Arabic source text

📘 মানহাজুল ইমামিত তাহির বিন আশুর ফিত তাফসীর (নাবিল আহমদ সকর)

📘 منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير (نبيل أحمد صقر)

📘 মানহাজুল ইমামিত তাহির বিন আশুর ফিত তাফসীর (নাবিল আহমদ সকর)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ولكنه زاده توكيدا بتقديم المسند- أى لا غيره- لإفادة الرد على أصناف المشركين، من الصابئة عبدة الكواكب كالسريان واليونان، ومن مشركى العرب، لأن مجرد حصول معنى الحصر بالعموم لا يكفى فى الدلالة على إبطال العقائد الضالة، فهذه الجملة أفادت تعليم التوحيد بعمومها، وأفادت إبطال عقائد أهل الشرك بخصوصية القصر، وهذه بلاغة معجزة» (1).
والحديث هنا عن دور الحرف واللفظة والجملة.
الحرف: اللام لام الملك.
اللفظة: السماوات والأرض، واسم الموصول" ما" وصلته.
الجملة: الله لا إله إلا هو، له ما فى السموات والأرض.
وتفصيل ذلك:
الحرف: قد عرفنا الغرض منه.
اللفظة: السماوات والأرض استغراق أمكنة الموجودات.
اسم الموصول" ما" وصلته
- دلالة العموم به حيث ترتب على هذه الدلالة عدم شذوذ موجود عن ملك الله تعالى ومن ثم حصول معنى الحصر.
- زيادة هذا الحصر بالتوكيد ويتمثل ذلك بتقديم المسند" أى لا غير" وما يفيده من الرد على أصناف المشركين المذكورين، وما أفادته الجملة من تعليم التوحيد بعمومها، وإبطال عقائد أهل الشرك بخصوصية القصر.
وجملة" له ما فى السموات وما فى الأرض" تحمل تقرير وتعليل وتوحى بالعلاقة الوثيقة بينها وبين الجملة السابقة" لا إله إلا هو" على الرغم من أنها مفصولة عنها.--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 3، ص 20.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)

وابن عاشور هنا فى هذا المثال- فى حديثه عن الإعجاز القرآنى- يرصد وضع الحرف واللفظة والجملة دون أن يفصل طبيعة اللغة عن دلالتها، وتوظيف اللغة على هذا النحو توظيفا يكشف عن بعض أبعاد الآية حيث يلتئم المعنى اللغوى مع المعنى البلاغى دون استطراد أو تفريع.
ويتضح دور اللغة عنده كذلك فيما ذكره فى تفسير قوله تعالى:
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ (سورة النساء: الآية 34).
«ومن بديع الإعجاز صوغ قوله بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فى قالب صحيح للمصدرية وللموصولية، فالمصدرية مشعرة بأن القيامية سببها تفضيل من الله وإنفاق، والموصولية مشعرة بأن سببها ما يعلمه الناس من فضل الرجال ومن إنفاقهم ليصلح الخطاب للفريقين، عالمهم وجاهلهم، كقول السموأل أو الحارثى:
مثلى إن جهلت الناس عنّا وعنهم … فليس سواء عالم وجهول
ولأن فى الإتيان ب (ما) مع الفعل على تقدير احتمال المصدرية جزالة لا توجد فى قولنا: بتفضيل الله وبالإنفاق، لأن العرب يرجحون الأفعال على الأسماء فى طرق التعبير» (1).
واللغة هنا هى التى تقوم ببيان وجه الإعجاز فى الآية، فقوله تعالى فيها صالح لخطاب الفريقين المذكورين.
الجاهل: الخطاب فيه بالمصدرية التى تشعر أن سبب قوامية الرجال على النساء هو تفضيل من الله تعالى، وبما ينفقون من أموال عليهن.--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 5، ص 40، 41.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)

