وأما إقليم المشرق(1)، الذي كان يُنسب إليه الإمام السمعاني، وخاصته مرو الشاهِجَان(2) من مدن خراسان(3) الكبرى. فقد تعاقب عليها وما جاورها في القرن الخامس الهجري ثلاث دول: البويهية، والغزنوية، والسلجوقية.--------------------------------------------
(1) إقليم المشرق ينقسم إلى ثلاثة أقاليم: خراسان، وسجستان، وما وراء النهر. ينظر: البشاري: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، مكتبة مدبولي - القاهرة، ط 3 - 1991 م، (260).
(2) مرو الشاهجان: هي مرو العظمى، أشهر مدن خراسان وقصبتها، ومعنى مرو: مرج، والشاه: الملك، والجان: الروح، وكأنه يُقال: مرج نفس الملك. وإنما قيل لها مرو؛ لتتميز عن مرو الروذ، ولأنه لم يكن بها بناء. ينظر: ابن الجوزي: المنتظم في تأريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 - 1412 هـ (4/ 219)، ابن الفقيه: البلدان، عالم الكتب 0 بيروت، ط 1 - 1416 هـ (1/ 136).
(3) خراسان: كلمة فارسية معناها: بلاد الشمس المشرقة، والعرب إذا ذكرت المشرق كله قالوا: فارس، فخراسان من فارس. وهي بلاد واسعة، أول حدودها لما يلي العراق، وآخر حدودها لما يلي الهند. وتشتمل على أمهات من البلاد منها: نيسابور، وهراة، ومرو، وبلخ. وهي من أحسن أرض الله، وأعمرها، وأكثرها خيرا، وأهلها أحسن الناس صورة، وأكملهم عقلا، وأقومهم طبعا، وأكثرهم رغبة في الدين والعلم. ينظر: القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (361)، البكري: معجم ما استعجم من البلاد والمواضع، عالم الكتب - بيروت، ط 3 - 1403 هـ (2/ 490)، الحموي: معجم البلدان، دار صادر - بيروت، ط 2 - 1995 م، (2/ 350).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
1 - أما دولة بني بويه التي امتدت من عام 334 هـ، إلى عام 447 هـ، ودخلت بلاد المسلمين في بغداد، فأفسدت البلاد والعباد، وشرعت نظام الإقطاع، وأظهرت ألوانا من النزاع العنصري بين الأجناد من الديلم والترك، ونشرت المذهب الرافضي، ودخلت في حروب، ولم يزل الأمر مستمرا على ذلك، إلى أن ظهر أمر السلطان ركن الدولة والدين طغرلبك محمد بن ميكال بن سلجوق، وقويت شوكة الترك، وانخفضت الدولة البويهية، واضمحلت وانقرضت(1).
وقد نمت الرافضة في أكناف هذه الدولة وترعرت؛ لأن " المشهور عن بني بويه التشيع والرفض"(2)، وقد مشى البويهيون على خُطى الفاطميين، يقول الإمام ابن كثير: " وقد أسرف الرافضة في دولة بني بويه في حدود الأربعمائة وما حولها "(3)، ويشير إلى أحداث سبع وأربعين وثلثمائة فيقول: " وقد رجع معز الدولة إلى بغداد بعد انعقاد الصلح، وقد امتلأت البلاد رفضا وسبا للصحابة من بني بويه وبني حمدان والفاطميين، وكل ملوك البلاد، مصرا، وشاما، وعراقا، وخراسان، وغير ذلك من البلاد كانوا رفضا، وكذلك الحجاز وغيره، وغالب بلاد المغرب، فكثر السب والتكفير منهم للصحابة "(4).
وهنا قيّض الله تعالى طغرلبك، فأزال ملك بني بويه، يقول ابن تغري بردي: "وانقرضت دولة بني بويه من بغداد، بسلطنة طغرلبك السلجوقي"(5).--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن القلانسي: تأريخ دمشق، دار حسان للطباعة - دمشق، ط 1 - 1403 هـ (442).
(2) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دار الكتب - مصر (3/ 308)، وينظر: الموسوعة الميسرة في التأريخ الإسلامي، إعداد فريق البحوث والدراسات الإسلامية، فِدا، مكتبة خوارزم - القاهرة، (1/ 273).
