استكمل الولد خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه، وأقيمت عليه الحدود، وهو حديث ضعيف لا ينبغى الاستدلال به».
فهو يعرض هنا مسألة" بلوغ صلاحية الزواج" من بعض جوانبها، وتعليل اختلاف البلاد والأمزجة فيها، ثم يسرد أقوال أئمة المذاهب الفقهية أو أصحابهم أو غيرهم من العلماء، ثم يتناول بعض المرويات التى جاءت فى هذه المسألة، فإذا لم ترتق إلى درجة الحجية عنده سارع إلى نقدها وبيان عدم موافقته عليها، وقد رأيناه يذكر استدلال الشافعية بحديث ضعّفه بناء على ما ساقه من نقد لهذه الأقوال والمرويات وما ترتب عليها من أحكام فى بلوغ سن النكاح أو الجهاد.
وقد تكون هناك أشكال كثيرة أخرى- سنراها فى صفحات مقبلة- لاحتجاج ابن عاشور بالنصوص النبوية، كأن يذكر مثلا: جاء فى الحديث، أو فى الحديث، أو يذكر جزءا من الحديث دون تمامه، أو غير ذلك من الأشكال، فقد كان يسعى إلى عدم الإطالة، فلا يحمل القارئ ما لا يطيق، ولا الكتاب ما لا يستطيع.
3 - التفسير بأقوال الصحابة:
إذا كانت السنة النبوية تعد المرتبة الثانية فى تفسير القرآن الكريم بعد تفسير" القرآن بالقرآن" فإن أقوال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هى المرتبة التالية لها، فهم الذين سمعوا منه مباشرة وتناوبوا هذا السماع وشاركوا فى مجالسه وغزواته وشاهدوا أحواله وأفعاله (1).--------------------------------------------
(1) انظر ابن حجر العسقلانى، فتح البارى بشرح صحيح البخارى، كتاب العلم، ج 1، ص 152، ط سنة 1384 هـ.
وانظر صحيح مسلم، كتاب الإيمان، ج 1، ص 90، طبعة عيسى البابى الحلبى.
وانظر صحيح البخارى باب علامات النبوة، ج 4، ص 243، ط. دار الشعب، القاهرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
ويقول الشيخ أبو زهرة:
«إن الصحابة هم الذين سمعوا القرآن الكريم ابتداء، وهم الذين شاهدوا وعاينوا، وتلقوا التفسير عن النبى- صلى الله عليه وسلم وكان ما يبهم عليهم يسألون النبى- صلى الله عليه وسلم ويروى عن ذى النورين عثمان، رضى الله تعالى، عنه، أن النبى- صلى الله عليه وسلم كان كلما تلا عليهم طائفة من الآيات تولى تفسيرها لهم، فكان تفسيرهم أقرب إلى السنة، بل يعده الكثيرون من السنة، ما دام لا يمكن أن يكون للرأى فيه مجال» (1).
ويقول أيضا:
«وإن الصحابة أعلم الناس بمعانى الألفاظ القرآنية لأنهم من العرب، ومن أعلم الناس بلغة العرب، وما يكون غريبا بالنسبة لنا، لا يكون غريبا بالنسبة لهم، والألفاظ معروفة معانيها لهم» (2).
وفى الإتقان: «روى الحاكم فى المستدرك أن تفسير الصحابى الذى شهد الوحى والتنزيل له حكم المرفوع» (3).
والمقصود هنا التفسير الذى لا يدرك بالرأى، ولا يستقل العقل بإدراكه.
ويظهر موقف ابن عاشور من صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم خصوصا أبا بكر وعمر وعائشة رضى الله عنهم فيما ذكره فى تفسير--------------------------------------------
(1) محمد أبو زهرة، المعجزة الكبرى" القرآن"، ص 561، وانظر تقى الدين أحمد بن تيمية.
مقدمة فى أصول التفسير، ص 10، 39.
(2) محمد أبو زهرة، المعجزة الكبرى" القرآن"، ص 561، وانظر الحافظ ابن كثير، الباعث الحثيث.
شرح اختصار علوم الحديث، أحمد محمد شاكر، ص 151، ط 3، 1399 هـ- 1979 م، دار التراث- القاهرة.
(3) الإتقان فى علوم القرآن، ج 2، ص 225، دار المعرفة، بيروت- لبنان، ط 4، 1398 هـ- 1978 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
قوله تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (سورة النور: 17، 18).
