فضالة، حدثنا لقمان بن عامر، سمعت أبا أمامة، فذكر الحديث.
وفرج بن فضالة التنوخي الشامي مختلف فيه غير أن الغالب عليه الضعف ولذا أطلق الحافظ ابن حجر فقال: "ضعيف".
وأما قول الهيثمي في المجمع (8/ 222): "إسناده حسن وله شواهد تقويه"، فالصحيح لو قال: حديث حسن له شواهد تقويه.
وأما ما رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي (1/ 126) وأبو نعيم (1/ 174) والخرائطي في هواتف الجان وعنه ابن كثير في التاريخ (2/ 268) وغيرهم من ارتجاس إيوان كسرى وسقوط أربع عشرة شرفة، وغيض بُحيرة ساوة، وخمود نار فارس بعد ألف سنة، ورؤيا الموبذان أن الخيول العربية قطعت دجلة وانتشرت في بلادها .. في سياق طويل فهو منكر كما قال الذهبي في السيرة (1/ 38) بعد أن ساقه من ابن أبي الدنيا: "هذا حديث منكر غريب".
7 - شهادة اليهود بنبوته صلى الله عليه وسلم عند ولادته
• عن عائشة قالت: كان يهودي قد سكن مكة يتجر بها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس من قريش: يا معشر قريش! هل ولد فيكم الليلة مولود؟ فقال القوم: والله ما نعلمه! قال: الله أكبر! أما إذا أخطأكم فلا بأس، انظروا واحفظوا ما أقول لكم: ولد فيكم هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس، لا يرضع ليلتين، وذلك أن عفريتًا من الجن أدخل أصبعه في فمه فمنعه الرضاع. فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله وحديثه، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله، فقالوا: لقد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدًا. فالتقى القوم، فقالوا: هل سمعتم حديث هذا اليهودي؟ بلغكم مولد هذا الغلام؟ فانطلقوا حتى جاؤوا اليهودي فأخبروه الخبر. قال: فاذهبوا معي حتى أنظر إليه، فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة، فقال: أخرجي إلينا ابنك، فأخرجته، وكشفوا له عن ظهره، فرأى تلك الشامة، فوقع اليهودي مغشيًا عليه، فلما أفاق قالوا: ويلك مالك؟ قال: ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل، أفرحتم به يا معشر قريش؟ أما والله ليسطونّ بكم سطوةً يخرج خبرها من المشرق والمغرب.
وكان في النفر الذي قال لهم اليهودي ما قال: هشام، والوليد ابنا المغيرة، ومسافر بن أبي عمرو، وعبيدة بن الحارث، وعقبة بن ربيعة - شاب فوق المحتلم - في نفر من بني عبد مناف وغيرهم من قريش.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ١٣)
حسن: رواه الحاكم (2/ 601 - 602) - وعنه البيهقي في الدلائل (2/ 108 - 109) - من حديث محمد بن إسحاق، قال: كان هشام بن عروة يحدث عن أبيه، عن عائشة قالت: فذكرته.
قال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي فقال: لا.
أظن نفى صحته من أجل محمد بن إسحاق فإنه لم يصرّح بالتحديث وهو كذلك إلا أنه إمام في السير والمغازي ولذا سكت عليه ابن كثير في البداية والنهاية (2/ 267).
وحسّنه الحافظ ابن حجر في الفتح (6/ 583) وقبله غيره من أهل العلم عنعنته في السير، ثم له متابعة رواه ابن سعد في طبقاته (1/ 162 - 163) عن علي بن محمد، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر وغيره عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سكن يهودي بمكة يبيع بها تجارات، فلما كان ليلة ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم من مولود هذه الليلة؟ قالوا: لا نعلمه، قال: أخطأت والله حيث كنت أكره، انظروا يا معشر قريش! وأحصوا ما أقول لكم: ولد الليلة نبي هذه الأمة أحمد الآخِر، فإن أخطأكم فبفلسطين، به شامة بين كتفيه سوداء صفراء، فيها شعرات متواترات، فتصدع القوم من مجالسهم وهم يعجبون من حديثه، فلما صاروا في منازلهم ذكروا لأهاليهم، فقيل لبعضهم: وأسد لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام فسماه محمدًا، فالتقوا بعد من يومهم فأتوا اليهودي في منزله فقالوا: أعلمتَ أنه ولد فينا مولود؟ قال: أبعد خبري أم قبله؟ قالوا: قبله واسمه أحمد، قال: فاذهبوا بنا إليه، فخرجوا معه حتى دخلوا على أمه، فأخرجته إليهم، فرأى الشامة في ظهره، فغُشي على اليهودي ثم أفاق، فقالوا: ويلك! ما لك؟ قال: ذَهبتِ النبوةُ من بني إسرائيل وخرج الكتاب من أيديهم، وهذا مكتوب يقتلهم ويبزّ أخبارهم، فازت العرب بالنبوة، أفرحتم يا معشر قريش؟ أما والله ليسطونّ بكم سطوة يخرج نبؤها من المشرق إلى المغرب. وهو متابعة قوية.
وبمعناه ما روي أيضًا عن يهود يثرب: يهودي يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب! يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك ما لك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به.
رواه ابن إسحاق قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري قال: حدثني من شئت من رجال قومي، عن حسان بن ثابت قال: والله! إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت. إذ سمعت يهوديا يصرخ، فذكره.
وفيه من لا يعرف إلا أنه أكثر من واحد، وهذا شاهد قوي لحديث عائشة وإن كان الأول في مكة والثاني في المدينة ولكنهما شهدا بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم.
