Arabic source text

📘 মিন রাওয়ায়িইল কুরআন (মুহাম্মাদ সাঈদ আল-বূতি - মৃত্যু 1434 হিজরী)

📘 من روائع القرآن (محمد سعيد البوطي - ت 1434 هـ)

📘 মিন রাওয়ায়িইল কুরআন (মুহাম্মাদ সাঈদ আল-বূতি - মৃত্যু 1434 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
المدود، فمنهم من أطالها ومنهم من قصرها ومنهم من بالغ في القصر (1).
وعلى كلّ فقد قلنا في صدر هذا البحث إن هنا لك فرقا بين القرآن والقراءات وأوضحنا الفرق إذ ذاك.
فأما القرآن فكله متواتر منقول بواسطة سلسلة متصلة من الجموع التي يؤمن تواطؤها على الكذب، عن طريق كلّ من الكتابة والمشافهة.
وأما القراءات، فما كان منها منضبطا بالشروط الثلاثة التي ذكرناها فهو ثابت ثبوتا قاطعا يقرأ على أنه قرآن، وهو بين أن يكون متواترا ومشهورا، بالإضافة إلى صحته
من حيث السند والرواية. وينطبق بذلك على القراءات العشر.

‌‌حكم القراءات الشاذة:
وما لم ينضبط من ذلك بالشروط المذكورة، فهو مردود شاذ مهما كان مصدر نقله ومهما كانت كيفية سنده.
فلا يقرأ القرآن بشيء من ذلك، في صلاة أو نسك أو تلاوة.
أما العمل بمضمون هذه القراءات الشاذة، فينظر في ذلك إلى سندها فإن توفّر فيه ما يجب توفره في الحديث الآحاد من شروط الصحة، اعتبر بمثابة الحديث وجاز أخذ الأحكام منه.
وسبب ذلك أن مصدر كثير من القراءات الشاذة أن بعض الصحابة كانوا يهمّشون مصاحفهم الخاصة، بكلمات تفسيرية لبعض الألفاظ الغامضة إذ كانوا لا يخشون من التباسها بالقرآن بسبب أن عامّتهم كانوا يحفظون القرآن ويضبطونه ضبطا تامّا، من ذلك تقييد عبد الله بن مسعود آية فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ بكلمة متتابعات، وتقييد عبد الله بن عباس آية لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ بكلمة: في موسم الحج (2).--------------------------------------------
(1) البرهان: 1 - 319، والإتقان: 1 - 78.
(2) انظر الإتقان: 1 - 77.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)

ثم جاء من بعدهم من نظر في مصاحفهم هذه، ورأى هذه الكلمات التفسيرية فظنها من القراءات الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ يرويها على أساس ذلك ويتخذ من هذه المصاحف شاهدا له. وإنما هي ألفاظ تفسيرية كما قطع بذلك ابن الأنباري وغيره، أثبتوها مخافة النسيان.
فمثل هذه الألفاظ، وإن كانت ساقطة من حيث اعتبارها قراءة صحيحة، ثابتة من حيث هي تفسير لبعض آي القرآن، فهي تقبل من هذا الوجه، كما يقبل حديث مروي عن ابن عباس بسند صحيح في تفسير آية في القرآن أو استنباط حكم من أحكامه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)

القسم الثّاني منهجه وأسلوبه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)

‌‌أسلوب القرآن دراسة عامة لخصائصه
سنلخص في هذا الفصل معظم ما سنأتي على تفصيل البحث فيه إن شاء الله. إذ الحديث عن إعجاز القرآن وتصويره وفن القصة فيه وطرائقه التربوية وغير ذلك من فنون هذا الكتاب العظيم، إنما هو في الحقيقة بسط لمنهجه وخصائص أسلوبه.
غير أن علينا- قبل الخوض في كل جانب من هذه الجوانب على انفراد- أن نتصور الأسلوب القرآني في جملته، وأن نستعرض هذا الأسلوب استعراضا سريعا يجلّي في أذهاننا روعته وحدود الفرق بينه وبين أيّ نظم أو كتاب آخر، حتى إذا وقفنا على ذلك، عدنا إليه بالتفصيل وشرح كل جانب منه على حدة.

‌‌الخاصّة الأولى (جريانه على نسق بديع خارج عن المألوف):
وأول ما يطالعك من مظاهر أسلوب القرآن لدى النظر فيه، أنه يجري على نسق بديع خارج عن المعروف من نظام جميع كلام العرب، ويقوم في طريقته التعبيرية على أساس مباين للمألوف من طرائقهم، وله أسلوب خاص به لا تجد منه عند أيّ فن من الفنون العربية المعهودة.
ذلك أن جميع الفنون التعبيرية عند العرب لا تعدو أن تكون نظما أو نثرا؛ وللنظم أعاريض وأوزان محددة معروفة، وللنثر طرائق من السجع والإرسال وغيرهما مبيّنة ومعروفة. والقرآن ليس على أعاريض الشعر في رجزه ولا في قصيده، وليس على سنن النثر المعروف في إرساله ولا في تسجيعه، إذ هو لا يلتزم الموازين المعهودة في هذا ولا ذاك، ولكنك مع ذلك تقرأ بضع آيات

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)

