنتاج) ويا له من أساس علمي متين؛ ذاك الذي يقتنص حقائق العلم وسط دخان الأهواء وفي سبحات الخيال!! ولقد كان علم التفسير خلال هذه المراحل الثلاث يضم كل ما يتعلق بفهم القرآن وكشف أسراره وغوامضه، من قراءات وأسباب نزول، وناسخ ومنسوخ، ومتشابه، إذ كان الحديث عن ذلك كله داخلا في تفسير القرآن.
فلما توسعت الاختصاصات العلمية، وظهر العلماء الذين اختصّوا- بعد كفايتهم العلمية- بالفقه، والذين اختصّوا بعلم الكلام، والذين انصرفوا إلى علم القراءات وهلمّ جرّا- أخذ كلّ من أرباب الاختصاص يتناول من تفسير القرآن ما يتعلق باختصاصه فيفرده بالبحث والتأليف.
وهكذا انفصل بحث القراءات من علم التفسير، لمّا أفرد القراء التآليف فيه، فأصبح علما مشتقا من التفسير؛ وانفصل عنه مبحث أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، لمّا أفرد فيه علماء الفقه والأصول البحث والتأليف؛ وانفصل عنه مباحث إعراب القرآن لما عني النحاة بإفراد التصانيف في ذلك.--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان للسيوطي: 2 - 178، وكشف الظنون: 1 - 299.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)

ولم تكن هذه الظاهرة وحدها ثمرة ظهور الاختصاصات العلمية، بل ثمة ثمرة أخرى. فلقد أخذت كتب التفسير تتجه فيما بعد- من حيث العناية والاهتمام- وجهة اختصاص المؤلف.
فقد ألّف علماء العربية في تفسير القرآن، ليخدموا بذلك فنهم، فكان عملهم يتركز على إبراز بلاغته العربية وإعجازه اللغوي، من ذلك تفسير أبي حيّان الأندلسي وتفسير الكشاف للزمخشري وتفسير أبي السعود.
وألّف علماء الفقه فيه أيضا؛ ليستجلوا منه أحكام الحلال والحرام، فكان عملهم منصبّا منه على هذا الجانب أكثر من غيره، كالجامع لأحكام القرآن للقرطبي (ت: 671) وأحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي (ت: 543).
وألّف فيه علماء التوحيد والكلام، ليستخرجوا منه دلائل التوحيد وفروعه ومتعلقاته، فلم يعنوا منه العناية التامة إلا بهذا الجانب دفاعا عن العقيدة الإسلامية وتجلية لأمرها، كالإمام فخر الدين الرازي (ت: 606) في تفسيره:
مفاتيح الغيب.
فهذه خلاصة كافية عن نشأة علم التفسير وتطوره.

‌‌مذاهبه وشروطه:
اتخذت مناهج المفسرين في تفسير كلام الله عز وجل أحد مذهبين:
الأول: التزام الوارد في تفسير الآية عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة أو التابعين، دون سوق أي زيادة على ذلك، اللهمّ إلا أن تكون شرحا لغويا لكلمة أو كشفا عن إعراب جملة أو نحو ذلك وقد أطلق على هذا المسلك فيما بعد اسم «التفسير بالمأثور».
الثاني: عدم التزام الاقتصار على ذلك، بأن يتجاوز المفسر حدود الوارد والمأثور في تفسير الآية، إلى استنباطاته الخاصة من دلائل الصيغة أو قواعد العلوم، إذا كان اللفظ قابلا لحمل المعنى المستنبط، وقد تكون هذه المعاني المستنبطة مباحث من علوم وفنون مختلفة غير التي تدل عليها الآية من قريب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)