8 - عدد مرضعات النبي صلى الله عليه وسلم -
1 - ثويبة:
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ١٤)
• عن عروة قال: وثُويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها. فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم.
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (5101) والسياق له، ومسلم في الرضاع (1449) كلاهما من طرق عن عروة بن الزبير، أن زينب بنت أبي سلمة حدثته فذكر الحديث بطوله.
• عن ابن عباس قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تتزوج ابنة حمزة؟ قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة".
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (5100)، ومسلم في الرضاع (1447) كلاهما من حديث قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، فذكره.
قال مصعب الزبيري: كانت ثُويبة أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما أرضع حمزة ثم أرضعت أبا سلمة. "الفتح" (9/ 142).
ثويبة: - مصغرة - أنها أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم أيامًا حتى قدمت حليمة وكانت ثويبة أرضعت قبله حمزة، وبعده أبا سلمة بن عبد الأسد. اختلف في إسلامها، فذكرها ابن مندة في الصحابة. وقال أبو نعيم: لا نعلم أحدًا ذكر إسلامها غيره.
والذي في السير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرمها. وكانت تدخل عليه بعد ما تزوج خديجة وكان يرسل إليها الصلة من المدينة إلى أن كان بعد فتح خيبر ماتت، ومات ابنها مسروح. "الفتح" (9/ 145).
2 - حليمة السعدية:
• عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا له: أخبرنا عن نفسك قال: "نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى عليهما السلام، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا في بهم لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض معهما طست من ذهب مملوء ثلجًا، فأضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقة سوداء فألقياها. ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج، حتى إذا أنقَياه رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته فوزنني بعشرة فوزنتهم، ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني بمائة فوزنتهم، ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني بألف فوزنتهم، فقال دعه عنك، فلو وزنتها بأمته لوزنهم".
حسن: رواه محمد بن إسحاق قال: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، فذكره.
ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (2/ 275) وقال: "هذا إسناد جيد قوي".
والحديث ذكره ابن هشام في السيرة (1/ 166).
وأخرجه الحاكم (2/ 600) من طريق يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بإسناده مقتصرًا
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ١٥)
على قوله: أضاءت له بصرى. وبصرى من أرض الشام.
وقال: "خالد بن معدان من خيار التابعين، صحب معاذ بن جبل، فمن بعده من الصحابة، فإذا أسند حديث إلى الصحابة فإنه صحيح الإسناد".
والمرضعة: هي حليمة بنت أبي ذُؤيب السعدية، أخذته معها إلى أرضها، فأقام معها في بني سعد بن بكر نحو خمس سنين.
وقد ذكروا نسوة أخرى أرضعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الصحيح ما ذكرته.
9 - باب ما رأت حليمة من الخير
قال ابن إسحاق: وحدثني جهم بن أبي جهم مولى الحارث بن حاطب الجمحي، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أو عمن حدّثه عنه قال: كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته تحدث: أنها خرجت من بلدها مع زوجها، وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء، قالت: وذلك في سنة شهباء. لم تُبق لنا شيئًا. قالت: فخرجت على أتان لي قمراء، معنا شارف لنا. والله! ما تَبِضّ بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبيّنا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثدي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذّيه قال ابن هشام: ويقال: يغذّيه، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك فلقد أدَمتُ بالركب حتى شق ذلك عليهم ضَعفًا وعَجفًا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عُرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمتْ معي إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله! إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله! لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبتُ إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره. قالت: فلما أخذته، ورجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حِجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لَحافل، فحلب منها ما شرب، وشربتُ معه حتى انتهينا ريًّا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة. قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله! يا حليمة! لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله! إني لأرجو ذلك. قالمت: ثم خرجنا وركبت (أنا) أتاني، وحملته عليها معي، فوالله! لقطعتْ بالركب ما يقدر عليها شيء من حُمُرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب! ويحك! اربَعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله! إنها لهي هي، فيقلن: والله! إن لها لشأنًا. قالمت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمت به معنا
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ١٦)
شِباغا لُبّنا، فنحلب ونثرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبّنا. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشِبُّ شبابًا لا يشبّه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا. قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مُكثه فينا، لما كنا نرى من بركته. فكلّمنا أمه وقلت لها: لو تركت بنيّ عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وبأ مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا.
ذكره ابن هشام في السيرة (1/ 162 - 164) وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (1/ 498): "هذا حديث جيد الإسناد".
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (2/ 275): "وهذا الحديث قد رُوي من طرق أخرى، وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السير والمغازي".
يعني أن الإسناد الذي ساقه ابن إسحاق وإن كان فيه علل ولكن شهرته تُغني عن الرواية. لأن جهم بن أبي جهم لا يعرف كما قال الذهبي نفسه في "الميزان". ثم هل هو سمع من عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أو سمع عمن حدثه عنه. وكل هذه العلل تُضعف الخبر ولكن أكد الحافظ ابن كثير أن له طرقا أخرى تُقوّي هذا الخبر. والله تعالى أعلم بالصواب.
10 - باب في معجزة شق الصدر وهو غلام
• عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان. فأخذه فصرعه فشق عن قلبه. فاستخرج القلب، فاستخرج منه عَلَقة فقال: هذا حظّ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَهُ، ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعَوْن إلى أمه (يعني ظئْره) فقالوا: إن محمدًا قد قُتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون.
قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (162: 261) عن شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، فذكره.
وقوله: لأمه - بفتح اللام، وبعدها همزة، على وزن ضربه ومعناه جمعه وضم بعضه إلى بعض.
وقوله: ظئره - أي مرضعه. وكان عمره صلى الله عليه وسلم آنذاك أربع سنوات، والسنة الخامسة أعادت حليمة إياه صلى الله عليه وسلم إلى أمه آمنة.
• عن عتبة بن عبد السلمي، أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: "كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ١٧)
لها في بَهْمٍ لنا، ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخي! اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طيران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني إلى القفا، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: - قال يزيد في حديثه: ائتني بماء ثلج - فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة، فذرّاها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: حِصْه، فحاصه، وختم عليه بخاتم النبوة - وقال حَيوةُ في حديثه: حِصه فحصّه واختم عليه بخاتم النبوة فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة، واجعل ألفًا من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي، أشفق أن يخرّ عليّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وُزنت به لمال بهم، ثم انطلقا وتركاني، وفرقت فرقًا شديدًا، ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيمه، فأشفقت عليّ أن يكون أُلبس بي، قالت: أعيذك بالله، فرحلت بعيرًا لها فجعلتْني - وفي رواية: فحملتْني - على الرحل، وركبتْ خلْفي حتى بلغنا إلى أمي. فقالت: أو أديت أمانتي وذمتي؟ وحدثْتها بالذي لقيتُ. فلم يرُعْها ذلك. فقالت: إني رأيت خرج مني نور أضاءتْ منه قصور الشام.
حسن: رواه الإمام أحمد (17648)، والطبراني في الشاميين (1181)، والحاكم (2/ 616 - 617)، والبيهقي في الدلائل (2/ 7) كلهم من طريق بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن عمرو السلمي، عن عتبة بن عبد السلمي أنه حدثهم أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وإسناده حسن من أجل بقية فإنه إذا روى عن بَحير بن سعد ولو بالعنعنة تقبل روايته، فكيف وقد صرّح، وأما اشتراط السماع في جميع الطبقات فليس العمل على ذلك.
11 - باب في شق صدره صلى الله عليه وسلم مرة ثانية ليلة الإسراء
• عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فُرج عن سقف بيتي، وأنا بمكة. فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطستٍ من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه".
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (349)، ومسلم في الإيمان (163) كلاهما من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: فذكره بطوله في قصة الإسراء والمعراج.
وأما ما روي في شق صدره صلى الله عليه وسلم ثالثة وهو ابن عشر سنين فهو ضعيف.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ١٨)
ساقه عبد الله بن الإمام أحمد (21261) بطوله عن أبي بن كعب أن أبا هريرة كان جريئًا على أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله! ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا وقال: "لقد سألتَ أبا هريرة! إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ قال: نعم، فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان، حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأخذهما مسًّا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. فأضجعاني بلا قصر ولا هصرٍ. فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري، ففلقها فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له أخرج الغِلّ والحسد، فأخرج شيئًا كهيئة العلقة، ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثلُ الذي أخرج يُشبه الفِضّة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: اغد واسْلَم، فرجعت بها أغدو به رقة على الصغير، ورحمةً للكبير".
هكذا رواه عبد الله بن الإمام أحمد عن محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزار، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن محمد بن أبي بن كعب، حدثني أبي محمد بن معاذ، عن معاذ، عن محمد، عن أبي بن كعب، فذكره.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه (7155) والحاكم (3/ 510) كلاهما من حديث معاذ بن محمد بإسناده مقتصرًا على جرأة أبي هريرة في السؤال.
وفيه سلسلة من المجاهيل كما قال علي بن المديني في "العلل" في مسند أُبي في حديث: أول ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من النبوة. رواه مالك بن محمد بن معاذ بن محمد بن أبي، عن أبيه، عن جده. حديث مدني، وإسناده مجهول كله ولا نعرف محمدًا ولا أباه، ولا جده". ذكره ابن حجر في "التهذيب" في ترجمة معاذ بن محمد بن معاذ.
ويظهر منه أيضًا عدم الضبط في الأسماء وقد أشار إليه في التهذيب أيضًا.
وفي الباب روي أيضًا عن عتبة بن عبد وشداد بن أوس وحليمة السعدية وغيرهم ولا يصح منها شيء إلا ما ذكرته.
12 - باب ما جاء في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم -
قال الله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} [سورة الفتح: 29].
وقوله تعالى على لسان عيسى عليه السلام: {مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [سورة الصف: 6].
• عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لي خمسة أسماء: أنا محمد وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب".
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ١٩)
متفق عليه: رواه مالك في أسماء النبي صلى الله عليه وسلم (1) عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم قال: فذكره.
ورواه البخاري في المناقب (3532) من طريق مالك به. ورواه مسلم في الفضائل (124: 2354) عن زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، وابن أبي عمر كلهم عن سفيان بن عيينة عن الزهري به.
وفي رواية عند مسلم زاد فيه: وقد سماه الله رؤوفًا رحيمًا.
وفي حديث عقيل: قلت للزهري: وما العاقب؟ قال: الذي ليس بعده نبي.
• عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مذممًا ويلعنون مذمّمًا، وأنا محمد".
صحيح: رواه البخاري في المناقب (3533) عن علي بن عبد الله، حدثنا سفيان (هو ابن عيينة)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: فذكره.
• عن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فقال: "أنا محمد، وأحمد، والمقَفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة".
