أبو سعيد اليحمَديّ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا سَوار بن الجعد اليحمَديّ، عن شَهر بن حَوْشب، قوله:"من الجنّ"، قال: كان إبليس من الجن الذين طرَدتهم الملائكة، فأسرَه بعض الملائكة فذهب به إلى السماء (1) .
699 - وحدثني علي بن الحسين، قال: حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الخلال، قال: حدثني سنيد بن داود، قال حدثنا هشيم، قال أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نُمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود، قال: كانت الملائكة تقاتل الجنّ، فسُبِي إبليس وكان صغيرًا، فكان مع الملائكة فتعبَّد معها، فلما أمِروا بالسجود لآدم سجدوا. فأبى إبليس. فلذلك قال الله:"إلا إبليس كان من الجن" (2) .
700 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: إن منَ الملائكة قبيلا يقال لهم: الجن، فكان إبليس منهم، وكان إبليس يسوس ما بين السماء والأرض، فعصَى، فمسخه الله شيطانًا رجيما. (3)
701 - قال: وحدثنا يونس، عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: إبليس أبو الجن، كما آدم أبو الإنس (4) .
وعلة من قال هذه المقالة، أن الله جل ثناؤه أخبرَ في كتابه أنه خلق إبليس من نار السَّموم، ومن مارج من نار، ولم يخبر عن الملائكة أنه خَلقها من شيء من ذلك، وأن الله جل ثناؤه أخبر أنه من الجنّ - فقالوا: فغيرُ جائز أن يُنسب إلى غير ما نسبه الله إليه. قالوا: ولإبليس نسلٌ وذرية، والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد.(1) الأثر: 698- في ابن كثير 1: 139.
(2) الأثر: 699- في ابن كير 1: 139.
(3) الخبر: 700- هو في ابن كثير 1: 139. وقد مضى نحوه مختصرًا، بإسناد آخر: 690.
(4) الأثر: 701- لم أجده في مكان.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٠٧)
702 - حدثنا محمد بن سنان القزّاز، قال: حدثنا أبو عاصم، عن شَريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن الله خلق خلقًا، فقال: اسجدوا لآدم: فقالوا: لا نفعل. فبعث الله عليهم نارًا تُحرقهم، ثم خلق خلقًا آخر، فقال: إني خالقٌ بشرًا من طين، اسجدوا لآدم. فأبوا، فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم. قال: ثم خلق هؤلاء، فقال: اسجدوا لآدم. فقالوا: نعم. وكان إبليسُ من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم (1) .
قال أبو جعفر: وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها. وذلك أنه غيرُ مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خَلق أصنافَ ملائكته من أصنافٍ من خلقه شَتَّى. فخلق بعضًا من نُور، وبعضًا من نار، وبعضًا مما شاء من غير ذلك. وليس في ترك الله جل ثناؤه الخبر عَما خَلق منه ملائكته (2) ، وإخبارِه عما خلق منه إبليس - ما يوجب أن يكون إبليس خارجًا عن معناهم. إذْ كان جائزًا أن يكون خلق صِنفًا من ملائكته من نار كان منهم إبليس، وأن يكون أفرد إبليس بأنْ خَلقه من نار السموم دون سائر ملائكته. وكذلك غيرُ مخرجه أن يكون كان من الملائكة بأنْ كان له نسل وذرية، لِمَا ركَّب فيه من الشهوة واللذة التي نُزعت من سائر الملائكة، لِمَا أراد الله به من المعصية. وأما خبرُ الله عن أنه"من الجن"، فغير مدفوع أن يسمى ما اجتنّ من الأشياء عن الأبصار كلها جنًّا - كما قد ذكرنا قبل في شعر الأعشى - فيكون إبليسُ والملائكةُ منهم، لاجتنانهم عن أبصار بني آدم.(1) الأثر: 702- في ابن كثير 1: 139، والدر المنثور 1: 50 وقال ابن كثير في إسناده: "وهذا غريب، ولا يكاد يصح إسناده، فإن فيه رجلا مبهمًا، ومثله لا يحتج به، والله أعلم".
(2) في المطبوعة: "وليس فيما نزل الله جل ثناؤه. . . "، وهو خطأ صرف. وقوله بعد: "وإخباره عما خلق منه إبليس" معطوف على قوله: "وفي ترك. . . ".
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٠٨)
القول في معنى {إِبْلِيسَ}
قال أبو جعفر: وإبليس"إفعِيل"، من الإبلاس، وهو الإياس من الخير والندمُ والحزن. كما:-
703 - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إبليس، أبلسه الله من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته (1) .
704 - وحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، قال: كان اسم إبليس"الحارث"، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيِّرًا (2) .
قال أبو جعفر: وكما قال الله جل ثناؤه: (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [سورة الأنعام: 44] ، يعني به: أنهم آيسون من الخير، نادمون حزنًا، كما قال العجَّاج:
يَا صَاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا? … قَالَ: نَعَمْ، أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَا (3)(1) الخبر: 703- مختصر من الخبر السالف رقم: 606، وهو في الدر المنثور 1: 50، والشوكاني 1: 53.