«قال ابن العربى: قال هشام بن عمار (1): «سمعت مالكا يقول: من سب أبا بكر وعمر أدب، ومن سبّ عائشة قتل لأن الله يقول يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (2). فمن سبّ عائشة فقد خالف القرآن ومن خالف القرآن قتل» أ. هـ. يريد بالمخالفة إنكار ما جاء به القرآن نصا وهو يرى أن المراد بالعود لمثله فى قضية الإفك لأن الله برّأها بنصوص لا تقبل التأويل، وتواتر أنها نزلت فى شأن عائشة، وذكر ابن العربى عن الشافعية أن ذلك ليس بكفر، وأما السب بغير ذلك فهو مساو لسب غيرها من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم» (3).
وقد وقف غلاة الشيعة من الصحابة موقفا لا يتسم بالإنصاف لأغراض حزبية عديدة (4).
ومن الصحابة الذين ذكر أقوالهم عبد الله بن عمر، ذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ--------------------------------------------
(1) هشام بن عمار السلمى الدمشقى الحافظ المقرئ الخطيب. سمع مالكا وخلفا، وثّقه ابن معين، توفى سنة 245، وعاش اثنتين وتسعين سنة، لم يترجمه عياض فى" المدارك" ولا ابن فرحون فى" الديياج" فالظاهر أنه لم يكن من أتباع مالك، وقد ذكره الذهبى فى" الكاشف" والمزى فى" تهذيب الكمال".
(2) سورة النور: الآية 17.
(3) التحرير والتنوير، ج 18، ص 183.
(4) قال ابن كثير: «وأما طوائف الروافض وجهلهم وقلة عقلهم، ودعاويهم أن الصحابة كفروا: إلا سبعة عشر صحابيا، وسموهم، فهو من الهذيان بلا دليل إلا مجرد الرأى الفاسد، عن ذهن بارد، وهوى متبع» (اختصار علوم الحديث، ص 155).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (سورة الأنعام: 59).
«وفى الصحيح عن عبد الله بن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال «مفاتح الغيب خمس» إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما فى الأرحام، وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا، وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير» (1).
وأخذ ابن عباس نصيبا وافرا من هذه الأقوال، ومثال ذلك ما جاء فى قوله تعالى:
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (سورة الشورى: الآية 17).
ذكر ابن عاشور:
«وعن ابن عباس: كل ما جاء فعل" ما أدرك" فقد أعلمه الله به «أى بيّنه لرسوله صلى الله عليه وسلم» عقب كلمة" ما أدرك" نحو وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ* نارٌ حامِيَةٌ (2)، وكل ما جاء فيه وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (3)، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (4). لم يعلمه به أى لم يعقبه بما يبين إبهامه.--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 7، ص 270.
(2) سورة القارعة: الآيتان 10، 11.
(3) سورة الشورى: الآية 17.
(4) سورة عبس: الآية 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
ويعقّب ابن عاشور: ولعل معنى هذا الكلام أن الاستعمال خص كل صيغة من هاتين الصيغتين بهذا الاستعمال فتأمل (1).
وعن على وابن مسعود، ذكر فى تفسير قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (سورة النحل: 90).
«روى أحمد بن حنبل: إن هذه كانت السبب فى تمكن الإيمان من عثمان بن مظعون، فإنها لما نزلت كان عثمان بن مظعون بجانب رسول الله- صلى الله عليه وسلم وكان حديث الإسلام، وكان إسلامه حياء من النبى- صلى الله عليه وسلم وقرأها النبى عليه. قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان فى قلبى. وعن عثمان بن أبى العاص: كنت عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم جالسا إذ شخّص بصره، فقال: أتانى جبريل فأمرنى أن أضع هذه الآية بهذا الموضع" إن الله يأمر بالعدل" الآية أهـ. وهذا يقتضى أن هذه الآية لم تنزل متصلة بالآيات التى قبلها فكان وضعها فى هذا الموضع صالحا لأن يكون بيانا لآية وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ إلخ، ولأن تكون مقدمة لما بعدها وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ الآية.
وعن ابن مسعود إن هذه الآية أجمع آية فى القرآن.
وروى ابن ماجة عن على قال: أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 25، ص 68 - 69.
وانظر أمثلة أخرى عن ابن عباس ج 14، ص 326، ج 19، ص 91/ 201/ 222، ج 23، ص 311، ج 25، ص 83/ 221، ج 26، ص 217.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
قبائل العرب، فخرج، فوقف على مجلس قوم من شيبان بن ثعلبة فى الموسم.
