لدى النفس، والشكل المختل قبيحا، ومع الاعتراف باختلاف الناس فى بعض ما يعبر عنه بالجمال والقبح كما قال أبو الطيب:
ضروب الناس عشاق ضروبا
وأن بعض الناس يستجيد من الملابس ما لا يرضى به الآخر، ويستحسن من الألوان ما يستقبحه الآخر، ومع ذلك كله فالمشاهد أن معظم الأحوال لا يختلف فيها الناس السالمو الأذواق.
فأما المتقدمون فقال سقراط: سبب الجمال حب النفع، وقال أفلاطون: «الجمال أمر إلهى أزلى موجود فى عالم غير قابل للتغير، قد تمتعت الأرواح به قبل هبوطها إلى الأجسام فلما نزلت إلى الأجسام صارت مهما رأت شيئا على مثال ما عهدته فى العوالم العقلية، وهى عالم المثال مالت إليه لأنه مألوفها من قبل هبوطها». وذهب الطبائعيون إلى أن الجمال شىء ينشأ عندنا عن الإحساس بالحواس، ورأيت فى كتاب جامع أسرار الطب للحكيم عبد الملك بن زهر القرطبى «العشق الحسى إنما هو ميل النفس إلى الشيء الذى تستحسنه وتستلذه، وذلك أن الروح النفسانى الذى مسكنه الدماغ قريب من النور البصرى الذى يحيط بالعين ومتصل بمؤخر الدماغ وهو الذكر، فإذا نظرت العين إلى الشيء المستحسن انضم النورى البصرى وارتعد فبذلك الانضمام والارتعاد يتصل بالروح النفسانى فيقبله قبولا حسنا ثم يودعه الذكر فيوجب ذلك المحبة، ويشترك أيضا بالروح الحيوانى الذى مسكنه القلب لاتصاله بأفعاله فى الجسد كله فحينئذ تكون الفكرة والهم والسهر» (1).
رأينا فى المثال الأول من الأمثلة السابقة عند تفسير قوله تعالى:--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 3، ص 226.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ما ساقه ابن عاشور من قول الإمام الفخر الرازى فى مراتب العبادة، وما ذكره الشيخ الرئيس ابن سينا فى المرتبة الثالثة من هذه المراتب.
وفى المثال الثانى كان حول حقيقة الفطرة التى فطر الله الناس عليها كما ذكرها بشيخ الرئيس.
وفى المثال الأخير رأينا اختلاف الحكماء كسقراط وأفلاطون فى أمر الجمال ومذاهب الناس فى رد أسبابه إلى أصول متباينة عندهم، أو نشأته كما عند الطبائعيين، أو تعريف العشق الحسى كما جاء عند عبد الله بن زهر القرطبى فى كتابه جامع أسرار الطب.
وكل تلك الأقوال قد تلقى ضوءا على معنى اللفظة من الآية" العبودية، الفطر، الجمال، الحب أو العشق"، ومعانى تلك الألفاظ قد شغلت الحكماء طويلا، وذهب كل منهم
مذاهب مختلفة فى تحديد مراميها أو دلالاتها، وحين ينقل ابن عاشور هذه الأقوال كان ذلك فى دائرة الاستفادة منها، تعينه فى تعميق معنى اللفظة لا معنى الآية، حيث يبقى هذا المعنى للمفسر، يقترب منه بأدواته المختلفة، ويحيطه بما يستطيعه منها دون أن تنفرد أقوال الحكماء بمعنى الآية أو تطغى عليه.
ومن علوم الهيئة وخواص المخلوقات، وهى من علوم المرتبة الثانية التى صنفها ابن عاشور على هذا النحو، كذا من العلوم التى أشار إليها القرآن الكريم، أو جاءت مؤيدة له والمصنفة عند ابن عاشور فى المرتبة الثالثة … ذكر فى تفسير قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (سورة البقرة: الآية 29).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
«وقد عد الله تعالى فى هذه الآية وغيرها السماوات سبعا، وهو أعلم بها والمراد منها، إلا أن الظاهر الذى دلت عليه القواعد العلمية أن المراد من السموات الأجرام العلوية العظيمة، وهى الكواكب السيارة المنتظمة مع الأرض فى النظام الشمسى، ويدل لذلك أمور، أحدهما: أن السموات ذكرت فى غالب مواضع القرآن مع ذكر الأرض، وذكر خلقها هنا مع ذكر خلق الأرض، فدل على أنها عوالم كالعالم الأرضى، وهذا ثابت للسيارات، ثانيها: أنها ذكرت مع الأرض من حيث إنها أدلة بديع صنع الله تعالى، فناسب أن يكون تفسيرها تلك الأجرام المشاهدة للناس المعروفة للاسم الدال نظام سيرها وباهر نورها على عظمة خالقها، ثالثها: أنها وصفت بالسبع، وقد كان علماء الهيئة يعرفون السيارات السبع من عهد الكلدان وتعاقب علماء الهيئة من ذلك العهد إلى العهد الذى نزل فيه القرآن فما اختلفوا فى أنها سبع، رابعها: أن هاته السيارات هى الكواكب المنضبط سيرها بنظام مرتبط مع نظام سير الشمس والأرض، ولذلك يعبر عنها علماء الهيئة المتأخرون بالنظام الشمسى، فناسب أن تكون هى التى قرن خلقها بخلق الأرض، وبعضهم يفسر السموات بالأفلاك، وهو تفسير لا يصح لأن الأفلاك هى الطرق التى تسلكها الكواكب السيارة فى الفضاء، وهى خطوط فرضية لا ذوات لها فى الخارج» (1).