(3) ابن كثير: البداية والنهاية: (8/ 220)
(4) ابن كثير: البداية والنهاية: (11/ 264).
(5) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة: (5/ 67 - 73)، وابن تغري بردي: هو يوسف الحنفي، مؤرخ، بحاثة، من مصنفاته: المنهل الصافي المستوفي بعد الوافي. الزركلي: الأعلام: (8/ 222).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
وفي العام الذي يلي سقوط دولة بني بويه، " اُلزم الروافض بترك الأذان بحي على خير العمل، واُمر أن يُنادي مؤذنهم في أذان الصبح وبعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين، وأُزيل ما كان على أبواب المساجد ومساجدهم من كتابة: محمد وعلي خير البشر، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ، ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة، وذلك أن نوء الرافضة اضمحل؛ لأن بني بويه كانوا حكاما، وكانوا يقوونهم وينصرونهم، فزالوا وبادوا، وذهبت دولتهم، وجاء بعدهم قوم آخرون من الأتراك السلجوقية، الذين يحبون أهل السنة ويوالونهم، ويرفعون قدرهم، والله المحمود أبدا، على طول المدى "(1).
2 - وأما الدولة الغزنوية(2): فكانت في عهد محمود بن سبكتكين في ولاء تام للخلافة، وكانت على مذهب أهل السنة والجماعة، وكانت موئلا للعلماء(3).
" ومع أوائل القرن الخامس الهجري بدأ الغزنويون فتح كابل وبلاد الأفغان، والامتداد إلى شبه القارة الهندية. ويذكر المؤرخون أنه هو الفاتح الحقيقي الشامل لشبه القارة الهندية، وأنه كان من أعاظم سلاطين المسلمين، وقد امتدت سلطنته من بهار في شرق الهند، إلى فارس، وفي أواخر القرن السادس الهجري سقطت دولة الغزنويين"(4).--------------------------------------------
(1) ابن كثير: البداية والنهاية: (12/ 86).
(2) الدولة الغزنوية: غزنة مدينة عظيمة، وولاية واسعة في طرف خراسان، وهي مدينة عامرة، تُعرف بأفغانستان الحالية، وكانت منزل محمود بن سبكتكين إلى أن انقرضوا. وهي بلاد مخصوصة بصحة الهواء، وعذوبة الماء، وصحة التربة. ينظر: الحموي: معجم البلدان: (4/ 201)، عمران الوردي: خريدة العجائب وفريدة الغرائب، مكتبة الثقافة الإسلامية - القاهرة، ط 1 - 1428 هـ (376)، القزويني: آثار البلاد: (1/ 428).
(3) ينظر: الموسوعة الميسرة في التأريخ الإسلامي: (1/ 326).
(4) عبدالرحمن حبنكة: الحضارة الإسلامية: دار القلم - دمشق، ط 1 - 1418 هـ (616 - 617).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
وقد جرت مناوشات في هذا القرن بين عساكر غزنة، وبين السلطان ملكشاه السلجوقي، فخرج إلى عساكر غزنة إلياس بن ألب أرسلان أخو ملكشاه، فقاتلهم، وكفى ملكشاه أمر الغزنوية(1).
3 - وأما الدولة السلجوقية(2): فقد ابتدأ ملكها من عام 429 هـ، وفيها استولى طغرلبك على نيسابور، وجلس على سرير ملكها، وبعث أخاه داود إلى بلاد خراسان فملكها، وانتزعها من نُواب الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين(3).وعلا شأنهم، وارتفع ملكهم بحلول عام 432 هـ(4). وبدأ السلطان طغرلبك بالفتوحات، ففي سنة 442 هـ، فتح السلطان أصبهان بعد حصار دام سنة، وجعلها دار إقامته(5). وفي سنة 446 هـ، غزا بلاد الروم بعد أخذه بلاد أذربيجان، فغنم من بلاد الروم وسبى، وعمل أشياء حسنة(6). ثم دخلت سنة 447 هـ، وفيها ملك طغرلبك بغداد والعراق(7). وجرت أحداث وفتن كبيرة، انتهت بمقتل رأس الفتنة البساسيري ومن معه.