فدعاهم إلى الإسلام وأن ينصروه، فقال مفروق بن عمرو منهم: إلام تدعونا أخا قريش، فتلا عليهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية. فقال: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك» (1).
وعن مالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله الأنصارى ذكر ابن عاشور فى قوله تعالى:
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا* وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (سورة مريم: 56، 57).
وقوله وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا قال جماعة من المفسرين هو رفع مجازى، والمراد: رفع المنزلة، لما أوتيه من العلم الذى فاق به على من سلفه. ونقل هذا عن الحسن، وقال به أبو مسلم الأصفهانى، وقال جماعة: هو رفع حقيقى إلى السماء، وفى الإصحاح الخامس من سفر التكوين، «وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه» وعلى هذا فرفعه مثل رفع عيسى- عليه السلام والأظهر أن ذلك بعد نزع روحه وروحنة جثته، ومما يذكر عنه أنه بقى ثلاث عشرة سنة لا ينام ولا يأكل حتى تروحن، فرفع.
وأما حديث الإسراء فلا حجة فيه لهذا القول لأنه ذكر فيه عدة أنبياء غيره وجدوا فى السماوات. ووقع فى حديث مالك بن صعصعة عن الإسراء بالنبى- صلى الله عليه وسلم إلى السماوات أنه وجد إدريس- عليه السلام--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 14، ص 259.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
فى السماء وأنه لما سلم عليه قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح. فأخذ منه أن إدريس- عليه السلام لم تكن له ولادة على النبى- صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقل له والابن الصالح، ولا دليل فى ذلك لأنه قد يكون قال ذلك اعتبارا بأخوة التوحيد فرجحها على صلة النسب فكان ذلك من حكمته.
على أنه يجوز أن يكون ذلك سهوا من الراوى، فإن تلك الكلمة لم تثبت فى حديث جابر بن عبد الله فى صحيح البخارى. وقد جزم البخارى فى أحاديث الأنبياء بأن إدريس جد نوح أو جد أبيه. وذلك يدل على أنه لم يرمى قوله «مرحبا بالأخ الصالح، ما ينافى أن يكون أبا للنبى- صلى الله عليه وسلم» (1).
وعن أبى هريرة ذكر فى قوله تعالى:
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (سورة الشعراء: 224 - 227).
«وقال أبو هريرة سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر «أصدق كلمة أو أشعر كلمة قالتها العرب كلمة لبيد: ألا كل شىء ما خلال الله باطل» (2).
وعن عائشة وابن عباس وأبى هريرة، ذكر فى تفسير قوله تعالى:
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (سورة الشعراء: 214).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 16، ص 132.
(2) التحرير والتنوير، ج 19، ص 211.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
«ففي حديث عائشة وابن عباس وأبى هريرة فى صحيحى البخارى ومسلم يجمعها قوله، لما نزلت و" أنذر عشيرتك الأقربين"، قام رسول الله على الصفا فدعا قريشا فجعل ينادى: يا بنى فهر يا بنى عدى، لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فقال:
يا معشر قريش، فعم وخص، يا بنى كعب بن لؤى أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، اشتروا أنفسكم من الله لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله سلينى من مالى ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئا، وكانت صفية وفاطمة من المؤمنين وكان إنذارها إعمالا لفعل الأمر فى معانيه كلها من الدعوة إلى الإيمان وإلى صالح الأعمال، فجمع النبى- صلى الله عليه وسلم بين الإنذار من الشرك والإنذار من المعاصى لأنه أنذر صفية وفاطمة وكانتا مسلمتين.
وفى صحيح البخارى عن ابن عباس قال: لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد النبى على الصفا فجعل ينادى يا بنى فهر، يا بنى عدى، لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش تسمع فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن فيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم ما جرّبتنا عليك إلا صدقا، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت يدا أبى لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب (1).
ومن الأمثلة التى حشد فيها أقوالا عن بعض الصحابة والتابعين ما ذكره فى قوله تعالى:
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (سورة الأحقاف: 17).