وما ذكره ابن عاشور فى هذه الفقرة يعد مما أشار إليه القرآن الكريم أو يتفق معه، وابن عاشور يلجأ إلى توضيح ذلك من خلال صياغة القرآن لهذه الحقائق، أو ما وصفه بها، واتفاق العلماء إلى عصر نزوله حولهما، وقد رفض ابن عاشور تفسير بعض العلماء أن السموات هى الأفلاك، وتعليله فى هذا الرفض أن السموات غير الأفلاك، فهى الطرق التى تسلكها الكواكب السيارة--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 385 - 386.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
فى الفضاء، وذكر فى هامش الصفحة نفسها: «إن علماء الهيئة يقسمون الأجرام العلوية أقساما: الأول الشموس، وهى شمس عالمنا هذا، وهنالك شموس أخرى يعبّر عنها بالثوابت، وهى لبعدها الشاسع عنا لم يتيسر ضبط سيرها، ويعبر عن كل شمس بأنه الجرم المركزى، لأنه تتبعه سيارات تدور حوله، الثانى: السيارات وهى الكواكب التى تدور حول الشمس وتستمد نورها من نور الشمس وهى: نبتون، أورانوس، زحل، المشترى، المريخ، الأرض، الزهرة، عطارد. الثالث: نجميات وهى سيارات صغيرة واقعة بين فلكى المريخ والمشترى، الرابعة: الأقمار وهى توابع للسيارات تدور حول واحد من السيارات وهى واحد تابع للأرض وأربعة للمشترى وثمانية لزحل وأربعة لأورانوس وواحد لنبتون، ويعبر عن هذا المجموع بالنظام الشمسى لأن جميع حركاته مرتبطة بحركة الشمس» (1).
وقد وضع هذه الفقرة فى هامش الصفحة زيادة فى توضيح المقصود من الأجرام السماوية، ولكون أقوال العلماء فى ذلك التقسيم ليس مما تسعى إليه الآية ولا هو من تفسيرها، ويؤكد ابن عاشور بعد ذلك ما جاء به القرآن وما يؤيده العلماء.
«هذا وقد ذكر الله تعالى السموات سبعا هنا وفى غير آية، وقد ذكر العرش والكرسى مما يدل على أنهما محيطان بالسماوات، وجعل السموات كلها فى مقابلة الأرض، وذلك يؤيد ما ذهب إليه علماء الهيئة من عد الكواكب السيارة تسعة، وهذه أسماؤها على الترتيب فى بعدها عن الأرض: نبتون، أورانوس، زحل، المشترى، المريخ، الشمس، الزهرة، عطارد، بلكان» (2).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 386.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 366.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
ويقول أيضا:
«والأرض فى اصطلاحهم كوكب سيار، وفى اصطلاح القرآن لم تعد معها، لأنها التى منها تنظر الكواكب وعد عوضا عنها القمر، وهو من توابع الأرض فعدّه معها عوض عن عد الأرض تقريبا لأفهام السامعين، وأما الثوابت فهى عند علماء الهيئة شموس سابحة فى شاسع الأبعاد عن الأرض، ولعل الله لم يجعلها سماوات ذات نظام كنظام السيارات السبع، فلم يعدها فى السموات، أو أن الله إنما عدّلنا السموات التى هى مرتبطة بنظام أرضنا» (1).
وهو فى ذلك لم يسلم بكل ما قاله علماء الهيئة، فأسرار الكون البعيد ما زال أغلبها غامضا عن العقول، بعيدا عن أدوات العلم أو مناهجه، والأبعاد التى أشارت إليها الآية أكثرها لم يقترب منها العقل الإنسانى، وما قرّبه الله إلى أفهامنا إنما هو حث على التدبر والتصديق.--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 366.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
الباب الرابع موقف الطاهر بن عاشور من المذاهب الاعتقادية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
تقديم:
لم يتعرض أحد من المفسرين- على الرغم من اختلاف منازعهم فى التفسير- إلى هذه الكثرة من المذاهب الاعتقادية المختلفة كما تعرض لها ابن عاشور فى تفسيره.