وكان الملك طغرلبك خيِّرا، مصليا، محافظا على الصلاة في أول وقتها، ويُديم صيام الإثنين والخميس، حليما عمن أساء إليه، كتوما للأسرار، سعيدا في حركاته(8).--------------------------------------------
(1) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة: (5/ 95).
(2) ينظر في كيفية وصول السلاجقة إلى السلطة، وابتداء أمرهم: تأريخ ابن الوردي: (1/ 335)، تأريخ ابن خلدون، دار الفكر - بيروت، ط 2 - 1408 هـ (3/ 559)، الموسوعة الميسرة في التأريخ الإسلامي: (1/ 278).
(3) ابن كثير: البداية والنهاية: (12/ 54).
(4) ابن كثير: البداية والنهاية: (12/ 60).
(5) المرجع السابق: (12/ 77).
(6) المرجع السابق: (12/ 82).
(7) المرجع السابق: (12/ 83).
(8) المرجع السابق: (12/ 111).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
فلما تُوفي خلفه ابن أخيه السلطان ألب أرسلان، فملك بعد عمه طغرلبك سبع سنين وستة أشهر وأياما. وكان هو كذلك عادلا في سيرته، كريما رحيما، شفوقا على الرعية، رفيقا بالفقراء، بارا بأهله وأصحابه ومماليكه، كثير الدعاء بدوام النعم به وعليه، كثير الصدقات، يتفقد الفقراء في كل رمضان بخمسة عشر ألف دينار، ولا يعرف في زمانه جناية ولا مصادرة، بل كان يقنع من الرعية بالخراج في قسطين؛ رفقا بهم(1).
وهذه كلها أسباب جعلت ذاك القرن يعيش نوعا من الأمن والاستقرار، خاصة إذا علمنا أن ألب أرسلان اعتمد في الوزارة على نظام الملك، الذي كان حسن السيرة، فكان وزير صدق، يُكرم العلماء والفقراء(2)، وكذا استوزره ملكشاه بعد مقتل أبيه.
وفي هذه الفترة المزهرة في حياة أولئك الأعلام الثلاثة العِظام: طغرلبك، وألب أرسلان، وملكشاه، عاش الإمام أبو المظفر السمعاني.
المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية:
الفوضى السياسية العارمة، التي عمت أرجاء المشرق والمغرب، كان لها أثر على الواقع والحال الاجتماعي في تلك الدول. فمع الاضطرابات السياسية: تكثر الحروب، والسرقات، وينتهز الوجهاء والأمراء الفرصة المواتية، للانقضاض على مقاليد السلطة والحكم، مما ينتج عن ذلك: إنفاق هائل للثروات، وهدر للأموال، وهذا بدوره يؤدي إلى فقدان الأمن المعيشي، والاهتزاز الاجتماعي، واضطراب الأمن في البلدان.
فالواقع الذي شهده التأريخ في القرن الخامس، كان مزريا، مليئا بالآلام. فعانت الأمم من توترات أمنية، ونقص معيشي حاد، أُزهقت بسببه الأرواح والمُهج.
ومما زاد الأمر سوءً أن العيارين(3)--------------------------------------------
(1) المرجع السابق: (12/ 130).
(2) المرجع السابق: (12/ 111).
(3) العيارون: يقول ابن الأنباري في: الزاهر في معاني كلام الناس: مؤسسة الرسالة -بيروت، ط 1 - 1412 هـ (1/ 153):" قال أهل اللغة: العيار معناه في كلامهم: الذي يخلي نفسه وهواها، ولا يردعها ولا يزجرها، وقالوا: هو مأخوذ من عارت الدابة: إذا انفلتت. وقال آخرون: الأصل في هذا أن يُقال: تعاير القوم، إذا ذكروا العار بينهم، ثم قيل لكل من تكلم بفحش قد تعاير ".
