الأرض فى قبضته ومن كانت السماوات مطويّة أفلاكها وآفاقها بيده تشبيه المعقول بالمتخيل، وهى تمثيلية تنحلّ أجزاؤها إلى استعارتين، فيها دلالة على أن الأرض والسماوات باقية غير مضمحلة، ولكن نظامها المعهود اعتراه تعطيل، وفى الصحيح عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله عليه وسلم يقول:
«يقبض الله الأرض ويطوى السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك، أين ملوك الأرض».
وعن عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إنّا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع. فيقول أنا الملك، فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم «وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» (1).
ويقول فى آخر تفسيره لهذه الآية:
«إنما كان ضحك النبى- صلى الله عليه وسلم استهزاء بالحبر فى ظنه أن الله يفعل ذلك حقيقة وأن له يدا وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم، ولذلك أعقبه بقراءة" وما قدروا الله حق قدره" لأن افتتاحها يشتمل على إبطال ما توهمه الحبر ونظراؤه فى الجسمية، وذلك معروف من اعقادهم، وقد ردّه القرآن عليهم غير مرة مما هو معلوم، فلم يحتج النبى- ص- إلى التصريح بإبطاله، واكتفى بالإشارة التى يفهمها المؤمنون، ثم أشار إلى ما توهمه اليهودى توزيعا على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف» (2).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ج 24 ص 63
(2) المرجع نفسه والصفحة نفسها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
والزمخشرى فى تفسيره:
«والغرض من هذا الكلام إذا أخذته بجملته ومجموعه تصوير عظمته، والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقية، أو جهة مجاز» (1).
وفحوى كلام ابن عاشور فى تفسير هذه الآية أن معنى" اليمين" وصف لليد، ولا يد هنا. وإنما هى كناية عن القدرة، واستشهد على هذا المعنى بما أنشده الفراء والمبرد وما ذكره القرطبى:
ومقصود هاتين الجلتين تمثيل لعظمة الله تعالى. وفيما أورده من حديث أبى هريرة" يطوى السموات بيمينه"، وما ذكره فى آخر تفسيره للآية، واستهزاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالحبر اليهودى حين ظن أن الله يفعل ذلك حقيقة، وأن له يدا وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم، وما توهمه اليهودى توزيعا على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف.
وأياما كان الأمر فإن ابن عاشور قد ذهب إلى صرف معنى" اليد" إلى معنى مجازى، ودرا فهمه لحديث الرسول" صلى الله عليه وسلم" الذى رواه ابن مسعود على هذا النحو.
ومهما يكن من شىء، فإن الزمخشرى وابن عاشور يهدفان إلى تنزيه الله تعالى عن أن يشابه المخلوقين، ف" اليد" التى نعلمها بالضرورة، ولا نعلم كيفيتها، هى عند ابن عاشور القدرة، وعند الزمخشرى إذا أخذنا الكلام بجملته ومجموعة تصوير عظمة الله تعالى والتوفيق على كنه جلاله … يقصد صرف اللفظ، أو تأويل المعنى إلى ما يتفق مع مذهبه (2).--------------------------------------------
(1) الكشاف المجلد الثالث ص 408 دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت- لبنان.
(2) انظر تفسير التحرير والتنوير ج 6 ص 248. تفسير قوله تعالى:" وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا، بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ" المائدة: 64.-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
يقول الشيخ القطان عن مثل هذا التأويل:
«إنما لجأ إليه كثير من المتأخرين مبالغة منهم فى تنزيه الله تعالى عن مماثلته للمخلوقين كما يزعمون، وهذا زعم باطل أوقفهم فى مثل ما هربوا منه وأشد، فهم حين يؤلون اليد بالقدرة مثلا إنما قصدوا الفرار من أن يثبتوا للخالق يدا لأن للمخلوقين يدا، فاشتبه عليهم لفظ اليد فأولوها بالقدرة، وذلك تناقض منهم، لأنهم يلزمهم فى المعنى الذى نفوه، لأن العباد لهم قدرة أيضا، فإن كان ما أثبتوه من القدرة حقا ممكنا كان إثبات اليد لله حقا ممكنا أيضا، وأن كان إثبات اليد باطلا ممتنعا لما يلزمه من التشبيه فى زعمهم كان إثبات القدرة باطلا ممتنعا أيضا، وما جاء عن أئمة السلف وغيرهم من ذم للمتأولين إنما هو لمثل هؤلاء الذين تأولوا ما يشتبه عليهم معناه على غير تأويله وإن كان لا يشتبه على غيرهم» (1).
وفى قوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (2).
ذكر ابن عاشور:
«والمعنى أن مصير من على الأرض إلى الفناء، وهذا تذكير بالموت وما بعده من الجزاء.
و" وجه ربك" ذاته، فذكر الوجه هنا جار على عرف كلام العرب، قال فى الكشاف: والوجه يعبر به عن الجملة والذات» أهـ.--------------------------------------------
- وانظر التحرير والتنوير ج 29 ص 15 تفسير قوله تعالى" تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" الملك: 1.