من هذه المذاهب التى تعرض لها: التصرف والاعتزال والجبرية والشيعة والخوارج، وكلها فرق تدور فى دائرة الإسلام، والبهائية وهى خارجة عنه.
وقد تناول فى هذا الاستعراض أبرز قضايا كل مذهب، وقد يتفق معه أحيانا، أو يختلف معه أحيانا أخرى، وهو فى اتفاقه معه يستعين ببعض أقوال رجاله، كما فعل مع المتصوفة والمعتزلة، غير أنه فى اختلافه لا يسعى إلى مناصرة مذهبه السنى فحسب، بل نجده يوفر جهدا واسعا من المعارف والتحليلات التى تهمد تمهيدا حرا للإقناع والإنصاف، أما البهائية فقد وقف منها موقف المعارضة التامة وأخرج متبعيها عن حوزة الإسلام.
وقد رأينا أن نقدم نبذة عند الحديث عن كل مذهب- إذا لزمت الضرورة- تبين أهم أسسه التى يقوم عليها واتجاهاته التى يسعى إليها دون إطالة لا يستفاد منها، ومن ثم إحالة القارئ- فى بعض المواضع- إلى المصادر المعتبرة عند أصحاب المذهب إذا شاء المزيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
أولا: التصوف:
يقول الغزالى عن خواص الصوفية:
«إن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم، بل بالذوق (1) والحال (2) وتبدل الصفات، وكم من الفرق بين أن تعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابها وشروطها، وبين أن تكون صحيحا وشبعان» (3)، ويقول عن هؤلاء المتصوفة وهو يتحدث عن سيرته وسبيله إليهم.
«علمت أنهم أرباب الأحوال، لا أصحاب الأقوال، وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والعلم، بل بالذوق والسلوك» (4).--------------------------------------------
(1) الذوق فى معرفة الله: عبارة عن نور ربانى عرفانى، يقذفه الحق بتجليه فى قلوب أوليائه، فيفرقون بواسطته بين الحق والباطل دون أن يعتمدوا فى ذلك التفريق على كتاب أو غيره.
انظر: كمال الدين عبد الرازق القاسانى" من صوفية القرن الثامن الهجرى"، اصطلاحات الصوفية، تحقيق الدكتور محمد كمال إبراهيم جعفر، ص 162، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1981 م.
(2) الحال عند الصوفية: معنى يرد على القلب من غير تصنع ولا اجتلاب ولا اكتساب من طرب، أو حزن، أو قبض، أو بسط، ويزال الحال بظهور صفات النفس، فإذا دام وصار ملكا يسمى مفاجأة، فالأحوال مواهب، والمقومات مكاسب، فالأولى تأتى بعين الجود، والثانية يبذل المجهود. انظر المصدر السابق ص 62.
(3) أبو حامد الغزالى" ت 505 هـ" المنقذ من الضلال ص 132 حققه وقدمه له د. جميل صليبا، ود. كمال عياد، دار الأندلس بيروت- لبنان ط 8.
والتصوف عند الغزالى:" هو عبارة عن تجرد القلب لله تعالى واستحقار ما سوى الله، وحاصلة يرجع إلى عمل القلب والجوارح" إحياء علوم الدين ج 6 ص 1089 دار الشعب.
انظر كتاب التعريفات، على بن محمد الشريف الجرجانى" ت 816 هـ" مكتبة لبنان- بيروت 1969 م.
(4) أبو حامد الغزالى، المنقذ من الضلال، ص 133.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
وفى رواية عن سهل التسترى" ت 282 هـ" يذكر فيها أصول المتصوفة:" أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة وأداء الحقوق" (1).
وفى معنى قوله صلى الله عليه وسلم:" اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم" (2).
ذكر أبو طالب مكى:" طلب علم القلوب، ومعرفة الخواطر وتفصيلها فريضة لأنها رسل الله تعالى إلى العبد، ووسواس العدو والنفس، فيستجيب لله تعالى بتنفيذ ما سنه إليه، وفيها ابتلاء الله تعالى للعبد، واختيار تقتضيه مجاهدة النفس فى نفسها، ولأنها أول النية التى هى أول العمل، وعنها تظهر الأفعال، وعلى قدرها تضاعف الأعمال" (3).--------------------------------------------
(1) أبو عبد الرحمن السلمى" ولد 412 هـ" طبقات الصوفية ص 220 تحقيق نور الدين شريبة. مطابع دار الكتاب العربى القاهرة 1372 هـ- 1973 م.