وهذا الوصف إذا أُطلق في كتب التأريخ أُريد به الذم، وإن كان هذا اللفظ يُطلق ويُراد به الذم أو المدح، لكن في هذا المقام يُراد به ما يُرادف الرعاع والأوباش والطرارين، وهي فئة خارجة عن النظام والقانون، ويقوى ساعدهم، ويشد عودهم، أيام انحلال الدول، وضعف الأنظمة، وغياب القانون. ويترافق بظهورهم الفتن المذهبية، والقلاقل السياسية، والاضطرابات العنصرية. ينظر: مقال لمحمد سعيد رضا، من قسم التأريخ، كلية التربية، بغداد العراق، 31 أكتوبر 2012، موقع إنسانيات الإلكتروني على الشبكة العنكبية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
نشطوا في غيهم وفسادهم، وخرقوا هيبة السلطان، وأراقوا الدماء(1)، بل كانوا على أشد الفجور، وأعظم الخطيئة، يقول الإمام ابن الجوزي عن أحداث سنة 426 هـ: " ثم اشتد أمر العيارين، وكاشفوا بالإفطار في رمضان، وشرب الخمر، وارتكاب الفجور "(2).
وكان الأمر المؤلم لهذه الشعوب المقهورة، أن العيارين صاروا يأخذون أموالهم ليلا ونهارا، ولا مانع لهم؛ لأن السلطان كان عاجزا عن قهرهم، ولذا انتشروا في البلاد، فنهبوا النواحي، وقطعوا الطريق، وبلغوا إلى أطراف بغداد، حتى وصلوا إلى جامع المنصور، وأخذوا ثياب النساء في المقابر(3).
فعدم استقرار الأمن، هو نتيجة لما تمر به الدول من الفوضى السياسية، وأما فقدان الأمن المعيشي، فقد بلغ في هذه الأمة مبلغه، حتى لا يكاد المرء يُصدق ما يقرؤه.
فالغلاء الفاحش الذي أضر بالناس لم يستثن أحدا، فارتفعت الأسعار، وفشت الأوبئة، وصار أمر الناس في عُسر.
ففي بدايات هذا القرن الذي نتحدث عنه، " اشتد الغلاء بخراسان جميعها، وعُدِمَ القوت، حتى أكل الناس بعضهم بعضا. فكان إنسان يصيح: الخبز الخبز ويموت، ثم تبعه وباء عظيم، حتى عجز الناس عن دفن الموتى "(4).
وفي منتصف هذا القرن، كان الغلاء والوباء عاما في البلاد جميعها: مكة، والعراق، والموصل، والجزيرة، والشام، ومصر، وغيرها من البلاد(5).
وفي أواخر هذا القرن، عم الغلاء دامغان(6)، حتى شُوهد رجل يأكل كلبا مشويا في الجامع، وإنسان يُطاف به في الأسواق، وفي عنقه يد صبي قد ذبحه وأكله(7).--------------------------------------------
(1) ابن الجوزي: المنتظم: (15/ 170).
(2) ابن الجوزي: المنتظم: (15/ 246).
(3) ابن الأثير: الكامل في التأريخ: دار الكتاب العربي - بيروت، ط 1 - 1417 هـ، (7/ 568)، ابن كثير: البداية والنهاية: (12/ 44).
(4) ابن الأثير: الكامل في التأريخ: (7/ 573).
(5) المرجع السابق: (8/ 74).
(6) دامغان: بلد كبير بين الري ونيسابور. ينظر: الحموي: معجم البلدان: (1/ 365).
(7) ابن الجوزي: المنتظم: (17/ 66).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
ولازالت الأحداث والنكبات تتوالى على هذه الأمم إلى أن استبد بهم: غلاءٌ، وخوفٌ، ونهبٌ، وجوعٌ، ومرضٌ، وموتٌ، وفسادٌ، عم البلدان، يقول الإمام ابن الجوزي عن أحداث سنة 448 هـ: " وعم هذا الوباء والغلاء، مكة، والحجاز، وديار بكر، والموصل، وبلاد الروم، وخراسان، والجبال، والدنيا كلها "(1).
ونتج عن هذا الفساد والعبث، واختلاف السلاطين فيما بينهم: خوف منع الناس من القدوم إلى حج بيت الله الحرام. ونظرة واحدة لكتب التأريخ تُبيِّن مدى المعاناة، وحجم المأساة، التي كانوا يعيشونها، بسبب فقدان الأمن، وكثرة الفساد.
ومع أن الحال الاجتماعي كانت مزرية، إلا أنه كان يختلف سوءً من بلد لآخر، ومن زمن لآخر. ومع هذا القحط المعيشي، والجفاف الاجتماعي، نجد أن سلاطين الدولة السلجوقية، الذين عاصرهم الإمام السمعاني، كانوا على جانب من الصلاح ومراعاة أحوال الناس.