منه فتشعر بإيقاع موزون من تتابع آياته، بل يسري في صياغته وتآلف كلماته، وتجد في تركيب حروفه تناسقا عجيبا، بين الرخو منها والشديد، والمجهور والمهموس، والممدود والمقطوع، بحيث يؤلف اجتماعها إلى بعضها لحنا مطربا يفرض نفسه على صوت القارئ العربي كيفما قرأ، إذا كانت قراءته صحيحة.
ومهما طفت بنظرك في جوانب كتاب الله تعالى ومختلف سوره، وجدته مطبوعا على هذا النسق العجيب.
غير أنه إذا كان لا بدّ من مثال نعرضه لاستجلاء هذه الحقيقة فيه، فلنعرض لك تلك الآيات التي تلاها النبي صلى الله عليه وسلم على عتبة بن أبي ربيعة، يوم جاءه رسولا من قبل قريش يعرضون عليه الملك والمال والزعامة على أن يتخلى عن دعوتهم إلى توحيد الله:
بسم الله الرحمن الرحيم. حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ. وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ. قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
فحسبك أن تتأمل في صياغة هذه الآيات وكلماتها لتجد فيها مصداق ما ذكرنا، على أنك واجد ذلك في جميع آي القرآن وسوره.
فمن أجل ذلك تحيّر العرب في أمره، إذ عرضوه على موازين الشعر فوجدوه غير خاضع لأحكامه، وقارنوه بفنون النثر فوجدوه غير لاحق بالمعهود من طرائقه، فكان أن انتهى الجاحدون منه إلى أنه السحر واستيقن المنصفون منهم بأنه تنزيل من ربّ العالمين.
ولك أن تسأل هنا: فكيف تقول إن القرآن يختلف عن جميع طرائق النثر المعهودة؛ مع أن فيه كثيرا من السجع، وهو منهج من مناهج النثر العربي؟
والجواب أن السجع ليس مجرد تقفية للجملة أو المقطع من الكلام بقافية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)

واحدة من الحروف والوزن، بل هو- كما قال علماء هذا الشأن- موالاة الكلام على وزن واحد. فإذا تفاوتت أوزانه واختلفت طرقه بأن كان أحد مصاريعه كلمتين وبعضهما أربع كلمات، كان من قبيح الكلام. فللسجع منهج مرتب محفوظ وطريق معين مضبوط متى أخلّ به المتكلم نسب ذلك منه إلى الخروج عن الفصاحة، ومثاله عند العرب قول أبي طالب لسيف بن ذي يزن: «منبتك منبت طابت أرومته، وعزّت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، ونبت زرعه، في أكرم موطن وأطيب معدن».
وأنت لا تجد هذا النسق في كتاب الله تعالى لا في كثير منه ولا قليل. بل هو مرسل عن كل القيود التي ذكرنا، أما اتفاق فواصل بعض الآيات في الوزن والحروف فهو لا يسمى بذلك القدر سجعا، ولعلّك تعثر فيه على مقاطع يتوالى فيها الكلام على وزن واحد مع اتفاق الفاصلة، غير أنه مما يعترض في الكلام اتفاقا ولا يسمى سجعا مقصودا إليه، وإنما يقع مغمورا في الخطاب، كما يقول الإمام الباقلاني. ألا ترى أنك قد تعثر في بعض آيات القرآن على وزن سليم لمصراع من الشعر، وقد تظفر ببيت كامل فيه، كما قد تظفر بمثل ذلك في غير القرآن من سائر أنواع النثر، غير أن أحدا من الناس لا يسمي ذلك شعرا، ولقد قال العلماء إن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا، وإنما أقل الشعر بيتان فصاعدا، فمثل ذلك يقال عن السجع أيضا (1).

‌‌الخاصّة الثانية (جريانه على مستوى رفيع واحد على الرغم من تنوع المعاني والموضوعات):
فإذا تجاوزنا هذه الخاصّة من خصائص الأسلوب القرآني، وقفنا على خاصّة أخرى هي من الأهمية بمكان، وهي من أجلّ مظاهر الإعجاز في القرآن.
وهي أن التعبير القرآني يظلّ جاريا على نسق رفيع واحد من السموّ في جمال اللفظ ورقة الصياغة وروعة التعبير، رغم تنقله بين موضوعات مختلفة من--------------------------------------------
(1) راجع للوقوف على تفصيل هذا المبحث كتاب إعجاز القرآن للباقلاني: ص 57.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)

التشريع والقصص والمواعظ والحجاج والوعد والوعيد، وتلك حقيقة شاقّة بل لقد ظلّت مستحيلة على الزمن لدى جميع من عرفنا وسمعنا بهم من فحول علماء العربية والبيان.
وبيان ذلك، أن المعنى الذي يراد عرضه، كلما كان أكثر عموما وأغنى أمثلة وخصائص، كان التعبير عنه أيسر وكانت الألفاظ إليه أسرع، وكلما ضاق المعنى وتحدد ودقّ وتعمق، كان التعبير عنه أشق وكانت الألفاظ من حوله أقل.
ولذا كان أكثر الميادين الفكرية التي يتسابق فيها أرباب الفصاحة والبيان هي ميادين الفخر والحماسة والموعظة والمدح والهجاء، وكان أقل هذه الميادين اهتماما منهم وحركة بهم ميادين الفلسفة والتشريع ومختلف العلوم، وذلك هو السر في أنك قلّما تجد الشعر يقتحم شيئا من هذه الميادين الخالية الأخرى.
ومهما رأيت بليغا كامل البلاغة والبيان، فإنه لا يمكن أن يتصرف بين مختلف الموضوعات والمعاني على مستوى واحد من البيان الرفيع الذي يملكه، بل يختلف كلامه حسب اختلاف الموضوعات التي يطرقها، فربما جاء بالغاية من البراعة في معنى من المعاني، فإذا انصرف إلى غيره انخذل عن تلك الغاية ووقف دونها.
غير أنك لا تجد هذا التفاوت في كتاب الله تعالى، فأنت تقرأ آيات منه في الوصف، ثم تنتقل إلى آيات أخرى في القصة، وتقرأ بعد ذلك مقطعا في التشريع وأحكام الحلال والحرام، فلا تجد الصياغة خلال ذلك إلا في أوج رفيع عجيب من الإشراق والبيان. وتنظر فتجد المعاني كلها لاحقة بها شامخة إليها.
ودونك فاقرأ ما شئت من هذا الكتاب المبين متنقلا بين مختلف معانيه وموضوعاته لتتأكد من صدق ما أقول ولتلمس برهانه عن تجربة ونظر.