العالم: الخطاب فيه بالموصولية التى تشعر أن سبب التفضيل بما يعلمه الناس من فضل الرجال وإنفاقهم.
كما أن إتيان (ما) مع الفعل" بما فضّل الله" إذا كان هناك تقدير للمصدرية فيه جزالة لا توجد كما لو كان القول" تفضيل الله" وبالإنفاق حيث يرجح العرب الأفعال على الأسماء فى كلامهم.
ويتضح لنا مما سبق- سواء مما ذكره ابن عاشور فى المقدمة العاشرة، أو من الأمثلة التى جاءت فى ثنايا تفسيره- أن الإعجاز القرآنى يقوم أولا على رفض مبدأ الصرفة، وأن هذا الإعجاز كامن فى القرآن ذاته، وما جاء به من أساليب تجرى على سنن العرب فى كلامهم إلا أنها أعجزت الفصحاء منهم على أن يأتوا ولو بآية من مثله فى مجال التحدى والتوكيد لنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتأييد له، وقد تتضافر عوامل كثيرة فى بيان وجوه الإعجاز القرآنى التى تتكشف لكل عصر سابق ولا حق والتى لا تنتهى عند حد، ولكن اللغة هى أبرز هذه العوامل، فهى التى برع فيها القوم، وهى مجال التحدى، لذا لعبت الدور الأمثل عند ابن عاشور فى بيان الإعجاز حيث يقوم كل من الحرف واللفظة والجملة بدوره فى الأداء المعجز، ولا ينفصل أى منهم فى دلالته عن الدلالات الأخرى لما تسعى إليه الآية من بيان، وكان الشعر الجاهلى عنده من المصادر الأصيلة التى أعانته على ذلك.
وابن عاشور من هذا المنطلق يمثل بحق الاتجاه العربى فى بيان الإعجاز القرآنى الذى يقوم على أصول عربية خالصة بعيدا عن اتجاه المناطقة الواقع تحت تأثير المنطق أو الفلسفة.
وأيا ما كانت وجوه الفائدة عنده من الاستعانة بثمرة جهود البلاغيين الذين ذكرهم خصوصا عبد القاهر الجرجانى ونظرية النظم عنده إلا أن استقلاله وجهوده وذوقه كانوا من أنشط العوامل فى هذا الميدان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)

‌‌رابعا: الاستعانة بأقوال فقهاء الأمصار فى تفسير آيات الأحكام:
استعرض ابن عاشور فى تفسير هذه الآيات كثيرا من أقوال أئمة المذاهب الفقهية وأصحابهم فضلا عن الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين، وكان تفسيره للآية الواحدة زاخرا بكثير من أقوال العلماء والفقهاء حتى كأنه لم يترك قولا واحدا لما ذكروه فى الآية المطروحة أمامه، سواء ما أجمع عليه هؤلاء أو اختلفوا فيه.
واتخذ هذا الاستعراض أشكالا مختلفة عند مناقشة الآراء الفقهية، فحينا يجمع بين ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والشافعى، أو أبو حنيفة وبعض فقهاء الأمصار كالليث بن سعد، وحينا بين ما ذهب إليه مالك والشافعى دون غيرهما، أو مالك والشافعى وبعض التابعين، أو ما روى أحمد بن حنبل فى مسنده وغيره من أصحاب الأئمة، وقد أخذ مالك فى هذا الاستعراض نصيبا أكثر من غيره من الفقهاء أصحاب المذاهب وأكثر مروياته عنه كان من الموطأ، ثم يليه أبو حنيفة والشافعى، وأخذ الإمام أحمد بن حنبل نصيبا دون هؤلاء، وكان ابن عاشور غالبا ما يعزو كل قول إلى صاحبه، أو يذكر مصدره إذا كان حديثا أو كتابا من كتب الفقه أو التفسير.
ومن ذلك ما ذكره فى قوله تعالى:
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا (سورة البقرة: الآية 41).
«ومن هنا فرضت مسألة جعلها المفسرون متعلقة بهاته الآية، وإن كان تعلقها بها ضعيفا وهى مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن والدين، ويتفرع عنها أخذ الأجرة على
تعليم العلم، وعلى بعض ما فيه عبادة كالأذان والإمامة، وحاصل القول فيها أن الجمهور من العلماء أجازوا أخذ الأجر على تعليم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)

القرآن فضلا عن الفقه والعلم، فقال بجواز ذلك الحسن وعطاء والشعبى وابن سيرين ومالك والشافعى وأحمد وأبو ثور والجمهور، وحجتهم فى ذلك الحديث الصحيح عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» وعليه فلا محل لهاته الآية على هذا المعنى عندهم بحال؛ لأن المراد بالاشتراء فيها معناه المجازى وليس فى التعليم استبدال ولا عدول ولا إضاعة. وقد نقل ابن رشد إجماع أهل المدينة على الجواز ولعله يريد إجماع جمهور فقهائهم. وفى المدونة: لا بأس بالإجارة على تعليم القرآن، ومنع ذلك ابن شهاب من التابعين من فقهاء المدينة وأبو حنيفة وإسحاق ابن راهويه وتمسكوا بالآية، وبأن التعليم لذلك طاعة وعبادة كالصلاة والصوم فلا يؤخذ عليها أجر، كذلك وبما روى عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال" دراهم المعلمين حرام" وعن عبادة بن الصامت أنه قال" علّمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إلى رجل منهم قوسا فسألت النبى صلى الله عليه وسلم فقال إن تسرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها، وأجاب عن ذلك القرطبى بأن الآية محملها فيمن تعين عليه التعليم فأبى إلا بالأجر، ولا دليل على ما أجاب به القرطبى، فالوجه أن ذلك كان فى صدر الإسلام وبث الدعوة فلو رخص فى الأجر فيه لتعطل تعليم كثير لقلة من ينفق فى ذلك لأن أكثرهم لا يستطيعه، ومحمل حديث ابن عباس على ما بعد ذلك حين شاع الإسلام وكثر حفاظ القرآن، وأقول لا حاجة إلى هذا كله لأن الآية بعيدة عن هذا الغرض كما علمت، وأجاب القرطبى عن القياس بأن الصلاة والصوم عبادتان قاصرتان، وأما التعليم فعبادة متعدية، فيجوز أخذ الأجر على ذلك الفعل وهذا الفارق مؤثر، وأما حديث أبى هريرة وحديث عبادة ففيهما ضعف من جهة إسناديهما كما بينه القرطبى، قلت: ولا أحسب الزهرى يستند