صحيح: رواه مسلم في المناقب (2355) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى الأشعري، فذكره.
• عن حذيفة بن اليمان قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في سكة من سكك المدينة: "أنا محمد، وأنا أحمد، والحاشر، والمقفي، ونبيّ الرحمة".
حسن: رواه الترمذي في الشمائل (361) وابن أبي شيبة (32350) وأحمد (23443)، وصحّحه ابن حبان (6315) كلهم من طريق عاصم بن بهدلة عن زرّ بن حبيش، عن حذيفة قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة بن أبي النجود فإنه حسن الحديث.
ومعنى "المقفّي": الذي يقفو غيره. ويجيء من بعده، يريد: أنه آخر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
13 - باب كنية النبي صلى الله عليه وسلم -
• عن أنس قال: نادى رجل رجلًا بالبقيع يا أبا القاسم! فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني لم أعْنِك، إنما دعوتُ فلانًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسمّوا باسمي ولا تكنّوا بكُنيتي".
وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في السوق.
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (2121)، ومسلم في الآداب (1: 2131) كلاهما من
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٢٠)
طريق حُميد عن أنس قال: فذكره.
والرواية الأخرى: رواها البخاري في البيوع (2120) وفي المناقب (3537) عن آدم بن أبي إياس وحفص بن عمر كلاهما عن شعبة عن حميد به.
• عن جابر بن عبد الله قال: ولد لرجل منا غلام فسمّاه القاسم. فقالت الأنصار: لا نكنك أبا القاسم ولا نُنعمك عينًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أحسنت الأنصار، سمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم".
وفي رواية مسلم: "فإني أنا أبو القاسم أَقسم بينكم".
متفق عليه: رواه البخاري في فرض الخمس (3115) ومسلم في الآداب (2133: 5) كلاهما من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله قال: فذكره.
ورد في بعض الروايات أنه سمّى الولد "محمّدًا" كما عند مسلم (2133: 3) والراجح هو "القاسم" لأنه لم يقع الإنكار من الأنصار عليه إلا حيث لزم من تسمية ولده القاسم أن يصير يكنى أبا القاسم.
• عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "تسمّوا باسمي ولا تكتنوا بكُنيتي".
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (3538)، ومسلم في الآداب (8: 2134) كلاهما من طريق سفيان ابن عيينة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: فذكره.
14 - وفاة آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم -
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: قدمت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم برسول الله صلى الله عليه وسلم على أخواله من بني عدي بن النجار بالمدينة، ثم رجعت به حتى إذا كانت بالأبواء هلكت بها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ست سنين. الفقرة رقم (46)
وهذا مرسل وهو قول جماهير علماء التاريخ والسير بأن أم النبي صلى الله عليه وسلم آمنة ماتت بالأبواء في قرية تسمى ودّان وهي من نواحي الفُرع بين المدينة ومكة.
15 - باب ما جاء في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم -
• عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: "في النار" فلما قفّى دعاه فقال: "إن أبي وأباك في النار".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (203) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره.
ورواه البيهقي في الدلائل (1/ 191) من هذا الوجه ومن وجه آخر أيضًا عن حماد بن سلمة.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٢١)
• عن أبي هريرة قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى، وأبكى من حوله ثم قال: "استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت".
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (108: 976) من طرق عن محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره.
• عن بريدة قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أتى جذْم قبر، فجلس إليه، فجعل كهيئة المخاطب، وجلس الناس حوله، فقام وهو يبكي، فتلقاه عمر - وكان من أجرأ الناس عليه - فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما الذي أبكاك؟ قال: "هذا قبر أمي، سألت ربي الزيارة فأذن لي، وسألته الاستغفار فلم يأذن لي، فذكرتها، فرقّت نفسي فبكيت".
قال: فلم يُر يوم كان أكثر باكيًا منه يومئذ.
صحيح: رواه ابن أبي شيبة (11930) عن محمد بن عبد الله الأسدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه البيهقي في الدلائل (1/ 189) من وجه آخر عن محمد بن يوسف الفريابي، قال: حدثنا سفيان بإسناده ولفظه: انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسم قبر فجلس، وجلس الناس حوله كثير، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب. قال: ثم بكى، فاستقبله عمر فقال: ما يُبكيك يا رسول الله؟ قال: "هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى عليّ. وأدركتني رقتها فبكيت" قال: فما رأيت ساعة أكثر باكيًا من تلك الساعة.
تابعه محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه. انتهى.
قلت: وحديث محارب بن دثار رواه أحمد (23003) وابن حبان (5310) مطولًا والحاكم (1/ 376) مختصًرا.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وأصله في صحيح مسلم (977) بدون ذكر زيارة قبر أم النبي صلى الله عليه وسلم.
وبمعناه رواه الإمام أحمد (23017) عن حسين بن محمد، حدثنا أيوب بن جابر، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بودان قال: "مكانكم حتى آتيكم فانطلق" ثم جاء وهو ثقيل فقال: "إني أتيت قبر أم محمد فسألت ربي الشفاعة فمنعنيها".
وأيوب بن جابر ضعيف، ورُوي عن أخيه محمد بن جابر وهو ضعيف أيضًا.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٢٢)
وفي الباب ما رُوي أيضًا عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني نهيتكم عن زيارة القبور، وإنه قد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه. فزوروها تذكركم".
رواه ابن أبي شيبة (11931) عن يزيد بن هارون، عن حماد بن زيد، حدثنا فرقد السبخي، حدثنا جابر بن يزيد، حدثنا مسروق، عن ابن مسعود، فذكره.