‌‌الخاصّة الثالثة (صلاحية صياغته لمخاطبة الناس عامة على اختلاف ثقافاتهم وعصورهم):
وثمة خاصّة ثالثة، لا تستطيع أن تجدها في غير هذا الكتاب العزيز.
وهي أن معانيه مصوغة بحيث يصلح أن يخاطب بها الناس كلهم على

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)

اختلاف مداركهم وثقافتهم وعلى تباعد أزمنتهم وبلدانهم، ومع تطور علومهم واكتشافاتهم.
خذ آية من كتاب الله مما يتعلق بمعنى تتفاوت في مدى فهمه العقول، ثم اقرأها على مسامع خليط من الناس متفاوت في المدارك والثقافة، فستجد أن الآية تعطي كلّا منهم من معناها بقدر ما يفهم، وأن كلّا منهم يستفيد منها معنى وراء الذي انتهى عنده علمه.
ولسنا نقصد أن الآية تحتمل بذلك وجهين متناقضين أو فهمين متعارضين، بل هو معنى واحد على كل حال، ولكن له سطحا وعمقا وجذورا يتضمنها جميعا أسلوب الآية. فالعاميّ من الناس يفهم منه السطح القريب، والمثقف منهم يفهم مدى معينا من عمقه أيضا والباحث المتخصص يفهم منها جذور المعنى كله.
وخذ إن شئت آية أخرى من كتاب الله مما يتعلق بمعنى يتطور مع امتداد الزمن، ثم اعرضها على مسامع الصدر الأول من المسلمين، فإنهم يفهمون منها المعنى المراد كما هو
في طورهم وعصرهم، ثم اعرضها على مسامع من بعدهم فإنهم يفهمون معناها كما تطور في زمنهم، على أن كلا الفهمين من المدلولات القريبة للآية، وليس من قبيل التكلّف أو تحميل اللفظ ما لا يحمل، ولكن الفهم الثاني كان مطويا عن السابقين لعدم وجود ما ينبههم إليه إذ ذاك.
وفي القرآن الكثير من هذا وذاك، فلنعرض أمثلة منه:
من القبيل الأول قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً، فهذه الآية تصف كلّا من الشمس والقمر بمعنيين لهما سطح قريب يفهمه الناس كلهم، ولهما عمق يصل إليه المتأملون والعلماء، ولهما جذور بعيدة يفهمها الباحثون المتخصصون والآية تحمل بصياغتها هذه الدرجات الثلاث للمعنى، فتعطي كلّا حسب طاقته وفهمه دون أن يكون أيّ تعارض بينهما.
فالعاميّ من العرب يفهم منها أن كلّا من الشمس والقمر يبعثان بالضياء

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)

إلى الأرض، وإنما غاير في التعبير بالنسبة لكلّ منهما، تنويعا للفظ. وهو معنى صحيح تدل عليه الآية. والمتأمل من علماء العربية يدرك من وراء ذلك أن الآية تدلّ على أن الشمس تجمع إلى النور الحرارة فلذلك سمّاها سراجا، والقمر يبعث بضياء لا حرارة فيه؛ وهو أيضا معنى صحيح تدل عليه الآية دلالة لغوية واضحة. أما الباحث المتخصص في شئون الفلك فيفهم من الآية إثبات أن القمر جرم مظلم وإنما يضيء بما ينعكس عليه من ضياء الشمس التي شبّهها بالسراج بالنسبة له؛ وهو أيضا معنى صحيح تدل الآية عليه بلغتها وصياغتها، فأنت تقول: غرفة منيرة إذا انعكس عليها الضوء من سراج في وسطها، ولا تقول قبس منير، إذ ينبعث النور من حقيقته وداخله، بل تقول قبس مضيء.
فالآية تتضمن هذه الدلالات الثلاث جملة واحدة، ولكنها- بأسلوبها العجيب- لا تخاطب الناس إلا بما يدركونه منها، كلّا حسب استعداده وطاقته الفكرية، وبذلك تكون الآية خطابا مفيدا لأضراب الناس كلهم.
ومن هذا القبيل أيضا قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها، أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها، يقرأ هذه الآية العربي الذي لا يعلم عن الأرض وهيئتها إلا الشكل الذي يراه وهو الامتداد والانبساط، فيفهم من قوله «دحاها» معنى الانبساط والامتداد، وهو فهم صحيح تدل عليه الكلمة بمعناها اللغوي القريب. ثم يقرؤها عالم الفلك أو المثقف العادي في هذا العصر، فيفهم من قوله: دَحاها معنى الاستدارة والتكوير، وهو أيضا فهم صحيح للكلمة، إذ هي تحمل في آن واحد كلّا من معنى الاستدارة والانبساط، وهو أدق ما توصف به الأرض. ولقد استعملت هذه الكلمة بكلا معنييها في هذه الأبيات لابن الرومي:
إن أنس لم أنس خبازا مررت به … يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفّه كرة … وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلا بمقدار ما تنداح دائرة … في صفحة الماء يلقى فيه بالحجر (1)--------------------------------------------
(1) تشترك مادة داح ودحا في الدلالة على الاتساع والعظم والانبساط والاستدارة قال في شرح

