الذى تعاقد الزوجان على أن تكون العصمة بينهما مؤجلة بزمان أو بحالة، فإذا انقضى ذلك الأجل ارتفعت العصمة، وهو نكاح قد أبيح فى الإسلام لا محالة، ووقع النهى عنه يوم خيبر، أو يوم حنين على الأصح. والذين قالوا حرام يوم خيبر قالوا: ثم أبيح فى غزوة الفتح، ثم نهى عنه فى اليوم الثالث من يوم الفتح، أو قيل: نهى عنه فى حجة الوداع، قال أبو داود: وهو أصح: والذى استخلصناه أن الروايات فيها مضطربة اضطرابا كبيرا (1).
ويقول" وقد اختلف العلماء فى الأخير من شأنه: فذهب الجمهور إلى أن الأمر استقر على تحريمه: فمنهم من قال: نسخته آية المواريث لأن فيها وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ (2). فجعل للأزواج حق الميراث، وقد كانت المتعة لا ميراث فيها، وقيل: نسخها ما رواه مسلم عن سبرة الجهنى، أنه رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم مسندا ظهره إلى الكعبة ثالث يوم من الفتح يقول: أيها الناس إنى كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من هذه النساء إلا أن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة (3).
«وانفراد سبرة به مثل ذلك اليوم مغمز فى روايته على أنه ثبت أن الناس استمتعوا. وعن على بن أبى طالب، وعمران بن حصين، وابن عباس، وجماعة من التابعين والصحابة أنهم قالوا بجوازه. قيل: مطلقا وهو قول الإمامية، وقيل: فى حال الضرورة عند أصحاب ابن عباس من أهل مكة--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ج 5 ص 10.
(2) سورة النساء الآية 12.
(3) التحرير والتنوير ج 5 ص 10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
واليمن، وروى عن ابن عباس أنه قال: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقى» (1).
وعن عمران بن حصين فى الصحيح أنه قال: أنزلت آية المتعة فى كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال رجل برأيه ما شاء، يعنى عمر بن الخطاب حين نهى عنها فى زمن من خلافته، وكان ابن عباس يفتى بها، فلما قال له سعيد بن جبير:
أتدري ما صنعت بفتواك فقد سارت بها الركبان حتى قال القائل:
قلت للركب إذ طال الثواء بنا … يا صاح هل لك فى فتوى ابن عباس
فى بضة رخصة الأطراف ناعمة … تكون مثواك حتى مرجع الناس
والذى يستخلص من مختلف الأخبار أن المتعة أذن فيها رسول الله- صلى الله عليه وسلم مرتين، ونهى عنها مرتين. والذى يفهم من ذلك أن ليس ذلك بنسخ مكرر، ولكنه إناطة، وإباحتها بحال الاضطرار، فاشتبه على الرواة تحقيق عذر الرخصة بأنه نسخ.
وقد ثبت أن الناس استمتعوا فى زمن أبى بكر، وعمر، ثم نهى عنها عمر فى آخر خلافته. والذى استخلصناه فى حكم نكاح المتعة أنه جائز عند الضرورة الداعية إلى تأجيل مدة العصمة، مثل الغربة فى سفر أو غزو إذا لم تكن مع الرجل زوجته، ويشترط منه ما يشترط فى النكاح من صداق وإشهار وولى حيث يشترط، وأنها تبين منه عند انتهاء الأجل، وأنها لا ميراث فيها بين--------------------------------------------
(1) بفاء بعد الشين، أى إلا قليل وأصله من قولهم: شفيت الشمس إذا غربت وفى بعض الكتب شقى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
الرجل والمرأة، إذا مات أحدهما فى مدة الاستمتاع، وأن عدتها حيضة واحدة، وأن الأولاد لاحقون بأبيهم المستمتع.
وشذ النحاس فزعم أنه لا يلحق الولد بأبيه فى نكاح المتعة. ونحن نرى أن هذه الآية بمعزل عن أن تكون نازلة فى نكاح المتعة، وليس سياقها سامحا بذلك، ولكنها صالحة لاندراج المتعة فى عموم" ما استمتعتم" فيرجع فى مشروعيته نكاح المتعة إلى ما سمعت آنفا (1).
وما انتهى إليه ابن عاشور فى تفسيره لهذه الآية بمعزل عن أن تكون نازلة فى نكاح المتعة، ولكنها صالحة لاندراج المتعة فى عموم" ما استمتعتم" ويذهب إلى مشروعية هذا النوع من الزواج عند الضرورة بالشروط التى ذكرها.
ومن الروايات التى ذكرها الطبرى فى تفسيره لهذه الآية الكريمة:
حدثنا يونس قال: أخبرنى ابن وهب قال ابن زيد فى قوله (فما استمتعتم به منهن .... ) الآية قال: هذا النكاح، وما فى القرآن إلا النكاح، إذا أخذتها واستمتعت بها فأعطها أجرها، والصداق، فإن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ.