(1) الشيخ مناع القطان مباحث فى علوم القرآن ص 219 - 200.
(2) سورة الرحمن: الآية 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
وقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعان مختلفة منها ما هنا، ومنها قوله: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (1) وقوله: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ (2).
وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقى، وهو الجزء الذى فى الرأس.
واصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا" المتشابه" وكان السلف يحجمون عن الخوض فى ذلك مع اليقين باستحالة ظاهرة على الله تعالى، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجا إلى أن اتضح وجه التأويل بالجرى على قواعد علم المعانى فزال الخفاء، واندفع الجفاء.
وضمير المخاطب فى قوله" وجه ربك" خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، والمقصود تبليغه إلى الذين يتلى عليهم القرآن ليتذكروا ويعتبروا. ويجوز أن يكون خطابا لغير معين ليعم كل مخاطب.
ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف ب" ذُو الْجَلالِ"، أى العظمة" وَالْإِكْرامِ" أى المنعم على عبادة، وإلا فإن الوجه الحقيقى لا يضاف للإكرام فى عرف اللغة، وإنما يضاف للإكرام اليد، أى فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه، وقد دخل فى الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص وفى الإكرام جميع صفات الكمال الوجودية وصفات الجمال كالإحسان (3).
وذكر الكشاف فى تفسيره هذه الآية:
" وَجْهُ رَبِّكَ" ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات، ومساكين مكة يقولون:" أين وجه عربى كريم ينقذنى من الهوان"--------------------------------------------
(1) سورة البقرة الآية 115.
(2) سورة الإنسان الآية 9.
(3) التحرير والتنوير ج 27 ص 203، 254.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
وهذا على نحو أو آخر يعد تطابقا فيما ذهب إليه ابن عاشور والزمخشرى، حيث انتهى كل منهما إلى أن" الوجه" تعبير عن الذات.
وقد جرى ابن عاشور فى تفسيره لمثل هذه الآيات على هذا النحو (1)، ولا خلاف بينه وبين الزمخشرى، قد يسهب صاحب التحرير والتنوير، وقد يوجز صاحب الكشاف، ولكنهما فى نهاية الأمر يتفقان على عدم الأخذ بظاهر القرآن فى تفسير آيات الصفات.
وهذا التطابق ينحصر فى هذه الدائرة، ومن المؤكد أن هناك اختلاف بين الإمامين وقع فى مسائل عديدة، منها ما ذكره ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ (2).
«وأما الذين رأوا الاتحاد بين معانى الإرادة والمشيئة والرضى وهو قول كثير من أصحاب الأشعرى وجميع الماتريدية فسلكوا فى تأويل الآية محل لفظ" لعباده" على العام المخصوص، أى لعبادة المؤمنين واستأنسوا لهذا المحمل بأنه الجارى على غالب استعمال القرآن فى لفظة" العباد" لاسم الله، أو ضمير قوله عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ (3). قالوا: فمن كفر فقد أراد الله كفره ومن آمن فقد أراد الله إيمانه، والتزم كلا الفريقين" الأشاعرة والماتريدية" أصله فى تعلق إرادة الله وقدرته بأفعال العباد الاختيارية المسمى بالكسب ولم يختلف إلا فى نسبة الأفعال للعباد أهي حقيقة أم مجازية، وقد عد الخلاف فى تشبيه الأفعال بين الفريفين لفظيا.--------------------------------------------
(1) انظر التأويل عند ابن عاشور ج 11 ص 172.
(2) سورة الزمر الآية 7.
(3) سورة الإنسان الآية 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
ومن العجيب تهويل الزمخشرى بهذا القول إذ يقول: «ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله ما نفاه عن ذاته من الرضى بالكفر فقال: هذا من العام الذى أريد به الخاص … إلخ.
فكان آخر كلامه ردا لأوله وهل يعد التأويل تضليلا، أم هل يعد العام المخصوص بالدليل من النادر القليل» (1).
وذكر الشهرستانى وهو يتحدث عن" الأشعرية" هم أصحاب أبى الحسن على بن إسماعيل المنتسب إلى أبى موسى الأشعرى رضى الله عنهما، وسمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا مرسى الأشعرى كان يقرر عين ما يقرر الأشعرى أبو الحسن فى مذهبه، وقد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص وبينه، فقال عمرو: أين أجد أحدا أحاكم إليه ربى؟ فقال أبو موسى: أنا ذلك المتحاكم إليه، فقال عمرو: أو يقدّر علىّ شيئا ثم يعذبنى عليه؟ قال: نعم، قال عمرو: ولم؟ قال: لأنه لا يظلمك، فسكت عمرو ولم يجد جوابا" (2).