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)

ومن القبيل الثاني قوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ لقد كان يقرأ هذه الآية أسلافنا، فلا يعنيهم من فهمها إلا قوله: والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، إذ كان ذلك القدر هو المنطبق على واقع حياتهم فيما تقصد إليه الآية من الحديث عن وسائل ركوب الإنسان وما في ذلك من نعمة الله عليه. فإذا قرءوا الجملة التي تليها وهي: ويخلق ما لا تعلمون، تاهوا بين تآويل وتفسيرات مختلفة. ويقرؤها إنسان هذا العصر فلا يشك في أن المراد بها هذه الوسائل الحديثة الأخرى التي أضيفت إلى الوسائل السابقة.
وهكذا تجد الآية خطابا لأهل العصور المتتالية كلها، وليست خاصّة بقوم دون قوم أو جيل دون جيل آخر.
فإذا تأملت في هذه الخاصّة بعد تينك السابقتين، رأيت نفسك أمام الدليل القاطع على أن هذا الكتاب إنما هو كلام ربّ العالمين إلى الناس كلهم.
وهيهات أن يقوى الطوق البشري على صياغة كلام يكون على قدر أفهام الناس المتفاوتة وعلومهم المختلفة، بحيث يشعر كل فريق أن الكلام إنما هو على قدر حاجته وفهمه.

‌‌الخاصّة الرابعة (ظاهرة التكرار للألفاظ والمعاني):
وقد كانت هذه الخاصة ولا تزال مجال بحث ودرس، وما أكثر ما ظنها بعض المستشرقين الأعاجم ثلمة يمكن التركيز عليها في نقد القرآن وإلحاق النقيصة به.
وفي القرآن من هذه الظاهرة نوعان: أما أحدهما فتكرار بعض الألفاظ أو الجمل وأما الثاني فتكرار بعض المعاني كالأقاصيص والأخبار.

‌‌فالنوع الأول منه:
يأتي على وجه التأكيد، ثم هو ينطوي بعد ذلك على نكت بلاغية أخرى كالتهويل، والإنذار، والتجسيم، والتصوير. وللتكرار أثر--------------------------------------------
القاموس: وانداح بطنه عظم واسترسل، كانداح واندحى ودحى، وبطن منداح: خارج مدور.
وذكر في اللسان نحو ذلك. ويشبه أن تكون الكلمتان في أصلهما من مادة واحدة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)

بالغ في تحقيق هذه الوجوه البلاغية في الكلام. غير أنه لا ينبغي أن يذهب بك الوهم إلى أن أيّ تكرار للكلمة أو الجملة يفي بهذا الغرض، وأنها وسيلة قريبة المنال لكل قادر على الكلام. فالتكرار الذي من شأنه أن يرفع بقيمة الكلام إلى الفصاحة والسمو في التعبير، له قيود وحالات معينة لا ينبغي أن يتجاوزها، وليس أي تكرير في الكلام يبعث فيه التهويل أو التجسيم؛ ولو ذهبنا نشرح الصور المحمودة لتكرار الكلام وقيود ذلك- ولو شرحا يسيرا- لطال بنا البحث وخرجنا عمّا نحن بصدده، فارجع إليه إن شئت في مظانه وأماكنه (1).
وإذا سألت عن وجه العلاقة بين التكرار وهذه الصور البلاغية، فإن خير جواب على ذلك أن أضع فكرك وذوقك العربي أمام نماذج لهذا النوع من التكرار في هذا الكتاب المبين.
فمن ذلك قوله تعالى: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ، وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ ومنه قوله تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ، وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ومنه قوله تعالى: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ومن ذلك تكرار كلمة أُولئِكَ في قوله جل جلاله: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ وتكرار ما أَنْتَ في قوله: وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ.
وكلّ ما في القرآن من تكرار الكلمة أو الجملة من هذا القبيل وعلى مثل هذا الإشراق، وما أحسبك سائلي بعد ذلك عن وجه الجمال أو التهويل أو التصوير في هذا التكرار إن كنت على شيء من السليقة العربية وذوقها.