فرض الله عليها العدة، وفرض الله لها الميراث، قال: الاستمتاع هو النكاح، هاهنا إذا دخل بها) (2)، وقد ساق عدة روايات تدور حول هذا المعنى، وأن المقصود من هذه الآية هو الزواج الصحيح، ثم يذكر عدة روايات أخرى مخالفة للمعنى السابق منها: (حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يحيى بن عيسى قال:
حدثنا نصير بن أبى الأشعث، قال: حدثنا ابن حبيب بن أبى ثابت عن أبيه قال: أعطانى ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبى، .... ، ....--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ج 5 ص 11.
(2) محمد بن جرير الطبرى: جامع البيان فى تأويل آى القرآن ج 8 ص 175.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
قال أبو كريب، قال يحيى، فرأيت المصحف عند بصير فيه: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) (1).
وبعد الفراغ من ذكر هذه الروايات يختم الطبرى القول فى تفسير هذه الآية:" أولى التأويلين فى ذلك بالصواب، تأويل من تأوله، فى نكحتموه منهن فجامعتموه فأتوهن أجورهن لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على وجه النكاح الصحيح، أو الملك الصحيح على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم (2).
وإلى هذا التحريم ذهب ابن كثير ويقرر: (والعمدة ما ثبت فى الصحيحين عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الوحشية يوم خيبر) (3).
وفى تحريمه أيضا قال أبو بكر الحازمى: (قرأت على أبى المظفر عيد الصمد بن الحسين بن عبد الغفار أخبرنى زاهر بن ظاهر، أنا أبو سعيد بن محمد بن عبد الرحمن أنا أبو عمر ومحمد بن أحمد ثنا أبو يعلى، ثنا أبو خيثمة عن حسن وعبد الله ابن محمد بن على عن أبيهما عن علىّ رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية (4).--------------------------------------------
(1) محمد بن جرير الطبرى: جامع البيان فى تأويل آى القرآن ج 8 ص 175.
(2) الرجع السابق ج 8 ص 178.
(3) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 474.
وانظر صحيح مسلم، كتاب النكاح، ج 2 ص 1027 دار إحياء التراث العربى بيروت- لبنان، وانظر: صحيح البخارى بشرح السندى، المجلد الثانى ج 3، كتاب الذبائح الصيد والتسمية على الصيد، باب لحوم الحمر الإنسية، ص 369 - دار النفائس ط 3، وانظر الترمذى كتاب الأطعمة باب ما جاء فى لحوم الحمر الأهلية، المجلد الرابع، ص 254 - 255
(4) أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن موسى الحازمى (ت 584 هـ) الاعتبار فى الناسخ والمنسوخ من الآثار ص 302، 303 تحقيق محمد أحمد عبد العزيز- مكتبة عاطف- الأزهر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
وفى كتاب الناسخ والمنسوخ عن قتادة لم يذكر هذه الآية فيما وقع فيه النسخ من سورة النساء (1) وكذلك ابن الجوزى (2) وذكر ابن حزم: قوله تعالى (فما استمتعتم به منهن ..... ) الآية نسخت بقوله صلى الله عليه وسلم (إنى قد أحللت هذه المتعة، ألا وإن الله ورسوله قد حرّماها، ألا فيبلغ الشاهد الغائب، ووقع ناسخها من القرآن موضع ذكر ميراث الزوجة الثمن والربع، فلم يكن لها نصيب، وقال محمد بن إدريس الشافعى: (موضع تحريمها فى سورة المؤمنون، ونسخها قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ* إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ (3). وأجمعوا أنها ليست بزوجة، ولا ملك اليمين، فنسخها الله بهذه الآية (4)، وإلى ذلك ذهب هبة الله بن سلامة فى كتابه الناسخ والمنسوخ (5).
والمقصود منها النكاح الصحيح الذى يتوفر له الولى، والمهر، والشهود، كما ذهب الطبرى، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن المتعة كما جاء فى الصحيحين وكتب السنة الأخرى، أو أن تكون منسوخة بقوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ...... الآية (6).--------------------------------------------
(1) انظر ص 38 إلى 40.
(2) أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن على الجوزى" ت 597 هـ" المصفى بأكف أهل الرسوخ فى علم الناسخ والمنسوخ ص 23 إلى ص 26 تحقيق الدكتور حاتم صالح الضافى، مؤسسة الرسالة بيروت- لبنان ط 1402 هـ- 1986 م.
(3) سورة المؤمنون الآية 5، 6.
(4) ابن حزم، الناسخ والمنسوخ، ص 331 هامش تنوير المقباس المنسوب لابن عباس، أبو الطاهر محمد ابن يعقوب الفيروزآبادى" ت 817 ط مكتبة مصطفى البابى الحلبى القاهرة ط 2 1370 هـ- 1951 م.
(5) انظر 35، 36.