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)

لمثلهما، ولا للآية ولا لذلك القياس ولكنه رآه واجبا فلا تؤخذ عليه أجرة، وقد أفتى متأخروا والحنفية بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والفقه، قال فى الدرر وشرحه «ويفتى اليوم بصحتها أى الإجارة لتعليم القرآن والفقه، والأصل أن الإجارة لا تجوز عندنا على الطاعات والمعاصى، لكن لما وقع الفتور فى الأمور الدينية جوّزها المتأخرون» أهـ (1).
لم ير ابن عاشور فى هذه الآية علاقة بينها وبين المسألة التى جعلها المفسرون متعلقة بها، وهى مسألة أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم وبعض ما فيه عبادة كالآذان وإمامة الصلاة. وعلى الرغم من ذلك يتناول هذه المسألة فيذكر من قال بجواز ذلك وهم الحسن وعطاء والشعبى وابن سيرين ومالك والشافعى وأحمد وأبو ثور والجمهور، وحجتهم فى ذلك الحديث المذكور، وهؤلاء لا يرون أن هذه الآية لا علاقة لها بهذه المسألة المتقدمة، فالمقصود بالاشتراء معناه المجازى لا الحقيقى حيث لا استبدال ولا عدول ولا إضاعة.
وقد شغلت هذه المسألة أذهان الفقهاء والعلماء كما جاء فيما نقله ابن رشد، وما ذكره ابن عاشور من" المدونة" فى جواز أخذ هذا الأجر، ومنهم من منع ذلك كابن شهاب وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه، وبما روى عن أبى هريرة وعبادة بن الصامت.
وبعد أن ذكر ابن عاشور إنه لا دليل على ما أجاب به القرطبى وإن هذه المسألة شغلت الناس فى صدر الإسلام، وقد منع أخذ الأجر هذا لظروف الدعوة وأحوال الناس إبّان ذلك، واستبعد أن تكون الآية المذكورة متعلقة بهذا الغرض.--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 467.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)

ثم يعود إلى ذكر ما أجاب به القرطبى عن القياس ويؤيده، وينتقد حديث أبى هريرة وعبادة كما بينه القرطبى، ويرفض أن يستند الزهرى لمثلهما ولا للآية ولا لهذا القياس.
ويعود إلى ما أفتى به متأخرو الحنيفة … وينتهى إلى جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن والفقه.
ولا حاجة بنا إلى التذكير أن حاجة الناس وظروفهم، وطبيعة ما يلم بهم من عوامل تسمح بمضمون هذه الفتوى خصوصا ما نعلمه عن كثير من البلاد الإسلامية، أو التى يقيم فيها مسلمون غير الناطقة بلغة القرآن فى حاجة إلى دعاة متخصصين متفرغين لرسالتهم ليستطيعوا مواجهة الدعاوى التبشيرية، أو النظريات الإلحادية، فضلا عن المراحل التعليمية المختلفة فى بلاد الإسلام حيث يحتاج فيها النشئ والشباب إلى رعاية دينية وثقافة إسلامية لا يمكن تركهما لجهود متطوعة بلا ضوابط لا بدّ منها، كما أن المساجد بما فيها المساجد التى تقام بالجهود الذاتية للجماعات أو الأفراد لا بدّ أن يتولى الإمامة والخطابة فيها من هم على دراية كافية بالعلم الدينى الذى يجعلهم أهلا لهذه الوظيفة يرتبطون بها دون أن تشغلهم المطالب اليومية.
ومما ذكره فى تفسير قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (سورة البقرة: الآية 124).
«وفى الآية أن المتصف بالكبيرة ليس مستحقا لإسناد الإمامة إليه أعنى سائر ولايات المسلمين: الخلافة والإمارة والقضاء والفتوى ورواية العلم وإمامة الصلاة ونحو ذلك. قال فخر الدين قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)

الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، وفى تفسير ابن عرفة تسليم ذلك، ونقل ابن عرفة عن المازرى والقرطبى عن الجمهور إذا عقد للإمام على وجه صحيح ثم فسق
وجار فإن كان فسقه بكفر وجب خلعه وأما بغيره من المعاصرى فقال الخوارج والمعتزلة وبعض أهل السنة يخلع وقال جمهور أهل السنة لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحدود ويجب وعظه وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعة وهذا مع القدرة على خلعه فإن لم يقدر عليه إلا بفتنة وحرب فاتفقوا على منع القيام عليه وأن الصبر على جوره أولى من استبدال الأمن بالخوف وإراقة الدماء وانطلاق أيدى السفهاء والفساق فى الأرض وهذا حكم كل ولاية فى قول علماء السنة وما نقل عن أبى حنيفة من جوار كون الفاسق خليفة وعدم جواز كونه قاضيا قال أبو بكر الرازى الجصاص هو خطأ فى النقل» (1).
وأمر هذه" الولايات" قد شغل صفحات طويلة فى تاريخ الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، واختلف الناس حولها خصوصا" الخلافة" ووقفت الفرق الإسلامية مواقف شتى أمامها كالشيعة والمعتزلة والخوارج وسلف الأمة وغيرهم، وقد رأينا ابن عاشور فى تفسيره لهذه الآية يذكر كثيرا من الأقوال، ويستعرض بعض الآراء فيما ذكره المفسرون والفقهاء والمتكلمون وأصحاب المذاهب، ثم ينتهى إلى قول علماء السنة فى أمر الخلافة موضحا سبب ما قال به هؤلاء، وذلك- كما قلنا- كان دأب ابن عاشور فى تفسير كل آية من آيات الأحكام، يجمع فى تفسير كل آية منها الآراء المتفقة والمختلفة، ويستخلص منها رأيا أو موقفا، أو يقول برأى مستقل عن ذلك--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 707.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)

جميعا، وقد رأيناه فى المثال السابق يذهب إلى تأييد ما أجمع عليه الفقهاء من أهل السنة دون تعصب أو هجوم على من خالفهم.
ذكر فى تفسير قوله تعالى:
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا (سورة النساء: الآية 22).
«وقد اختلف الفقهاء فيمن زنى بامرأة هل تحرم على ابنه أو على أبيه، فالذى ذهب إليه مالك فى الموطأ والشافعى: أن الزنى لا ينشر الحرمة، وهذا الذى حكاه الشيخ أبو محمد بن أبى زيد فى الرسالة، ويروى ذلك عن عكرمة عن ابن عباس، وهو قول الزهرى وربيعة، والليث. وقال أبو حنيفة، وابن الماجشون من أصحاب مالك: الزنى ينشر الحرمة. قال ابن الماجشون: مات مالك على هذا. وهو قول الأوزاعى والثورى، وقال ابن المواز: هو مكروه، ووقع فى المدونة (يفارقها) فحمله الأكثر على الوجوب، وتأوله بعضهم على الكراهة، وهذه المسألة جرت فيها مناظرة بين الشافعى ومحمد بن الحسن أشار إليها الجصاص فى أحكامه، والفخر فى مفاتيح الغيب وهى طويلة» (1).
ووجوه الخلاف هنا حول" الزنى والحرمة" فيما ذهب إليه مالك والشافعى، ما جاء فى" الرسالة" وما يروى عن عكرمة عن ابن عباس، وقول الزهرى وربيعة والليث فى أن الزنا" ينشر الحرمة"، وما قال به أبو حنيفة وابن ماجشون وقوله مات مالك على" الزنا ينشر الحرمة" فضلا عن قول ابن المواز" هو مكروه" وما وقع فى المدونة، والأكثر على الوجوب، وما تأوله بعضهم على الكراهة، وابن عاشور بعد عرضه لكل ذلك يقول:--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 4، ص 290.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)