‌‌وأما النوع الثاني منه:
وهو تكرار المعنى، كتكرار بعض القصص والأخبار، فهو أيضا ظاهرة بارزة في كتاب الله تعالى؛ ومردّ ذلك إلى غرضين هامين: الغرض الأول إنهاء حقائق الدين ومعاني الوعد والوعيد إلى النفوس بالطريقة التي تألفها وهي تكرار هذه الحقائق في صور وأشكال مختلفة من التعبير--------------------------------------------
(1) انظر في ذلك مثلا مشكل القرآن لابن قتيبة، وإعجاز القرآن للباقلاني، والبرهان للزركشي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)

والأسلوب. وفي بيان هذه الحكمة يقول الله عز وجل: وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (طه: 113). قال الزركشي:
وحقيقته- أي وحقيقة التصريف- إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى، خشية تناسي الأول لطول العهد به (1).
وهي من الطرائق التربوية التي سلكها هذا الكتاب المبين، ولنا إلى الحديث عنها عودة- إن شاء الله- عند الحديث عن خصائصه التربوية.
أما الغرض الثاني فهو إخراج المعنى الواحد في قوالب مختلفة من الألفاظ والعبارة، وبأساليب مختلفة تفصيلا وإجمالا، وتصريف الكلام في ذلك، حتى يتجلى إعجازه ويستبين قصور الطاقة البشرية عن تقليده أو اللحاق بشأوه.
وأنت تعلم أن هذا الكتاب إنما تنزّل لتحقيق أمرين: أولهما إقناع العقلاء من الناس بأنه ليس كلام بشر، ثانيهما إلزامهم بالشريعة التي فيها. فلا بدّ فيه من الوسائل التي تفي بتحقيق السبيل إلى كلا الأمرين.
ومن هنا، كان من المحال أن تعثر في القرآن كله على معنى يتكرر في أسلوب واحد من اللفظ ويدور ضمن قالب واحد من التعبير، بل لا بدّ أن تجده في كل مرة يلبس ثوبا جديدا من الأسلوب وطريقة التصوير والعرض، بل لا بدّ أن تجد التركيز في كل مرة منها على جانب معين من جوانب المعنى أو القصة.
ولنضرب لك مثالا على هذا الذي نقول: اقرأ قصة نوح في سورة هود، وهي ما بين قوله تعالى: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إنّي لكم نذير مبين- وقوله جل جلاله: تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك … الآية، وهي في جملتها اثنتان وعشرون آية، ثم ارجع فاقرأ القصة نفسها في سورة القمر من الآية 9 إلى الآية 15 ثم اقرأها في سورة نوح، ثم تأمل في النصوص الثلاثة وقارن بين أسلوب كلّ منها وطريقته في العرض والتصوير والجانب المعنوي الذي يرتكز عليه التعبير في كلّ منها، فإنك إن تأملت في ذلك جيدا تخيلت أنك إنما تقرأ في--------------------------------------------
(1) انظر البرهان: 3 - 10.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)

كل مرة خبرا جديدا يشوقك أمره وتفجئك أحداثه، وشعرت أن النفس بحاجة إلى أن يعرض عليها هذا الخبر من كلا الجانبين وبكلا الأسلوبين.
على أن هذا الغرض يعود إلى يعود إلى ما ذكرناه من كون القرآن خطابا للناس كلهم، ذلك أن في الناس من لا يكفيه الموجز من القول والخلاصة في الحديث، حتى ينصت إلى الأمر مفصلا مطنبا، وفي الناس من تكفيه الخلاصة ويقنعه الإيجاز، فاقتضى الأمر أن تتصرف المعاني القرآنية في طرائق مختلفة من التعبير والبيان. وقد اهتم الجاحظ بهذه الحكمة في التكرار القرآني أكثر من غيرها (1).

‌‌الخاصّة الخامسة (تداخل بحوثه وموضوعاته):
فأنت لا تجد فيه ما تجده في عامّة المؤلفات والكتب الأخرى من التنسيق والتبويب حسب الموضوعات، وتصنيف البحوث مستقلة عن بعضها. وإنما تجد عامّة موضوعاته وأبحاثه لاحقة ببعضها دونما فاصل بينها، وقد تجدها متمازجة متداخلة في بعضها في كثير من السور والآيات.
وقد حسب بعض محترفي الغزو الفكري أن هذه الخاصّة القرآنية ثلمة يمكن الدخول منها إلى اصطناع نقد أو محاولة تهديم أو بثّ تشكيك، فأخذوا يتساءلون عن موجب هذا التداخل والتمازج في معاني القرآن، ثم راحوا يجيبون عن تساؤلهم هذا بأنها البدائية والبساطة في منهج البحث … وفيه إلماح- كما ترى- إلى أنه لا يعدو كونه مجموعة أفكار منتثرة أنتجها فكر إنسان! …
والحقيقة، أن هذه الخاصّة في القرآن، إنما هي مظهر من مظاهر تفرده واستقلاله عن كل ما هو مألوف ومعروف من طرائق البحث والتأليف …
وواضح لكل ذي عينين أن هذا الكتاب- وهو كتاب عربي مبين- نسق غير معهود في منهجه وأسلوبه وتعبيره؛ ويدلّك على ذلك كل هذه الخصائص الذي ذكرناها وشرحنا طرفا منها.--------------------------------------------
(1) انظر البرهان للزركشي: 3 - 12، وإعجاز القرآن للرافعي: 221، وإعجاز القرآن للباقلاني:
ص 106 و 107.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)