وفيه فرقد بن يعقوب السبخي مختلف فيه والغالب عليه الضعف.
وأما جابر بن يزيد الذي روى عن مسروق، وعنه فرقد السبخي فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل عنه أبو زرعة فقال: ليس هو جابر الجعفي ولا يعرف. الجرح والتعديل (2/ 498).
ولكن رواه البيهقي في الدلائل (1/ 189 - 190) من وجه آخر من حديث عبد الله بن وهب قال: أخبرنا ابن جريج، عن أيوب بن هانئ، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر في المقابر، وخرجنا معه فأمرنا، فجلسنا، ثم تخطّى القبور حتى انتهى إلى قبر منها، فناجاه طويلا، ثم ارتفع نحيب رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيًا، فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إلينا، فتلقاه عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله! ما الذي أبكاك؟ لقد أبكانا وأفزعنا، فجاء فجلس إلينا، فقال: أفزعكم بكائي؟ فقلنا: نعم يا رسول الله! فقال: إن القبر الذي رأيتموني أناجي فيه - قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي فيه، واستأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه، ونزل عليّ {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] حتى ختم الآية: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114] فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة، فذلك الذي أبكاني.
قال ابن كثير في البداية والنهاية (2/ 280): "غريب ولم يخرجوه".
وهذا الحكم الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم لا ينافي قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)} [الإسراء: 15].
فإن أهل الفترة يمتحنون في العرصات يوم القيامة. فيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب. فيكون هؤلاء المسمون من جملة من لا يجيبون.
وقد ذكرت بعض الشيء في كتاب القدر، وأذكر الأشياء الأخرى في تفسير الآية الكريمة وفي أهوال يوم القيامة إن شاء الله تعالى.
16 - حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم -
كانت أم أيمن مع آمنة في سفرها إلى المدينة، فلما ماتت آمنة في طريقها من المدينة إلى مكة حملته أم أيمن مولاتها، وحاضنته إلى جده عبد المطلب بمكة.
• عن أنس بن مالك قال: لما قدم المهاجرون من مكة المدينة قدموا وليس
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٢٣)
بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعَقار. فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم، كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة. وكانت أم أنس بن مالك وهي تدعى أم سليم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، كان أخًا لأنس لأمه، وكانت أعطت أمُ أنس رسول الله صلى الله عليه وسلم عِذاقًا لها. فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مولاته، أم أسامة بن زيد.
قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة. رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم. قال: فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمي عذاقها. وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مكانهن من حائطه.
قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن، أم أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب. وكانت من الحبشة. فلما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما توفّي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقها. ثم أنكحها زيد بن حارثة. ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر.
متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (2630) ومسلم في الجهاد والسير (1771: 70) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: فذكره. واللفظ لمسلم.
وقوله: قال ابن شهاب. هذا مرسل.
وقوله: ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر.
هذا يعارض ما أخرجه ابن سعد في طبقاته (8/ 226) بإسناد صحيح عن طارق بن شهاب قال: لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم بكتْ أم أيمن. فقيل لها: ما يبكيك؟ قالت: أبكي على خبر السماء.
وبإسناده قال: لما قُتل عمر بكت أم أيمن. فقيل لها: فقالت: اليوم وهَى الإسلامُ. وقال الواقدي: ماتت أم أيمن في خلافة عثمان.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة "أم أيمن" "وجمع ابن السكن بين القولين بأن التي ذكرها الزهري هي مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن التي ذكرها طارق بن شهاب هي مولاة أم حبيبة، وأن كلا منهما كان اسمها بركة، وتكنى أم أيمن، وهو محتمل على بعده". انتهى.
17 - باب ما روي في ختان رسول الله صلى الله عليه وسلم -
روي عن ابن عباس أن عبد المطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه محمدًا.
رواه ابن عبد البر في التمهيد (21/ 61) عن أحمد بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف، حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني، قال: حدثني الوليد بن مسلم، عن شعيب - يعني ابن أبي حمزة، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٢٤)
قال ابن عبد البر: حديث مسند غريب.
قال يحيى بن أيوب: طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري" انتهى قول ابن عبد البر.
قلت: فيه الوليد بن مسلم مدلس كان يدلس تدليس التسوية.
والراوي عنه محمد بن أبي السري وهو محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم العسقلاني، المعروف بابن أبي السري مختلف فيه، فوثّقه ابن معين. وقال أبو حاتم: "لين الحديث"، وقال ابن عدي: "كثير الغلط".
فمثله لا يُقبل تفرده.
ورُوي عن العباس بن عبد المطلب قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم مختونًا مسرورًا. قال: وأعجب ذلك عبد المطلب، وحظي عنده وقال: ليكونن لابني هذا شأن فكان له شأن.
رواه ابن سعد في الطبقات (1/ 103) عن يونس بن عطاء المكي أخبرنا الحكم بن أبان العدني، أخبرنا عكرمة، عن ابن عباس، عن أبيه عباس بن عبد المطلب، فذكره.
وقوله: "مسرورًا": يعني مقطوع السرة.
ورواه أبو نعيم في الدلائل (1/ 192) والبيهقي في الدلائل (1/ 114) كلاهما من حديث يونس بن عطاء المكي بإسناده.
قلت: يونس بن عطاء المكي ضعيف جدًّا يروي الموضوعات ولا يجوز الاحتجاج بخبره. "الميزان" (4/ 428).