«وعن ابن عباس ومروان بن الحكم ومجاهد والسدى وابن جريج أنها نزلت فى ابن لأبى بكر الصديق واسمه عبد الكعبة الذى سماه النبى- صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بعد أن أسلم عبد الرحمن قالوا: كان قبل الهجرة مشركا وكان يدعوه أبوه أبو بكر وأمه أم رومان إلى الإسلام ويذكراه بالبعث، فيرد عليهما بكلام مثل ما ذكره
فى هذه الآية. ويقول: فأين عبد الله بن جدعان، وأين عثمان بن عمرو، وأين عامر ابن كعب، ومشايخ قريش حتى أسألهم عما يقول محمد. لكن ليست الآية خاصة به حتى تكون نازلة فيه، وبهذا يؤول قول عائشة رضى الله عنها لما قال مروان بن الحكم لعبد الرحمن هو الذى يقول الله فيه «والذى قال لوالديه أف لكما» وذلك فى قصة إشارة عبد الرحمن على مروان أخذه البيعة ليزيد بن معاوية بالعهد له بالخلافة.
ففي صحيح البخارى فى كتاب التفسير عن يوسف بن ماهك أنه قال:
«كان مروان بن الحكم على الحجاز استعمله معاوية فخطب، فجعل يذكر يزيد ابن معاوية لكى يبايع له بعد أبيه (أى بولاية العهد) فقال له عبد الرحمن--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 19، ص 201.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
ابن أبى بكر أهرقلة" أى اجعلتموها وراثة مثل سلطنة هرقل" فقال خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذى أنزل الله فيه «والذى قال لوالديه أف لكما أتعدانني» فقالت عائشة من وراء حجاب، ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذرى (أى براءتى) وكيف يكون المراد ب" الذى قال لوالديه أف لكما" عبد الرحمن بن أبى بكر وآخر الآية يقول" أولئك الذين حق عليهم القول" إلى" خاسرين" فذكر اسم الإشارة للجمع، وقضى على المتحدث عنهم بالخسران، ولم أقف على من كان مشركا وكان أبواه مؤمنين، وأياما كان فقد أسلم عبد الرحمن قبل الفتح فلما أسلم جب إسلامه ما قبله، وخرج من الوعيد الذى فى قوله أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ الآية. لأن ذلك وعيد، وكل وعيد فإنما هو مقيد تحققه بأن يموت المتوعد به غير مؤمن، وهذا معلوم بالضرورة من الشريعة. وتلقب عند الأشاعرة بمسألة الموافاة، على أنه قيل إن الإشارة بقوله" أولئك" عائدة إلى" الأولين" من قوله «ما هذا إلا أساطير الأولين» (1).
ومن الملحوظ فى أغلب الأمثلة السابقة حرص ابن عاشور فيما يرويه من أقوال الصحابة على ذكر مصادره مثل صحيح البخارى وصحيح مسلم وسنن ابن ماجة ومسند أحمد بن حنبل فضلا عن كتب التفسير.
ومن الملحوظ أيضا أن هذه الأقوال تناولت جوانب مختلفة من التفسير، فالمثال الأول وهو عن ابن عمر كان فى معنى مفاتيح الغيب وعددها، والمثال الثانى وهو عن ابن عباس كان حول استعمال بعض الصيغ، والثالث من هذه الأمثال وهو عن ابن مسعود دار حول إسلام عثمان بن مظعون وبعض الحوادث فى زمن الدعوة، والمثال الرابع عن مالك بن صعصعة، وجابر بن عبد--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 26، ص 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
الله عن مكانة النبى إدريس عليه السلام، والخامس وهو المروى عن أبى هريرة كان فى وصف أشعر أو أصدق كلمة قالتها العرب، والسادس عن عائشة وابن عباس وأبى هريرة دار حول سبب نزول الآية المذكورة، والمثال السابع والأخير وهو عن بعض الصحابة والتابعين دار حول تعيين فيمن نزلت الآية.
وابن عاشور وهو يستعين بهذه الأقوال المختلفة اختلافا بينا كان يذكر الرواية أو القول، فإذا وجد ما يقتضى التعليق أو التوضيح فعل، وإن كان هناك اضطراب فى السند بيّنه، وتبدو موافقته على الشيء حين يسكت عنه، أو يؤوّ له مع وجود قرينة التأويل.
4 - التفسير بأقوال التابعين:
وقف علماء الحديث من أقوال التابعين مواقف مختلفة، كما اختلفوا فى قول الصحابى «فالتابعى إذا ورد عنه فى التفسير شىء يدرك بالرأى لم يكن له حكم المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لجواز أن يكون أدركه بنفسه استنادا إلى الدلالات اللغوية وغيرها من القرائن التى تعين على فهم المعنى، وإن ورد عنه ما لا يدرك بالرأى بأن يكون من المعانى التى لا يستقل العقل بإدراكها فذلك له حكم المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه مرفوع مرسل فيجرى فيه من المذاهب ما يجرى فى الأحاديث المرسلة» (1).--------------------------------------------
(1) عبد الوهاب عبد المجيد غزلان البيان فى مباحث من علوم القرآن ص 106، 107 مطبعة دار التأليف- القاهرة.