«والظاهر أن قوله" إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ، قصد منه بيان صحة ما سلف من ذلك فى عهد الجاهلية، وتعذر تداركه الآن، لموت الزوجين، من حيث إنه يترتب عليه ثبوت أنساب، وحقوق مهور ومواريث، وأيضا بيان تصحيح أنساب الذين ولدوا من ذلك النكاح، وأن المسلمين انتدبوا للإقلاع عن ذلك اختيارا منهم، وقد تأول سائر المفسرين قوله تعالى إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ بوجوه ترجع إلى التجوز فى معنى الاستثناء أو فى معنى" ما نكح" حملهم عليها أن نكاح زوج الأب لم يقرره الإسلام بعد نزول الآية، لأنه قال إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا أى ومثل هذا لا يقرر لأنه فاسد بالذات» (1).
وهو فضلا عما ذكره المفسرون من تأويل فى معنى الاستثناء أو حملهم فيما لم يقرره الإسلام فى عدم صحة نكاح زوجة الأب بعد وفاته يبدى ما ظهر له من قوله تعالى إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ فالحكم كان واقعا على ما ترتب من تقاليد فى عصر الجاهلية، ومن ثم يتعذر تداركه للأسباب التى ذكرها.
وذكر فى قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ (سورة الأنعام: الآية 90).
«والمذاهب فى هذه المسألة أربعة: المذهب الأول مذهب مالك: إن شرائع من قبلنا تكون أحكاما لنا، لأن الله أبلغها إلينا. والحجة على ذلك ما ثبت فى الصحاح من أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم فى قضية الربيع بنت النضر حين كسرت ثنية جارية عمدا أن تكسر ثنتيها فراجعته أمها وقالت--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 4، ص 291.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)

: والله لا تكسر ثنية الربيع، فقال لها رسول الله- صلى الله عليه وسلم" كتاب الله القصاص"، وليس فى كتاب الله حكم القصاص فى السن إلا ما حكاه عن شرع التوراة بقوله وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ إلى قوله:
وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ (1).
وما فى الموطأ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: من نسى الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول فى كتابه وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (2)، وإنما قال الله حكاية عن خطابه لموسى- عليه السلام وبظاهر هذه الآية لأن الهدى مصدر مضاف مظاهره العموم- ولا يسلم كون السياق مخصصا له كما ذهب إليه الغزالى، ونقل علماء المالكية عن أصحاب أبى حنيفة مثل هذا. وكذلك نقل عنهم ابن حزم فى كتابه الإعراب فى الحيرة والالتباس الواقعين فى مذاهب أهل الرأى والقياس. وفى توضيح صدر الشريعة حكايته عن جماعة من أصحابهم ولم يعينه. ونقله القرطبى عن كثير من أصحاب الشافعى. وهو منقول فى كتب الحنيفة عن عامة أصحاب الشافعى.
المذهب الثانى: ذهب أكثر الشافعية والظاهرية: أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا. واحتجوا بقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً (3).
ونسب القرطبى هذا القول لكثير من أصحاب مالك وأصحاب الشافعى.--------------------------------------------
(1) سورة المائدة: الآية 45.
(2) سورة طه: الآية 14.
(3) سورة المائدة: الآية 48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)

الثالث: إنما يلزم الاقتداء بشرع إبراهيم- عليه السلام لقوله تعالى:
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (1) ولم أقف على تعيين من نسب إليه هذا القول.
الرابع: لا يلزم إلا اتباع شريعة عيسى لأنها آخر الشرائع نسخت ما قبلها ولم أقف على تعيين صاحب هذا القول. قال ابن رشد فى المقدمات:
وهذا أضعف الأقوال» (2).
وهو هنا يعرض مسألة" شرائع من قبلنا تكون أحكاما لنا" من خلال أربعة مذاهب:
الأول: عن مالك وأصحابه، والثانى: عن أكثر الشافعية والظاهرية، والثالث والرابع: لم يقف ابن عاشور على تعيين صاحبيهما، وعلى الرغم من ذلك فقد أتى بهما ليحيط الآية- على عادته- بأغلب ما قيل فيها من تفسير.
ونقول فيما جاء عن هذه المذاهب:
إن ما ثبت فى الصحاح من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قضية الربيع بنت النضر، وقوله صلى الله عليه وسلم" كتاب الله القصاص" وكتاب الله هنا هو القرآن، والمعنى العام لهذا الحديث هو العدل، وما حكاه القرآن عن شرع التوراة فى قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها .... الآية.
فالضمير فى" عليهم" يعود على أتباع التوراة، وقوله عليه السلام: «من نسى الصلاة فليصلها إذ ذكرها». فالصلاة هنا هى الصلاة التى تعلمها المسلمون منه حيث يقرءون فيها بعض آى القرآن الذى نزل بعد موسى عليه السلام.--------------------------------------------
(1) سورة النحل: الآية 123.
(2) التحرير والتنوير، ج 7، ص 358.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)

والمذاهب الثانى: وهو عن أكثر الشافعية والظاهرية أن «شرع من قبلنا ليس شرعا لنا» وحجتهم فى ذلك قوله تعالى: شِرْعَةً وَمِنْهاجاً نص صريح فى تخصيص شريعة الإسلام لمن آمن وعمل بها، وهى حجة المسلمين.
والثالث فقوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فالمقصود العام هنا هو التوحيد.
والرابع: فى اتباع شريعة عيسى عليه السلام لأنها آخر الشرائع نسخت ما قبلها، كذلك الإسلام نسخ ما قبله، فضلا عن عدم نسبة هذين المذهبين لأحد بعينه، وتضعيف ابن رشد للمذهب الرابع.
وذكر فى تفسير قوله تعالى:
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة المائدة: 33 - 34).
«والنفى من الأرض: الإبعاد من المكان الذى هو وطنه لأن النفى معناه عدم الوجود والمراد الإبعاد، لأنه إبعاد عن القوم الذين حاربوهم. يقال:
نفوا فلانا، أى أخرجوه من بينهم، وهو الخليع وقال النابغة:

‌‌ليهن لكم أن قد نفيتم بيوتنا
أى أقصيتمونا عن دياركم. ولا يعرف فى كلام العرب معنى للنفى غير هذا، وقال أبو حنيفة وبعض العلماء: النفى هو السجن. وحملهم على هذا التأويل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)

البعيد التفادى من دفع أضرار المحارب عن قوم كان فيهم بتسليط ضره على قوم آخرين وهو نظر يحمل على التأويل، ولكن قد بين العلماء أن النفى يحصل به دفع الضر لأن العرب كانوا إذا أخرج أحد من وطنه ذل وحصدت شوكته، قال امرؤ القيس:

‌‌به ذئب يعوى كالخليج المعبل
وذلك حال غير مختص بالعرب فإن للمرء فى بلده وقومه من الإقدام ما ليس له فى غير بلدة.
على أن من العلماء من قال: ينفون إلى بلد بعيد منحاز إلى جهة بحيث يكون فيه كالمحصور. قال أبو الزناد: كأن النفى قديما إلى (دهلك) وإلى (باضع) وهما جزيرتان فى بحر اليمن» (1).
واللغة هنا كانت عونا له فى استنباط معنى النفى، وهو عدم الوجود، والمراد: الإبعاد جزاء لمن يحاربون الله ورسوله، وما قال به أبو حنيفة وبعض العلماء إنه السجن دفعا للضر الذى يسببونه هؤلاء إذا نفوا إلى ديار قوم آخرين، وذلك ما حملهم على هذا التأويل، ومن ثم ذهب ابن عاشور يذكر أقوالا أخرى على لسان فقهاء آخرين، والنفى يحصل به دفع الضر على عادة العرب، وإن ذلك أمر غير مختص بالعرب، فالنفى أو المستبعد إلى غير دياره لا يملك الفعل أو القول الحر، أما ما ذكره عن بعض العلماء" ينفون إلى بلد بعيد"، وقول أبى الزناء" كان النفى قديما إلى دهلك" فهو إصرار من المفسر على المعنى اللغوى للنفى كما عرفه العرب من كلامهم، وتقريره لما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض العلماء كان تقديرا للبواعث فحسب.--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 6، ص 184.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)

وابن عاشور المالكى المذهب لم يقف تفسيره لآيات الأحكام على أقوال رجال هذا المذهب، وإنما كان يستعين بكل قول من المذاهب الفقهية الأخرى فيما يناسب الآية، ولا يمنع ذلك من نصرته للمذهب المالكى مع ذكر من قال بذلك الحكم من الصحابة والتابعين على طريقة مالك فى استنباط الأحكام وقواعده ومنها" عمل أهل المدينة".

‌‌خامسا: الاستعانة بأقوال الفلاسفة وعلماء الهيئة:
وهى من الوسائل التى استخدمها ابن عاشور فى التفسير بالرأى، يستعين بها أحيانا فى الحدود التى ذكرها فى المقدمة الرابعة … قال:
«الحكمة وإن كانت علما اصطلاحيا وليس هو تمام المعنى للآية إلا أن معنى الآية الأصلى لا يفوت، وتفاريع الحكمة تعين عليه، وكذلك أن تأخذ من قوله تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ (1) تفاصيل من علم الاقتصاد السياسى، وتوزيع الثروة العامة، وتعلل ذلك مشروعية الزكاة والمواريث والمعاملات المركبة من رأس المال وعمل على أن ذلك تومئ إليه الآية إيماء» (2).
أى أن هذه الأقوال، لا تعنى وحدها المقصود من الآية، وإنما هى تعين على فهمه، أو تشير إليه على نحو من الأنحاء، كما فى الآية المذكورة فى الفقرة السابقة، ولكن يبقى المعنى الأصلى من عمل المفسرين، ويقول عن بعض العلوم الأخرى: «وإن بعض مسائل العلوم قد تكون أشد تعلقا بتفسير آى القرآن كما تفرض مسألة كلامية لتقرير دليل قرآنى مثل برهان التمانع لتقرير معنى قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (3)، وكتقرير مسألة المتشابه--------------------------------------------
(1) سورة الحشر: الآية 7.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 43.
(3) سورة الأنبياء: الآية 22.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)

تحقيق معنى، نحو قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ (1) فهذا كونه من آيات التفسير واضح، وكذا قوله تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (2). فإن القصد منه الاعتبار بالحالة المشاهدة، فلو زاد المفسر ففصّل تلك الحالة وبيّن أسرارها بما هو مبيّن فى علم الهيأة كان قد زاد المقصد خدمة، وإما على وجه التوفيق بين المعنى القرآنى وبين المسائل الصحيحة من العلم، حيث يمكن الجمع، وإما على وجه الاسترواح من الآية كما يؤخذ من قوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ (3) أن فناء العالم يكون بالزلازل، ومن قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (4) الآية أن نظام الجاذبية يختل عند فناء العالم» (5).
ويعنى ذلك أن هناك صنف من العلوم يمكن الاستفادة منه فى تفسير بعض الآيات خصوصا المتصلة بمسائل الكلام أو علم الهيئة، فإذا لجأ المفسر إلى ذلك زاد من الأضواء التى تكشف عن قصد الآية، أو قد يكون غرض المفسر التوفيق بين المعنى القرآنى وما صح من مسائل العلوم التى تتصل بمظاهر الكون، أو يكون للاسترواح أى اطمئنان القلب أن يكون ذلك من المعانى التى تحتملها الآية، ومن ثم يضع ابن عاشور شرطا أساسيا لاستعانة المفسر بمثل هذه العلوم.--------------------------------------------
(1) سورة الذاريات: الآية 47.
(2) سورة ق: الآية 6.
(3) سورة الكهف: الآية 47.
(4) سورة التكوير: الآية 1.
(5) التحرير والتنوير، ج 1، ص 43.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)

«وشرط كون ذلك مقبولا أن يسلك فيه مسلك الإيجاز، فلا يجلب إلا الخلاصة من ذلك العلم، ولا يصير الاستطراد كالغرض المقصود له، لئلا يكون كقولهم السىّ بالسىّ يذكر» (1). أى يجلب المفسر خلاصة النافع المفيد من هذه العلوم، ولا يكون الاستطراد مسلكه لتبقى له صفته الأولى كمفسر.
ومن وجوه الخلاف التى وقعت بين جماعة من العلماء فى تفسير القرآن بعلوم الحكمة ذكر ابن عاشور:
«فأما جماعة منهم فيرون من الحسن التوفيق بين العلوم غير الدينية وآلاتها وبين المعانى القرآنية، ويرون القرآن مشيرا إلى كثير منها، قال ابن رشد الحفيد فى فصل المقال: «أجمع المسلمون على أن ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل، والسبب فى ورود الشرع بظاهر وباطن هو اختلاف نظر الناس، وتباين قرائحهم فى التصديق» (2).
ويقول عن ابن عربى:
«وذهب ابن عربى فى العواصم إلى إنكار التوفيق بين العلوم الفلسفية والمعانى القرآنية، ولم يتكلم على غير هاته العلوم، وذلك على عادته فى تحقير الفلسفة لأجل ما خولطت به من الضلالات الاعتقادية، وهو فى ذلك مستخف بالحكماء» (3).
ثم يفصل القول فى الحاجة إلى العلوم التى لها علاقة بالقرآن الكريم وحاجة المفسر إليها:--------------------------------------------
(1) السي بسين: مهملة مكسورة وتحتية مشددة، والنظير والمثيل. وانظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 43.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 43.
(3) التحرير والتنوير، ج 1، ص 45.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)