فقد أرسل الملك طغرلبك كتابا إلى جلال الدولة، يأمره بالإحسان إلى الرعايا، والوصاة بهم(2).وكان خَلَفَه ألب أرسلان، شفوقا على رعيته، رفيقا بالفقراء، يُغدق عليهم، ويتفقد أحوالهم(3). وهذا بدوره يعكس نوع اطمئنان عند الرعية.
المطلب الثالث: الحالة الدينية والعلمية:
أولا: الحالة الدينية:
في القرن الخامس الهجري، تمثلت ظاهرة الفوضى الدينية عاليا، كما كانت هي الفوضى السياسية. فقد كان التشيع يضرب أطنابه متعاليا، تدعمه القوى السياسية، وتُدعم قواعده. فالدولة الفاطمية والدولة البويهية، ساهمتا في نشر الفكر الرافضي، وتثبيت أسسه، في حين جرت مزاوجة فكرية، ومقاربة عقائدية، بين المذهب الرافضي والمعتزلي، فقوي الاعتزال في ذاك الزمان؛ إذ كان يُشايعه ويُناظر له الأمراء والوجهاء والعلماء.--------------------------------------------
(1) ابن الجوزي: المنتظم: (15/ 246).
(2) ابن كثير: البداية والنهاية: (12/ 64).
(3) المرجع السابق: (12/ 130).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
ولكن ما أن مكَّن الله تعالى للخليفة القادر بالله الأمر، حتى سعى جاهدا، لتقويض أسس المعتزلة والرافضة وأهل البدع، بقوله وفعله. فألف كتابا ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أهل الحديث، وأورد فضائل عمر بن عبدالعزيز، وذكر أفكار المعتزلة، والقائلين بخلق القرآن، وكان الكتاب يُقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي، ويحضر الناس سماعه(1).
وفي سنة 408 هـ، استتاب القادر بالله المعتزلة والشيعة وغيرهما، من أرباب المقالات المخالفة لما يعتقده من مذاهبهم، ونهى عن المناظرة في شيء منها، ومن فعل ذلك نُكِّلَ به وعوقب(2)، فامتثل أمره محمود بن سبكتكين، وكانوا حربا على البدع وأهلها(3).
وفي سنة 420 هـ، ملك محمود بن سبكتكين الري، فنفى المعتزلة إلى خراسان، وأحرق كتب الفلسفة، ومذاهب الاعتزال والنجوم(4).
واكتمل العقد، وظهر أمر السنة وانتشر، وضعف أمر البدعة وانحسر، بتمكن السلاجقة من مشرق العالم الإسلامي ودخولهم بغداد.
إن صفحات الصراع بين السنة والرافضة طويلة مستمرة، تعلو تارة، وتخبو أخرى، وكان بداخل كل واحدٍ منهما صراعات مذهبية أخرى.
وقامت في هذا القرن فتن، واشتعلت حروب فكرية، كلٌ ينتزع الحق من الآخر، وينتصر لمذهبه، وهذه كلها دلائل وإشارات لوجود فوضى فكرية، وصراعات عقائدية، خيمت على أرجاء العالم الإسلامي، كان الحق الغالب فيها، غالبا لأهل الحق أهل السنة والجماعة.--------------------------------------------
(1) ابن الجوزي: المنتظم: (14/ 354).
(2) ابن الأثير: الكامل في التأريخ: (7/ 649)، ابن الجوزي: المنتظم: (15/ 125).
(3) الذهبي: العبر في خبر من غبر: (7/ 711).
(4) ابن الجوزي: المنتظم: (15/ 194).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
ثانيا: الحالة العلمية:
هنا تُشرق الشمس، ويُشع ضوء الصباح، وتبتهج النفس سرورا، وينقلب اليأس أملا، والحزن فرحا، والشؤم تفاؤلا، ويظهر النور الساطع من ركام الظلام الدامس.
فلم تُؤثر تلك الصراعات السياسية، ولا الفوضى الدينية، ولا الشتات الفكري، ولا الانتكاسات الاجتماعية، ولا الانهيار الاقتصادي، على الحِراك الثقافي، والنهضة العلمية، بل ظهر قَطْرٌ من ثنايا تلك السحب المظلمة، يروي الأرض، وينبت الكلأ والعشب.