وذكر ابن كثير عن الحديث المرسل:" قال ابن الصلاح: وصورته التى لا خلاف فيها: حديث التابعى الكبير الذى أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم، كعبيد الله بن عدى بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب وأمثالهما، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم". شرح اختصار علوم الحديث ص 39.
وذكر ابن كثير فى موضع آخر:" قال ابن الصلاح: وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه، هو الذى استقر عليه آراء جماعة حفاظ الحديث ونقاد الأثر وتداولوه فى تصانيفهم" ص 40.
وانظر ابن قيم الجوزية أعلام الموقعين عن رب العالمين ج 1 ص 31" الحديث المرسل" راجعة طه عبد الرءوف سعد دار الكتب العلمية- بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
ويقول ابن كثير: «وقد ذكر مسلم فى مقدمة كتابه" إن المرسل فى أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" وكذا حكاه ابن عبد البر عن جماعة من أصحاب الحديث» (1).
وذكر على لسان ابن الصلاح: «والاحتجاج به مذهب مالك وأبى حنيفة وأصحابهما فى طائفة» (2).
فما موقف ابن عاشور- المالكى المذهب- من أحاديث التابعين أو أقوالهم؟
لقد استعان فى تفسيره بما جاء عن بعض التابعين على هذا النحو:
ذكر عن مجاهد فى تفسير قوله تعالى:
قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً* قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (سورة طه: الآيات 57، 58، 59).
«قال مجاهد: أنه مكان نصف، وكأن المراد أنه نصف من المدينة لئلا يشق الحضور فيه على أهل أطراف المدينة» (3).
وعن قتادة فى قوله تعالى:--------------------------------------------
(1) شرح اختصار علوم الحديث ص 40.
(2) المصدر السابق: الصفحة نفسها.
(3) التحرير والتنوير ج 16 ص 246.
ومجاهد: هو أبو حجاج مجاهد بن جبر، ويقال ابن جبير، ويقال ابن جبير بالتصفير، الإمام المشهور المكى المخزومى مولاهم مولى عبد الله بن أبى السائب المخزومى وهو تابعى إمام متفق على جلالته وإمامته، وهو إمام الفقه والتفسير والحديث" ت 101 هـ" وانظر مقدمة فى أصول التفسير ابن تميمة، ص 10، 44.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (سورة النحل: 90).
«وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به فى هذه الآية. وليس من خلق كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدح فيه، وإنما نهى عن سفاسف الاخلاق ومذاقها» (1).
وعن عكرمة فى قوله تعالى:
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (سورة النحل 28).
«وعن عكرمة: نزلت هذه الآية بالمدينة فى قوم أسلموا بمكة، ولم يهاجروا فأخرجتهم قريش إلى بدر كرها فقتلوا ببدر» (2).
وعن أول ما نزل من سورة المائدة ذكر:
«وعن محمد بن كعب القرظى: إن أول ما نزل من هذه السورة قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ- إلى قوله- صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (3).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ج 14 ص 259.
قتادة: هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسى الأكمه، عربى الأصل، روى عن أنس وأبى طفيل وابن سيرين وعكرمة وعطاء بن أبى رباح وغيرهم، وكان قوى الحافظة، واسع الاطلاع فى الشعر العربى، بصيرا بأيام العرب، عليما بأنسابهم، متضلعا فى اللغة العربية، ومن هنا جاءت شهرته بالتفسير، شهد له سعيد بن المسيب.
(2) التحرير والتنوير ج 14 ص 138.
عكرمة: هو عبد الله عكرمة مولى ابن عباس الهاشمى المدنى، أصله بربرى من أهل المغرب، وهو من كبار التابعين، وأحد الأئمة الأعلام، وروى عن مولاة، وعن السيدة عائشة، وأبى هريرة.
(3) سورة المائدة: الآيتان 15، 16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
ثم نزلت بقية السورة فى عرفة فى حجة الوداع (1) وفى قوله تعالى:
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ الشعراء 197.
" وعن مقاتل نزل بالمدينة. وكان الذى دعاه إلى ذلك أن مخالطة علماء بنى إسرائيل كانت بعد الهجرة. ولا يخفى أن الحجة لا تتوقف على وقوع مخالطة علماء بنى إسرائيل؛ فقد ذكر القرآن مثل هذه الحجة فى آيات نزلت بمكة، من ذلك قوله: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (2) فى سورة الرعد وهى مكية وقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (3) فى سورة القصص وهى مكية.