هذا شيء …
وشيء آخر، هو أن من الخطأ في أصل النقد والبحث أن نحاكم القرآن في منهجه وأسلوبه، إلى ما تواضع عليه الناس اليوم، أو قبل هذا اليوم، أو إلى ما سيتواضعون عليه مع تطور الزمن- من طرائق البحث والتأليف وتنسيق المعايير.
فهذا الذي يتوافق عليه الكاتبون من تقسيم كتبهم إلى أبواب وفصول، ثم تضمين كل فصل منها لجملة معينة من الأبحاث والمعاني، ليس مردّه إلى أمر إلزامي أو مثل أعلى يفرض عليهم ذلك، وإنما الأمر فيه تابع للأغراض المتعلقة به، وهو في جملته عرف يعتادونه وطور يمرون عليه ويجتازونه بعد حين إلى غيره.
فما هي الحقيقة الثابتة التي تلزم كتاب الله تعالى بأن يسير في منهجه على طور من أطوار هؤلاء العباد وأن يتبع تنسيقهم الذي يضعون، أو أن تصنّف أبحاثه ومعانيه حسب المنهج الذي يشاءون؟!. هذا إلى أن المناهج- كما قلنا- تتناسخ والأساليب تتطور.
على أن الخاصّة تابع لحكمة عليا يدور معها المعنى القرآني كله، ذلك أن جملة ما في القرآن من مختلف المواضيع والمعاني الجزئية، إنما يدور جميعه على معنى كلّي واحد، هو دعوة الناس إلى أن يكونوا عبيد الله بالفكر والاختيار كما خلقهم عبيدا له بالجبر والاضطرار، وأن يدركوا أن أمامهم حياة ثانية بعد حياتهم هذه، وأن يستيقنوا ضالة هذه الحياة بالنسبة لتلك، في كلّ من خيرها وشرّها وسعادتها وشقائها.
فالقرآن شأنه أن يبثّ هذا المعنى الكلي الخطير من خلال جميع ما يعرضه من الأبحاث والموضوعات المختلفة من تشريع ووعد ووعيد وقصة وأمثلة ووصف؛ وإنما يتحقق ذلك بهذا النسق الذي جرى عليه من التداخل والتمازج في المعاني.
فهو حينما يبدأ بعرض قصة، لا يدعك تنسى- ولو في مرحلة من مراحلها- ذلك المعنى الكلّي الذي ذكرناه، فهو يمزجها بما ليس منها من تهديد أو وعد ووعيد أو نصيحة ووعظ، تحقيقا للغرض الذي من أجله تساق القصة،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

وحفظا للفكر أن يتشتت مع أجوائها وأحداثها فينسى مساقها الأصلي.
وهو حينما يشرح لك أحكاما في العبادات أو المعاملات أو غيرها، يسلك بك أيضا المنهج ذاته، فهو يحاذر أن تستغرق في التأمل بهذه الأحكام من حيث هي علم أو فن برأسه، كما قد يحصل مع من ينكبّ على دراسة هذه الأحكام في الكتب العلمية الخاصّة بها، فيوصلها بآيات ليست منها، فيها وعد أو وعيد أو حديث عن الآخرة أو دليل على وجود الله وعظمته، ليتنبّه الفكر، ويظلل مستيقظا للحقيقة الكلية الكبرى التي تطوف بها جميع المعاني الأبحاث.
ولو أن القرآن اتبع في عرض معانيه، هذا الذي يسلكه الناس في تآليفهم وبحوثهم، فأفرد فصولا خاصة لعرض الأحكام والتشريع، ثم ميّز فصلا آخر للقصص، وجاء بفصل ثالث في وصف المغيبات كالجنة والنار، وهكذا … -
نقول: لو درج القرآن على ذلك لفات تحقيق هذا الغرض الذي ذكرناه، ولما أمكن أن تكون هذه الفصول المتناثرة انعكاسا لمعنى كلي واحد تشترك كلها في بثّه والتوجيه إليه. ولئن أمكن أن يتذكر القارئ ذلك في تمهيد أو فصل من الفصول، فلسرعان ما ينساه عند ما يستغرق في قراءة أو دراسة الفصول الأخرى.
وإن هذا الذي نقول، ليس من الحقائق المستعصية أو الخافية على من يصدق التأمل والنظر في كتاب الله تعالى، ولكن في الناس من يقود عقله وراء غرض ما … فيمضي يصطنع مشكلة، وهو بعقله الحرّ يعلم أنها ليست بمشكلة، ولكن الغرض الذي يسعى إليه لا يدعه يحرّر عقله من الأسر فيمضي متوكلا على الشيطان ليزعم أن الأبيض أسود، والموجود معدوم والشمس مظلمة.
هؤلاء الناس هم محترفو الغزو الفكري من المبشرين والمستشرقين أولا، ثم هم أذنابهم وذيولهم الذين ينعقون بما لا يفقهون ثانيا.
وبعد، فهذه جملة خصائص الأسلوب القرآني، عرضناها عرضا سريعا، ابتغاء تصورها في إطار عام شامل. ولنا عود- إن شاء الله- بالتفصيل إلى كثير مما قد أجملناه
خلال البحوث التالية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