(6) أبو محمد الحسين بن سعود الفراء البغوي" ت 516" معالم التنزيل، المجلد الأول ص 414 إعداد وتحقيق خالد بن عبد الرحمن الحك، مرواف سواد دار المعرفة- لبنان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
وعن تحريم المتعة ذكر البغوى: «وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم أن نكاح المتعة حرام، والآية منسوخة، وكان ابن عباس رضى الله عنهما يذهب إلى أن الآية محكمة.
وموضع ذكر ميراث الزوجة الثمن والرابع (1) كما فى قول ابن حزم، وما ذكره عن الشافعى رضى الله عنه، وما ذهب إليه ابن سلامة فى كتابه، والبغوى فى تفسيره، ومن الملحوظ أن النهى عن المتعة فى الصحيحين وعند أبى بكر الحازمى، وغير ذلك من كتب السنة جاء عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، والإمامية على خلاف ذلك، يقول محمد صادق الصدر: (ولو صح ذلك فى رأى الإمام، لعرف ذلك أهل بيته عليهم السلام الذين أجمعوا على حلية المتعة على مر الأيام) (2).
خامسا: الخوارج:
نظريتهم فى الخلافة أبرز ما ينادون به من آراء، وليس من شروطهم فيمن يصلح لها أن يكون عربيا قرشيا. وأشهر فرقهم: الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق الذى كفّر كل المسلمين، وأصحاب نجدة بن عامر الذين عرفوا بالنجدية، والأباضية أتباع عبد الله بن أباضى التميمى، وهم مسالمون، لم يبالغوا فى الحكم على من خالفهم، كغيرهم من فرق الخوارج الأخرى.
يقول الشيخ محمد أبو زهرة عن الخوارج:
«كانت فيهم رغبة شديدة للمنافسة والمجادلة ومساجلة الآراء والمذاهب حتى أنهم فى القتال كانوا يتوقفون أحيانا كثيرة، ويتناقشون مع مقاتليهم فى الأمور والولاة، وينشدونهم بعض الأشعار» (3).--------------------------------------------
(1) سورة النساء من الآية 112.
(2) محمد صادق الصدر، حياة أمير المؤمنين ص 334، مطبعة دار الكتب، بيروت- لبنان- ط 3.
(3) تاريخ الجدل ص 163 دار الفكر العربى القاهرة ط 1 1934 م، وانظر الشهرستانى، الملل والنحل ج 1 ص 114.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
ويقول عن رغبتهم فى العلم:
«انظر إلى زعمائهم كيف يطلبون علم ابن عباس مع أنه كافر فى زعمهم، مبطل فى اعتقادهم، ولكنه علم الكتاب هو الذى دفعهم لأن يجلسوا مجلس التلميذ من حبر هذه الأمة، وإن زعموا فيه زيفا وخروجا، وكأنهم يعتقدون أنه ممن أضلهم الله على علم» (1).
ومن الأقوال التى نادى بها الخوارج وتعرض لها ابن عاشور فى تفسيره ما ذكره فى قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (2).
حيث ذكر بعض الآثار وقول جمهور المحققين من علماء الأمة على اختلاف مشاربهم وغيرهم من أصحاب الأقوال فى ماهية" الإيمان" ومما ساقه عن الخوارج والمعتزلة:
" القول الرابع قول الخوارج والمعتزلة إن الإيمان اعتقاد ونطق وعمل كما جاء فى القول الثالث إلا أنهم أردوا من قولهم حقيقة ظاهرة من تركب الإيمان، من مجموع الثلاثة بحيث إذا اختل واحد منها بطل الإيمان، ولهم فى تقرير بطلانه بنقص الأعمال الواجبة مذاهب غير منتظمة ولا معضودة بأدلة سوى التعلق بظواهر بعض الآثار مع الإهمال لما يعارضها من مثلها.--------------------------------------------
(1) محمد أبو زهرة، تاريخ الجدل ص 163.
وانظر إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية ج 2 ص 140، 355.
ج 6 ص 87، 175، 212، 224، 332.
ج 7 ص 177، 182، 188، 197، 199.
ج 8 ص 5، 13، 23، 25، 26.
(2) سورة البقرة الآية 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
فأما الخوارج فقالوا: إن تارك الشيء من الأعمال كافر غير مؤمن وهو خالد فى النار، فالأعمال جزء من الإيمان، وأرادوا من الأعمال فعل الواجبات وترك الحرمات ولو صغائر، إذ جميع الذنوب عندهم كبائر- وأما غير ذلك من الأعمال كالمندوبات والمستحبات فلا يوجب تركها إذ لا يقول مسلم إن ترك السنن والندوبات يوجب الكفر والخلود فى النار، وكذلك فعل المكروهات قالت الإباضية من الخوارج أن تارك بعض الواجبات كافر لكن كفره كفر نعمة لا شرك، نقله إمام الحرمين عنهم وهو الذى سمعناه من طلبتهم، وأما المعتزلة فقد وافقوا الخوارج فى أن للأعمال حظا من الإيمان إلا أنهم خالفوهم فى مقاديرها ومذاهب المعتزلة فى هذا الموضوع غير منضبطة (1).