وقوله: وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (4) فى سورة العنكبوت وهى مكية. وشأن علماء بنى إسرائيل مشهور بمكة، وكان لأهل مكة صلات مع اليهود بالمدينة ومراجعة بينهم فى شأن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كما تقدم عند قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ فى سورة الإسراء ولذا فالذى نوقن به أن السورة كلها مكية … » (5).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ج 6 ص 71.
القرظى: هو أبو حمزة، أو أبو عبد الله، محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظى المدنى، من حلفاء الأوس، روى عن على، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم، وروى عن أبى بن كعب بالواسطة، وقد اشتهر بالثقة والعدالة والورع وكثرة الحديث وتأويل القرآن (ت 118 هـ)
(2) سورة الرعد: الآية 43.
(3) سورة القصص: الآية 52.
(4) سورة العنكبوت: الآية 47.
(5) مقاتل: هو مقاتل بن سليمان، كان يأخذ عن اليهود علم الكتاب، واتهمه أبو حنيفة بأنه مشبّه كذاب، وقال ابن المبارك فيه: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة. (ت 150 هـ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
وفى قوله تعالى:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ (سورة النساء: 77).
«وقال السدى:" الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ" قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال وسألوا أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض القتال إذا فريق يخشون الناس» (1).
وفى قوله تعالى:
فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (سورة البقرة: 197).
«وقال عطاء: حاضرو المسجد الحرام أهل مكة وأهل عرفة، ومر، وعرنة وضحينان، والرجيع، وقال الزهيرى: أهل مكة ومن كان على مسافة يوم أو نحوه، وقال ابن زيد: أهل مكة، وذى طوى، وفج، وما يلى ذلك.
وقال طاوس" حاضر والمسجد الحرام كل من كان داخل الحرم» (2).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ج 5 ص 125.
السّدى: أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبى كريمة السدى، رمى بالتشيّع، روى عن أنس وعبد الله بن عباس، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن عدى: مستقيم الحديث صدوق (ت 127 هـ).
(2) التحرير والتنوير ج 2 ص 230.-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
وفى قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ (سورة البقرة:
الآية 230).
" وذهب ابن جبير وعطاء وابن دينار وجابر بن زيد إلى أن طلاق البكر ثلاثا فى كلمة يقع طلقة واحدة، لأنه قبل البناء بخلاف طلاق المبنى بها، وكأن وجه قولهم فيه: أن معنى الثلاث فيه كناية عن البينونة، والمطلقة قبل البناء تبنيها الواحدة" (1) والملحوظ فى هذه النقول خلوها من الأحاديث النبوية، وإنما هى أقوال دارت حول تحديد مكان يوم الزينة كما جاء عن مجاهد فى المثال الأول،--------------------------------------------
- عطاء: وكنية عطاء أبو محمد المكى القرشى مولى ابن خثيم القرشى القهرى.
وعطاء معدود من كبار التابعين، ولد فى خلافة عثمان، وسمع العبادلة الأربع، قال الشافعى ليس فى التابعين أحد أكثر اتباعا للحديث منه.
الزهرى: أبو بكر محمد بن مسلم عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهرى القرشى، أحد كبار صغار التابعين، ويعتبر من صغار التابعين لرؤيته ولقائه القليل من الصحابة منهم: أنس بن مالك، فقد روى عنه الزهرى ما يقرب من خمسين حديثا، وهى منتشرة فى كتب الحديث الستة المعتمدة عند أهل السنة (ت 571 هـ).
ابن زيد: جابر بن زيد الأزدى البصرى" أبو الشعثاء، تابعى فقيه من الأئمة، من أصل البصرة، صحب ابن عباس، وكان من بحور العلم، وفى كتاب الزهد للإمام أحمد:" لما مات جابر ابن زيد قال قتادة:
اليوم مات أعلم أهل العراق"
طاوس: طاوس بن كيسان، أدراك خمسين من الصحابة وبلغ منزلة الأئمة الأعلام وأخذ عنه الصفوة من التابعين توفى 106 هـ.
(1) التحرير والتنوير ج 2 ك 2 ص 420.