(2) الأثر: 704- في الدر المنثور 1: 50، مقتصرًا على أوله إلى قوله: "الحارث". وجاء النص في المطبوعة هكذا: "وإنما سمى إبليس حين أبلس فغير كما قال الله جل ثناؤه. . . " أسقطوا ما أثبتناه من المخطوطة، لأنهم لم يحسنوا قراءة الكلمة الأخيرة، فبدلوها ووصلوا الكلام بعد الحذف، وهو تصرف معيب. وقوله: "متحيرًا" كتبت في المخطوطة ممجمجة هكذا"مجرا" غير معجمة. والإبلاس: الحيرة، فكذلك قرأتها.
(3) ديوانه 1: 31، والكامل 1: 352، واللسان: (بلس) ، (كرس) . المكرس: الذي صار فيه الكرس، وهو أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار. وأبلس الرجل: سكت غما وانكسر وتحير ولم ينطق.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٠٩)
وقال رؤبة:
وَحَضَرَتْ يَوْمَ الْخَمِيسِ الأَخْمَاسْ … وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلاسْ (1)
يعني به اكتئابًا وكسوفًا.
فإن قال قائل: فإن كان إبليس، كما قلت،"إفعيل" من الإبلاس، فهلا صُرف وأجري؟ قيل: تُرك إجراؤه استثقالا إذ كان اسمًا لا نظيرَ له من أسماء العرب، فشبَّهته العرب - إذْ كان كذلك - بأسماء العجم التي لا تُجرَى. وقد قالوا: مررت بإسحاق، فلم يُجروه. وهو من"أسحقه الله إسحاقًا"، إذْ كان وَقَع مبتدَأ اسمًا لغير العرب، ثم تسمت به العرب فجرى مَجراه - وهو من أسماء العجم - في الإعراب فلم يصرف. وكذلك"أيوب"، إنما هو"فيعول" من"آب يؤبُ".
وتأويل قوله:"أبَى"، يعني جل ثناؤه بذلك إبليس، أنه امتنع من السجود لآدم فلم يسجد له."واستكبر"، يعني بذلك أنه تعظَّم وتكبَّر عن طاعة الله في السجود لآدم. وهذا، وإن كان من الله جل ثناؤه خبرًا عن إبليس، فإنه تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقيادِ لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق. وكان ممن تكبر عن الخضوع لأمر الله، والتذلل لطاعته، والتسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم - اليهودُ الذين كانوا بين ظهرانيْ مُهَاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحبارُهم الذين كانوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصِفته عارفين، وبأنه لله رسولٌ عالمين. ثم استكبروا - مع علمهم بذلك - عن الإقرار بنبوّته، والإذعان لطاعته، بَغْيًا منهم له وحسدًا. فقرَّعهم الله بخبره عن إبليس(1) ديوانه: 67، واللسان (بلس) ، ورواية ديوانه"وعرفت يوم الخميس". وبين البيتين بيت آخر هو: "وَقَدْ نَزَتْ بَيْنَ التَّرَاقِي الأَنْفَاسْ"
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١٠)
الذي فعل في استكباره عن السجود لآدم حسدًا له وبغيًا، نظيرَ فعلهم في التكبر عن الإذعان لمحمد نبي الله صلى الله عليه وسلم ونبوّته، إذ جاءهم بالحق من عند ربهم حسدًا وبغيًا.
ثم وَصَف إبليس بمثل الذي وصف به الذين ضرَبه لهم مثلا في الاستكبار والحسد والاستنكاف عن الخضوع لمن أمرَه الله بالخضوع له، فقال جل ثناؤه:"وكان" - يعني إبليس -"منَ الكافرين"- من الجاحدين نعمَ الله عليه وأياديَه عنده، بخلافه عليه فيما أمرَه به من السجود لآدم، كما كفرت اليهود نعمَ ربِّها التي آتاها وآباءها قبلُ: من إطعام الله أسلافَهم المنّ والسلوى، وإظلال الغمام عليهم، وما لا يحصى من نعمه التي كانت لهم، خصوصًا ما خصَّ الذين أدركوا محمدًا صلى الله عليه وسلم بإدراكهم إياه، ومشاهدتهم حجةَ الله عليهم، فجحدت نبوّته بعد علمهم به، ومعرفتهم بنبوّته حسدًا وبغيًا. فنسبه الله جل ثناؤه إلى"الكافرين"، فجعله من عِدَادهم في الدين والملة، وإن خالفهم في الجنس والنسبة. كما جعل أهل النفاق بعضَهم من بعض، لاجتماعهم على النفاق، وإن اختلفت أنسابهم وأجناسهم، فقال: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [سورة التوبة: 67] يعني بذلك أن بعضهم من بعض في النفاق والضلال. فكذلك قوله في إبليس: كان من الكافرين، كان منهم في الكُفر بالله ومخالفتِه أمرَه، وإن كان مخالفًا جنسُه أجناسَهم ونسبُه نسبهم. ومعنى قوله:"وكان من الكافرين" أنه كان - حين أبَى عن السجود - من الكافرين حينئذ.
وقد رُوي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أنه كان يقول: في تأويل قوله:"وكان منَ الكافرين"، في هذا الموضع، وكان من العاصين.