وموقف ابن عاشور من الخوارج والمعتزلة فيما ذهبوا إليه فى" ماهية الإيمان" وتركبه من اعتقاد ونطق وعمل، وإبطال الإيمان إذا اختل واحد منها، فيما وجهه إلى أصحاب هذين المذهبين نقدا يتمثل فيما ذكره حول عدم انتظام تقديرهم واختلال دعواهم، ولا يؤيد هذه الدعاوى سوى تعلقهم بظواهر بعض الآثار وإهمال ما يعارضها من مثلها.
وفى الفقرة الأخيرة نجد أن ابن عاشور يوجه نقدا آخر إلى الخوارج ولا تبدو موافقته على قولهم" تارك الشيء من الأعمال كافر غير مؤمن وهو خالد فى النار" ويختم الفقرة باتهام المعتزلة بما خالفوا فيه الخوارج فى تقدير الأعمال التى تستوجب هذا التكفير بعدم انضباط مذهبهم.
سادسا: البهائية:
رأينا ما كان عليه الاتفاق أو الاختلاف بين ابن عاشور والمذاهب السابقة، كان يأخذ من أقوال رجالها أو يترك، ولا تفارقه الرغبة الصادقة فى--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ج 1 ص 268.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
الإقناع والإنصاف دون التحير لغير الحقيقة التى يؤمن بها، مهتديا بما استطاع جمعه من أقوال، وما قام به من تحليل، وما عقده من وجوه المقارنة، وما فرضته المناسبة من تاريخ لبعض هذه المذاهب، وهو فى اختلافه لم يبالغ، ولم يكفر أحدا من أصحابها طالما هذا الاختلاف فى دائرة الإسلام، ولا يمس أصلا من أصول العقيدة، والبهائية قد خرجت من هذه الدائرة، ومست أصلا من أصول الدين حين حاولت أن تثبت نبوءة بعد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
ذكر فى تفسير قوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (1).
«وقد أجمع الصحابة على أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل والأنبياء وعرف ذلك وتواتر بينهم فى الأجيال من بعدهم، ولذلك لم يترددوا فى تكفير مسيلمة والأسود العنسى فصار معلوما من الدين بالضرورة فمن أنكره فهو كافر خارج عن الإسلام ولو كان معترفا بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله للناس كلهم.
وهذا النوع من الإجماع موجب العلم الضرورى كما أشار إليه جميع علمائنا، ولا يدخل هذا النوع فى اختلاف بعضهم فى حجية الإجماع إذ المختلف فى حجيته هو الإجماع المستند لنظر وأدلة اجتهادية بخلاف المتواتر المعلوم بالضرورة، وفى كلام الغزالى فى خاتمة كتاب الاقتصاد فى الاعتقاد مخالفة لهذا على ما فيه من قلة تحرير، وقد حمل عليه ابن عطية حملة غير منصفة وألزمه إلزاما فاحشا ينزه عنه علمه ودينه فرحمة الله عليهما.
ولذلك لا يتردد مسلم فى تكفير من يثبت نبوءة لأحد بعد محمد صلى--------------------------------------------
(1) سورة الأحزاب: الآية 40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
الله عليه وسلم وفى إخراجه من حظيرة الإسلام، ولا تعرف طائفة من المسلمين أقدمت على ذلك إلا البابية والبهائية وهما نخلتان مشتقتان ثانيتهما من الأولى، وكان ظهور الفرقة الأولى فى بلاد فارس فى حدود سنة مائتين وألف وتسربت إلى العراق، وكان القائم بها رجل من أهل شيراز يدعوه أتباعه السيد على محمد، كذا اشتهر اسمه، كان فى أول أمره من غلاة الشيعة الإمامية، أخذ عن رجل من المتصوفين اسمه الشيخ أحمد زين الدين الإحسائى الذى كان ينتحل التصوف بالطريقة الباطنية وهى الطريقة المتلقاة عن الحلاج، وكانت طريقته تعرف بالشيخية، ولما أظهر نخلته على محمد هذا لقب نفسه باب العلم فغلب عليه اسم الباب، وعرفت نحلته بالبابية وادعى لنفسه النبوءة، وزعم أنه أوحى إليه بكتاب اسمه (البيان) وأن القرآن أشار إليه بقوله تعالى خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ (1).
وكتاب البيان مؤلف بالعربية الضعيفة مخلوط بالفارسية وقد حكم عليه بالقتل فقتل سنة 1266 فى تبريز.