ابن الجبير: سعيد بن جبير" أبو محمد، أو عبد الله" كان حبشى الأصل، أسود اللون، أبيض الخصال، سمع جماعة من أئمة الصحابة، وروى عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما"
ابن دينار: هو عبيد الله بن عبد الله بن دينار، ثقة، احتج به البخارى والأئمة الأربعة، وقال على بن المدينى: صدوق" ت 98 هـ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
أو الأخلاق التى كان عليها أهل الجاهلية وما أمر الله به منها إذا كانت من الخلق الحسن أو ما كانوا عليه من أخلاق مذمومة، ونهى الله تعالى عنها كما جاء عن قتادة فى المثال الثانى، أو نزول الآية الثامنة والعشرين من سورة النحل فى المدينة كما جاء عن عكرمة فى المثال الثالث، أو أول ما نزل من سورة المائدة عن محمد بن كعب القرظى فى المثال الرابع، وكذلك ما جاء عن مقاتل فى المثال الخامس، وما جاء عن السدى فى شأن قوم أسلموا، وسألوا أن يفرض عليهم القتال فى المثال السادس، أو ما جاء عن عطاء وطاوس فى شأن حاضرى المسجد الحرام، أو ما جاء فى شأن طلاق البكر كما جاء عن ابن جبير وعطاء وابن دينار وجابر بن زيد فى المثالين السابع والثامن.
وقد كانت مصادر ابن عاشور فى الحديث النبوى من كتب السنة المعتبرة فضلا عما عرفناه عن موقفه من السند والمتن والأحاديث الضعيفة وأحاديث فضائل السور، وكانت النقول عن التابعين عنده تمثل الجانب الذى يمكن الاستئناس به حيث تدرك بالعقول معانيه، أو ما تلقاه هؤلاء التابعون من أقوال عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أسباب النزول، أو أول ما نزل من آيات بعض السور أو مكان نزولها. (1)
5 - التفسير بأسباب النزول:
من الأقوال التى تحدد قيمة أسباب النزول فى التفسير وشروط استخدامها، وكذا الأقوال التى توضح سبب نزول القرآن منجما خصوصا الآيات التى نزلت بسبب.--------------------------------------------
(1) ابن تيمية:" قال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين فى الفروع ليست حجة، فكيف تكون فى التفسير؟ يعنى أنها لا تكون حجة على غيرهم مما خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب فى كونه حجة .... " مقدمة فى أصول التفسير ص 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
ومما ذكره الدكتور فتحى الدرينى:
«اقتضاء صحة التفسير وعلميته" للمأثور" أمر تقتضيه ظروف تنزيله منجما على مدى ثلاث وعشرين عاما تقريبا، إذ احتفت ببعض آية ظروف ومناسبات، يطلق عليها" أسباب النزول" مما لم يتح لغير من عاصر التنزيل مشاهدتها، والوقوف على دقائقها، كما يطلق عليها بعض من تخصص فى علم أسباب النزول" القصة التشريعية" وهى عنصر بالغ الأهمية من عناصر ثقافة المفسر، إذ تسدد خطاه فى تعيين المعنى المراد، فكانت من القرائن الدالة عليه، دون أن يكون لها من أثر على تكييف النص القرآنى، فى قصر شمول معناه، أو عموم حكمه، أو تقييد إطلاقه، وإنما هى مجرد قرائن، أو دوال للاستيضاح فحسب» (1).
وذكر أيضا:
«ومعلوم أن هذه" المناسبات" لا يمكن الوقوف عليها بالنسبة إلى الأجيال الخالفة من العلماء، أو تصورها إلا عن طريق" النقول المأثورة" فكان هذا العنصر الأثرى إذن أساسيا فى قوام تفسير المفسر بالنسبة إلى الآى التى احتفت بها مثل تلك الظروف والمناسبات لما تلقى من ضوء على المراد من معنى النص، ولا سيما إذا كان النص القرآنى ذا وجوه من المعانى، أو يحتمل دلالات، فكان" سبب النزول" أنه قرينة على تعيين مراد الشارع منها، أو ترجيحه على الأقل» (2).--------------------------------------------
(1) دراسات وبحوث فى الفكر الإسلامى المعاصر، ص 167، 168.
وانظر البرهان فى علوم القرآن بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشى" ت 794 هـ" ص 22 ج 1 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية صيدا- بيروت.
(2) دراسات وبحوث فى الفكر الإسلامى المعاصر، ص 168.
وعن حكمة نزول القرآن منجما يقول النيسابورى:" إن الرسول لم يكن له بد من التلقين والحفظ" غرائب القرآن ورغائب الفرقان على هامش تفسير الطبرى ج 19 ص 12 دار المعرفة- بيروت- لبنان.-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
ويقول ابن خلدون: «كان القرآن ينزل جملا جملا، وآيات آيات لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع» (1).