705 - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله:"وكان من الكافرين"، يعني العاصين (1) .(1) الأثر 705- في ابن كثير 1: 140.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١١)
706 - وحُدّثت عن عمار بن الحسن، قال حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله.
وذلك شبيه بمعنى قولنا فيه.
وكان سجود الملائكة لآدم تكرمةً لآدم وطاعة لله، لا عبادةً لآدم، كما:-
707 - حدثنا به بشر بن معاذ: قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم"، فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسْجَد له ملائكته. (1) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}
قال أبو جعفر: وفي هذه الآية دلالة واضحة على صحة قول من قال: إن إبليس أخرج من الجنة بعد الاستكبار عن السجود لآدم، وأُسكنها آدمُ قبل أن يهبط إبليس إلى الأرض. ألا تسمعون الله جل ثناؤه يقول:"وقلنا يا آدمُ اسكنْ أنت وزوجك الجنة وكُلا منها رَغدًا حيثُ شئتما ولا تَقربا هذه الشجرةَ فتكونا منَ الظالمين فأزلهما الشيطانُ عنها فأخرَجهما مما كانا فيه". فقد تبين أن إبليس إنما أزلهما عن طاعة الله بعد أن لُعِن وأظهرَ التكبر، لأن سجود الملائكة لآدم كان بعد أن نُفخ فيه الروح، وحينئذ كان امتناع إبليس من السجود له، وعند الامتناع من ذلك حلَّت عليه اللعنة. كما:-
708 - حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن(1) الأثر: 707- في ابن كثير 1: 140، وفي الدر المنثور 1: 50 مطولا.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١٢)
ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن عدو الله إبليس أقسم بعزة الله ليُغويَنَّ آدم وذريته وزوجَه، إلا عباده المخلصين منهم، بعد أن لعنه الله، وبعد أن أخرِج من الجنة، وقبل أن يهبط إلى الأرض. وعلَّم الله آدم الأسماء كلها (1) .
709 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ الله من إبليس ومعاتبته، وأبَى إلا المعصية وأوقع عليه اللعنة، ثم أخرجه من الجنة، أقبل على آدمَ وقد علّمه الأسماء كلها، فقال:"يا آدم أنبئهم بأسمائهم" إلى قوله"إنك أنت العليم الحكيم" (2) .
ثم اختلف أهل التأويل في الحال التي خُلقت لآدم زوجته، والوقت الذي جعلت له سكنًا. فقال ابن عباس بما:-
710 - حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فأخرِج إبليسُ من الجنة حين لعن، وأسكِن آدم الجنة. فكان يمشي فيها وَحْشًا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، وإذا عند رأسه امرأة قاعدةٌ خلقها الله من ضلعه، فسألها: من أنت؟ فقالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: تسكن إليّ. قالت له الملائكة - ينظرون ما بلغ علمه-: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء. قالوا: ولم سُميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حيّ. فقال الله له:"يا آدمُ اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغدًا حيث شئتما" (3) .(1) الخبر: 708- لم أجده في مكان.
(2) الأثر: 709- لم أجده في مكان بنصه هذا، لكنه من صدر الأثر الآتي بعد رقم: 711.
(3) الأثر: 710- في تاريخ الطبري 1: 52، مع اختلاف في بعض اللفظ. وابن كثير 1: 142 والشوكاني 1: 56، وقوله: "وحشًا" أي ليس معه غيره، خلوًا. ومكان وحش: خال.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١٣)
فهذا الخبر يُنبئ أن حواء خُلقت بعد أن سَكن آدمُ الجنةَ، فجعلت له سكنًا.
وقال آخرون: بل خُلقت قبل أن يسكن آدم الجنة.
* ذكر من قال ذلك:
711 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ الله من مُعاتبة إبليس، أقبل على آدم وقد علّمه الأسماء كلها فقال:"يا آدم أنبئهم بأسمائهم" إلى قوله:"إنك أنت العليم الحكيم". قال: ثم ألقى السِّنةَ على آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة، وغيرهم من أهل العلم، عن عبد الله بن عباس وغيره - ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه من شِقِّه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهبَّ من نومته، حتى خلق الله من ضِلَعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأةً ليسكن إليها. فلما كُشِف عنه السِّنة وهبّ من نومته، رآها إلى جنبه، فقال - فيما يزعمون والله أعلم-: لحمي ودمِي وزوجتي، فسكن إليها. فلما زوّجه الله تبارك وتعالى، وَجعل له سكنًا من نفسه، قال له، قبيلا "يا آدم اسكنْ أنتَ وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا من الظالمين" (1)
قال أبو جعفر: ويقال لامرأة الرجل: زَوْجُه وزَوْجتُه، والزوجة بالهاء أكثر في كلام العرب منها بغير الهاء. والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأزْد شَنوءة. فأما الزوج الذي لا اختلاف فيه بين العرب، فهو زوجُ المرأة (2) .