(2) جاء فى سنن ابن ماجة:" حدثنا هشام بن عمار: حدث حفص بن سليمان، ثنا كثير بن شنظير، عن محمد بن سرين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب"
وذكر المعلق: فى الزوائد اسناده ضعيف لضعف حفص بن سليمان، وقال السيوطى:" سئل الشيخ محى الدين النووى رحمه الله تعالى عن هذا الحديث، فقال: أنه ضعيف أى سندا، وإن كان صحيحا، أى معنى، وقال تلميذه جمال الدين المزى، هذا حديثه روى من طرق تبلغ رتبة الحسن، وهو كما قال، فإنى رأيت له خمسين طريقا وقد جمعت فى جزء"
ج 1 ص 80 كتاب 17 باب" فضل العلماء والحث على طلب العلم، وانظر شرح مسند أبى حنيفة شرح الملا على القارئ ص 76 قدم له وضبطه الشيخ خليل محيى الدين الميس، دار الكتب العلمية بيروت- لبنان 1405 هـ- 1985 م.
(3) أبو طالب مكى" ت 386 هـ قوت القلوب ج 2 ص 17 المكتبة الحسينية المصرية الأزهر 1351 هـ- 1933.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
وهذا العلم يرتبط بمفاهيم عملية وأخلاقية «فالعلم حرف لا يعربه إلا العمل، والحرف لا يعبر به إلا الإخلاص، والإخلاص حرف لا يعربه إلا الصبر، والصبر لا يعربه إلا التسليم» (1).
وتلعب التجربة الذاتية عند المتصوف دورها المهم، وتنكشف له معانى القرآن- كما يقول أصحاب هذا المذهب- تبعا لعمق كل مرحلة من مراحل التجربة وما تتميز به كل مرحلة من جلد وصدق واستغناء، ويقول الحلاج:
" الحقيقة دقيقة، طرقها مضيقة، فيها نيران شهيقة، ودونها مفازة عميقة، الغريب سلكها يخبر عن قطع مقامات الأربعين، مثل مقام الذوب والرهب، والسلب والطلب، والعجب، والعطب، والطرب والشره، والترة، والصفاء، والصدق، والرفق والعتق، والصريح والتمنى، والعد والكد، والرد والامتداد والاعتداد والانفراد والانقياد والمراد، والشهود والحضور، والرياضة والحياطة .....
فهذه مقامات أهل الصفاء والصفوية، ولكل مقام علو مفهوم وغير مفهوم" (2).
وكما تختلف هذه المقامات وتتدرج مستوياتها تختلف أيضا الحقيقة من صوفى إلى صوفى، ومن مقام إلى آخر، فيعيد تأويلها حسبما تتجلى له فى كل مقام" فلكل صوفى عالم روحى قائم بذاته، والطرق الصوفية المؤدية إلى الله هى بقدر عدد هذه العوالم الروحية، وإذا عرّف بعض علماء الصوفية بأنه- أى التصوف- إدراك الحقائق، فليس لهذا التعريف من معنى إلا أنه إدراك الحقائق--------------------------------------------
(1) محمد بن عبد الجبار النفرى" ت 354 هـ" المواقف والمخاطبات ص 71 تحقيق أرثر إربرى تقديم د. عبد القادر محمود الهيئة المصرية العامة للكتاب 1985 م.
(2) الحسين بن منصور الحلاج، كتاب الطواسين، ص 8، تحقيق وتصحيح، بولس نويا الميسوعى، دار النديم القاهرة 1989 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
الإلهية كما يدركها كل صوفى على حدة، وبمقدار استعداده الروحى وتكوينه" (1).
ومحيى الدين بن عربى" ت 638 هـ" من مفسرى هذا المذهب يقول فى مقدمة تفسيره عن التجربة الروحية التى مر بها «طالما تعهدت تلاوة القرآن وتدبرت معانيه بقوة الإيمان، وكنت مع المواظبة على الأوراد حرج الصدر قلق الفؤاد، لا ينشرح بها قلبى، ولا يصرفها عنى ربى، حتى استأنست بها فألفتها، وذقت حلاوة كأسها وشربتها، فإذا أنا بها نشيط النفس، ثلج الصدر، متسع البال، منبسط القلب، تتكشف لى تحت كل آية من المعانى ما يكل بوصفه لسانى، لا القدرة تفى بضبطها وإحصائها ولا القوة تصير على نشرها، فتذكرت خير من آتى ما ازدهانى، مما وراء المقاصد والأمانى، قول النبى الأمى الصادق عليه أفضل الصلوات من كل صامت وناطق،" ما نزل من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع" (2). وفهمت منه أن--------------------------------------------
(1) الدكتور أبو العلا عفيفى التصوف" الثورة الروحية فى الإسلام ص 118 - 119 دار المعارف- مصر 1963 م.
(2) جاء فى الفتوحات المكية:
" وقد أجمع أصحابنا، أهل الكشف على صحة خبر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى آى القرآن أنه:
" ما من آية إلا ولها ظاهر وباطن وحد ومطلع".
وذكر ابن عربى:
" ولكل مرتبة من هذه المراتب رجال، ولكل طائفة من هذه الطوائف قطب، وعلى ذلك القطب يدور فلك ذلك الكشف".
محى الدين بن عربى- السفر الثالث ج 18 الباب 27 مراتب رجال الله فى فهم مراتب القرآن.- تحقيق د. عثمان يحيى- تصدير ومراجعة د. إبراهيم مدكور، الهيئة العامة للكتاب 1401 هـ- 1981 م، وانظر مقدمة تفسير البغوى، معالم التنزيل، المجلد الأول، ص 35، وانظر السهروردى، عوارف المعارف على هامش الإحياء ج 1 ص 52 طبعة الحلبى- القاهرة 1369 هـ والتفسير والمفسرون ج 2 ص 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
الظهر هو التفسير، والبطن هو التأويل والحد ما يتناهى إليه المفهوم من معنى الكلام، والمطلع ما يصعد إليه منه، فيطلع على شهود الملك العلام" (1).
ويفهم من ذلك أن التفسير عند هؤلاء القوم لا يقوم على الظاهر وما يدل عليه من معان ترتبط بحقيقة الألفاظ أو مدلولاتها فحسب، وإنما يقوم أيضا على الباطن الذى لا تتوقف معانيه عند شاطئ معلوم، فهى تتمدد وتتزايد تبعا لنضج التجربة الروحية للمتصوف، يقول الدكتور السيد خليل:
«المتصوفة ينزعون فى تفسيرهم منزع الرمزيين من أهل الكتاب، فيجعلون كل شىء فى القرآن رمزا لمعنى آخر يتستر وراءه، ولا يحفلون بالمدلول اللغوى حفلهم بهذه الرموز، وتلك الإشارات، ولكنهم لا ينكرون ظاهر اللغة كما يفعل سواهم من الفرق الإسلامية» (2).
ومن شروط هذا التفسير" وجوب الجمع بين الظاهر والباطن دون رفع أحدهما، أو بعبارة أخرى وجوب الجمع بين مدلول التعبير المباشر لبعض الآية، وبين مدلول التعبير الرمزى لها، وعدم جواز التفسير الباطنى إلا لأهل الكشف وبذلك لا تكون فكرة الباطن أو الدلالة الرمزية منفذا يحارب منه، الإسلام لأنها فكرة واسعة لا أدلّ على اتساعها من احتوائها لدوائر تنسب إلى الإسلام--------------------------------------------
(1) محى الدين بن عربى، تفسير القرآن الكريم، المجلد الأول ص 4 - دار السلام- القاهرة، المكتبة العصرية- بيروت- إشراف إبراهيم الأبياري، وانظر مذاهب التفسير الإسلامى ص 248، وكشف الظنون ج 1 ص 233 وطبقات المفسرين للسيوطى ص 37.
(2) الدكتور السيد أحمد خليل- نشأة التفسير فى الكتب المقدسة والقرآن، ص 75 الوكالة الشرقية للثقافة- الإسكندرية 1954 م.
وانظر محى الدين بن عربى- الفتوحات المكية السفر السابع ج 30 ص 158" السعادة كل السعادة فى الجمع بين الظاهر والباطن"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
مثل المشائية الإسلامية والشيعة بجميع فرقها وخاصة الإسماعيلية، وأن يكون للكشف شهود عليه من الكتاب والسنة" (1).
ويقول الدكتور سيد عبد التواب عبد الهادى: «لقد دارت باطنيات اللغة فى أشهر التفاسير الصوفية حول موضوعين رئيسيين هما: الحروف التى فى أوائل السور مثل: الم، طه، ص، ق ..... والبسملة» (2).
البسملة:
ويطلق عليها ابن عربى" فاتحة الفاتحة" ويقول:
«أنه لما قد منا أن الأسماء الإلهية هى سبب وجود العالم، وانها المسلطة عليه والمؤثرة، لذلك كان" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" عندنا خبر ابتداء مضمر، وهو ابتداء العالم وظهوره، لأنه تعالى يقول: ظهور العالم هو" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، أى باسم الله الرحمن الرحيم ظهر العالم، واختصت (البسملة) بالثلاثة الأسماء الإلهية لأن الحقائق تعطى ذلك، فالله: هو الاسم الجامع للأسماء كلها، والرحمن: صفة عامة، رحمن الدنيا والآخرة، بها (أى بالرحمة العامة) رحم الله كل شىء من العالم فى الدنيا» (3).
وكل كلمة، وكل حرف، وكل نقطة من البسملة رموز لمعنى خاص عند ابن عربى، يقول عن رمزية الباء:" بسم" بالباء ظهر الوجود، وبالنقطة تميز--------------------------------------------
(1) الدكتور سيد عبد التواب عبد الهادى- الرمزية الصوفية فى القرآن الكريم 73 دار المعارف، مصر 1979 م.
انظر: مقدمة ابن خلدون ص 490 - المطبعة الأميرية- القاهرة- 1284 هـ وانظر: تاريخ التصوف فى الإسلام للدكتور قاسم غنى ص 59 ترجمة عن الفارسية صادق نشأت- راجعة د. أحمد ناجى القيس، د. محمد مصطفى حلمى- مكتبة النهضة المصرية 1972 م.
(2) " الرمزية الصوفية فى القرآن الكريم" ص 32.
(3) الفتوحات المكية، السفر الثانى ج 9 ص 133 - 134.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
العابد من المعبود، قيل للشبلى- رضى الله عنه- أنت الشبلى؟ فقال: أنا النقطة التى تحت الباء، وهو قولنا: النقطة للتمييز بين العابد والمعبود، وهو وجود العبد بما تقتضيه حقيقة العبودية، وكان الشيخ أبو مدين يقول: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الباء عليه مكتوبة" (1).
وذكر عن رمزية السين:" ثم إنه سكن السين من" بسم" تحت ذل الافتقار والفاقة، كسكوننا تحت طاعة الرسول لما قال تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (2) فسكنت السين من" بسم" لتتلقى من الباء الحق اليقين، فلو تحركت" السين" قبل أن تسكن لاستبدت بنفسها، وضيف عليها من الدعوى وهى سين مقدسة، فسكنت، فلما تلقت من الباء الحقيقة المطوية أعطيت الحركة فلم تتحرك فى بعض المواطن إلا بعد ذهاب الباء .... " (3).
ونقل الدلالة المباشرة للفظ إلى دلالة غير مباشرة على هذا النحو يعد عند الصوفية إشارة إلى معنى باطن مخزون تحت كلام ظاهر، ونوع من أنواع التجربة الذاتية عند المتصوف، ومرحلة من مراحل" الكشف" التى يمر بها.
الحروف المقطعة:
والحروف المقطعة، أو فواتح بعض السور يؤولها المتصوفة تأويلات مختلفة، وقد أخذ تأويلها عند ابن عربى فى" الفتوحات" حيزا كبيرا وعامة الحروف عنده ما لها اختصاص قرآنى، وما ليس لها هذا الاختصاص، وحروف--------------------------------------------
(1) المصدر السابق ص 134.
(2) سورة النساء: الآية 80.
(3) الفتوحات المكية، السفر الثالث ج 9 ص 139 وانظر التحرير والتنوير ج 1 ص 137 وما بعدها" الكلام على البسملة"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
تختص بالبداية وحروف لم تختص لا بالبداية ولا بالختام، ولا ب" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، والحروف عند صاحب الفتوحات مقسمة إلى طبقات، وكل طبقة لها حروفها وخواصها، ويقول عن مصادره فى هذا التأويل: «كشف لنا عن ذلك كشف إلهام» (1). ويذكر فى تصنيفه لهذه الحروف وطبقاتها:
الطبقة الأولى من الخواص حروف السور المجهولة وهم الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والحاء، والقاف، والنون.
واعنى بهذا صورة اشتراكهم فى اللفظ والرقم، فاشتراكهما فى الرقم اشتراكها فى الصورة، والاشتراك اللفظى إطلاق اسم واحد عليها، مثل زيد وزيد آخر، فقد اشتركا فى الصورة والاسم، وأما المقرر عندنا والمعلوم فإن الصاد من" المص" (2) وفى" كهيعص" (3) و" أَحْرَصَ" (4).
ليس كل واحد منهن عين الآخر منهن، ويختلف كل حرف باختلاف أحكام السورة، وأحوالها، ومنازلها، وهكذا جميع الحروف على هذه المرتبة، وهذه تعمها لفظا وخطا (5).
ويذكر عن الطبقة الثانية:
" أما الطبقة الثانية من الخاصة وهم خاصة الخاصة، فكل حرف وقع فى أول سورة من القرآن، مجهولة وغير مجهولة، وهى: حرف الألف، والياء، والباء، والسين، والكاف، والقاف والتاء، والواو، والصاد، والنون، واللام والهاء، والعين (6).--------------------------------------------
(1) الفتوحات المكية، السفر الأول ج 7 ص 352.
(2) سورة الأعراف الآية 1.
(3) سورة مريم الآية 1.
(4) سورة ص الآية 1.