ولم تقتصر النهضة العلمية في هذا القرن، على علوم الشريعة، بل تعدتها إلى علوم وفنون أخرى. فكان من علماء هذا القرن: عالم الرياضيات والفلك المشهور البيروني(1)، وعالم الطب الحسن بن الهيثم(2)، وغيرهما.
وبرز من العلماء والأئمة في علوم الشريعة في هذا القرن كثيرون منهم:--------------------------------------------
(1) البيروني: محمد بن أحمد أبو الريحان البيروني (362 هـ - ت 440 هـ)، فيلسوف، رياضي، مؤرخ، من أهل خوارزم. صنف كتبا كثيرة منها: الآثار الباقية عن القرون الخالية. الزركلي: الأعلام: دار العلم للملايين، ط 5 - 2002 م (5/ 314).
(2) الحسن بن الهيثم: محمد بن الحسن بن الهيثم، أبو علي (354 هـ - ت 430 هـ)، يلقب ببطليموس الثاني، له تصانيف في الهندسة، ومن كتبه: الأخلاق، وشرح قانون إقليدس. الزركلي: الأعلام: (6/ 83).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
الإمام الحافظ الخطيب البغدادي(1)، والإمام البيهقي(2)، والحافظ أبو عمر ابن عبد البر(3)، والحافظ الإمام أبو نُعيم الأصبهاني(4)، والإمام الحاكم النيسابوري(5)، والإمام ابن حزم الظاهري(6)،--------------------------------------------
(1) الخطيب البغدادي: أحمد بن علي بن ثابت (392 هـ، ت 463 هـ)، أحد الحفاظ، المؤرخين، رحل إلى مكة، والبصرة، والكوفة، كان فصيح اللهجة، عارفا بالأدب، له مؤلفات كثيرة منها: تأريخ بغداد. الزركلي: الأعلام: (1/ 172)، عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين، دار إحياء التراث - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (2/ 3).
(2) البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي (384 هـ - ت 458 هـ)، محدث، فقيه، غلب عليه الحديث، ورحل في طلبه، وسمع، وصنف فيه كثيرا، منها كتاب: السنن الكبير في الحديث. كحالة: معجم المؤلفين: (1/ 206).
(3) ابن عبد البر: يوسف بن عبدالله بن محمد (368 هـ - ت 463 هـ)، من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ، أديب، بحاثة، يقال له: حافظ المغرب، رحل رحلات طويلة في غربي الأندلس وشرقها، له مؤلفات كثيرة منها: الاستيعاب والتمهيد. الزركلي: الأعلام: (8/ 240)، كحالة: معجم المؤلفين: (13/ 315).
(4) أبو نُعيم: أحمد بن عبدالله بن أحمد الأصبهاني (336 هـ - ت 430 هـ)، الإمام الحافظ، الثقة، العلامة، شيخ الإسلام. له مؤلفات كثيرة منها: المستخرج على الصحيحين، وكتاب الحلية، وفضائل الصحابة. الذهبي: سير أعلام النبلاء: (13/ 159).
(5) الحاكم: محمد بن عبدالله بن محمد (321 هـ - ت 403 هـ)، الإمام الحافظ، الناقد، العلامة، شيخ المحدثين، صنف وخرّج، وجرّح وعدّل، وصحح وعلل، وكان من بحور العلم على تشيع قليل فيه. الذهبي: سير أعلام النبلاء: (12/ 572).
(6) ابن حزم: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (384 هـ - ت 456 هـ)، الإمام الأوحد، البحر، ذو الفنون والمعارف، الفقيه، الحافظ، الأديب، الوزير. له مصنفات جليلة منها: كتاب المحلى، والفِصل في الملل. الذهبي: سير أعلام النبلاء: (13/ 374) ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
والإمام أبو إسحاق الشيرازي(1)، والإمام الماوردي(2)، وغيرهم كثيرون.
إضافة إلى ذلك، فقد أُسست المدارس النظامية العالية، التي تُشبه الجامعات في عصرنا الحاضر، أسسها الوزير الحسن الطوسي(3)، الملقب بنظام الملك، وكانت أيامه أيام دولة العلم والعلماء، فقد وجه عنايته الفائقة، وهمته الصادقة، للتعليم ونشر العلم على مذهب أهل السنة والجماعة، وبذل غاية وسعه في تأسيس المدارس التي عرفت بالمدارس النظامية، نسبة إليه(4).