* * *(1) الأثر: 711- في تاريخ الطبري 1: 52 وابن كثير 1: 141-142. وقوله"قال له قبيلا" أي عيانًا. وفي حديث أبي ذر (ابن كثير 1: 141) "قال: قلت يا رسول الله؛ أرأيت آدم؛ أنبيًّا كان؟ قال: نعم نبيًّا رسولا يكلمه الله قبيلا - أي عيانًا". وجاء هذا الحرف في المطبوعة: "قال له فتلا يا آدم اسكن. . . " وهو خطأ. وفي تاريخ الطبري"قال له قيلا يا آدم. . . " وهو أيضًا خطأ.
(2) انظر اختلافهم في ذلك في مادته (زوج) من لسان العرب.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١٤)
القول في تأويل قوله: {وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا}
قال أبو جعفر: أما الرَّغَد، فإنه الواسع من العيش، الهنيء الذي لا يُعنِّي صاحبه. يقال: أرْغد فلان: إذا أصاب واسعًا من العيش الهنيء، كما قال امرؤ القيس بن حُجْر:
بَيْنَمَا الْمَرْءُ تَرَاهُ نَاعِمَا … يَأْمَنُ الأَحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ (1)
712 - وكما حدثني به موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،"وكلا منها رَغدا"، قال: الرغد، الهنيء. (2)
713 - وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قوله:"رغدًا"، قال: لا حسابَ عليهم.
714 - وحدثنا المثنى، قال حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد مثله.
715 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد:"وكلا منها رغدًا"، أي لا حسابَ عليهم. (3)
716 - وحُدِّثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عمارة،(1) لم أجد البيت فيما جمعوا من شعر امرئ القيس.
(2) الخبر: 712 - في الدر المنثور 1: 52، والشوكاني 1: 56.
(3) الآثار: 713 - 715 في الدر المنثور 1: 52، والشوكاني 1: 56.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١٥)
عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"وكلا منها رغدًا حيث شئتما"، قال: الرغد: سَعة المعيشة. (1)
فمعنى الآية وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا من الجنة رزقًا واسعًا هنيئًا من العيش حيث شئتما.
717 - كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغدًا حيث شئتما"، ثم إن البلاء الذي كتب على الخلق، كتب على آدمَ، كما ابتُلي الخلقُ قبله، أن الله جل ثناؤه أحل له ما في الجنة أن يأكل منها رَغدا حيث شاء، غيرَ شجرة واحدة نُهي عنها، وقُدِّم إليه فيها، فما زال به البلاء حتى وقع بالذي نُهي عنه. (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}
قال أبو جعفر: والشجر في كلام العرب: كلّ ما قام على ساق، ومنه قول الله جل ثناؤه: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) [سورة الرحمن: 6] ، يعني بالنجم ما نَجمَ من الأرض من نَبت، وبالشجر ما استقلّ على ساق.
ثم اختلف أهل التأويل في عين الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدم، فقال بعضهم: هي السُّنبلة.
* ذكر من قال ذلك:
718 - حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: حدثنا عبد الحميد الحِمَّاني،(1) الخبر: 716 - في الدر المنثور 1: 52 والشوكاني 1: 56.
(2) الأثر: 717 - في الدر المنثور 1: 53 من غير طريق الطبري. وقوله: "قدم إليه فيها" أي أمر فيها بأمر أن لا يقربها. ويقال: تقدمت إليه بكذا وقدمت إليه بكذا: أي أمرته بكذا.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١٦)
عن النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدم، هي السنبلة. (1)
719 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم - وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمران بن عُتيبة - جميعًا عن حُصين، عن أبي مالك، في قوله:"ولا تقرَبا هذه الشجرة"، قال: هي السنبلة.
720 - وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي -وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري - قالا جميعًا: حدثنا سفيان، عن حصين، عن أبي مالك، مثله. (2)
721 - وحدثنا أبو كريب، وابن وكيع، قالا حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، عن عطية في قوله:"ولا تقربا هذه الشجرة"، قال: السنبلة. (3)
722 - وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قال: الشجرة التي نُهي عنها آدم، هي السنبلة. (4)
723 - وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثني رجل من بني تميم، أن ابن عباس كتب إلى أبي الجَلْد يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدمُ، والشجرة التي تاب عندها: فكتب إليه أبو الجلد:"سألتني عن الشجرة التي نُهي عنها آدم، وهي السنبلة، وسألتني(1) الخبر: 718 - في ابن كثير 1: 142، والدر المنثور 1: 53، والشوكاني 1: 56 وهو إسناد ضعيف. محمد بن إسماعيل الأحمسي سبق توثيقه: 405 عبد الحميد بن عبد الرحمن، أبو يحيى الحماني: ثقة، وثقه ابن معين وغيره، وأخرج له الشيخان. النضر: هو ابن عبد الرحمن، أبو عمر الخزاز -بمعجمات - وهو ضعيف جدًّا، قال البخاري في الكبير 4/2/91: "منكر الحديث". وروى ابن أبي حاتم 4/1/475 عن أحمد بن حنبل، قال: "ليس بشيء، ضعيف الحديث"، وروي عن ابن معين أنه قال: "لا يحل لأحد أن يروي عنه".
(2) الأثران: 719، 720 - في ابن كثير 1: 142، والدر المنثور 1: 53.
