Arabic source text

📘 আন-নাসখু ইনদাল ফাখরির রাযী (মাহমুদ মুহাম্মদ আল-হানতুর)

📘 النسخ عند الفخر الرازي (محمود محمد الحنطور)

📘 আন-নাসখু ইনদাল ফাখরির রাযী (মাহমুদ মুহাম্মদ আল-হানতুর)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
النسخ عند الفخر الرازي (محمود محمد الحنطور)القسم: علوم القرآن وأصول التفسير
الكتاب: النسخ عند الفخر الرازي
المؤلف: محمود محمد محمد الحنطور
الناشر: مكتبة الآداب - القاهرة
الطبعة: الأولى، 2002 م
عدد الصفحات: 143
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 14 محرم 1433

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)

‌‌[كلام من وحي]
قال تعالى:
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 106]
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرعد: 39]
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل: 101].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)

‌‌التقديم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 4)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، فمن نعم الله تعالى على عباده العلم الذى يثمر المعرفة التى أصبحت أساسا فى الوصول إلى الحق فى الخلق، وعنوانا على الطريق الصحيح فى الوصول إلى رب العالمين؛ الذى أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة والتى لا ينكرها إلا جاحد، رفض رجوع الفضل إلى صاحبه، الذى نعبده ونستعينه ونستهديه فى كل أعمالنا، كى نحقق الغرض من خلقنا ألا وهو العبادة الصحيحة، والاعتراف بوحدانية الخالق- سبحانه وتعالى من خلال الدين الخاتم والقرآن الخالد؛ الذى تظهر معجزاته كل يوم فى شتى المعارف، ومختلف العلوم التى جعلت أصحابها بدورا تنير للناس الطرق، وتهدى العالم إلى السبل بعد رسل الله- عليهم السلام، فقد اختلفت الأمم، وأجدبت الحضارات وتشعبت الناس، ما بين غرب وشرق، وشمال وجنوب، نسوا أن الحق- سبحانه وتعالى واحد، والرسول واحد والكتاب واحد، فأين يذهبون؟!
فمهما بعدوا عنه، أو تركوه، أو تناسوه، فلن ينصلح آخرهم إلا بما صلح به أولهم، وصدق الله العظيم: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: 107] ومعطيات الرحمة فى الاتحاد لا فى الافتراق والتشيع والتحزب، والرحمة فى العبادة لا فى الإلحاد والكفر والمروق عن الدين، والرحمة فى السمع والطاعة لأوامر الله تعالى ونواهيه وأن الله تعالى سينصر عباده، وحزبه، ما داموا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)

مخلصين فى العبادة، مسيطرين على الدنيا بتقواهم، وعلومهم لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22].
وإنى على ثقة تامة أن الإسلام هو الحق، والقرآن هو الفيصل للعالم فى عصرنا الحاضر، وما يقدمه هذا الدين للعالم كله هو المفتاح السحرى لمشكلات العصر، وقضايا السيادة، ومشكلات الانفراد بالهيمنة والثقافة والفكر على العالم من دولة أو مجموعة دول لكى يصبح العالم كله قرية واحدة أو فكرة واحدة تدور فى فلك القوى مهما كانت نوازعه أو مطالبه، فى هدم القيم الثابتة لدى الأمم، وسلخ الإيمان الراسخ عند الشعوب المتدينة، وقلب الفطرة إلى الأنانية المطلقة، والخصوصية البغيضة التى دعا الإسلام إلى تجاوزها، والتعاون على البر والتقوى، والنفع العام للجميع دون تمييز أو مفاضلة وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [المائدة: 4].
وخير دليل على شمولية الإسلام، وعمومية رسالته، ما وجدته عند الرازى الذى نشأ فى بيئة فارسية أو إيرانية، ومع ذلك جادل وناقش كل الفرق التى تدعى الإسلام، وتطبق غيره، ونجح فى صراعه، وبلغ الذروة فى دفاعه عن دينه، دون أن يعلو بجنس أو يفتخر بقوم، بل جعل الإسلام هو أصله الذى يدافع عنه وينتصر له، حتى تحقق له ما أراد، ولقد شجعتنى سيرة الفخر الرازى، وما

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)