‌‌إعجاز القرآن تعريفه، وجوهه، دليله، مظاهره
‌‌تمهيد لا بدّ منه:
الحديث عن إعجاز القرآن من أهم البحوث المتعلقة بالقرآن وآدابه وعلومه، وهو لبّها وجوهرها وأساسها وعمدتها.
ومع ذلك، فإنني أعلم أن كثيرا ممّن سيقرأ ما أكتبه في هذا البحث، لا يملكون إلا أن يحفظوا ما أقوله بعقولهم، دون أن يتذوقوه بقلوبهم، ويستيقنوه بأفكارهم.
والسبب أنهم عاشوا غرباء عن القرآن، لم تتهيأ لهم أسباب قراءته ولم يتوفروا على شيء من دراسته؛ إن في هؤلاء- ويا للأسف- من لم يسمع بالقرآن إلا في أحاديث الناس وما تقوله الكتب، ومن لم ينصت إلى شيء من آياته إلا في أمسيات التعازي أو عند افتتاح حفل أو لدى مصادفة عند فتح إذاعة.
وإنما يفقه الحديث عن إعجاز القرآن ويتذوقه، من درس القرآن قبل ذلك، فأتقن قراءته، تماما كما كان يتقنها أطفال «الكتّاب» في بلادنا قبل اليوم.
فهو الذي يكون قد تصور حقيقة القرآن، وتهيأ لفهم الحديث عن إعجازه.
أما من لم يتوفر على تصوره إلا في أصوات «المقرئين» وفي أمسيات التعازي، ومن إذا أراد أن يقرأ بضع آيات منه تلعثم وترطّن وثقلت كلماتها العربية على لسانه، فهيهات أن يفقه شيئا عن إعجاز القرآن ومظاهره ودلائله، إلا أن يحفظ ذلك حفظا ويبصمه بصما. ذلك لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فمن لم يتصور الشيء على حقيقته عجز عن إسناد أي حكم إليه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

ولقد قامت «ويا للأسف» حواجز كادت أن تصبح حصينة بين كثير من أفراد نشئنا المثقف وهذا الكتاب العظيم. ولم يعد سرّا خافيا أن هذا الحاجز إنما تكثف واستقرّ وتطاول، بفعل التخطيط الذي كانت ولا تزال تقوم به دوائر أجنبية، قصدا إلى إضعاف اللغة العربية في ألسنة أصحابها العرب وصدورهم، تحت شعارات وأهداف مزوّقة خادعة، كالدعوة إلى تبسيط قواعد العربية تارة، وترويج فكرة الجمع بين العربية والعاميّة أخرى، والدعوة إلى كسر عمود الشعر لإحلال ما يسمى ب «الشعر المنثور» مكانه تارة ثالثة.
والقصد البعيد من ذلك كله، هو إقامة هذا الحاجز بين الجيل وكتاب الله عز وجل، فإنه إذا حجز عنه، لم يعد يقدر على معرفته وإدراكه، وإذا لم يعد قادرا على معرفته، فأحر به أن لا يقدر على فهم شيء مما يقال حول إعجازه.
وإن هذه النتيجة لتنطوي على ربح عظيم لأولئك الذين يرقبون الأمر من بعيد، بمقدار ما تنطوي عليه من الخسارة الفادحة لهذا الجيل الذي نسي الكثيرون منه كل شيء إلا أنهم: عرب (1).
وعلى كلّ، فلا بدّ من الحديث عن إعجاز القرآن، وعلى من لم يتصور حقيقة القرآن بعد، أن يسرع فيتدارك ما فاته، وسيهون الأمر عليه إذا ما تصور أن أول زاد الأديب ومعلّم العربية إنما هو هذا الكتاب، فهو- من دون معرفته وإتقان تلاوته- لا يملك أن يقول شيئا في باب الأدب أو القواعد أو البيان، وما أخزى وأسوأ منظر ذاك الذي يقف ليلقي درسا في العربية، فإذا ما صادفته آية من القرآن، وجدت لسانه لا يدور بها إلا كما يدور لسان الأعجمي إذا أراد أن يبين بالعربية ويتفصح!! ..
ولست أتحدث- في هذا المقام- عن أي غاية لضرورة دراسة هذا الكتاب وإتقان تلاوته، غير الغاية التي نحن بصددها. إن المهم أن عالم العربية ليس عالما بشيء منها طالما ظل غريبا عن ينبوع العربية ومصدر سائر علومها.--------------------------------------------
(1) اقرأ لتطلع على بسط الدلائل في هذا المعنى كتاب «حصوننا مهددة من داخلها» للدكتور محمد محمد حسين إن عثرت عليه. واقرأ كتاب تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث لمؤلف هذا الكتاب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

وحسب هذه الضرورة دافعا لكل عربي أن يقبل على هذا الكتاب في دراسة واعية عميقة.

‌‌تعريف إعجاز القرآن:
أجمع عامّة الباحثين من علماء العربية والتشريع والفلسفة والفرق المختلفة أن القرآن معجز. فما معنى أنه معجز؟
لدينا في الجواب على هذا السؤال تعريفان للإعجاز، أحدهما هو المعتمد لدى جمهور العلماء والباحثين، والثاني تفرد به أبو إسحاق إبراهيم النظام (ت: 231) اللغوي والمعتزلي المعروف، ثم تبعه في ذلك بعض الناس من فرقته وجماعته.
فأما التعريف الأول، فهو أن القرآن قد سما في علوّه إلى شأو بعيد بحيث تعجز القدرة البشرية عن الإتيان بمثله؛ سواء كان هذا العلو في بلاغته أو تشريعه أو مغيباته.
وأما التعريف الثاني فهو أن الله قد صرف قدرات عباده وسلب همّتهم وحبس ألسنتهم عن الإتيان بمثله.
والفرق بين التعريفين، أن مصدر الإعجاز في التعريف الأول علوّ منزلة القرآن عن مستوى الطوق البشري، أما مصدره في التعريف الثاني فهو حبس القدرات وصرف الهمم عن معارضته وتقليده، أي فهو قد يكون، والحالة هذه، غير بعيد في منزلته البلاغية عن طاقة البشر، ولكن الله، تصديقا لنبيّه ولطفا به، صرف الناس عن تقليده ومحاكاته.
وأنت إذا تأملت في كلا التعريفين وفي الذي هو أقرب إلى العقل والفهم منهما، أدركت أن تعريف النظّام ومن شايعه فيه، لا معتمد من المنطق أو العقل له. وقد سخر كثير
من الباحثين، ومنهم الجاحظ، بهذا التفسير للإعجاز؛ وتكاثرت الردود عليه من كل صوب.
ولننقل لك منها كلام الإمام الباقلاني في كتابه، إعجاز القرآن يقول:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