(3) الأثر: 721 - عطية: هو العوفي. وقد أشار ابن كثير 1: 142 إلى هذه الرواية عنه.
(4) الأثر: 722 - لم أجده في مكان.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١٧)
عن الشجرة التي تاب عندها آدم، وهي الزيتونة. (1)
724 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن رجل من أهل العلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، أنه كان يقول: الشجرة التي نُهي عنها آدمَ: البُرُّ (2) .
725 - وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزَوجته، السُّنبلة. (3)
726 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل اليمن، عن وهب بن منبه اليماني، أنه كان يقول: هي البُرُّ، ولكن الحبة منها في الجنة ككُلَى البقر، ألين من الزبد وأحلى من العسل. وأهل التوراة يقولون: هي البرّ. (4)
727 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة: أنه حُدِّث أنها الشجرةُ التي تحتكُّ بها الملائكة للخُلد.
728 - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن يَمانَ، عن جابر بن يزيد بن رفاعة، عن محارب بنِ دثار، قال: هي السنبلة.
729 - وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن يزيد بن إبراهيم،(1) الخبر: 123 - في ابن كثير 1: 142، وفي الأصول: "أبو الخلد"، وانظر ما سلف في التعليق على الأثر رقم: 434. وهذا الإسناد ضعيف، لجهالة الرجل من بني تميم.
(2) الخبر: 724 - ابن كثير 1: 142، والدر المنثور 1: 52، والشوكاني 1: 56. والذي في ابن كثير: "عن رجل من أهل العلم، عن حجاج، عن مجاهد. . . ".
(3) الأثر: 725 - في ابن كثير 1: 142.
(4) الأثر: 726 - في ابن كثير 1: 142-143، والدر المنثور 1: 52-53. ولكن ليس فيهما قوله"وأهل التوراة. . . ".
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١٨)
عن الحسن، قال: هي السنبلة التي جعلها الله رزقًا لولده في الدنيا (1)
قال أبو جعفر: وقال آخرون: هي الكرمة.
* ذكر من قال ذلك:
730 - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السُّدّيّ، عمن حدثه، عن ابن عباس، قال: هي الكرمة.
731 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"ولا تقرَبا هذه الشجرة"، قال: هي الكرمة، وتزعم اليهود أنها الحنطة.
732 - وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، قال: الشجرة هي الكَرْم.
733 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن جعدة بن هُبيرة، قال: هو العِنَب في قوله:"ولا تقربا هذه الشجرة".
734 - وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن خلاد الصفار، عن بَيان، عن الشعبي، عن جعدة بن هُبيرة:"ولا تقرَبا هذه الشجرة"، قال: الكرمُ.
735 - وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثني الحسين، قال: حدثنا خالد الواسطي، عن بيان، عن الشعبي، عن جعدة بن هُبيرة:"ولا تقربا هذه الشجرة"، قال: الكرم.
736 - وحدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن جعدة بن هُبيرة، قال: الشجرة التي نُهي عنها آدم، شجرة الخمر.
737 - وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا(1) الآثار: 727 - 729: لم أجدها بلفظها في مكان.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١٩)
عباد بن العوام، قال: حدثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مُسلم، عن سعيد بن جبير، قوله"ولا تقربا هذه الشجرة"، قال: الكرم.
738 - وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن السُّدّيّ، قال: العنب.
739 - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال: عِنَب (1) .
وقال آخرون: هي التِّينة.
* ذكر من قال ذلك:
740 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: تينة. (2)
قال أبو جعفر: والقول في ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر عباده أن آدم وزوجَه أكلا من الشجرة التي نهاهُما ربُّهما عن الأكل منها، فأتيا الخطيئة التي نهاهما عن إتيانها بأكلهما ما أكلا منها، بعد أن بيّن الله جل ثناؤه لهما عَين الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها، وأشار لهما إليها بقوله:"ولا تقربا هذه الشجرة"، ولم يضع الله جل ثناؤه لعباده المخاطَبين بالقرآن، دلالةً على أيّ أشجار الجنة كان نهيُه آدمَ أن يقربها، بنصٍّ عليها باسمها، ولا بدلالة عليها. ولو كان لله في العلم بأيّ ذلك من أيٍّ رضًا، لم يُخل عبادَه من نَصْب دلالة لهم عليها يَصلون بها إلى معرفة عينها، ليطيعوه بعلمهم بها، كما فعل ذلك في كل ما بالعلم به له رضًا.
فالصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدمَ وزوجته عن أكل(1) الآثار: 730 -739: مذكورة بلا تعيين في ابن كثير 1: 142، والدر المنثور 1: 53 والشوكاني 1: 56.
(2) الخبر: 740 - في ابن كثير 1: 143، والدر المنثور 1: 53، والشوكاني 1: 56.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢٠)
شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به. ولا علم عندنا أي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يَضَع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة. فأنَّى يأتي ذلك؟ (1) وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك عِلمٌ، إذا عُلم لم ينفع العالمَ به علمه (2) ، وإن جهله جاهل لم يضرَّه جهلُه به.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}
قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية في تأويل قوله:"ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين".