دار حولها وبسببها فى الدخول إلى عالمه الذى جمع العلوم فوعاها، وفتق أكمام الشريعة فأعلاها، فاستخرت الله تعالى، مستعينا به فى الولوج إلى هذا الخضم من التراث، كى أفتح لنفسى نافذة على فكر الرازى، لعلى أحظى بفكرة صائبة أو أرجع بيان واضح، ودليل راجح عن هذا الرجل فى موضوع كتب فيه الكثيرون حتى أشبعوه، ولم يتركوا شاردة ولا واردة قديما ولا حديثا، وهو النسخ فى القرآن، ولكنى أحببت أن أنفذ إلى الرازى من خلال هذا الموضوع، الذى كثر الجدل فيه عسى أن أخرج منه بما أشتهى، وإلا فقد حاولت، والله المستعان على المراد وهو نعم المولى ونعم النصير.
د. محمود محمد الحنطور الأستاذ المساعد بكلية الدعوة بالمدينة المنورة فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الثلاثاء فى 23 جمادى الآخرة 1422 هـ 11 سبتمبر 2001 م

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)

‌‌الفصل الأول حياة الرازى
التمهيد
اسمه ونسبه.
مولده ووفاته
نشأته وصفاته
الرازى بين المدح والذم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)

‌‌التمهيد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)

لقد شغل الرازى الناس فى عصره، وملأ الدنيا علما وفكرا، وما زلنا نذكره بخير من خلال ما سطره بنانه من صفحات، وما بزّ فيه أقرانه من مناظرات ومحاورات، تثبت أن هذا الرجل مكتبة متحركة أينما حلت أفادت، وحيثما توجهت أنارت الطريق أمام السائلين، والمتعلمين، والعلماء، والباحثين، ولقد صدق وصف السبكى فيه «انتظمت بقدره العظيم عقود الملة الإسلامية، وابتسمت بدره النظيم ثغور الثغور المحمدية» (1).
فآثاره العلمية والأدبية والفلسفية والشرعية تدل عليه دلالة واضحة، وما سجله العلماء والباحثون والمؤرخون فى حياته أو عن حياته، وبعد مماته خير دليل على هذه الآثار وتشهد على أننا أمام دائرة معارف متكاملة الفروع، ومتنوعة الأصناف ما بين طب ودين وأدب وفلسفة عربية وفارسية، فالناظر فى حياة الرجل يجده موسوعيا، لا يدرى الناظر فى علومه من أين يبدأ، ولا من أى الفنون يأخذ، فهو رأس فى الذكاء والعقليات، وبحر فى العقائد والحكمة والشرعيات تفسيرا وفقها وأصولا.
وكتابه الكبير «مفاتيح الغيب» (2) أو «التفسير الكبير» بلغ اثنين وثلاثين جزءا من الحجم الكبير والورق الكبير، الذى يربو على تفسير الطبرى بعدة أجزاء، وليس له مثيل بين كتب التفسير.
وكذلك كتابه الفذ فى أصول الفقه، الذى يعد علما على--------------------------------------------
(1) السبكى: طبقات الشافعية 8/ 81 ط الحلبى.
(2) طبع الكتاب باسم التفسير الكبير، فى عدة دول إسلامية، وأعتمد على طبعة دار الكتب العلمية بطهران، الطبعة الثانية بدون تاريخ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)