قال ابن حبان في المجروحين (1243): "يروي العجائب، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد".
وفي الباب ما روي عن أنس بن مالك مرفوعا: "من كرامتي أني ولدت مختونًا، ولم ير أحد سوأتي".
رواه الطبراني في المعجم الصغير والأوسط (مجمع البحرين 3484)، والخطيب في التاريخ (1/ 329) ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (264) كلهما من حديث سفيان بن محمد الفزاري المصيصي، قال: ثنا هشيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك، فذكره.
قال الطبراني: "لم يروه عن يونس إلا هشيم، تفرد به سفيان الفزاري".
قال الهيثمي في "المجمع" (8/ 224): وفيه سفيان بن محمد الفزاري متهم".
قلت: وهو كما قال، فإنه ضعيف جدًّا.
قال ابن عدي: يسرق الأحاديث، ويسوي الأسانيد، وفي حديثه موضوعات.
وفيه الحسن، وهو الإمام المشهور مدلس وقد عنعن.
ورواه أبو نعيم في الحلية (3/ 24) والدلائل (1/ 191 - 192) من وجه آخر عن نوح بن محمد الأيلي قال: ثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا هشيم بن بشير، بإسناده مثله. قال أبو نعيم: "غريب من
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٢٥)
حديث يونس، عن الحسن، لم نكتبه إلا من هذا الوجه".
قلت: وفيه نوح بن محمد الأيلي قال الذهبي في "الميزان"روى عن الحسن بن عرفة حديثًا شبه موضوع".
وقال الحافظ في "اللسان": كلهم ثقات إلا نوحًا فلم أر من وثّقه، وقد روى هذا الحديث الحافظ ضياء الدين في "المختارة" من هذا الوجه، ومقتضاه على طريقته أنه حديث حسن".
وفي الباب أحاديث أخرى أشد ضعفًا من هذا.
فقول الحاكم في المستدرك (2/ 602): "وقد تواترت الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد مختونًا مسرورًا" فيه نظر.
ولذا تعقبه الذهبي فقال: "ما أعلم صحة ذلك، فكيف متواترًا".
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (1/ 265): "وقد ادعى بعضهم صحته لما ورد له من الطرق حتى زعم بعضهم أنه متواتر وفي كله نظر".
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام - السيرة النبوية - ص 27 بعد أن ذكر حديث الوليد بن مسلم أن عبد المطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه .. "وهذا أصح مما رواه ابن سعد .. أنه ولد مختونًا مسرورًا".
وقد رأيت في كل من هذه الأخبار في صحتها النظر، فالذي يرجح أن عبد المطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه حريًّا لعادة العرب وهذا لا يحتاج إلى دليل.
وقال الحافظ ابن القيم في "تحفة المودود" ص 345: وقد جاء في بعض الروايات أن جده عبد المطلب ختنه في اليوم السابع.
قال: وهو على ما فيه: أشبه بالصواب، وأقرب للواقع.
وقال في "زاده" (1/ 81): وقد اختلف في ختانه صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ولد مختونًا مسرورًا.
ورُوي في ذلك حديث لا يصح. ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات. وليس فيه حديث ثابت. وليس هذا من خواصه، فإن كثيرًا من الناس يولد مختونًا.
والقول الثاني: أنه خُتن صلى الله عليه وسلم يوم شق قلبه الملائكة عند ظئره حليمة.
والقول الثالث: أن جده عبد المطلب ختنه يوم سابعه وصنع له مأدبة وسماه محمدًا. ثم قال رحمه الله: "وقد وقعت هذه المسألة بين رجلين فاضلين صنف أحدهما مصنفًا في أنه ولد مختونًا، وأجلب فيه من الأحاديث التي لا خِطام لها ولا زِمام، وهو كمال الدين بن طلحة، فنقضه عليه كمال الدين بن العديم، وبين فيه أنه صلى الله عليه وسلم خُتِنَ على عادة العرب، وكان عموم هذه السُّنَّة للعرب قاطبة مغنيًا عن نقل معين فيها، والله أعلم".
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٢٦)
18 - النبي صلى الله عليه وسلم في رعاية جدّه عبد المطلب حتى مات
قال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب.
فحدثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله قال: كان يوضع لعبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم فراش في ظل الكعبة. فكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي حتى يجلس عليه. فيذهب أعمامه يؤخرونه. فيقول جده عبد المطلب: دعوا ابني. فيمسح على ظهره ويقول: إن لابني هذا لشأنًا فتوفي عبد المطلب ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثماني سنين بعد الفيل بثماني سنين. انتهى رقم الفقرة (47) فأوصى به إلى عمه أبي طالب.
ذكر ابن سعد (1/ 119): ومات عبد المطلب فدُفن بالحجون، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة، ويقال: ابن مائة وعشر سنين. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: نعم أنا يومئذ ابن ثماني سنين. قالت أم أيمن: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يبكي خلف سرير عبد المطلب. انتهى.
19 - الاعتناء بحفظ عورته وهو صغير
• عن جابر بن عبد الله قال: لما بُنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان الحجارة. فقال عباس للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة. فخرّ إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق فقال: إزاري. فشد عليه إزاره.
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (3829) ومسلم في الحيض (340) كلاهما من حديث عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عن جابر بن عبد الله يقول: فذكره.
وفي رواية عندهما: فما رؤي بعد ذلك عريانًا.