فقال بعض نحويّي الكوفيين: تأويل ذلك: ولا تقربَا هذه الشجرة، فإنكما إن قربتماها كنتما من الظالمين. فصار الثاني في موضع جواب الجزاء. وجوابُ الجزاء يعمل فيه أوّله، كقولك: إن تَقُم أقُم، فتجزم الثاني بجزم الأول. فكذلك قوله"فتكونا"، لما وقعت الفاء في موضع شرط الأوّل نُصب بها، وصُيرت(1) في المخطوطة خلاف ما في المطبوعة، وهذا نصه"ولا علم عندنا بأي ذلك. وقد قيل كانت شجرة البر. . . "، كأن الناسخ أسقط سطرا فاختل الكلام. وكان في المطبوعة: "فأنى يأتي ذلك من أتى" بزيادة قوله"من أتى" والظاهر أن التحريف قديم، فإن ابن كثير نقل نص الطبري هذا في تفسيره 1: 143 فحذف قوله: "فأنى يأتي ذلك"، وقد استظهرت أن الصواب حذف"من أتى"، ليكون الاستفهام منصبًّا على كيفية إتيان العلم بهذه الشجرة، وليس في القرآن عليها دليل ولا في السنة الصحيحة. وأما الجملة كما جاءت في المطبوعة، فهي فاسدة مفسدة لما أراد الطبري.
(2) في المطبوعة: "وذلك إن علمه عالم لم ينفع العالم. . . "، وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير (1: 143) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢١)
بمنزلة "كي" في نصبها الأفعال المستقبلة، للزومها الاستقبال. إذ كان أصل الجزاء الاستقبال.
وقال بعض نحويّي أهل البصرة: تأويل ذلك: لا يكن منكما قُرْبُ هذه الشجرة فأن تكونا من الظالمين. غير أنه زعم أنّ "أن" غير جائز إظهارها مع"لا"، ولكنها مضمرة لا بد منها، ليصح الكلام بعطف اسم - وهي"أن" - على الاسم. كما غير جائز في قولهم:"عسى أن يفعل"، عسى الفعل. ولا في قولك:"ما كان ليفعل": ما كان لأن يَفعل.
وهذا القولُ الثاني يُفسده إجماعُ جميعهم على تخطئة قول القائل:"سرني تقوم يا هذا"، وهو يريد سرني قيامُك. فكذلك الواجب أن يكون خطأ على هذا المذهب قول القائل:"لا تقم" إذا كان المعنى: لا يكن منك قيام. وفي إجماع جميعهم -على صحة قول القائل:"لا تقم"، وفساد قول القائل:"سرني تقوم" بمعنى سرني قيامك - الدليل الواضح على فسادِ دعوى المدعي أنّ مع"لا" التي في قوله:"ولا تقربا هذه الشجرة"، ضمير"أن" - وصحةِ القول الآخر.
وفي قوله"فتكونا من الظالمين"، وجهان من التأويل:
أحدهما أن يكون"فتكونا" في نية العطف على قوله"ولا تقربا"، فيكون تأويله حينئذ: ولا تقربا هذه الشجرة ولا تكونا من الظالمين. فيكون"فتكونا" حينئذ في معنى الجزم مجزومًا بما جُزم به"ولا تقربا"، كما يقول القائل: لا تُكلم عمرا ولا تؤذه، وكما قال امرؤ القيس:
فُقُلْتُ لَهُ: صَوِّبْ وَلا تَجْهَدَنَّهُ … فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى القَطَاةِ فَتَزْلَقِ (1)
فجزم"فيذرِك" بما جزم به"لا تجهدنه"، كأنه كرّر النهي.(1) ديوانه، من رواية الأعلم الشنتمري، القصيدة رقم: 30، البيت: 26. وفي معاني القرآن للفراء 1: 26، ونسبه سيبويه في الكتاب 1: 452، لعمرو بن عمار الطائي، وسيذكره الطبري في (15: 164 بولاق) غير منسوب، ورواية سيبويه"فيدنك من أخرى القطاة" وقوله: "فقلت له" يعني غلامه، وذكره قبل أبيات. وقوله: "صوب"، أي خذ الفرس بالقصد في السير وأرفق به ولا تجهده بالعدو الشديد فيصرعك. أذراه عن فرسه: ألقاه وصرعه. والقطاة: مقعد الردف من الفرس. وأخرى القطاة: آخر المقعد. ورواية الشنتمري: "من أعلى القطاة". وهما سواء.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢٢)
والثاني أن يكون"فتكونا من الظالمين"، بمعنى جواب النهي. فيكون تأويله حينئذ: لا تقربا هذه الشجرة، فإنكما إن قَرَبتماها كنتما من الظالمين. كما تقول: لا تَشتمْ عمرًا فيشتُمك، مجازاةً. فيكون"فتكونا" حينئذ في موضع نَصب، إذْ كان حرفًا عطف على غير شكله، لمّا كان في"ولا تقربا" حرف عامل فيه، ولا يصلح إعادته في"فتكونا"، فنصب على ما قد بينت في أول هذه المسألة.