والإرادة الإلهية من المسائل التى يكثر فيها الجدل بين الفرق الإسلامية، أو بين الفلاسفة من أصحاب الأديان، ولعل مرجع اختلافهم إلى وعورة هذا النوع من المسائل، وصعوبة الاتفاق بينهم على تعريف محدد للإرادة الإلهية فضلا على أسباب الاختلاف الأخرى.
وعلى سبيل الاختصار يمكن القول بأن الأشاعرة يقولون بالإرادة الإلهية الكاملة، وأنه خالق لكل شىء الخير والشر على السواء، أما المعتزلة--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ج 23 ص 34.
(2) الملل والنحل ج 1 ص 94.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
فكانوا ينظرون إلى الإرادة الإلهية على أنها محددة بخلق الخير دون الشر، وهذا فى حد ذاته تحديد للإرادة الإلهية" (1).
وقد أوضح ابن عاشور فى تفسيره لهذه الآية موقف الأشاعرة من هذه الإرادة بقوله:
قالوا: فمن كفر فقد أراد الله كفره، ومن آمن فقد أراد الله إيمانه"
ومن ثم يظهر تعجب ابن عاشور من تهويل الزمخشرى فيما ذهب إليه الأشاعرة فى فهمهم للإرادة الإلهية، «إذ يقول: ولقد تحمل بعض الغواة ليثبت لله وما نفاه عن ذاته من الرضى والكفر، فقال هذا من العام الذى أريد به الخاص … ».
ويسارع ابن عاشور باتهام الزمخشرى بالتناقض" فكان آخر كلامه ردا لأوله"، ثم تساءل مفندا مزاعم صاحب الكشاف:" وهل يعد التأويل تضليلا، أم هل يعد العام المخصوص بالدليل من النادر القليل".
نخلص من ذلك كله إلى أن أثر تفسير الكشاف عند ابن عاشور كان فيما اتفقت فيه الآراء أو تطابقت وجوه النظر، وقد يمثل ذلك تأثرا أو إعجابا خصوصا فى ميادين البلاغة واللغة والنحو والمعانى والبيان، كما كان هناك أيضا بعض وجوه الاتفاق فى عدم الأخذ بظاهر القرآن فى آيات الصفات، وكان لكل منهما وسائله وأدواته وطريقته فى بيان اعتقاده.
كذلك كان هناك اختلاف بين المفسرين حيث مال ابن عاشور إلى موقف الأشاعرة فى فهمهم للإرادة الإلهية الذى ناهضة الزمخشرى، ومن ثم انبرى ابن عاشور مدافعا عن هذا المفهوم، وراح يفند مزاعم المفسر الاعتزالى.--------------------------------------------
(1) انظر دكتور عبد البارى محمد داود الإرادة عند المعتزلة والأشاعرة ص 176 دار المعرفة الجامعية 1996 م. وانظر القاضى عبد الجبار، المغنى، فى أبواب التوحيد والعدل، تحقيق الأب جورج قنواتى مراجعة الدكتور إبراهيم مدكور، إشراف" طه حسين".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
ثالثا: الجبرية:
وعن اعتقاد أصحاب هذا المذهب وأقوال بعض رجاله وصداها عند الأمويين يقول أبو ريان:
«أساس هذا المذهب الاعتقاد بأن الإنسان مجبور على أفعاله، وأن الله تعالى مقدر هذه الأفعال، فلا قدرة للإنسان ولا اختيار، والجهم بن صفوان أول من قال بذلك، وقد استغل الحكام الأمويون مقالته هذه فى توطيد حكمهم وقبول مظالمهم.
ومن آراء الجهم الكلامية: «نفى الصفات الإلهية التى تؤدى إلى تشبيهه تعالى بمخلوقاته، وإثبات صفتى الفعل والخلق لله وحده، إذ لا يصح وصف المخلوقات بها، ومن ثم فهى مجبورة على أفعالها، وكذلك فقد نفى الجهم أن يكون الله متكلما أو أن يكون مرئيا، وقال بخلق القرآن وفناء الخالدين» (1).
وذكر عبد القاهر البغدادى:
«الجهمية أتباع جهم بن صفوان الذى قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أيضا أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر هو الجهل به، وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز، كما يقال على المجاز، زالت الشمس، ودارت الرحى من غير أن يكونا فاعلين أو مستطلعين لما وصفتا به، وزعم أن الله تعالى حادث، وامتنع عن وصف الله بأنه شىء، أو حىّ، أو عالم مريد، وقال بحدوث كلام الله تعالى كما قالته القدرية … وأكفره أصحابنا فى جميع ضلالاته،--------------------------------------------
(1) دكتور محمد على أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفى فى الإسلام ص 146 وانظر الشهرستانى فى الملل النحل ج 1 ص 85 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
وأكفرته القدرية فى قوله: (إن الله تعالى خالق أعمال العباد) فاتفق أحناف الأمة على تكفيره" (1).
وتتلاقى معظم هذه الأقوال مع الأقوال الجعد بن درهم الذى قال بالقدر وخلق القرآن والتعطيل.
وذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (2).
وسبب هذه الضلالة العارضة لأهل الضلال من الأمم التى تلوح فى عقول بعض عوام المسلمين فى معاذيرهم للمعاصى والجرائم أن يقولوا: أمر الله أو مكتوب عند الله أو نحو ذلك. هو جهل بأن حكمة الله تعالى فى وضع نظام هذا العالم اقتضت أن يجعل حجابا بين تصرفه تعالى فى أحوال المخلوقات، وبين تصرفاتهم فى أحوالهم بمقتضى إرادتهم، وذلك الحجاب هو ناموس ارتباط المسببات بأسبابها، وارتباط أحوال الموجودات فى هذا العالم بعضها بعض، ومنه ما يسمى بالكسب والاستطاعة عند جمهور الأشاعرة، ويسمى بالقدرة عند المعتزلة وبعض الأشاعرة، وذلك هو مورد التكليف الدال على ما يرضاه الله وما يرضى به، وأن الله وضع نظام هذا العالم بحكمة، فجعل
قوامه هو تدبير الأشياء أمورها من ذواتها بحسب قوى أودعها فى الموجودات لتسعى لما--------------------------------------------
(1) الفرق بين الفرق ص 158 ط 1 القاهرة 1998 م.
(2) سورة الأنعام الآية 148.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
خلقت لأجله، وزاد الإنسان مزية بأن وضع له عقلا يمكنه من تغيير أحواله على حسب احتياجه، ووضع له فى عقله وسائل الاهتداء إلى الخير والشر، كما قيض له دعاة إلى الخير تنبهه إليه إن ضلّه عقله، أو حجبته شهوة، فإن هو لم يرعو عن غيه، فقد خان نفسه وبهذا ظهر تخليط أهل الضلالة بين مشيئة العباد ومشيئة الله، فلذلك رد الله عليهم هنا قولهم:" لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا" لانهم جعلوا ما هو مشيئة لهم مشيئة الله تعالى، ومع ذلك فهو قد أثبت مشيئة فى قوله:" ولو شاء الله ما أشركوا" فهى مشيئة تكوين نظام الجماعة.
فهذه المشيئة التى اعتلوا بها مشيئة لا تتوصل إلى الاطلاع على كنهها عقول البشر، فلذلك نفى الله عليهم استنادهم إليها على جهلهم بكنهها فقال:
" كذلك كذب الذين من قبلهم" فشبه بتكذيبهم تكذيب المكذبين الذين من قبلهم، فكنى بذلك عن كون مقصد المشركين من هذه الحجة تكذيب النبى- صلى الله عليه وسلم وليس فى هذه الآية ما ينهض حجة لنا على المعتزلة، ولا للمعتزلة علينا، وأن حاول كلا الفريقين ذلك لأن الفريقين متفقان على بطلان حجة المشركين وفى الآية حجة على الجبرية (1).
ومفاد هذا الكلام أن ابن عاشور قد ذهب فى تفسيره لهذه الآية إلى أن الله سبحانه قد وضع نظاما للعالم اقتضت حكمته تعالى أن يجعل حجابا بين تصرفه فى أحوال المخلوقات وبين تصرفاتهم وفق مشيئتهم، أو بمقتضى إرادتهم وفق ناموس ارتباط المسببات والموجودات، وقد يطلق على ذلك (الكسب والاستطاعة) عند الأشاعرة، أو (القدرة) عند المعتزلة.
والإنسان فى حساب هذا الناموس الإلهى مسئول عن أفعاله ليصح التكليف، ويرفض ابن عاشور هذه المعاذير التى يتذرع بها بعض عوام المسلمين--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ج 8 ص 147.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
فى ارتكاب الجرائم والمعاصى تنصلا من المسئولية، وهى معاذير تسللت من أعطاف الجبرية التى تقول أن الإنسان مجبور على أفعاله، ولا حرية له ولا اختيار، وقد خلط معتقدوها بين مشيئة الله ومشيئة العباد.
ونفى ابن عاشور أن تكون هذه الآية حجة لمذهبه السنى على المعتزلة، ولا للمعتزلة على هذا المذهب، والحجة فى هذه الآية قائمة على الجبرية، فقول المشركين باطل لأنهم عللوا شركهم وجرائمهم وشرك آبائهم بمشيئة الله، وهذا كذب سبقهم إليه الذين قبلهم، وقد أزاقهم الله بأسه، وقوله تعالى:
هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا استهزاء بقولهم السابق لتطاولهم على ما لا يستطيعون من فهم النظام الإلهى، وأن هؤلاء المشركين لا يتبعون إلا ظنونهم أو تخيلاتهم ساعين إلى تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما الكاذبون إلا هم.