وقد أطلق على هذا المسلك فيما بعد اسم «التفسير بالرأي».
ويعدّ تفسير الإمام فخر الدين الرازي (مفاتيح الغيب) نموذجا بارزا للتفسير بالرأي، ويليه في ذلك تفسير الإمام البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) وتفسير أبي
السعود (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم).
ولا يذهبن بك الوهم إلى أن أصحاب التفسير بالرأي يستبدلون بالرواية والأحاديث الثابتة في تفسير الآية رأيا أو حكما من عند أنفسهم، فهذا مما لا يقدم عليه مسلم وهو عمل محرم بالاتفاق.
بل الحقيقة أن ثمة قدرا مشتركا بين أصحاب التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، وهو الأخذ بما صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة (على الصحيح الذي يعتبر قول الصحابي في التفسير في حكم المرفوع) في تفسير الآية. ثم يفترقان بعد ذلك: فصاحب التفسير بالمأثور لا يزيد على ذلك إلا أن يعزز النقل بنقول أخرى مثلها أو مخالفة لها ليجمع بينهما، وصاحب التفسير بالرأي يجيز لنفسه أن يزيد على ذلك من اجتهاداته واستنباطاته المختلفة بقدر ما تسمح به دلالة اللفظ.
وعلى كلّ فإن الذي يجمع بين طريقتي التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي شروط أربعة لا بدّ من مراعاتها لكل من حاول أن يفسر شيئا من كتاب الله تعالى أيّا كان مسلكه ومنهجه في ذلك.
(الشرط الأول) التزام القول بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك إذا كان فيه حديث ثابت صحيح؛ قالوا: ولكن ينبغي الحذر من الوقوع في الضعيف والموضوع أيضا، وقد بيّن العلماء ذلك وميّزوه.
وقال ابن جرير ما خلاصته: ومصدر هذا الوجوب أننا نقطع أن في القرآن ما لا ندرك معناه إلا ببيان الرسول، بدليل قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، مثال ذلك جميع الآيات المتعلقة بالأوامر والنواهي والإرشاد، مما يتوقف فهمه على معرفة نوع النهي والأمر فيه، ومبالغ فرائضه وقدرها وحدودها وشروطها وقيودها. وهذا وجه لا يجوز لأحد القول

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)

فيه إلا ببيان رسول الله أو إقراره لأحد من أصحابه (1).
وعلى هذا المعنى ينزّل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار رواه الترمذي وأبو داود. وما روى عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال (أي أرض تقلّني وأي سماء تظلني إذا قلت في القرآن ما لا أعلم؟).
(الشرط الثاني) التزام الأخذ بقول الصحابة إذا كان قد أثر عنهم في ذلك قول. وهذا ما ذهب إليه الأكثر من أن تفسير الصحابة للقرآن يعتبر في حكم المرفوع إلى النبي، وذلك لأنه ليس من قبيل الرأي وإنما هو في الحقيقة من قبيل الرواية.
(الشرط الثالث) التزام قواعد اللغة العربية وضوابطها ومقاييسها في التفسير. فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وإنما تفسره الدلالات اللغوية والقواعد العربية. فمن لم يكن ذا بصيرة سليمة في فهم العربية فليس له أن يفسر شيئا من كتاب الله عز وجل. روى البيهقي في شعب الإيمان عن مالك بن أنس قال: لا أوتى برجل غير عالم بلغات العرب، يفسر كتاب الله تعالى، إلا جعلته نكالا.
(الشرط الرابع) التزام المقتضى الذي يدل عليه العلم بكتاب الله تعالى، والتزام أصول الشرع وقواعده في الفهم والاستنباط والاجتهاد كالمفهوم والفحوى ودلالة العام والخاص والمطلق والمقيد، وهي في مجموعها إنما تعتبر ملكة علمية تؤهل صاحبها لاستنباط المعاني والأحكام من كتاب الله عز وجل.
فليس من ضير (بعد أن يلتزم المفسّر الشروط الثلاثة الأولى) في أن يستنبط مزيدا من التفسير للآية بدلالة المقتضى والقواعد العلمية التي ترسّخ في معرفتها وتذوقها.
واستنباط المعنى من الآية بهذه الوسيلة، هو الذي دعا به النبي لابن عباس حينما قال: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل) وهو المقصود بما قاله--------------------------------------------
(1) تفسير جرير: 1 - 25.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)

علي رضي الله عنه عند ما سئل: هل خصّكم رسول الله بشيء؟ فقال: ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتاه الرجل (رواه البخاري).
ولكن لا يجوز تفسير القرآن- على كل حال- بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل يستند إليه، فهو أشبه بحال من لم تكن عنده أي بصيرة فقهية وهو يزعم أنه يجتهد في استنباط أحكام الفقه. ففي حق مثل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) وقال:
(من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
قال البيهقي في شعب الإيمان: هذا إن صحّ، فإنما أراد- والله أعلم- الرأي الذي يغلب من غير دليل قام عليه، فمثل هذا لا يجوز تفسير القرآن (1).
فهذه الشروط لا بدّ من التزامها سواء بالنسبة لمن يفسر القرآن بالمأثور ولمن يفسره بالرأي.
وبذلك تعلم أنه لا خلاف بين هذين المنهجين في التفسير من حيث نقد أصحاب أحدهما على الآخرين، وإنما هو مجرد اختيار للطريقة، وما دامت الشروط متوافرة فلا ضير.
ونختم حديثنا عن التفسير ببيان أن ما يسلكه بعض الناس اليوم من تفسير الآيات الكونية في كتاب الله تعالى طبق نظريات وآراء علمية، لا دلالة في الآية عليها بميزانها اللغوي وحسب القواعد العلمية للتفسير، هو من قبيل التفسير الفاسد الذي يتّبع فيه المفسر رأيه المجرد. ومثله ما يسمى بالتفسير الإشاري أو الباطني الذي ينتهجه بعض الفرق الباطنية أو المنحرفون من المتصوفة؛ ويسير وراءهم في ذلك طائفة أخرى من الناس، هان عليهم القرآن وفرغت قلوبهم من الشعور بجلاله وهيبته، فاقتحموا إليه
بالتفسير والتأويل،--------------------------------------------
(1) هذه الشروط ذكرها الزركشي في البرهان: 1 - 156 والصفحات التي تليه، ونقلها السيوطي في كتابه الإتقان: 2 - 178. وقد عرضناها بألفاظ مختلفة، قصدا لزيادة الإيضاح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)

طبقا لما تهواه أنفسهم وتستدعيه عصبياتهم وأخيلتهم، وهم عن الشروط والضوابط التي ذكرناها، معرضون وغافلون.
فالقرآن عند هؤلاء الناس ليس أكثر من خادم لتأييد آرائهم ومذاهبهم وأخيلتهم! … لهم أن يختاروا ما يشاءون من المذاهب والآراء والتصورات في حق أنفسهم ومصيرهم والكون الذي من حولهم، وعلى القرآن أن يكون طوع آرائهم والخادم الأمين لتصوراتهم وأفكارهم، ولا ضير أن يجرّ القرآن إلى ذلك جرّا، خارج حدود اللغة وضوابطها والحقيقة ومجازها!! …
فإذا كانت تصوراتهم وقناعاتهم النفسية تقضي بأن عذاب الكافرين يوم القيامة مجرد شعور معنوي مبعثه الشعور بالندامة والخزي، فما أيسر عليهم أن يشطبوا على كل الآيات القرآنية الصريحة ذات الدلالة القاطعة المؤكدة بأنه عذاب جسدي ومعنوي معا، وأن لهذا العذاب أدوات ووسائل مادية محسوسة.
فإن المهم ما توحي به تصوراتهم وأوهامهم لا ما يقرره كتاب ربهم.
قلت لواحد من هؤلاء: إنكم تزعمون أن الشعور بالخزي هو مصدر عذاب الكافرين يوم القيامة، ولكن القرآن يقول صراحة نقيض ما تزعمون، إذ هو يقرر أن الخزي فرع عن دخولهم النار. ألا ترى إلى قوله عز وجل وهو يعلّمنا كيف ندعوه ونلجأ إليه: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار) ثم ما علاقة الشعور بالخزي المعنوي بالجلود التي تنضح من شدة العذاب فيبدلها الله جلودا أخرى ليستمر العذاب … وهو ما يقرره القرآن بعبارة صريحة وقاطعة؟! …
ورأيت الرجل يذهب في الاعتداد برأيه وتصوراته، مذهبا يجعله غير مبال بكل ما يقوله القرآن خلافا لتصوراته! … ونحن لا نشك أن هؤلاء إنما يعبدون أفكارهم وقناعاتهم، تلك هي الحقيقة مهما جاءت مغلفة ومقنعة.
والمهم أن تكون أيها القارئ على حذر من أن تسري إليك عدوى تأليه الأفكار والقناعات الذاتية، فتكون بذلك ممّن قال الله عنهم: أفمن اتخذ إلهه هواه …

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)

واجعل عونك في هذا الحذر تذكّر الشروط والضوابط التي تحدّثنا عنها لتفسير القرآن. ثم اجعل قدوتك في ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين الذين جاءوا على أثرهم. وتأمل كيف كانوا في غاية الأدب مع كتاب الله والتوقير له، وكيف كانوا يجعلون نصوص القرآن حاكمة على آرائهم وتصوّراتهم، على نقيض ما يفعله هؤلاء الذين خلفوا من بعدهم. نسأل الله عز وجل أن يحررنا من أهوائنا ورعوناتنا. ويجعلنا عبيدا صادقين له، لا نروغ عن أمره ولا نتلاعب ببياناته وأحكامه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)

‌‌المكّيّ والمدنيّ تعريف كلّ منهما، خصائص كلّ منهما، الفائدة من معرفة ذلك
‌‌تمهيد:
ينقسم القرآن في مجموعه إلى مكّي ومدني. وقد عني العلماء والرواة عناية كبرى بتمييز هذين القسمين عن بعضهما واستخراج خصائص كلّ منهما، لما يترتب على ذلك من الفوائد التشريعية والتاريخية التي ستعلمها فيما بعد بل لقد عني الرواة والباحثون بتصنيف القرآن إلى ما نزل منه في النهار وما نزل منه في الليل، وإلى ما نزل منه في الأسفار.
ونحن لن نتناول في هذه العجالة حديث الليلي والنهاري أو الحضري والسفري من القرآن، لأنّا نرى أن فائدة ذلك- في هذا المقام- فائدة جزئية ضعيفة، وإن كان البحث فيه ينبّهنا إلى مدى اهتمام العلماء والرواة بالقرآن وإلى مدى خدمتهم ودراستهم له من شتى الجوانب المختلفة.

‌‌تعريف المكّي والمدني:
للعلماء ثلاثة اصطلاحات في تعريف كلّ من المكّي والمدني.
أحدها: أن المكّي هو كل ما نزل بمكة والمدني ما نزل بالمدينة، سواء كان ذلك من قبل الهجرة أو بعدها. فالاعتبار على هذا الاصطلاح للمكان وحده.
والثاني: أن المكّي ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة، فالاعتبار على هذا للموضوع وحده.
والثالث: أن المكّي ما نزل من قبل الهجرة والمدني ما نزل من بعد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)

الهجرة، دون النظر إلى مكان النزول بالذات. والاعتبار على هذا للزمان وحده.
وهذا الاصطلاح الثالث هو أشهر وأصح ما قيل في هذا الموضوع.
وبناء على ذلك فإن كل ما نزل من القرآن من قبل هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يسمى مكيّا سواء نزل في مكة أو في الطائف أو في أي جهة أخرى. وكل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني سواء نزل بالمدينة أو في الأسفار والغزوات أو في مكة في عام الفتح.
وقد تجد في القرآن سورا نزلت كلها من قبل الهجرة كسورة «ق» و «هود» و «يوسف». وقد تجد فيه سورا نزلت كلها بعد الهجرة كسورة «البقرة» و «آل عمران». وقد تجد فيه سورا كلها مكيّة إلا بضع آيات منها، نزلت بعد الهجرة كسورة الأنعام: كلها مكّي إلا ست آيات منها فهي مدنية نزلت بعد الهجرة، وقد تجد سورا كل آياتها مدنية
إلا بعض آيات منها فهي مكية كسورة الأنفال والتوبة.
ولعلك تسأل: فكيف تسنى للعلماء أن يعرفوا تفصيل هذا الأمر، وكيف أمكنهم أن يعلموا أن هذه الآية نزلت في مكة والأخرى بالمدينة، وأن هذه نزلت في الليل وتلك نزلت في النهار؟
والجواب أن سبيل معرفة ذلك إنما هي الرواية الصحيحة الصادقة، وهي السبيل ذاتها التي وقف بها العلماء على تفسير القرآن بالمأثور، كما مرّ بيانه. ومما سهّل للعلماء ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم عنوا بالقرآن عناية فائقة عجيبة، فكانوا يؤرخون كل آية بوقت نزولها ومكانها، وربما اتخذوا من الأماكن والجبال والمفاوز التي يعلمونها، أماكن ذكرى، بسبب آية أو آيات من القرآن قد نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
روى البخاري بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت--------------------------------------------
(1) راجع البرهان: 1 - 187 والاتقان: 1 - 9.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)

آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه (1).
وذكر في الإتقان نقلا عن كتاب الحلية بالسند أن رجلا سأل عكرمة رضي الله عنه عن آية من القرآن فقال: نزلت في سفح ذلك الجبل، وأشار إلى سلع (2).
وأنت خبير أنّا لا نقصد بما نقول جميع الصحابة، بل إن فيهم من لم يتوفر على ذلك، ولكنا نقصد منهم أولئك الذي اشتهروا بقراءة القرآن وحفظه ونقله من فم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم كثيرون. فكانوا يحفظون مع نطق الآية وتلقيها وكتابتها- تاريخ نزولها.
فاشتغل التابعون ومن بعدهم برواية هذا كله ونقله، بالطرق العلمية، وحسب قواعد المصطلح. وبذلك وجد العلماء بين أيديهم ما أطلق عليه فيما بعد اسم (علم المكّي والمدني).

‌‌خصائص كلّ منهما:
علمت مما قلناه أن الآيات المكيّة من القرآن، هي التي نزلت في صدر الإسلام وهي الفترة التي يحدّها من الزمن ثلاثة عشر عاما، أمضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة معذبا مضطهدا، يقابل الإيذاء والاضطهاد بالمسالمة، مع المضي في الدعوة إلى الحق الذي أوحي إليه.
وعلمت أن الآيات المدنية، هي التي نزلت من بعد الهجرة، وهي الفترة التي يحدّها من الزمن عشرة أعوام، بنى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية حيث تكاملت مقوّماتها الإدارية والدستورية والقانونية.
وعلى هذا، فإنك تجد خصائص كلّ من القسمين، مستمدة من طبيعة هاتين المرحلتين التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم قائما بأمر الدعوة.--------------------------------------------
(1) صحيحب البخاري: 6 - 102.
(2) انظر الإتقان للسيوطي: 1 - 9.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)