وأما تأويل قوله:"فتكونا من الظالمين"، فإنه يعني به فتكونا من المتعدِّين إلى غير ما أذِن لهم وأبيح لهم فيه، وإنما عَنى بذلك أنكما إن قربتما هذه الشجرة، كنتما على منهاج من تعدَّى حُدودي، وَعصى أمري، واستحلَّ محارمي، لأن الظالمين بعضُهم أولياء بعض، والله وليّ المتقين.
وأصل"الظلم" في كلام العرب، وضعُ الشيء في غير موضعه، ومنه قول نابغة بني ذبيان:
إِلا أُوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهَا … وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ (1)
فجعل الأرض مظلومة، لأن الذي حفر فيها النؤى حَفر في غير موضع الحفر، فجعلها مظلومة، لموضع الحفرة منها في غير موضعها. (2) ومن ذلك قول ابن قَميئة في صفة غيث:(1) سلف تخريجه وشرحه في هذا الجزء: 183.
(2) في المطبوعة: "لوضع الحفرة منها في غير موضعها"، وفي المخطوطة أيضًا: "لموضع الحفر فيها في غير موضعها".
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢٣)
ظَلَمَ الْبِطَاحَ بِهَا انْهِلالُ حَرِيصَةٍ … فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ (1)
وظلمه إياه: مجيئه في غير أوانه، وانصبابه في غير مصبِّه. ومنه: ظَلم الرجلُ جَزوره، وهو نحره إياه لغير علة. وذلك عند العرب وَضْع النحر في غير موضعه.
وقد يتفرع الظلم في معان يطول بإحصائها الكتاب، وسنبينها في أماكنها إذا أتينا عليها إن شاء الله تعالى. وأصل ذلك كله ما وصفنا من وضع الشيء في غير موضعه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا}
قال أبو جعفر: اختلفت القَرَأة (2) في قراءة ذلك. فقرأته عامتهم،"فأزلَّهما" بتشديد اللام، بمعنى: استزلَّهما، من قولك زلَّ الرجل في دينه: إذا هفا فيه وأخطأ، فأتى ما ليس له إتيانه فيه. وأزلَّه غيره: إذا سبب له ما يزلّ من أجله في دينه أو دنياه، ولذلك أضاف الله تعالى ذكره إلى إبليسَ خُروجَ آدم وزوجته من الجنة، فقال:"فأخرجهما" يعني إبليس"مما كانا فيه"، لأنه كانَ الذي سَبَّب لهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة.
وقرأه آخرون:"فأزَالهما"، بمعنى إزَالة الشيء عن الشيء، وذلك تنحيته عنه.
وقد روي عن ابن عباس في تأويل قوله:"فأزلهما"، ما:-(1) جاء أيضًا في تفسيره (2: 50 بولاق) منسوبًا لعمرو بن قميئة. وصحة نسبته إلى الحادرة الذبياني، وهو في ديوان الحادرة، قصيدة: 4، البيت رقم: 7، وشرح المفضليات: 54. والبطاح جمع بطحاء وأبطح: وهو بطن الوادي. وأنهل المطر انهلالا: اشتد صوبه ووقعه. والحريصة والحارصة: السحابة التي تحرص مطرتها وجه الأرض، أي تقشره من شدة وقعها. والنطاف جمع نطفة: وهي الماء القليل يبقى في الدلو وغيره. وقوله: "بعيد المقلع": أي بعد أن أقلعت هذه السحابة. ورواية المفضليات: "ظلم البطاح له" وقوله: "له": أي من أجله.
(2) في المطبوعة: "اختلف القراء" والقَرَأَة جمع قارئ، وانظر ما مضى: 51، تعليق، وص: 64، 109 وغيرهما.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢٤)
741 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: قال ابن عباس في تأويل قوله تعالى:"فأزلهما الشيطان" قال: أغواهما. (1)
وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ:"فأزلَّهما"، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في الحرف الذي يتلوه. بأن إبليس أخرجهما مما كانا فيه. وذلك هو معنى قوله"فأزالهما"، فلا وجه - إذْ كان معنى الإزالة معنى التنحية والإخراج - أن يقال:"فأزالهما الشيطانُ عنها فأخرجهما مما كانا فيه" فيكون كقوله:"فأزالهما الشيطان عنها فأزالهما مما كانا فيه. ولكن المفهوم أن يقال: (2) فاستزلهما إبليسُ عن طاعة الله - كما قال جل ثناؤه:"فأزلهما الشيطان"، وقرأت به القراء - فأخرجهما باستزلاله إياهما من الجنة.
فإن قال لنا قائل: وكيف كان استزلال إبليسُ آدمَ وزوجته، حتى أضيف إليه إخراجهما من الجنة؟
قيل: قد قالت العلماء في ذلك أقوالا سنذكر بعضها (3)
فحكي عن وهب بن منبه في ذلك ما:-
742 - حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهرِب (4) قال: سمعت وهب بن منبه، يقول: لما(1) الخبر: 741 - في الدر المنثور 1: 53، والشوكاني 1: 56.
(2) في المطبوعة: "لكن المعنى المفهوم"، زاد ما لا جدوى فيه.
(3) في المطبوعة: "سنذكر" بغير واو.