«وأنا أقول: إن علاقة العلوم بالقرآن على أربع مراتب:
الأولى: علوم تضمنها القرآن كأخبار الأنبياء والأمم، وتهذيب الأخلاق والفقه والتشريع والاعتقاد والأصول والعربية والبلاغة.
الثانية: علوم تزيد المفسر علما كالحكمة، والهيأة وخواص المخلوقات.
الثالثة: علوم أشار إليها أو جاءت مؤيدة له كعلم طبقات الأرض والطب والمنطق.
الرابعة: علوم لا علاقة لها به إما لبطلانها كالزجر والعيافة والميثولوجيا، وإما لأنها لا تعين على خدمته كعلم العروض والقوافى (1).
وهو فى هذه الأطر التى حددها فى قوله هذا قد استعان بما تضمنه القرآن من علوم وذهب يفسر آياته ويبين مقاصدها، وقد رأينا ذلك فيما مر بنا من صفحات، ومن علوم الحكمة والهيأة وخواص المخلوقات راح يستعين ببعض مسائلها دون استطراد وفى الحدود التى رسمها، كما أن العلوم التى أشار إليها القرآن، أو جاءت مؤيدة له، فقد حوى تفسير التحرير والتنوير الكثير منها فى المواطن التى تناسبها دون حشر أو إقحام، أما العلوم التى ذكرها فى" المرتبة الرابعة" فلم يلجأ إليها، أو استعان بها فى تفسيره، فهى كما يقول إما باطلة، أو لا تعين على خدمة القرآن الكريم.
ومما ذكره ابن عاشور من أقوال فى معنى" العبادة ومراتبها" من كلام الإمام الفخر الرازى والشيخ الرئيس ابن سينا فى تفسير قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (سورة الفاتحة: الآية 5).
«قال الفخر" مراتب العبادة ثلاث: الأولى أن يعبد الله طمعا فى--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 45.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)

الثواب وخوفا من العقاب وهى العبادة، وهى درجة نازلة ساقطة لأنه جعل الحق وسيلة لنيل المطلوب، والثانية أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته والانتساب إليه بقبول تكاليفه وهى أعلى من الأولى إلا أنها ليست كاملة لأن المقصود بالذات غير الله. الثالثة أن يعبد الله لكونه إلها خالقا مستحقا للعبادة وكونه هو عبد إله، وهذه أعلى المقامات وهو المسمى بالعبودية أه.
قلت ولم يسم الإمام المرتبة الثالثة باسم، والظاهر أنها ملحقة فى الاسم بالمرتبة الثالثة أعنى العبودية لأن الشيخ ابن سينا قال فى الإشارات «العارف يريد الحق لا لشىء غيره ولا يؤثر شيئا على عرفانه وتقيده له فقط ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه لا لرغبة أو رهبة أه فجعلها حالة واحدة» (1).
وفى حقيقة" الفطرة" ذكر فى تفسير قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (سورة الروم: الآية 30).
«وقد بيّن أبو على ابن سينا حقيقة الفطرة فى كتابه" النجاة" فقال «ومعنى الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل فى الدنيا دفعة وهو عاقل، لكنه لم يسمع رأيا، ولم يعتقد مذهبا، ولم يعاشر أمة ولم يعرف سياسة، ولكنه شاهد المحسوسات وأخذ منها الحالات، ثم يعرض على ذهنه شيئا ويتشكك فيه، فإن أمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة، وليس كل ما توجبه فطرة الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرة القوم--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 180.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)

التى تسمى عقلا، وأما فطرة الذهن بالجملة، فربما كانت كاذبة، وإنما يكون هذا الكذب فى الأمور التى ليست محسوسة بالذات بل هى مبادئ للمحسوسات.
فالفطرة الصادقة هى مقدمات وآراء مشهورة محمودة أو جبت التصديق بها: إما شهادة الكل مثل: أن العدل جميل وإما شهادة الأكثر، وإما شهادة العلماء أو الأفاضل منهم، وليست الذائعات من جهة ما هى ذائعات مما يقع التصديق بها فى الفطرة، فما كان من الذائعات ليس بأوّلى عقلى ولا وهمى فإنها غير فطرية، ولكنها متقررة عند الأنفس لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبى وربما دعا إليها محبة التسالم والاصطناع المضطر إليهما الإنسان» (1)، أو شىء من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء والاستئناس (2)، أو الاستقراء الكثير، أو كون القول فى نفسه ذا شرط دقيق لأن يكون حقا صرفا فلا يفطن لذلك الشرط ويؤخذ على الإطلاق أه» (3).
وفى معنى الجمال والحب، ذكر فى قوله تعالى:
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة آل عمران: الآية 31).
ولم يستطع الفلاسفة توضيح علة ملاءمة بعض ما يعبر عنه بالجمال للنفوس: ككون الذات جميلة أو قبيحة الشكل، وكون المربع أو الدائرة حسنا--------------------------------------------
(1) وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (سورة العنكبوت: الآية 25).
(2) قال تعالى حكاية عن قوم كذبوا الرسل تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (إبراهيم: 10).
(3) التحرير والتنوير، ج 21، ص 90.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)