صاحبه، بجانب من كتبوا فى هذا الفن من العلماء الأجلاء، والكتاب هو «المحصول فى علم أصول الفقه» (1) وهو أصل فى بابه وفنه.
والكتب فى انتشارها، وقبولها بين الناس، كالمعادن النفيسة كلما خلصت نية صاحبها فى كتابتها، وكملت أدواته ومعلوماته زادت رواجا وانتشارا، ولمعانا على حق لا على زيف، لذلك قال الذهبى فى العبر عن الرازى «ورزق الحظوة فى تصانيفه، وانتشرت فى الأقاليم» (2) وهذه ميزة أخرى تضاف إلى ما سبق من ميزات انفرد بها الفخر الرازى بين العلماء، بالإضافة إلى سجل حافل بالدراسات والبحوث والرسائل العلمية حول هذه الشخصية الفريدة، وما قدمته فى مجالات شتى، وعلوم متنوعة، توشك هذه الدراسات والبحوث فى الجامعات ومعاهد العلم والمكتبات أن تقارب مقدار ما كتبه بل تزيد على ذلك كثيرا، وسيظل الرازى (3) نبعا يفيض بالعطاء كلما جال العلماء فى فكره وكتبه، ونقبوا عن كنوزه ودرره، وهكذا الكبار من العلماء تفنى أجسادهم وتبقى علومهم وفنونهم نبراسا لكل العصور، يتجدد عطاؤه مع تجدد الأيام والليالى خلودا وصعودا وفكرا وحكمة.--------------------------------------------
(1) طبع الكتاب باسم المحصول فى علم أصول الفقه للرازى، طبعة لجنة البحوث بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1399 هـ- 1979 م، وحققه د. طه جابر فياض العلوانى فى عدة مجلدات.
(2) الذهبى: العبر فى خبر من غبر 3/ 142.
(3) انظر: المبحث الخاص بالرازى من كتاب «إلى طه حسين فى عيد ميلاده السبعين» بقلم چورچ قنواتى، إعداد عبد الرحمن بدوى، ط دار المعارف- مصر 1962 م.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)

‌‌اسمه ونسبه:
تتفق المصادر التى أرخت لحياة الرازى على أن اسمه: محمد بن عمر بن الحسين بن على، القرشى، البكرى، التيمى، الطبرستانى الأصل، الرازى المولد، الشافعى المذهب المدافع عن عقيدة أهل السنة والجماعة، ابن خطيب الرى من أهم مدن إيران آنذاك.
وأما كناه فكثيرة، وألقابه فأكثر، ويبقى ما اشتهر به، ولقب به الفخر الرازى أو فخر الدين الرازى (1)، وكثرة الكنى والألقاب تدل على شرف صاحبها وعلو منزلته بين أقرانه، وعلماء عصره.
…--------------------------------------------
(1) راجع:
- ابن الأثير: الكامل فى التاريخ 9/ 302.
- الذهبى: تاريخ الإسلام 43/ 211 فى الهامش سجل حافل عن سيرة الرازى قديما وحديثا. ط دار الكتاب اللبنانى 1997 م.
- ابن كثير: البداية والنهاية 17/ 11.
- السبكى: طبقات الشافعية 8/ 81.
- ابن حجر العسقلانى: لسان الميزان 4/ 426.
- ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة 6/ 175.
- ابن العماد الحنبلى: شذرات الذهب 7/ 40.
- ياقوت الحموى: معجم البلدان 3/ 116.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)

‌‌مولده ووفاته
ولد الرازى بالرّى من أهم مدن إيران، وأكثرها رواجا فكريا وعلميا فى عهده وزمانه، فى سنة أربع وأربعين وخمسمائة من الهجرة النبوية، وهى أرجح الأقوال عند علماء التاريخ والتراجم، وهذا قريب مما ذكره عن نفسه (1)، حينما انتهى من تفسير سورة يوسف- عليه السلام فى يوم الأربعاء، السابع من شعبان فى سنة إحدى وستمائة من الهجرة، وكذلك عند ما انتهى من تفسير سورة التوبة فى يوم الجمعة الرابع عشر من رمضان فى السنة نفسها، مما يؤكد وجوده بين سنة إحدى وستمائة، وست وستمائة من الهجرة، فقد توفى فى ذى الحجة يوم عيد الفطر من سنة ست وستمائة، فى مدينة هراة من المدن الأفغانية وقد أجمعوا على هذا التاريخ، وأرجعوا سبب وفاته إلى ما كان بينه وبين الكرّامية (2) من خلافات، فقد نال منهم كثيرا وصدهم بالحجة والمنطق والبرهان، ونالوا منه سبا ورميا بالكبائر والكفر، حتى قيل إنهم دسوا إليه من سقاه سما فمات (3).
…--------------------------------------------
(1) د. محمد إبراهيم عبد الرحمن: منهج الفخر الرازى 25.
(2) الكرامية: بفتح الكاف وتشديد الراء، ينتسبون إلى محمد بن كرام السجستانى من دعاة التجسيم والإرجاء، وجعل الله تعالى محلا للحوادث وجوهرا، وهم أهل ضلالة وكفر. البغدادى: الفرق بين الفرق 25، 5/ 2.
(3) الذهبى: العبر 3/ 142.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)

‌‌نشأته وصفاته:
يعد الفخر الرازى نموذجا للعالم الذى لا يتوقف عند علم معين، بل أخذ من كل العلوم بحظ وافر، مما جرّ عليه الأحقاد، وزاد له فى الحسّاد، فى حياته وبعد مماته، فقد نشأ الرازى فى البيئة الإيرانية فى القرن السادس الهجرى، وبدايات الصراح بين المغول والمسلمين، وما سبق زحفهم على بلاد الإسلام والعراق بخاصة، وتدنّى الحضارة الإسلامية بسبب الصراعات والانقسامات بين دويلات العالم الإسلامى آنذاك، فالرى العاصمة الكبرى والمدينة العظمى لبلاد إيران وخراسان وخوارزم، وما كانت تموج به من فكر وثقافة وعلم، تحولت فى عهد الرازى إلى دمار وخراب، لولا فطنة بعض السلاطين مثل شهاب الدين الغورى سلطان غزنة، وعلاء الدين خوارزم شاه صاحب خراسان، فى الحفاظ على الدين واللغة والعلوم، لما وجدنا مثل الرازى، وغيره من العلماء الكبار الذين حملوا مشعل العلم والحضارة للعالم كله، يصححون المعوج من العقائد، ويقيمون الصحيح من الشريعة الإسلامية، ويدافعون عن الدين بكل ما رزقهم الله تعالى به من فهم ثاقب، وإخلاص نادر.
عاش الرازى فى هذا العصر المضطرب، متعلما ودارسا على والده ضياء الدين خطيب الرى، وصاحب كتاب «غاية المرام فى علم الكلام»، وقد أخذ أبوه علم الأصول والكلام عن تلامذة الجوينى إمام الحرمين الذى أخذ عن أبى إسحاق الأسفراييني، والذين أخذوا الأصول عن أبى الحسن الأشعرى، وكذلك تفقه الفخر الرازى على والده الذى تفقه على الإمام البغوى الذى تفقه على مذهب الشافعى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)

ودافع عنه، وكذلك أخذ الفخر الرازى عن المجد الجيلى علوم الحكمة، وتفقه على الكمال السمنانى، ويقال إنه حفظ كتاب «الشامل» فى علم الكلام للإمام الجوينى (1).
حرص الرازى على الصدارة فى العلوم الشرعية والحكمية والوعظ والتصوف الذى اتصل بقطب عصره فيه ابن عربى (2) صاحب الفتوحات المكية المشهورة وفصوص الحكم.
بدأ الرازى حياته فقيرا ثم فتحت عليه الأرزاق وانتشر اسمه وبعد صيته، وقصد من أقطار الأرض لطلب العلم، وتغير حاله إما بسبب (3) زواج ابنيه من كريمتى أحد الأطباء المشهورين فى عصره وفى بلده، أو بسبب ما أغدقه عليه أو أعطاه سلطان غزنة شهاب الدين الغورى من أموال، وعطايا وكذلك السلطان علاء الدين خوارزم شاه، فقد حظى الرازى بالمنزلة الكبرى والدرجة العليا عنده، لوعظه المبكى، وعلمه النقى، فلما مات الرازى ترك ثروة هائلة من جملتها ثمانون ألف دينار، ما عدا العقارات والعبيد والدواب وغير ذلك، وجمع كل ما تقدم غير مستحيل، والدليل على ما أنعم الله به على الرازى من منزلة ومكانة بين الناس ما ذكره الذهبى «وكان ربع القامة، عبل الجسم، كبير اللحية، جهورى الصوت، صاحب وقار وحكمة، له ثروة ومماليك، وبزة حسنة،--------------------------------------------
(1) السبكى: طبقات الشافعية 8/ 95 - 2/ 37.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية 13/ 149، والذهبى: تاريخ الإسلام 46/ 374 محمد بن على بن محمد بن عبد الله الطائى الأندلسى الصوفى هو ابن عربى، ومحيى الدين توفى 638 هـ، وهو قدرة أهل
الوحدة القائلين بوحدة الوجود، وهو متهم فى آرائه وفكره.
(3) الذهبى: العبر 3/ 143.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)

وهيئة جميلة، إذا ركب مشى معه نحو ثلاثمائة مشتغل على اختلاف مطالبهم فى التفسير والفقه والكلام والأصول والطب وغير ذلك، فكان فريد عصره، ومتكلم زمانه» (1) وكلام الذهبى يغنى وإن كان النص فيه مبالغة، لكنها مقبولة فى زمن كاد فيه العالم أن يكون رسولا، يأخذ الناس عنه، ويتعلم الجميع منه وبخاصة تلك البلاد المحبة للدين، المتعطشة للحكمة والفلسفة.
والرازى من بيت علم، وصاحب علم، فلا مانع من ملاحقة طلبة العلم له، فى كل وقت كى ينالوا مما عنده، ويزدادوا مما حباه الله تعالى به من علوم وفنون مجتمعة فى شخص واحد، وهى ميزة ينفرد بها القلائل من العلماء، والأفذاذ من الرجال، ومن هنا فقد صدق من سماه (2) بإمام الدنيا فى عصره، وحق له ذلك وزيادة، فسبحان الله القائل: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح: 5، 6]، ولن يغلب عسر واحد يسيرين أبدا، والرازى أهل للخير والعلم، فجمع الله تعالى له بين الثراء المادى والعلمى كى يتفرغ للعلم والدفاع عن الدين بما أوتى من ذكاء وفطنة ورجحان عقل، وغلبة حجة على المارقين عن الإسلام والخارجين عن طاعة الله تعالى، وذلك من خلال الحكمة والموعظة الحسنة: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل: 125].--------------------------------------------
(1) الذهبى: العبر 3/ 143.
(2) ابن الأثير: الكامل 9/ 302.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)

‌‌الرازى بين المدح والذم:
الفخر الرازى مدحه كثيرون، وذمه آخرون، وهذه طبيعة الكبار من الرجال يختلف الناس حولهم ما بين مادح وقادح، والعبرة بما بقى وأصبح تراثا خالدا من أقواله وأعماله وأفكاره التى يتجدد عطاؤها يوما بعد يوم، حتى عدّه العلماء على رأس المائة السادسة من المجددين لها، الذين أحيوا ما اندرس من الدين، واجتهد فيما جدّ على عصره من شئون وعلوم، ذكر الذهبى عن أبى شامة قوله «وقد رأيت جماعة من أصحابه قدموا علينا دمشق، وكلهم كان يعظمه تعظيما كبيرا، ولا ينبغي أن يسمع فيمن ثبتت فضيلته كلام يستبشع، لعله من صاحب غرض من حسد، أو مخالفة فى مذهب أو عقيدة» (1).
وهذه شهادة جليلة القدر من عالم رفيع القدر فى النقد والرجال والجرح والتعديل، وهى خير دليل على أن الرجل أى الرازى ثارت حوله الأحقاد، وكثر فيه الحساد، وهذا ليس غريبا على مثل هذه الشخصية الفذة، التى نبغت فى كل العلوم، وناقشت، وناظرت، وتصوفت (2) حينا ثم رجعت إلى صوابها من الالتزام بطريقة السلف، قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح حدثنى القطب الطوغانى مرتين أنه سمع الفخر الرازى يقول «يا ليتنى لم أشتغل بالكلام وبكى» (3)، وما ذلك إلا لعدم الفائدة من هذا العلم، وقلة جدواه، فهو مشغلة بدون فائدة.--------------------------------------------
(1) الذهبى: تاريخ الإسلام 43/ 216.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية 17/ 11.
(3) الذهبى: تاريخ الإسلام 43/ 218.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)

وأما ما قيل عن تفسيره، فيه كل شىء إلا التفسير، فقد قالوا أيضا فيه كل شىء مع التفسير، ردا على من زعم هذا، قال عبد العزيز المجدوب «وأما ابن تيمية فتحامله ناشئ عما بينه وبين الرازى من اختلاف مذهبى واضح، فمذهبه سلفى حنبلى أما الرازى فأشعرى شافعى» (1) ثم يذكر المؤلف أن ابن تيمية على الرغم من نقده للرازى تأثر به وأخذ بأسلوبه فى المناظرة والكتاب، ولقد مهد الرازى الطريق أمام ابن تيمية وغيره من العلماء فى طرق الدفاع عن الدين وتفنيد حجج المعارضين.
ولقد مدح الرازى ودافع عنه السبكى (2) فى طبقاته، وابن حجر العسقلانى (3) فى لسانه كثيرا، ذاكرين له فضله، وسبقه وثقته وعلمه مهما قيل عنه أو رمى به.
وعظ الرازى مرة عند السلطان شهاب الدين الغورى فقال: يا سلطان العالم، لا سلطانك يبقى، ولا تلبيس الرازى يبقى، وقرأ قوله تعالى: لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ [غافر:
43] فأبكى السلطان ومن حوله من وعظه.
ولم يكن الرازى متعصبا لرأى بل دافع عن عقيدة أهل السنة والجماعة بالبراهين الواضحة، والأدلة القاطعة التى جعلت أصحاب الفرق المختلفة يندثرون شيئا فشيئا، ولما أعيتهم المناقشة وأعجزتهم الحجة سموه أو دسوا من يضع له سما حتى يتخلصوا منه كلية، بعد--------------------------------------------
(1) عبد العزيز المجدوب: الرازى من خلال تفسيره 37.
(2) السبكى: طبقات الشافعية 8/ 81 - 96.
(3) ابن حجر العسقلانى: لسان الميزان 4/ 426 - 429.
- محمد عبد الرحمن المغراوى: المفسرون 2/ 47.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)

أن جابه أقرانه وأعداءه، والفرق المختلفة، دون غلو أو شطط، وكان أبرزها الكرامية السابق ذكرهم.
ومن كلام الفخر الرازى فى وصيته لتلميذه إبراهيم بن أبى بكر الأصفهانى «ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوى الفائدة التى وجدتها فى القرآن لأنه يسعى فى تسليم العظمة والجلالة لله تعالى، ويمنع عن التعمق فى إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى فى تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية، فلهذا أقول: كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده ووحدته، وبراءته من الشركاء فى القدم والأزلية والتدبير والفعالية، فذلك هو الذى أقول به وألقى الله به» (1).
مما سبق من مدح وقدح، ومناظرات واعترافات آخرها ما ذكره لتلميذه، نستشف رجوع الرازى الصادق إلى طريق الله القويم وعقيدة المسلمين التى لا تقبل جدالا ولا مواربة، فشهد الرازى على نفسه بعد أن جرّب المناهج والطرق أن العقل قاصر مهما أوتى من فطنة وذكاء، والقاصر لا يستطيع أن يدرك كمال الله تعالى وعظمته إلا بالخضوع له والتسبيح بحمده وعبادته حق العبادة، وأن الله تعالى الخالق والمعبود بحق، فالرجوع إلى الحق أحق، والاعتراف بالتقصير بداية تصحيح الخطأ، والوقوف على الصراط المستقيم، وهذا سبيل الصادقين مع أنفسهم من العلماء الذين انتفعوا بما علموا، ووقفوا عند ما لم يعلموا، فقد جدد الرجل العهد مع الله تعالى على أن القرآن هو أساس كل حكمة، وعنوان كل فائدة، أما مناهج هؤلاء--------------------------------------------
(1) الذهبى: تاريخ الإسلام 43/ 221.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)

الفلاسفة وطرائق تلك المتصوفة، فلا تسمن ولا تغنى من جوع، فالحق أبلج واضح، والباطل لجلج، مهما طال أمده أو كثر أتباعه فهو زائل مع ظهور الحق، وبيان الصواب، ولقد صدق الرازى فيما نبغ فيه، وأعطى دينه ما يستحقه من إخلاص، وعبد ربه- تعالى ذكره- عبادة المؤمنين، الراغبين فى العفو والمغفرة، الطامعين فى جنات الله تعالى يوم القيامة.
***

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)

‌‌الفصل الثانى وقفات مع وصية الرازى
الوقفة الأولى: منهجه فى العقيدة
الوقفة الثانية: مع كتبه ومصنفاته، وما جلبته عليه من أعداء

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)