20 - خروج النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه إلى الشام
• عن أبي موسى الأشعري قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت. قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرّ ساجدًا ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٢٧)
الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا، إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بُعث إليه بأناس وإنا قد أخبرنا خبره فبعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه قال: أنشدكم بالله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالًا وزوّده الراهب من الكعك والزيت.
حسن: رواه الترمذي (3620) عن الفضل بن سهل أبي العباس الأعرج البغدادي قال: حدثنا عبد الرحمن بن غزوان، قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه فذكره.
وعبد الرحمن بن غزوان هو أبو نوح المعروف بقراد، ثقة من رجال البخاري.
ومن طريقه رواه الحاكم (2/ 615 - 616) وعنه البيهقي في دلائله (2/ 42) والخطيب في تاريخ بغداد (10/ 252) في ترجمة عبد الرحمن بن غزوان. وابن عساكر في تاريخ دمشق (3/ 4) وقال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال العباس بن محمد الدوري: ليس في الدنيا مخلوق يحدث به غير قُراد أبي نوح. وسمع هذا الحديث أحمد بن حنبل ويحيى بن معين من قُراد وقالا: وإنما سمعناه من قراد لأنه من الغرائب والأفراد التي نقر بروايتها عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه انتهى. ذكره الخطيب وابن عساكر.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
فتعقبه الذهبي فقال: "أظنه موضوعا، فبعضه باطل" كذا قال. لعله لوجود ذكر أبي بكر وبلال في الحديث وهذا القدر من الحديث منكر لا شك فيه.
ولكن أصل القصة وهي ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى الشام مع عمه لم ينكر عليه أحد فيما أعلم.
وقد جزم به الحافظ ابن القيم فقال في زاده (1/ 76 - 78): فلما بلغ ثنتي عشرة سنة خرج به عمه إلى الشام. وقيل: كانت سنه تسع سنين، وفي هذه الخرجة رآه بحيرى الراهب، وأمر عمه ألا يقدم به إلى الشام خوفًا عليه من اليهود، فبعثه عمه جمع بعض غلمانه إلى مكة".
ثم قال: ووقع في كتاب الترمذي وغيره أنه بعث معه بلالًا، وهو من الغلط الواضح، فإن بلالًا
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٢٨)
إذ ذاك لعله لم يكن موجودًا. وإن كان فلم يكن مع عمه. ولا مع أبي بكر. وذكر البزار في مسنده هذا الحديث ولم يقل: أرسل معه عمه بلالًا، ولكن قال: رجلًا" انتهى.
وقد ذكر هذه القصة محمد بن إسحاق في سيرته وليس فيها ذكر أبي بكر وبلال.
قال ابن إسحاق: ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرًا إلى الشام، فلما تهيّأ للرحيل، وأجمع السير، صب له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون - فرقّ له أبو طالب، وقال: والله! لأخرجن به معي، ولا أفارقه، ولا يفارقني أبدًا. أو كما قال، فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له: بحيرى. في صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب - فيما يزعمون - يتوارثونه كابرًا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى، وكانوا كثيرًا ما يمرون به قبل ذلك، فلا يكلمهم، ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا قريبًا من صومعته، صنع لهم طعامًا كثيرًا، وذلك - فيما يزعمون - عن شيء رآه، وهو من صومعته، يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركب، حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا، فنزلوا في ظل شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى، نزل من صومعته، وقد أمر بطعام فصنع، ثم أرسل إليهم، فقال: إني قد صنعت لكم طعامًا يا معشر قريش! فأنا أحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحركم. فقال له رجل منهم: والله! يا بحيرى! إن لك لشأنًا اليوم! ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمرّ بك كثيرًا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم، وأصنع لكم طعامًا، فتأكلوا منه كلكم. فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بين القوم لحداثة سنه، في رحال القوم، تحت الشجرة، فلما نظر بحيرى في القوم، لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش! لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي. قالوا: يا بحيرى! ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدثنا سنًا، فتخلف في رحالنا. قال: لا تفعلوا! ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. قال: فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى، إن كان للؤمًا بنا، أن يتخلف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا. ثم قام إليه، فاحتضنه، وأجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرى، جعل يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى، وقال له: يا غلام! أسألك بحق اللات والعزى، إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. وإنما قال له بحيرى ذلك، لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فزعموا أن رسوك الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تسألني باللات والعزى، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما، فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. فقال له: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله، من نومه، وهيئته، وأموره، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه،
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٢٩)
على موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب، فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًّا. قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله! لئن رأوه، وعرفوا منه ما عرفت، ليبغنّه شرًّا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده. فخرج به عمه أبو طالب سريعًا، حتى أقدمه مكة، حين فرغ من تجارته بالشام". انتهى.
سيرة ابن إسحاق (53 وما بعده) وسيرة ابن هشام (1/ 180 - 183).
وقُراد أبو نوح عبد الرحمن بن غزوان ثقة حافظ لم أجد من جرّحه.
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ذكر أبا نوح فقال: كان عاقلًا من الرجال.
وذكر الخطيب في تاريخه قول مجاهد بن موسى ويحيى بن معين وغيرهما في توثيق عبد الرحمن بن غزوان.
فلا يضر تفرده وقد قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" "رجاله ثقات" وذكر أبي بكر وبلال خطأ من أحد الرواة، أو منه، لأن كبار الأئمة لم يسلموا من الخطأ والسهو. فلا يستطيع أحد أن يُسقط أصل القصة من السيرة النبوية.