(5) الفتوحات المكية، السفر الأول ج 7 ص 353.
(6) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
وعن الثالثة" وأما الطبقة الثالثة من الخواص وهم الخلاصة فهى الحروف الواقعة فى أواخر السور مثل: النون، والميم، والراء، والباء، والدال، والزاى، والألف، والطاء، والياء، والواو، والهاء، والظاء، والثاء، واللام، والفاء والسين (1).
ويستمر توزيع هذه الطبقات وتقسيم الحروف إلى الخاصة، وخاصة الخاصة، والخلاصة، وصفاء الخلاصة، وعين صفاء الخلاصة، وبالرغم مما سوّده من صفحات كثيرة فى هذا التوزيع والتقسيم يقول: «وربما نرغب فى نقص شىء منها مخافة التطويل» (2).
وهذه هى أهم الأسس والاتجاهات التى يقوم عليها مذهب التصوف خصوصا فى ميدان التفسير ونظرة رجاله إلى النص القرآنى، وأهم ما يلفتنا فى هذا الشأن:
1 - إن الذوق والحال وتبدل الصفات يلعبون دورا أساسيا فى التجربة الصوفية لا يرتقى إليها التعليم أو الوسائل المحررة.
2 - الأصول الأخلاقية للتصوف كما حددتها الرواية عن سهل التسترى:
التمسك بكتابة الله والاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل الحلال وكف الأذى واجتناب الآثام والتوبة وأداء الحقوق.
3 - اختلاف المقامات من مقام إلى آخر عند الصوفى، ووفقا للتجربة الذاتية له يتبعه اختلاف" الحقيقة" حسبما تتجلى له فى كل مقام.
4 - وجوب الجمع بين الظاهر والباطن دون رفع أحدهما فى مجال التفسير القرآنى وعدم جواز التفسير الباطنى إلا لأهل الكشف شريطة أن يكون لهذا الكشف شهود عليه من الكتاب والسنة.--------------------------------------------
(1) الفتوحات المكية، السفر الأول ج 7 ص 353.
(2) المصدر السابق الصفحة نفسها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
وموقف ابن عاشور من هذا المذهب يتضح فيما ذكره من أقوال رجاله، جاء فى المقدمة الثالثة من التحرير والتنوير فى صحة التفسير بغير المأثور ومعنى التفسير بالرأى ونحوه.
«قال الغزالى فى الإحياء" التدبر فى قراءة القرآن إعادة النظر فى الآية، والتفهم أن يستوضح من كل آية ما يليق بها كى تتكشف له من الأسرار معان مكنونة لا تتكشف إلا للموفقين» (1).
وفى معنى الإخلاص نقل عن الغزالى فى تفسير قوله تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ (2).
«عرّف الغزلى الإخلاص بأنه تجريد بقصد التقرب إلى الله والابتعاد عن جميع الشوائب» (3).
ومما نقله عنه أيضا فى تفسير قوله تعالى:
قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (4).
«وقال أبو حامد الغزالى فى المقصد الأسنى: الحكيم ذو الحكمة والحكمة عبارة عن المعرفة بأفضل الأشياء، فأفضل العلوم العلم بالله وأجل الأشياء هو الله، وقد سبق أنه لا يعرف كنه معرفته غيره، وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم فهو الحكيم الحق لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم، إذ أجل العلوم هو العلم الأزلى القديم الذى لا يتصور زواله،
المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء، ولا شبهة ولا يتصور ذلك إلا فى علم الله أه" (5).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير المقدمة الثالثة ج 1 ص 29.
(2) سورة الزمر: الآية 3.
(3) التحرير والتنوير ج 23 ص 378.
(4) سورة البقرة الآية 32.
(5) التحرير والتنوير ج 1 ص 416.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
وفى تفسير قوله تعالى:
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ* إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ* يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (1).
نقل عن الحسن البصرى: (2)
«وأعلم أن رواية رويت عن الحسن البصرى أنه قرأ" الحبك" بكسر الحاء وضم الباء وهى غير جارية على لغة من لغات العرب» (3).
وذكر أيضا بعض ما نسب إليه من أقوال مثل:
«سورة النجم" وقيل: السورة كلها مدينة ونسب إلى الحسن البصرى:
أن السورة كلها مدينة، وهو شذوذ» (4).
وقد قرأنا منذ قليل بعض ما ذكره محيى الدين بن عربى فى تفسير" البسملة" وما يعتقدوه فيها من إشارات باطنية أو رمزية، ونرى ابن عاشور، يفسرها بعيدا عن هذه الإشارات، وذكر فى تفسيرها:--------------------------------------------
(1) سورة الذاريات الآية 7، 8، 9.