وأما البهائية فهى مؤلف شعبة من البابية تنسب إلى مؤسسها الملقب ببهاء الله واسمه ميرزا حسين على من أهل طهران تتلمذ للباب بالمكاتبة وأخرجته حكومة شاه العجم إلى بغداد إلى أدرنة ثم عكا، وفيها ظهرت نحلته، وهم يعتقدون بنبوءة الباب، وقد التف حوله أصحاب نحلة البابية وجعلوه خليفة الباب فقام اسم البهائية مقام اسم البابية، فالبهائية هم البابية وكان البهاء قد بنى بناء فى جبل الرمل ليجعله مدفنا لزمان (الباب) وآل أمره إلى أن سجنته السلطنة العثمانية فى سجن عكا فلبث فى السجن سبع سنوات، ولم يطلق من--------------------------------------------
(1) سورة الرحمن الآية 3، 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
السجن إلا عند ما أعلن الدستور التركى، فكان فى عداد المساجين السياسيين الذين أطلقوا يومئذ فرحل متنقلا فى أوروبا وأميركا مدة عامين، ثم عاد إلى حيفا فاستقر بها إلى أن توفى سنة 1340 هـ وبعد موته نشأ شقاق بين أبنائه وإخوته فتفرقوا فى الزعامة وتضاءلت نحلتهم.
فمن كان من المسلمين متبعا للبهائية أو البابية فهو خارج عن الإسلام مرتد عن دينه تجرى عليه أحكام المرتد. ولا يرث مسلما ويرثه جماعة المسلمين ولا ينفعهم قولهم: إنا مسلمون ولا نطقهم بكلمة الشهادة لأنهم يثبتون الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم قالوا بمجيء رسول من بعده. ونحن كفّرنا الغرابية من الشيعة لقولهم: بأن جبريل أرسل إلى على، ولكنه شبه له محمد بعلى إذ كان أحدهما أشبه بالآخر من الغراب بالغراب وكذبوا فبلغ الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم زعموه
غير المعيّن من عند الله (1).
ويذكر فى نهاية تفسيره لهذه الآية:
«وتشبه طقوس البهائية طقوس الماسونية إلا أن البهائية تنتسب إلى التلقى من الوحى الإلهى، فبذلك فارقت الماسونية وعدت فى الأديان والملل ولم تعد فى الأحزاب» (2).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ج 22 ص 46 - 47.
(2) التحرير والتنوير ج 22 ص 46 - 47.
يقول د. محمد على أبو ريان:" تطور الخلاف حول الإمامة عبر تاريخ الإسلام، وتمخض هذا الصراع السياسى عن ظهور فرق ومذاهب أصولية، وقد انتشرت آراء هذه الفرق، التى نشأت أصلا من الاختلاف حول الإمامة- فى ربوع العالم الإسلامى وهى لا تزال قائمة بين ظهرانينا مثل الإسماعيلية والبهرة والقاونية والنصيرية ومذهب الدروز، وأخيرا البهائية التى اعلنت بخلاف الفرق السابقة خروجها السافر على الإسلام، ونسخت سائر الأديان واعتبر أصحابها أن الدين البهائى هو البوتقة التى انصهرت فيها سائر الأديان السابقة" تاريخ الفكر الفلسفى فى الإسلام ص 120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
وقد استعرض ابن عاشور فى تفسيره لهذه الآية تاريخ البابية والبهائية ومزاعمهما فى استمرار النبوة والوحى، والمسلمون مجمعون على أن محمدا- صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، ومن ادّعى نبوة أو وحى بعده- صلوات الله عليه- خارج عن ملة الإسلام، وتجرى عليه أحكام المرتد ولا يرث مسلما، ويرثه جماعة المسلمين، وانتهى ابن عاشور إلى ان البهائية عدت فى الأديان والملل ولم تعد فى الأحزاب.
وأمثال هؤلاء الغلاة من البابية والبهائية وغيرهما يستغلون أصحاب العقول الغائبة لتحقيق أغراض نفعية، أو أنهم يحاولون محاربة الإسلام بمثل هذه الدعاوى الباطلة، والملحوظ فى تاريخ المذاهب الاعتقادية التى تخلو من المغالاة أو التطرف أنها قد انتجت فكرا وعلما وعملا، فالتصوف السنى كانت ميادينه المهمة الإشارات والأخلاق والزهد والمحاولات المستمرة فى التوفيق بين الحقيقة والشريعة، والمعتزلة كانوا أرباب المعانى والبيان، والدفاع عن الدين بالأدلة العقلية، والمعتدلة من الشيعة الاثنى عشرية خصوصا بعد القرن الثالث الهجرى قد وجّهوا نقدا شديدا للنزعة الإخبارية فى تفسير القرآن الكريم، وهى نزعة تعتمد على أقوال مغالى فيها منسوبة لأئمة آل البيت النبوى الكريم، ومن ثم استعانوا بوسائل جديدة على المذهب الإمامى فى ميدان التفسير القرآنى من مثل الحديث النبوى سواء من طرقهم، أو من طرق كتب الصحاح عند أهل السنة بشروط ارتضوها، كما استعانوا بأقوال الصحابة والتابعين والقصص والإسرائيليات وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ فضلا عن اللغة والشعر والأعراب وغير ذلك من وسائل التفسير بالرواية، أو الدراية، كما أخرج علماء هذا المذهب إلى الساحة الفكرية فنونا متنوعة فى سائر العلوم الأخرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
والخوارج على الرغم من تعنت الكثيرين منهم انتجوا أدبا- شعرا ونثرا- عبروا فيه عن تجاربهم وتطلعاتهم.