فلا ينبغي الإنكار على هذه القصة من أصلها خوفًا من أن بعض المستشرقين اتخذوها ذريعة للطعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنه أخذ شرائع الإسلام من هذا الراهب، بل منهم من قال: إنه أخذ القرآن بكامله منه. وهو قول يدل على إفلاس قائله وجهله.
21 - باب النبي صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي إلا وقد رعى الغنم" قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة".
صحيح: رواه البخاري في الإجارة (2262) عن أحمد بن محمد المكي، حدثنا عمرو بن يحيى، عن جده، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، ونحن نجني الكباث فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالأسود منه" قال: فقلنا: يا رسول الله! كأنك رعيت الغنم؟ قال: "نعم، وهل من نبي إلا وقد رعاها" أو نحو هذا من القول.
صحيح: رواه مسلم في الأشربة (2050) عن أبي طاهر، أخبرنا عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
وقوله: "الكباث": هو النضيج من ثمر الأراك.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٠)
22 - حضور النبي صلى الله عليه وسلم بعض أيام حرب الفجار
رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كنت أنبّل على أعمامي".
أي أرد عنهم نبل عدوهم إذا رموهم بها. وقيل معناه: أي كنت أناولهم النبل ليرموا. وكان قائد قريش حرب بن أمية. ذكره ابن هشام بدون إسناد (1/ 186).
ولم أقف على هذا الحديث مسندا.
وحرب الفجار كما قال ابن إسحاق: هاجت حرب الفجار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، وإنما سمي يوم الفجار بما استحل فيه هذان الحيان: كنانة وقيس عيلان - من المحارم بينهم. وكان قائدَ قريش وكنانة حربُ بن أمية بن عبد شمس، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس.
إلا أن ابن هشام خالف ابن إسحاق في تحديد عمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة. فيما حدثني أبو عبيدة النحوي، عن أبي عمرو بن العلاء: هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة، وبين قيس عيلان فذكر مطولا. سيرة ابن هشام (1/ 186 - 187)، وذكره ابن سعد في الطبقات (1/ 126، 128) عن الواقدي مفصلا.
23 - شهود النبي صلى الله عليه وسلم حلف الفضول
• عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شهدت مع عمومتي حلف المطيبين، فما أحب أن لي حمر النعم، وإني أنكثه".
صحيح: رواه أحمد (1676) والبخاري في الأدب المفرد (567) وصحّحه ابن حبان (4373) والحاكم (2/ 219 - 220) كلهم من طريق إسماعيل ابن علية، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، فذكره. وإسناده صحيح.
وفي معنى "المطيبين" كلام لابن حبان في صحيحه كما أن السندي له كلام في مسند أحمد فراجعه. و"حلف الفضول" راجع حاشية ابن حبان.
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية، فلم يزده الإسلام إلا شدة، وما يسرني أنّ لي حُمَر النعم، وأني نقضتُ الحلف الذي كان في دار الندوة".
حسن: رواه الطبري في تفسيره (6/ 683) عن أبي كريب قال، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل بن يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل مصعب بن المقدام.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما شهدت من حلف قريش إلا حلف
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣١)
المطيبين، وما أحب أن لي حمر النعم، وإني كنت نقضته".
قال: والمطيبين: هاشم وأمية وزهرة ومخزوم.
حسن: رواه ابن حبان (3474) والبيهقي في السنن الكبرى (6/ 366) وفي الدلائل (2/ 38) من طريق المعلى بن مهدي، ثنا أبو عوانة، عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عمرو بن أبي سلمة غير أنه حسن الحديث.
قال محمد بن نصر: قال بعض أهل المعرفة بالسير وأيام الناس: أن قوله في هذا الحديث: حلف المطيبين غلط، إنما هو حلف الفضول؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك حلف المطيبين؟ لأن ذلك كان قديمًا قبل أن يولد بزمان" ذكره البيهقي.
قلت: وكذلك قاله غير واحد من أهل العلم.
قال القتيبي: "أحسبه أراد حلف الفضول، لأن المطيبين هم الذين عقدوا حلف الفضول." ذكره البيهقي أيضًا.
وقال ابن حبان: "أضمر في هذين الخبرين "مَنْ" يريد به: شهدت من حلف المطيبين، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشهد حلف المطيبين. لأن حلف المطيبين كان قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف الفضول وهم من المطيبين".
وقال البيهقي بعد أن ساق الحديث: كذا روي هذا التفسير مدرجًا في الحديث. ولا أدري قائله. وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك حلف المطيبين".
قال ابن كثير: "هذا لا شك فيه، وذلك أن قريشًا تحالفوا بعد موت قصي وتنازعوا في الذي كان جعله قصي لابنه عبد الدار من السقاية، والرفادة، واللواء، والندوة، والحجابة، ونازعهم فيه بنو عبد مناف وقامت مع كل طائفة قبائل من قريش وتحالفوا على النصرة لحزبهم فأحضر أصحاب بني عبد مناف جفنة فيها طيب فوضعوا أيديهم فيها وتحالفوا. فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت. فسموا المطيبين كما تقدم وكان هذا قديمًا، ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول وكان في دار عبد الله بن جدعان، كما رواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عبد الله عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعد ظالم مظلومًا".
قالوا: وكان حلف الفضول قبل المبعث بعشرين سنة في شهر ذي القعدة، وكان بعد حرب الفجار بأربعة أشهر، وذلك لأن الفجار كان في شعبان من هذه السنة، وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب.
البداية والنهاية (2/ 291).
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٢)