والنيسابورى: «إن نزول القرآن بحسب الوقائع والحوادث أوفق فى باب التكليف والاستبصار» (2).
والقسطلانى: «إن الوحى فى الزمن الأخير من الحياة النبوية كان أكثر نزولا لأن الوفود بعد فتح مكة كثروا، وكثر سؤالهم عن الأحكام» (3).
وقد أظهرت الأقوال السابقة أهمية أسباب النزول فى تفسير كثير من الآيات ووصفت الضوابط التى يمكن بواسطتها الاستعانة بها.
وابن عاشور استعان بأسباب النزول وجعل لها فصلا خاصا من المقدمات العشر التى ذكرها فى مقدمة التحرير والتنوير حيث رسم فيه منهجه فى الاستعانة بهذه الوسيلة، ومما ذكره فى هذا الفصل.
«أولع كثير من المفسرين يتطلب أسباب نزول آى القرآن، وهى حوادث يروى أن الآيات من القرآن نزلت لأجلها لبيان حكمها أو حكايتها أو إنكارها أو نحو ذلك، وأغربوا فى ذلك وأكثروا حتى كاد بعضهم أن يوهم--------------------------------------------
- ويقول الزركشى:" تنجيم القرآن أقرب إلى الضبط والتثبت" البرهان فى علوم القرآن ج 1 ص 236.
دار إحياء الكتب العربية 1376 هـ- 1957 م.
ويقول ابن حجر:" لو نزل جملة واحدة على أمة أمية لا يقرأ غالبهم ولا يكتب لشق عليهم حفظه"، فتح البارى بشرح صحيح البارى ج 9 ص 6.
(1) ابن خلدون، المقدمة، ص 438 ط 1 مصطفى محمد.
(2) غرائب القرآن ورغائب الفرقان، هامش تفسير الطبرى ج 19 ص 12.
(3) إرشاد السارى إلى شرح صحيح البخارى ج 7 ص 496.
وانظر الإتقان للسيوطى ج 1 ص 38 النوع التاسع:" معرفة سبب النزول" دار المعرفة بيروت- لبنان ط 4، 1398 هـ- 1978 م.
وانظر لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطى، هامش تفسير الجلالين دار المعارف- القاهرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
الناس أن كل آية من القرآن نزلت على سبب، حتى رفعوا الثقة بما ذكروا، بيد أنّا نجد فى بعض آى القرآن إشارة إلى الأسباب التى دعت إلى نزولها. ونجد لبعض الذى أسبابا تثبت بالنقل دون احتمال أن يكون ذلك رأى الناقل، فكان أمر أسباب نزول القرآن دائر بين القصد والإسراف، وكان فى غض النظر عنه وإرسال حبله على غاربه خطر عظيم فى فهم القرآن» (1).
وفحوى هذا الكلام أن ابن عاشور ينعى على بعض المفسرين الذين أكثروا فى ذكر أسباب النزول وأغربوا فيها ليوهموا الناس أن لكل آية سببا فى نزولها، ومن ثم رفعوا الثقة فيما يذكرون من أقوال.
وعلى الجانب الآخر وجد ابن عاشور فى بعض الآيات إشارة إلى الأسباب التى دعت إلى نزولها، كما أن لبعض الآيات أسبابا ثبتت بالنقل لا بالرأى، وعلى ذلك لا يستطيع أن يغض النظر عن ذكر هذه الأسباب أو الإشارات ولكن دون إسراف أو مبالغة.
وذكر أيضا فى هذا الفصل:
«إن من أسباب النزول ما ليس المفسر بغنى عن علمه بها لأن فيها بيان مجمل، أو إيضاح خفى وموجز، ومنها ما يكون وحده تفسيرا، ومنها ما يدل المفسر على طلب الأدلة التى بها تأويل الآية أو نحو ذلك».
أى أن أسباب النزول تمثل عونا كبيرا فى بيان المواد من الآية المطروحة أمام المفسر أيا ما كانت الحاجة التى تستوجب وقوفه عندها شريطة أن تكون صحيحة الأسانيد كما ذكر ابن عاشور فى مواضع كثيرة فى هذا الفصل.
وابن عاشور وهو يستعين بأسباب النزول نراه أحيانا يذكر أكثر من سبب فى نزول الآية الواحدة …--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ج 1 ص 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)