(2) هو أبو سعيد الحسن بن يسار البصرى كان من سادات التابعين وكبرائهم سنا ومقاما.
وقال: لقيت من الصحابة سبعين بدريا وثلاثمائة صحابى. وكان مولده لسنتين خلتا من خلافة عمر، وكان أبوه مولى لزيد بن ثابت الأنصارى رضى الله عنه وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم، وتغيب عنه أمه أحيانا فيبكى فتأخذ أم سلمة تعلله بثديها حتى تعود أمه، ولتكرار محاولات إسكاته در عليه ثديها فرضع منها، فهو من بيت النبوة رضاعة، ويعتبره الصوفية فى رأس سلسلة سند التصوف فهم يقولون أن الحسن أخذ الطريقة، (ولبس الخرقة) من الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه، وعلى أخذها من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان من أهم مظاهر التصوف عند الحسن البصرى سيطرة الحزن والخوف من الله سبحانه وتعالى.
انظر وفيات الأعيان لابن خلكان ج 2 ص 69 ترجمة د. إحسان عباس ط صادر، بيروت.
(3) التحرير والتنوير ج 26 ص 341.
(4) التحرير والتنوير ج 27 ص 87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
«وقال الأستاذ الإمام محمد عبده: أن النصارى كانوا يبتدئون أدعيتهم ونحوها باسم الأب والابن والروح القدس إشارة إلى الأقانيم الثلاثة عندهم، فجاءت فاتحة كتاب الإسلام بالرد عليهم موقظة لهم بأن الإله الواحد وإن تعددت أسماؤه فإنما هو تعدد الأوصاف دون تعدد المسميات، يعنى فهو رد عليهم بتغليظ وتبليد. وإذا صح أن فواتح النصارى وأدعيتهم كانت تشتمل على ذلك- إذا الناقل أمين- فهى نكتة لطيفة.
وعندى أن البسملة كان ما يراد منها قد جرى على ألسنة الأنبياء من عهد إبراهيم عليه السلام فهى من كلام الحنيفية، فقد حكى الله عن إبراهيم أنه قال لأبيه يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ (1) وقال سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (2) ومعنى الحفى قريب من معنى الرحيم.
وحكى عن قوله وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (3)
وورد ذكر مرادفها من كتاب سليمان إلى ملكة سبأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (4) والمظنون أن سليمان اقتدى فى افتتاح كتابه بالبسملة بالبسملة بسنة موروثة من عهد إبراهيم جعلها إبراهيم كلمة باقية فى وارثى نبوته، وأن الله أحيا هذه السنة فى الإسلام فى جملة ما أحيا له من الحنيفية.
كما قال تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ (5).--------------------------------------------
(1) سورة مريم الآية 45.
(2) سورة مريم الآية 47.
(3) سورة البقرة الآية 128.
(4) سورة النمل الآية 30.
(5) التحرير والتنوير ج 1 ص 151 والآية من سورة الحج 78.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
ومن المواطن التى وافقهم فيها ما ذكره فى تفسير قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (1).
«وقد فسّر الصوفية العبادة بأنها فعل ما يرضى الرب والعبودية بالرضا بما يفعل الرب، فهى أقوى، وقال بعضهم: العبودية الوفاء بالعهود، وحفظ الود، والرضا بالموجود، والصبر على المفقود، وهذه اصطلاحات لا مشاحة فيها» (2).
الحروف المقطعة عند ابن عاشور:
كذلك قرأنا تأويل ابن عربى للحروف المقطعة وتصنيفه لهذه الحروف وطبقاتها وما ذكره عن مصادره فى هذا التأويل، ونرى ابن عاشور يذكر فى أول تفسير سورة البقرة:" الم".
«تحير المفسرون فى محل هاته الحروف الواقعة فى أول هاته السور، وفى فواتح سور أخرى عدة، جميعها تسع وعشرون سورة ومعظمها من السور المكية، وكان بعضها فى ثانى سورة نزلت وهى ن وَالْقَلَمِ (3) وأخلق بها أن تكون مثار حيرة ومصدر أقوال متعددة وأبحاث كثيرة، ومجموع ما وقع من حروف الهجاء أوائل السور أربعة عشر حرفا وهى نصف حروف الهجاء وأكثر السور التى وقعت فيها هذه الحروف: السور المكية عدا البقرة وآل عمران، والحروف الواقعة فى السور هى- أ، ح، ر، س، ص، ط، ع، ق، ك، ل، م، ن، هـ، ى بعضها تكرر فى سور وبعضها لم يتكرر، وهى من القرآن لا محالة ومن المتشابه فى تأويلها.--------------------------------------------
(1) سورة الفاتحة الآية 5.
(2) التحرير والتنوير ج 1 ص 180.
(3) سورة القلم الآية 1.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)