وأهل السنة والأشاعرة (1) أصحاب جهود فى علوم الإسلام وغيرها من العلوم كالآداب والفلسفة والمنطق والتاريخ والطب والهندسة والسياسة والحكم والإدارة.
أما البابية أو البهائية فقد اعتمدت على مزاعم باطلة وتعسف أبله لبعض آيات سورة الرحمن كما مر بنا فى عرض ابن عاشور لها، وأما المضحك حقا ففي زعم" باب العلم هذا" وكتابه" البيان" فإنه- كما يقرر ابن عاشور- عربيته ضعيفة مخلوط بالفارسية، والله أعلم كيف كان هذا الخلط.
وعلى أى حال لم تنتج هذه الملة فكرا ولا عملا وإنما هى شعوذة وادعاءات كاذبة تضاءل تأثيرها بعد موت صاحبها.--------------------------------------------
(1) انظر إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان.
ج 2 ص 146، 150، 178، 185.
ج 4 ص 208.
ج 5 ص 7، 62.
ج 6 ص 195، 311.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
الخاتمة
يجدر بنا فى نهاية هذه الصفحات بعد هذا الحديث الطويل عن منهج الإمام ابن عاشور فى تفسير القرآن الكريم أن نختم الكلام بأهم النتائج التى توصلت إليها هذه الدراسة.
وقد قام تحديد هذا المنهج على الوسائل التى استخدمها ابن عاشور فى خطته فى تفسير السورة أولا، ثم تفسير الآية ثانيا، سواء فى التفسير بالرواية أم الدراية، وكان ابن عاشور لا يفصل بينهما، وإنما فصلت هذه الدراسة بين هذين النوعين من التفسير من قبيل التصنيف لتحديد هذه الوسائل، حيث تمثل الآية عنده وحدة واحدة يستخدم فى تفسيرها ما يناسبها من وسائل.
وكان تعدد المصادر وتنوعها وقبول ما جاء فيها أو رفضه بعيدا عن روح التقليد الركيزة الأولى التى اعتمد عليها هذا المنهج، وقام تفسيره بالرواية على ما يأتى:
1 - تفسير القرآن بالقرآن:
وقد وجد هذا النوع من التفسير عناية كبيرة من صاحب التحرير والتنوير، ورأينا كثيرا من أمثلة هذا التفسير خلال صفحات الدراسة، وكان القرآن من الشواهد الأولى التى لجأ إليها فى أغلب مقومات التفسير بالرواية أو الدراية، على أن مفهوم تفسير القرآن بالقرآن عنده قائم على أن القرآن قد يحمل بعض آياته على بعض، وقد يستقل بعضها عن بعض، إذ ليس المعنى المقصود فى بعض الآيات يكون مقصودا فى جميع نظائرها، وكان أغلب استخدامه له فى توضيح معنى آية أو لفظة أو توضيح دلالة، أو المقصود من بعض الضمائر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
2 - التفسير بالحديث النبوى:
شغل التفسير بالحديث النبوى عند ابن عاشور المرتبة التالية بعد تفسير القرآن بالقرآن، وكانت مصادره فى الحديث النبوى كتب السنة المعتبرة، وما خرج عن هذه الكتب لا يقبله أو يرفضه إلا بعد تمحيص للسند أو المتن، كما أنه رفض الأحاديث الضعيفة خصوصا أحاديث فضائل السور التى نبّه العلماء النقاد على وضعها وزيفها.
وقد حرص أن يشير إلى مصدر الحديث فى أكثر المواطن التى يستعين فيها به، واتخذ ذكر المصدر عنده أشكالا مختلفة، فحينا يذكر اسم الكتاب، وحينا يذكر اسم الراوى الأول للحديث، أو يستخدم بعض العبارات من مثل:
وجاء فى الحديث، أو وفى الحديث، وقد يذكر الحديث تاما، أو بعضه وفق ما يناسب تفسير الآية.
فقد كان يسعى إلى عدم الإطالة، وأكثر المواطن التى احتج فيها بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فى تفسير آيات الأحكام، وأقل هذه المواطن كان فى" اللغة" أو بيان معنى الألفاظ.
3 - التفسير بأقوال الصحابة:
ظهر موقف ابن عاشور من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصا أبا بكر وعمر وعائشة رضى الله عنهم فى التفسير بأقوال الصحابة فيما ذكره عن هشام بن عمار «سمعت مالكا يقول: من سبّ أبا بكر وعمر أدّب، ومن سبّ عائشة قتل».