(4) في المطبوعة: "عمرو" بدل"عمر"، وفي المخطوطة وابن كثير: "مهران"، بدل"مهرب". وكلاهما خطأ، صوابه ما أثبتنا: "عمر بن عبد الرحمن بن مهرب"، فهذا الشيخ ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3/1/121، وقال: "سمع وهب بن منبه، روى عنه إبراهيم بن خالد الصنعاني، وعبد الرزاق". ثم روى عن يحيى بن معين، قال: "عمر بن عبد الرحمن بن مهرب: ثقة". ولم أجد له ترجمة أخرى. و"مهرب": لم أجد نصًّا بضبطها في هذا النسب، إلا قول صاحب القاموس أنهم سموا من مادة (هرب) بوزن"محسن" - يعني بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه. ووقع اسم هذا الشيخ محرفًا إلى شيخين، في تاريخ الطبري 1: 54 - في هذا الإسناد، هكذا: "معمر عن عبد الرحمن بن مهران"!
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢٥)
أسكن الله آدمَ وذريته - أو زوجته - الشك من أبي جعفر: وهو في أصل كتابه"وذريته" - ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرةً غصونها متشعِّبٌ بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة التي نَهى الله آدمَ عنها وزوجته. فلما أراد إبليس أن يستزلَّهما دَخل في جوف الحية، وكانت للحية أربع قوائم كأنها بُخْتِيَّة، من أحسن دابة خلقها الله - فلما دخلت الحية الجنة، خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، فجاء بها إلى حواء (1) فقال: انظري إلى هذه الشجرة! ما أطيبَ ريحَها وأطيبَ طعمها وأحسن لونها! فأخذت حواءُ فأكلَتْ منها ثم ذهبت بها إلى آدم فقالت: انظرْ إلى هذه الشجرة! ما أطيبَ ريحها وأطيبَ طعمها وأحسنَ لونها! فأكل منها آدم، فبدت لهما سوآتُهما. فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربُّه يا آدم أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب (2) ! قال: ألا تخرج؟ قال: أستحيي منك يا رب. قال: ملعونة الأرض التي خُلقتَ منها لعنةً يتحوَّل ثمرها شوكًا. قال: ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرةٌ كان أفضل من الطَّلح والسِّدر، ثم قال: يا حواء، أنت التي غرَرْتِ عبدي، فإنك لا تَحملين حَملا إلا حملته كَرْهًا، فإذا أردتِ أن تضعي ما في بطنك أشرفتِ على الموت مرارًا. وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غرَّ عبدي، ملعونة أنتِ لعنة تَتحول قوائمك في بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب، أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك، حيث لقيت أحدًا منهم أخذت بعقِبه، وحيث لقيك شدَخ رأسك. قال عمر: (3) قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء (4) .
وروي عن ابن عباس نحو هذه القصة:
743 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لما قال الله عز وجل لآدم:"اسكن أنتَ وزوجُك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا من الظالمين"، أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة، فمنعته الخزَنة. فأتى الحية - وهي دابَّة لها أربعُ قوائم كأنها البعير، وهي كأحسن الدواب - فكلمها أن تُدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته في فُقْمها - قال أبو جعفر: والفقم جانب الشدق (5) - فمرت الحية على الخزنة فدخلت ولا يعلمون لما أراد الله من الأمر. فكلمه من فُقمها فلم يبال كلامه (6) ، فخرج إليه فقال: (يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى) [سورة طه: 120] يقول: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت مَلِكًا مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين (7) ، فلا تموتان أبدًا. وحلف لهما بالله إني لكما لمن الناصحين. وإنما أراد بذلك ليبديَ لهما ما تَوارى عنهما من سَوْآتهما بهتكِ لباسهما. وكان قد علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك. وكان لباسُهما الظُّفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت، ثم قالت: يا آدم كُلْ! فإني قد أكلتُ فلم يضرَّني. فلما أكل آدم بدت لهما سوآتُهما وَطفقا يَخصفان عليهما من ورق الجنة (8) .(1) في المطبوعة: "فجاء به"، والذي أثبتناه من المخطوطة وتاريخ الطبري.
(2) في المطبوعة: "أنا هنا يا رب"، وأثبتناه ما في المخطوطة وتاريخ الطبري.
(3) في المطبوعة: "قال عمرو"، وأثبتنا الصواب من المخطوطة، ومما ذكرنا آنفًا.
(4) الأثر: 742 - في تاريخ الطبري 1: 54، بهذا الإسناد، وأوله في ابن كثير 1: 143.
(5) في المطبوعة وتاريخ الطبري 1: 53: "فأدخلته في فمها، فمرت الحية. . . "، وما أثبتناه من المخطوطة.
(6) في المطبوعة وتاريخ الطبري: "فكلمة من فمها". وفي المطبوعة: "فلم يبال بكلامه".
(7) في المخطوطة: "وتكونا من الخالدين".
(8) الخبر: 743. بنصه في تاريخ الطبري 1: 53، وببعض الاختلاف في الدر المنثور 1: 53، والشوكاني 1: 56.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢٦)