قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة قوله:"لا يضركم".
فقرأ ذلك جماعة من أهل الحجاز وبعضُ البصريين: (لا يَضُرُّكُمْ) مخففة بكسر"الضاد"، من قول القائل:"ضارني فلان فهو يضيرني ضيرًا". وقد حكي سماعًا من العرب:"ما ينفعني ولا يضورني"، فلو كانت قرئت على هذه اللغة لقيل: (لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) ، ولكني لا أعلم أحدًا قرأ به". (1)
* * *
وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة وعامة قرأة أهل الكوفة: (لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) بضم"الضاد" وتشديد"الراء"، من قول القائل: ضرّني فلان فهو يضرني ضرًا".
* * *
وأما الرفع في قوله:"لا يضركم"، فمن وجْهين.
أحدهما: على إتباع"الراء" في حركتها = إذْ كان الأصل فيها الجزم، ولم يمكن جزمها لتشديدها = أقربَ حركات الحروف التي قبلها. وذلك حركة"الضاد" وهي الضمة، فألحقت بها حركة الراء لقربها منها، كما قالوا:"مُدُّ يا هذا".
والوجه الآخر من وجهي الرفع في ذلك: أن تكون مرفوعة على صحة، وتكون"لا" بمعنى"ليس"، وتكون"الفاء" التي هي جواب الجزاء، متروكة لعلم السامع بموضعها.
وإذا كان ذلك معناه، كان تأويل الكلام: وإن تصبروا وتتقوا، فليس يضرُّكم كيدهم شيئًا - ثم تركت"الفاء" من قوله:"لا يضركم كيدهم"، ووجهت"لا" إلى معنى"ليس"، كما قال الشاعر: (2)
فَإنْ كَانَ لا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي … إلَى قَطَرِيٍّ، لا إخَالُكَ رَاضِيَا (3)(1) انظر معاني القرآن للفراء 1: 232.
(2) هو سوار بن المضرب السعدي التميمي.
(3) نوادر أبي زيد: 45، الكامل 1: 300، حماسة ابن الشجري: 54، 55، معاني القرآن للفراء 1: 232، من أبيات ضرب بها وجه الحجاج بن يوسف الثقفي، لما كتب على بني تميم البعث إلى قتال الخوارج، فهرب سوار وقال: أَقَاتِلِىَ الحَجَّاجُ أَنْ لَمْ أَزُرْ لَهُ … دَرَابَ، وَأَتْرُكْ عِنْدَ هِنْدٍ فُؤَادِيَا?
فَإن كُنْتَ لا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي … إلَى قَطَرِيٍّ، لا إِخالُكَ رَاضِيَا!!
إذَا جَاوَزَتْ دَرْبَ المُجِيزِينَ نَاقَتي … فَبِأسْتِ أبي الحَجَّاجِ لَمَّا ثَنَانِيَا
أَيَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وطَاعَتِي، … وَدُونِي تَمِيمٌ، والفَلاةُ وَرَائِيَا!!
وقوله: "دراب" يعني: دراب جرد، وهي بلدة في بلاد فارس، وكان المهلب يومئذ يقاتل بها الخوارج ورأسهم قطرى بن الفجاءة. ثم يقول له في البيت الثاني: إن كان لا يرضبيك إلا ردي إلى قتال قطري، فلا أظنك تبلغ رضاك، فإنك غير مدركي، ولن تنالني يدك. يسخر بسطوة الحجاج. وقوله: "درب المجيزين" هم المقيمون على أبواب المدن والثغور. يمنعون الخارج والداخل، إلا من كان بيده جواز معطى من أميره. يقول: إذا جاوزت الدرب فيا بعد يديك عن أن تنالني وتثنيني عن وجهتي! والشاهد عند الطبري هو في قوله: "لا إخالك راضيًا"، أي: فلست إخالك راضيًا.

(খণ্ড: ٧) (পৃষ্ঠা: ١٥٧)