ومن الصحابة الذين أورد ابن عاشور أقوالهم عبد الله بن عمر وابن عباس وعلى بن أبى طالب ومالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله الأنصارى وأبو هريرة والسيدة عائشة رضى الله عنهم أجمعين، وقد أخذ ابن عباس نصيبا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
وافرا فى هذا التفسير، وحرص ابن عاشور على ذكر مصادره عند عرضه لكل قول، وقد تناولت هذه الأقوال جوانب مختلفة من التفسير، ولم يلجأ مفسرنا فى عرضها إلى ذكر الروايات المتناقضة، أو الأقوال المختلفة اختلافا بينا، وإذا كان هناك اضطراب فى السند بيّنه، وإذا أمكن التوفيق بين الروايات المختلفة فى تفسير الآية الواحدة فعل، أو لجأ إلى التأويل مع وجود قرينة تدل عليه.
4 - التفسير بأقوال التابعين:
من التابعين الذين أورد ابن عاشور رواياتهم أو أقوال عنهم مجاهد وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب القرظى وعطاء والزهرى وطاوس وابن زيد، وهم من الذين وثقهم النقاد، ومقاتل والسدى وهما من الذين اختلفت الأقوال فيهم، وكانت أقوال التابعين فى التحرير والتنوير تمثل جانب الاستئناس فيما تدرك بالعقول معانيه، أو ذكر بعض المرويات عن أسباب النزول، أو أول ما نزل من آيات، أو مكان نزولها.
5 - التفسير بأسباب النزول:
كانت مصادر ابن عاشور فى استخدام أسباب النزول فى التفسير كتب الصحاح والتفسير مثل تفسير الطبرى وابن عطية والفخر الرازى والجصاص والقرطبى والزمخشرى، وكان ابن عاشور يذكر أكثر من رواية فى سبب نزول الآية الواحدة دون ترجيح أو توفيق بينها، وأحيانا يستبعد واحدة من هذه الروايات مع تعليل هذا الاستبعاد.
6 - التفسير بالقصص:
لم ينفصل هذا النوع من التفسير فى التحرير والتنوير عن السياق، ولم يجعل ابن عاشور للقصة القرآنية قسما خاصا بها، كما يفعل كثير من المفسرين، وكانت تتآذر وسائل كثيرة أخرى عند ابن عاشور لتوضيح المقصود
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
من هذه القصة مثل الاستعانة بآيات من سور أخرى مناسبة، وأحاديث، وآثار عن الصحابة والتابعين وأقوال مفسرين ومؤرخين وعلماء فضلا عن أقوال من التوراة والإنجيل، وكان مفسرنا فى ذلك كله بعيدا عن المبالغات والحشو والإسرائيليات.
وكان ابن عاشور فى تقديمه كل سورة تتحدث آياتها عن قصة أو أكثر مفصلة أو مجملة، يذكر أغراضها وما تحويه من مضمون، ثم يتناول تفسيرها لغة وإعرابا، ثم يسرد أحداثها وما تحويه من أخبار عن حوادث سابقة فى حدود المضمون القرآنى والفهم العربى للنصوص القرآنية.
7 - التفسير بالناسخ والمنسوخ:
لم يسرف ابن عاشور فى استخدام هذا النوع من التفسير، ولم يكن من المكثرين فيه، وعند تفسيره لكثير من الآيات فى السور المختلفة لم يتعرض لكونها ناسخة أو
منسوخة كما ذهب كثير من عوام المفسرين، ولم يكن يقبل الأقوال على علاتها، وإنما كان يقبل ما انتهى النقد أو التحليل إليه، أو ما سمح بالتوفيق بين أكثر من قول، أو ما يؤيده أعلى المصادر توثيقا.
8 - التفسير بالقراءات:
القراءات عند ابن عاشور قسمان، القسم الأول لا تعلق له بالتفسير، وإنما هو يتصل باختلاف القراء فى وجوه النطق بالحروف والكلمات كمقادير المد والإمالة والتخفيف والتسهيل والتحقيق والجهر … الخ.
ومزية القراءات من هذه الجهة عائدة إلى أنها حفظت على أبناء العربية ما لم يحفظه غيرها، وهو تحديد كيفيات نطق العرب بالحروف فى مخارجها وصفاتها، وهذا القسم لا علاقة له بالتفسير، وقبول قراءاته على أنها صحيحة السند إلى النبى صلى الله عليه وسلم، ولكنها لم تبلغ حد التواتر فهى بمنزلة الحديث الصحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
والقسم الثانى: القراءة المتواترة التى صح سندها ووافقت خط المصحف، ووافقت العربية ولو بوجه هى قراءة صحيحة لا يجوز ردها.
والقراءة عند ابن عاشور شاهد لغوى سواء أكانت صحيحة السند ولكنها لم تبلغ صد التوافر، أم كانت من القراءات العشر المشهورة التى توافق خط المصحف.
والقراءات العشر فضلا عن أنها شاهد لغوى فهى مما يمكن التفسير به على أنه توضيح لمعنى آية، أو استظهار له.
9 - التفسير بأقوال من التوراة والإنجيل:
لم يقع ابن عاشور فى شرك الإسرائيليات وأكاذيبها، وكانت استعانته بأقوال من التوراة والإنجيل فى الحدود التى تلقى بعض الأضواء على أحداث تاريخية لم يدر حولها خلاف يذكر، أو تمس العقيدة الإسلامية أو التشريع الإسلامى، وكانت بعيدة عن الرغبة فى استهواء القراء وجمع الأقوال فحسب كما يفعل بعض المفسرين الذين استهوتهم الإسرائيليات وتقبلوها دون تحقيق.
التفسير بالدراية:
يقوم هذا التفسير على ضوابط استخلصها ابن عاشور من المراحل المتعاقبة لتاريخ التفسير والتى تنوعت فيها أدوات المفسرين، منها:
- قول العلماء: إن القرآن لا تنقضى عجائبه إلا بازدياد المعانى باتساع التفسير.
- لو كان التفسير مقصورا على بيان معانى مفردات القرآن من جهة العربية لكان التفسير نزرا.
- إن النبى صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه من التفسير إلا تفسير آيات قليلة.
- إن استنباط الأحكام التشريعية من القرآن فى خلال القرون الثلاثة الأولى من قرون الإسلام كان من قبيل التفسير لآيات لم يسبق تفسيرها قبل ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
- ألا يكون المراد بالرأى القول عن مجرد خاطر دون الاستناد إلى نظر فى أدلة العربية ومقاصد الشريعة، وألا يكون للمفسر نزعة طائفية أو حزبية.
- القصد من التحذير بالرأى هو أخذ الحيطة الكاملة فى التدبر والتأويل.
- تفسير الآية يقوم على أنها وحدة واحدة تتضافر فيه وسائل التفسير بالرواية مع وسائل التفسير بالدراية خصوصا فيما يتعلق باللغة والإعراب والإعجاز القرآنى.
ومقومات التفسير بالدراية كانت عند ابن عاشور على النحو التالى:
أولا: الشعر:
كان شعر عصور الاحتجاج كاشفا عن معانى المفردات القرآنية، أو كيفية الاستعمالات اللغوية وأحوالها المختلفة كما عرفها الكلام العربى الفصيح.
أما الشعر الذى تخطى عصور الاحتجاج فكان لشعراء قد رسخت أقدامهم فى العربية، وأخذوا ينشدون أشعارهم وفق معايير نقدية جديدة، وأعان هذا الشعر الجديد فى توضيح بعض الجوانب البلاغية للآية.
ثانيا: اللغة:
أ- التفسير اللفظى:
قام هذا التفسير على حيوية دور اللغة وتداخله، فما ترك ابن عاشور من آية إلا واستوفى الجانب اللغوى حقه، يتناول كل كلمة منها ويفصل القول فيها لغويا وشرعيا، حقيقة أو مجازا، ليستعين بكل ما يمكن الاستعانة به من قرآن وحديث وشعر وقول مفسر وعالم لغة ومن وراء ذلك ثقافته الواسعة فى قول الميدان، وبعد حديثه عن الكلمة من حيث دلالتها اللغوية أو الشرعية يذكر موقع الجملة من الأعراب، ووجه العلاقة بينها وبين الجملة التالية لها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
- وفى تناوله للمصدر كان يميل إلى المذهب البصرى الذى يعتبر المصدر أصل المشتقات.
- يمثل الاشتقاق عنده إحدى الوسائل التى تثرى تفسيره للألفاظ، ومن ثم يفصّل القول فيها من جهة الصياغة والأصل والمبنى والمعنى.
- وكان التصريف عوضا له فى تعريف الحروف الزائدة على أصل الكلمة والمقصود منها، يستفيد بجهود العلماء السابقين واختلافهم، ويضيف إلى هذه الجهود ما يحمل كثيرا من أصالة الحس ورصانة التحليل.
ب- الاعراب:
لم تكن استعانة ابن عاشور بأقوال رجال المدارس النحوية المختلفة فحسب، وإنما ظهرت جهوده النحوية وآراؤه الشخصية بجوار هذه الأقوال، وما أتى به منها وجدت منه معارضة فى أحايين كثيرة مع تقديم الدليل على صحة ما يذهب إليه:
- فى جهوده هذه كان القرآن الكريم أبرز الشواهد التى قدمها
- لم يكن الحديث النبوى من شواهده فى الاعراب.
- كان يعزو كل قول إلى صاحبه شعرا كان أو رواية، ولم يلجأ إلى قول مجهول، ولا روايات متناقضة.
- دفاعه عن الرسم القرآنى- فى المشكلات الإعرابية- كان ردا للقراءات الشاذة التى خالفت هذا الرسم، ودفعا للروايات الموضوعة للتشكيك فيه.
رابعا: إعجاز القرآن:
يقوم الإعجاز القرآنى عند صاحب تفسير التحرير والتنوير على رفض مبدأ الصرفة وإن هذا الإعجاز كامن فى القرآن ذاته، وما جاء به من أساليب تجرى على سنن العرب فى كلامهم إلا أنها أعجزت الفصحاء منهم فى مجال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)