رابعا: الشيعة:
يقول صاحب (مجمع البيان فى تفسير القرآن):
(والشيع الفرق، ولكل فرقة شيعة على حدة، وشيعت فلانا اتبعته، والتشيع هو الاتباع على وجه التدين والولاء للمتبوع، والشيعة صارت فى العرف اسما لمتبعى أمير المؤمنين عليه السلام على سبيل الاعتقاد بإمامته بعد النبى صلى الله عليه وسلم وآله) فلا فصل فى الإمامية والزيدية وغيرهم، ولا يقع إطلاق هذه اللفظة على غيرهم من المتبعين سواء كان متبوعا محقا أم باطلا إلا أن تسقط عنه لام التعريف، ويضاف بلفظ (بنى) للتبعيض، فيقال هؤلاء شيعة بنى العباس أو شيعة بنى فلان) (1).--------------------------------------------
(1) أبو الفضل بن الحسن الطبرسى (ت 548 هـ) مجمع البيان فى تفسير القرآن المجلد الثالث ج 7 ص 91.
منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت- لبنان 1380 هـ- 1961 م وانظر: مسألة التقريب بين-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
وذكر محمد حسين الزين: (إن المعانى الحقيقية التى قدمناها للتشيع الحق لا تخول لأحد أن يطلق. اسم الشيعة على غير الاثنى عشرية، وأكثر الزيدية اليوم ومثلهم الإسماعيلية لا يعرفون إلا بهذين الانتسابين، وربما أن العظمية والواقفية لا وجود لهم فى هذا العصر انحصر اسم الشيعة بالشيعة الإمامية الاثنى عشرية واختص بهم) (1).
ويلاحظ أن الطبرسى فى تعريفه جعل (الشيعة) لقبا عاما لكل الذين اعتقدوا بإمامة على بن أبى طالب (رضى الله عنه) بعد النبى صلى الله عليه وسلم بلا فصل، حيث يطلق هذا اللقب على غيرهم بالمعنى الذى ذهب إليه، وانتهى التعريف عند محمد حسين الزين إلى انحصار هذا اللقب فى الشيعة الإمامية للاثنى عشرية للأسباب التى ذكرها.
وأيا ما كان الأمر فإن الإمامية الاثنى عشرية" تعتقد أن الإمامة أصل من أصول الدين لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، ولا يجوز فيها تقليد الآباء والأهل والمربين مهما
عظموا وكبروا، بل يجب النظر فيها كما يجب النظر فى التوحيد والعدل) (2).--------------------------------------------
- المذاهب الإسلامية أسس ومنطقات- بقلم 15 علامة وباحثا ينتمون لمختلف المذاهب الإسلامية.
ص 63 وما بعدها- دار التقريب بين المذاهب الإسلامية ط 1 1415 هـ- 1994 م. بيروت- لبنان وانظر: لسان العرب، ج 33، ص 185 (مادة شيع) دار صادر، دار بيروت.
وانظر: محمد صادق الصدر الشيعة، ص 73، مكتبة نينوى الحديثة، طهران، ناصر خسروى مروى.
(1) محمد حسين الزين، الشيعة فى التاريخ ص 43، دار الآثار للطباعة والنشر، بيروت- لبنان ط 2، 1399 هـ- 1979 م.
(2) محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية ص 102، دار الزهراء- بيروت- لبنان، ط 2 1400 هـ- 1980 م.
ويقول ابن تميمة: (فلو كانت الإمامة ركنا فى الإيمان لا يتم إيمان أحد إلّا به، لوجب أن يبينه الرسول بيانا عاما قاطعا للعذر، كما بين الشهادتين، والإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر،-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
وترجع أهمية الإمامة ووجود إمام عند الاثنى عشرية لكيلا تخلو الأرض من حجة يهدى الناس إلى الجادة، ذكر الكلينى رواية (عن على بن إبراهيم عن أبيه، عن محمد بن أبى عمير بن منصور بن يونس وسعدان بن مسلم عن إسحاق بن عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول:
إن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام، كيما أن زاد المؤمنون شيئا ردهم، وإن نقصوا شيئا أتمه لهم) (1).
وهم يؤمنون بأنه لو لم يبق فى الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة، ذكر الكلينى، أحمد بن إدريس، ومحمد بن يحيى جميعا، عن أحمد بن محمد بن عيسى بن عبيد عن محمد بن سنان، عن حمزة بن الطيار، عن أبى عبد الله عليه السلام.
قال: لو بقى اثنان لكان أحدهما الحجة على صاحبه) (2) وفضلا عن ذلك فإن أهمية الولاية، أو الإمامة ترجع إلى أسباب كثيرة تؤكد ضرورتها عند هؤلاء (فإن امتداد الرسالة السماوية كان يقتضى إيجاد حفظه لها، يصونونها ويحفظونها بعد النبى، ويطبقونها ويوضحونها، ويفسرون ما التبس منها، ويدافعون عنها ويبلغونها، امتدادا لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم يصدرون عنها، وينهلون منها) (3).--------------------------------------------
- فكيف ونحن نعلم بالاضطرار من دينه أن الذين دخلوا فى دين الله أفواجا لم يشترط على أحد منهم فى الإيمان بالإمامة لا مطلقا ولا معينا) منهاج السنة النبوية فى نقص الكلام والشيعة والقدرية ج 1، ص 26 دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت- لبنان.
(1) أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكلينى (ت 328/ 329 هـ) الأصول من الكافى ج 1 ص 178 باب (إن الأرض لا تخلو من حجة) صححه وعلق عليه على أكبر الغفارى، دار الكتب الإسلامية طهران، بازار سلطانى، ط 3، 1388 هـ.
(2) الأصول من الكافى، ج 1، ص 179، باب (أنه لو لم يبق فى الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة).
(3) عبد اللطيف برى- ولاية أهل البيت- ص 49، دار المعاف للمطبوعات- بيروت. وانظر: محمد حسين آل كاشف الغطاء، أصل الشيعة وأصولها، ص 67، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات- بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
ويقول صاحب الفقرة السابقة عن آل البيت: (أنهم درسوا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم وتربوا فى حجره، ونهلوا الوحى من شفتيه، وقلبه، وعقله، وضميره صافيا مضيئا سليما، حتى خلق فيهم الحصانة الروحية، والكفاءة العلمية التشريعية، والمناعة الأخلاقية العالية مما لم يتيسر لغيرهم، فتحولوا فى مدرسة الرسول إلى قرآن ناطق وإسلام حى) (1).
ومجمل عقائد الشيعة الاثنى عشرية فى الأصول: التوحيد، والنبوة، والمعاد الجسمانى، والعدل، والإمامة، والإمامة أميز نقاط الخلاف بين الإمامية وبين الفرق الإسلامية الأخرى كأهل السنة، والمعتزلة، والخوارج من حيث إنها نص أو شورى، وبين فرق الإمامية ذاتها كالاثنى عشرية، والزيدية، والإسماعيلية من حيث شروط الإمام وانتقال الإمامة من إمام إلى آخر.
ومن الروايات التى يذكرها الطوسى فى أماليه، وهو عند الاثنى عشرية ملقب بشيخ الطائفة، وهذه الرواية تحدد بعض مواقفهم من خلافة الصديق والفاروق (رضى الله عنهما) قال: حدثنا أبو منصور السكرنى قال:
حدثنا على بن عمر قال: حدثنا أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن العباس قال:
حدثنا مهنأ بن يحيى قال: حدثنا عبد الرازق عن أبيه عن مسافر بن مسعود قال ليلة الجن:
قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله) يا ابن مسعود نعيت إلىّ نفسى، فقلت: استخلف يا رسول الله، قال: من؟ قلت: أبا بكر، فأعرض--------------------------------------------
(1) عبد اللطيف برى، ولاية أهل البيت، ص 50.
وانظر" محمد مرعى الأمين الأنطاكى"، مذهب أهل البيت ص 98 - 99، مكتبة الثقلين قم- إيران.
وانظر" محمد حسين آل الكاشف الغطاء"،" ت 1973 م" أصل الشيعة وأصولها- مؤسسة الأعلمى للمطبوعات بيروت- لبنان 1391 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
عنى، ثم قال يا ابن مسعود نعيت إلىّ نفسى، قلت استخلف، قال منّ؟ قلت عمر، فأعرض عنى، ثم قال يا ابن مسعود نعيت إلىّ نفسى، قلت: استخلف:
قال: من؟ قلت: عليا قال: أما إنهم إن أطاعوه دخلوا الجنة أجمعون أكتعون) (1).
وقد أوّل الإمامية الاثنا عشرية الكثير من الآيات لصالح مذهبهم، منها قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2)
جاء فى الصفوة لمناقب آل بيت النبوة:
«قال أبو بكر النقاش: أجمع جمهور المفسرين أن هذه الآية نزلت فى علىّ وفاطمة وابنيهما، لا فى أزواجه لتذكير الضمير فى" يذهب عنكم، ويطهركم» (3).
وفى تفسير الصافى:
«عن زيد بن على بن الحسين عليهم السلام أن جهّالا من الناس يزعمون أنه إنما أراد الله بهذه الآية أزواج النبى- صلى الله عليه وسلم وآله- وقد كذبوا وأثموا وأيمن الله، ولو عنى أزواج النبى- صلى الله عليه وسلم وآله- لقال: ليذهب عنكن الرجس ويطهركن تطهيرا، وكان الكلام مؤنثا كما قال: اذكرن ما يتلى فى بيوتكم ولا تبرجن، ولستن كأحد من النساء» (4).--------------------------------------------
(1) أبو جعفر محمد بن محمد بن الحسن الطوسى (ت 460 هـ) أمالى الشيخ الطوسى، ص 313 - 314، تقديم محمد صادق بحر العلوم. مؤسسة الوفاء، بيروت- لبنان.
(2) سورة الأحزاب الآية 33.
(3) عبد الرءوف محمد بن تاج العارفين بن على بن زين العابدين المعروف بالمناوى الشافعى ص، م مخطوط رقم 22 مكتبة جامعة الإسكندرية- الشاطبى.
(4) محمد محسن بن الشاه محمود المعروف بالفيض الكاشانى" ت 1091 هـ" ج 22 ص 187 مؤسسة الأعلى بيروت- لبنان ط 2 1702 هـ- 1982 م. وانظر مجمع البيان، المجلد الخامس ج 22 ص 239 وانظر عبد اللطيف برى، ولاية أهل البيت ص 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
وذكر ابن عاشور فى تفسير الآية الكريمة السابقة" التعريف فى البيت" تعريف العهد هو بيت النبى صلى الله عليه وسلم وبيوت النبى عليه الصلاة والسلام كثيرة، فالمراد بالبيت هنا بيت كل واحدة من أزواج النبى صلى الله عليه وسلم، وكل بيت من تلك البيوت اهله النبى صلى الله عليه وسلم وزوجته صاحبة ذلك ولذلك جاء بعده قوله وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ (1) وضميرا الخطاب موجهان إلى نساء النبى صلى الله عليه وسلم على سنن الضمائر التى تقدمت. وإنما جىء بالضميرين بصيغة جمع المذكر على طريقة التغليب لاعتبار النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا الخطاب لأنه رب كل بيت من بيوتهن، وهو حاضر هذا الخطاب إذ هو مبلغه. وفى هذا التغليب إيماء إلى أن هذا التطهير لهن لأجل مقام النبى صلى الله عليه وسلم لتكون قريناته مشابهات له فى الذكاء والكمال، كما قال الله تعالى وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ (2) يعنى أزواج النبى صلى الله عليه وسلم، وهو نظير قوله فى قصة إبراهيم رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت (3) والمخاطب زوج إبراهيم وهو معها (4).
وذكر أيضا:
«وأهل البيت: أزواج النبى صلى الله عليه وسلم، والخطاب موجه إليهن وكذلك ما قبله وما بعده لا يخالط أحدا شك فى ذلك ولم يفهم منها--------------------------------------------
(1) سورة الأحزاب الآية 33.
(2) سورة النور الآية 26.
(3) سورة هود الآية 73.
(4) التحرير والتنوير ج 22 ص 15.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم والتابعون إلا أن أزواج النبى عليه السلام هن المراد بذلك وأن النزول فى شأنهن» (1).
ويقول عن حديث الكساء:
«وأما ما رواه الترمذى عن عطاء بن أبى رباح عن عمر بن أبى سلمة قال: لما نزلت على النبى" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" فى بيت أم سلمة دعا فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلىّ خلف ظهره، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا».
قال: هو حديث غريب من حديث عطاء عن عمر عن أبى سلمة ولم يسمه الترمذى بصحة ولا حسن ووسمه بالغرابة.
وفى صحيح مسلم عن عائشة خرج رسول الله غداة وعليه مرط مرهل، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء على فأدخله ثم قال: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً». وهذا أصرح من حديث الترمذى فمحمله أن النبى صلى الله عليه وسلم ألحق أهل الكساء بحكم هذه الآية وجعلهم أهل بيته كما ألحق المدينة بمكة فى حكم الحرمية بقوله «إن إبراهيم حرم مكة وإنى أحرم ما بين لابتيها" وتأويل البيت على معنييه الحقيقى والمجازى يصدق ببيت النسب كما يقولون: فيهم" البيت" والعدد، ويكون هذا من حمل القرآن على جميع محامله غير المتعارضة، وكأن حكمة تجليلهم معه بالكساء تقوي استعارة البيت
بالنسبة إليهم تقريبا لصورة البيت بقدر الإمكان فى ذلك الوقت ليكون الكساء--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ج 22 ص 15.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
بمنزلة البيت، ووجود النبى صلى الله عليه وسلم معهم فى الكساء كما هو فى حديث مسلم تحقيق لكون ذلك الكساء منسوبا إليه، وبهذا يتضح أن أزواج النبى صلى الله عليه وسلم هن آل بيته بصريح الآية، وأن فاطمة وابنيها وزوجها مجعولون أهل بيته بدعائه أو بتأويل الآية على محاملها» (1).
والشيعة الإمامية يرمون من تفسير هذه الآية كما جاء عند الصافى وغيره من مفسرى المذهب إلى القول بعصمة الأئمة الاثني عشرية.
وهناك أسباب كثيرة ذكرها الاثنا عشرية استوجبت فى نظرهم- عصمة الإمام (فالعصمة فى الإمامة شرط لازم عقلا للاستقامة وحفظ النظام، ومنصب الإمام لطف، وتمكنه من التصرف لطف آخر، فلا يتوقف على كونه مبسوط اليد كالنبى- صلى الله عليه وآله- من غير فرق بينهما (2).
والاثنا عشرية لهم أبحاث مطولة فى عصمة الأئمة، وقد ارتبطت عندهم بعصمة الأنبياء (فالإمام كالنبى يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمدا وسهوا، كما يجب أن يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان، لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه، حالهم فى ذلك حال النبى، والدليل الذى اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق) (3).
ويجمل هاشم معروف الحسنى القول فى مفهوم العصمة بقوله: (إن العصمة ليس لها مفهوم يتخطى إمكانات الإنسان، بنحو يكون هذا المخلوق--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ج 22 ص 15.
(2) عبد الصاحب الحسنى العاملى، روح الإيمان فى الدين الإسلامى ص 245 - 246 - مؤسسة الأعلمى بيروت- لبنان 1395 هـ- 1975 م.
(3) محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية، ص 104.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
البشرى إنسانا آخر له طبيعة غير طبائع الناس، إن المعصوم فى رأى هشام بن الحكم، ورأى جميع الشيعة إنسان يغضب ويرضى، ويحزن ويفرح، ويتلذذ ويتألم، ويجب ويكره إلى غير ذلك من صفات الإنسان، وهذه الحالات وإن كانت من شأنها أن تسيطر على الإنسان، وتسوقه إلى المعاصى والمنكرات واتباع الشهوات واللذات، إلا أنها فى الأنبياء والأئمة (ع) تكون مغلوبة للقوة الخيرة التى تصرفهم إلى الطاعة، وتسيطر على الدواعى التى تحرك إلى المعصية بنحو تصبح تلك الدعاوى معدومة التأثير وكانها لم تكن (1).
وعصمة الأئمة ظهرت بعد وفاة جعفر الصادق على يد هشام ابن الحكم (ت 199 هـ- 815 م) وهو فى أغلب الأقوال أول من تبناها، ودعا لها (وقد رأى بعد إيمانه بالإمامة، وكونها وارثة النبوة أن الإمام أحوج إلى العناية الإلهية من النبى بحكم اتصال الأنبياء بالله عن طريق الوحى وامتناع ذلك على الإمام، فتبنى هشام" العصمة"، وأضافها إلى الأئمة فجعلهم فى مقام يستطيعون منه الصدور عن الحق والصواب دون حاجة إلى الوحى (2).
وذكر عبد القاهر البغدادى (وكان هشام يجيز على الأنبياء العصيان مع قوله بعصمة الأئمة من الذنوب، ورغم أن نبيه صلى الله عليه وسلم عصى ربه عز وجل فى أخذ الفداء من أسارى بدر غير أن الله عز وجل عفا عنه، وتأول على ذلك قوله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ (3).
وفرق فى ذلك بين النبى والإمام بأن النبى إذا عصى آتاه الوحى بالتنبيه على خطاياه، والإمام لا ينزل عليه الوحى، فيجب أن يكون معصوما عن المعصية (4).--------------------------------------------
(1) هاشم معروف الحسنى، الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة ص 205 دار القلم، بيروت- لبنان 1978 م.
(2) الدكتور كامل مصطفى الشيبى، الصلة بين التصوف والتشيع، ص 141 دار المعارف مصر ط 2.
(3) سورة الفتح الآية 2.
(4) عبد القاهر بن طاهر البغدادى (ت 429 هـ) الفرق بين الفرق، ص 42، مؤسسة الحلبى وشركائه،-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
فالعصمة قوة تمنع الإمام من ارتكاب الذنوب مع قدرته على القيام بها حتى يكون هناك معنى للثواب، وتمنعه أيضا من السهو والنسيان والخطأ لأن الإمام حافظ للشرع القوّام عليه، وقد بلغ من العلم والتقوى مرتبة لا يصدر منه ما يجافى الحق لتحكّم قوى الخير فيما يصدر عنه من قول أو فعل.
ومن المواطن التى خالفهم فيها ابن عاشور ما ذكره فى تفسير قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (1).
«وأما الشيعة فإنهم يذكرون التسليم على علىّ وفاطمة وآلهما، وهو مخالف لعمل السلف فلا ينبغى اتباعهم فيه لأنهم قصدوا به الغض من الخلفاء والصحابة» (2).
ونكاح المتعة من القضايا المشهورة فى الفقه الإمامى، وذكر ابن عاشور فى تفسير الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (3).
روايات عدة، منها:
«وذهب جمع: منهم ابن عباس، وأبى بن كعب، وابن جبير أنها، نزلت فى نكاح المتعة لما وقع فيها من قوله فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ونكاح المتعة: هو--------------------------------------------
- تقديم وتعليق طه عبد الرءوف سعد، وانظر الشهرستانى، الملل والنحل ج 1 ص 84، تحقيق محمد سيد كيلانى- مطبعة البابى الحلبى 1396 هـ- 1976 م.
(1) سورة الأحزاب الآية 56.
(2) التحرير والتنوير ج 22 ص 103.
(3) سورة النساء الآية 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)