( … لو لم يكن القرآن معجزا على ما وصفناه من جهة نظمه الممتنع، لكان مهما حطّ من رتبة البلاغة فيه، ووضع من مقدار الفصاحة في نظمه، كان أبلغ في الأعجوبة إذا صرفوا عن الإتيان بمثله، ومنعوا عن معارضته وعدلت دواعيهم عنه، فكان يستغني عن إنزاله على النظم البديع وإخراجه في المعرض الفصيح العجيب. على أنهم لو كانوا صرفوا على ما ادّعاه- أي القائل بهذا التعريف- لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عمّا كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف، لأنه لم يتحدّوا إليه، ولم تلزمهم حجته. فلما لم يوجد في كلام من قبله مثله، علم أن ما ادّعاه القائل بالصرفة ظاهر البطلان).
ثم يقول بعد ذلك:
(ومما يبطل ما ذكروه من القول بالصرفة، أنه لو كانت المعارضة ممكنة- وإنما منع منها الصرفة- لم يكن الكلام معجزا، وإنما يكون المنع هو المعجز، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه، وليس هذا بأعجب مما لو قيل:
إن الكل قادرون على الإتيان بمثله، وإنما يتأخرون عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه بعد) (1).
أقول: وإن أيسر ما يوضح فساد تفسير إعجاز القرآن بالصرفة، أن الواقع قد خالف ذلك، فلم يصرف الناس في الحقيقة عن الإقبال إلى تقليده ومجاراته، بل قام في التاريخ- كما ستعلم- من حاول أن يعارض، وعارض وأتى بكلام زعم أنه قد حاكى به كلام الله عز وجل، ولكنه جاء مرذولا سمجا لا قيمة له. وأيضا ففيم سجد العرب من مشركين ومسلمين إذا لبلاغته حتى زعم بعضهم أنه السحر، وفيم كان المشركون يتواصون بعدم الذهاب إلى الكعبة في جنح الليل لسماع القرآن من محمد عليه الصلاة والسلام حتى لا يفتن بذلك جنح الليل لسماع القرآن من محمد عليه الصلاة والسلام حتى لا يفتن بذلك الدهماء عن دين أجدادهم، ثم ما هو إلا أن يتوارد هؤلاء المتواصون مع الليل، يختبئون خلف جدران الكعبة ليترنموا بسماع آيات القرآن؟ … لو كان القرآن في--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن لأبي بكر الباقلاني: 29 و 30.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

حقيقته كالكلام الذي يحسنه البشر، ولكن الله صرفهم عن مجاراته ومحاكاته، لما وقع كل ذلك ولا شيء منه.
ومع ذلك فإن تفسير إعجاز القرآن، كما يراه النظّام، هو في الحقيقة أقعد في باب الإعجاز وأدعى إلى معرفة أنه كلام الله عز وجل، إذ العجز عن الإتيان بالشيء المستطاع أعجب من العجز عن الإتيان بالأمر الرفيع الذي لا يدرك ولا يستطاع. ولكن المنطق هو الذي يتجافى عن رأيه وتحليله.

‌‌الدليل على ثبوت الإعجاز في كتاب الله في الجملة:
ونقصد بكلمة «في الجملة» قطع النظر عن أنواع الإعجاز القرآني، والأدلة التفصيلية الخاصة بكلّ منها. وإنما المراد هنا الوقوف على دليل علمي يصلح أن يكون برهانا على ثبوت المعنى الكلّي للإعجاز في القرآن، والشامل إجمالا للأنواع التي سنتحدث عن كلّ منها بشيء من التفصيل فيما بعد.
واعلم أنك مهما حاولت أن تكشف عن براهين الإعجاز، في القرآن، فلن تقع على برهان أبين وألزم من برهان التجربة والمشاهدة. وهو الذي عناه الخطابي في كتابه «بيان إعجاز القرآن» عند ما قال:
« … والأمر في ذلك أبين من أن نحتاج إلى أن ندل عليه بأكثر من الوجود القائم المستمر على وجه الدهر، من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن الذي نحن فيه» (1).
وبيان ذلك أن العرب بدءوا فسألوا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية تدل على صدق دعوته ورسالته. فأخبرهم الله تعالى بأن القرآن أعظم آية تدل على ما يريدون، وذلك في قوله جل جلاله:
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ. قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (العنكبوت: 50 و 51).--------------------------------------------
(1) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص 21، طبع دار المعارف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)