وكذا السلطان مسعود بن محمود الغزنوي، فقد كان شغوفا بالعلم والعلماء، وبإنشاء مؤسسات التعليم، فأنشأ في بلاده كثيرا من المساجد، والمدارس، والرباطات؛ لنشر علم القرآن والسنة، والثقافة الإسلامية، وسائر العلوم الكونية المعروفة في زمانه(5).--------------------------------------------
(1) أبو إسحاق: إبراهيم بن علي بن يوسف الشافعي (393 هـ - ت 476 هـ)، الإمام، القدوة، المجتهد، صنف في الأصول والفروع والخلاف والمذهب، كان زاهدا، ورعا، متواضعا، كريما. من كتبه: المهذب واللمع. الذهبي: سير أعلام النبلاء: (14/ 9).
(2) الماوردي: علي بن محمد حبيب (364 هـ - ت 450 هـ)، أقضى قضاة عصره، من العلماء الباحثين، أصحاب التصانيف الكثيرة النافعة، نسبته إلى بيع ماء الورد، من كتبه: الحاوي، وأدب الدنيا والدين. الزركلي: الأعلام (4/ 327).
(3) الحسن الطوسي: الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي (408 هـ - ت 485 هـ)، الوزير الكبير، عاقل، سائس، خبير، سعيد، متدين، محتشم، عامر المجلس بالقراء والفقهاء، أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد، وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغب في العلم، وأدر على الطلاب الصلات، وأملى الحديث، وبعد صيته. الذهبي: سير أعلام النبلاء: (14/ 144).
(4) عبدالرحمن حبنكة: الحضارة الإسلامية: (590).
(5) عبد الرحمن حبنكة: الحضارة الإسلامية: (617).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وأما مرو التي كان منها الإمام السمعاني، فقد كانت موئل العلماء، ومرجع الحكماء، ومهوى طلاب العلم، فهي في شهرتها: علم على رأسه نار. فقد تهيأت مرو بما فيها من جوامع، وخزائن وقفية(1)، وعلماء؛ لأن تكون معقلا للعلم والعلماء.
وهذا يُظْهر جليا ما تمتعت به هذه المنطقة من ازدهار علمي وثقافي، نشأ عنه نخبة من العلماء الأفذاذ، وهذا بدوره أنتج حركة التأليف والتصنيف في مختلف العلوم.--------------------------------------------
(1) الحموي: معجم البلدان: (5/ 114).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
المبحث الثاني: حياته:
المطلب الأول: اسمه، ونسبه، ونشأته:
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد التميمي، السمعاني، المروزي، الحنفي كان ثم الشافعي(1).
نسبته إلى سمعان(2)، جدٌ وبطنٌ من تميم(3)، والمروزي نسبة إلى مرو(4).
ولد في ذي الحجة، سنة 426 هـ، بمدينة مرو الشاهجان(5).--------------------------------------------
(1) يقول السبكي في طبقاته، هجر للطباعة، ط 2 - 1413 هـ (5/ 341): " صارت السمعانية شافعية بعد أن كانوا حنفية. فالحنفية من السمعانية: الإمام أبو منصور وولده أبو القاسم علي وولده أبو العلاء عالي، والشافعية: الإمام أبو المظفر، وأولاده، وأولاد أولاده، وكل سمعاني جاء بعده ".
(2) سمعان: بفتح السين، وسكون الميم، وفتح العين المهملة، وفي آخرها نون. وقيل: يجوز بكسر السين أيضا. ابن الأثير: اللباب في تهذيب الأنساب: دار صادر - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (1/ 140)، ابن خلكان: وفيات الأعيان: دار صادر - بيروت، 1900 م، (3/ 211).
(3) تميم: هم تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. فتميم ترجع إلى مضر بن نزار بن عدنان، جد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ابن عبد البر: الإنباه على قبائل الرواة: دار الكتاب العربي - بيروت، ط 1 - 1405 هـ (55).
(4) ابن القيسراني: الأنساب المتفقة: طبعة ليدين بريل، 1282 هـ، (149).
(5) ابن الجوزي: المنتظم: (17/ 37)، السبكي: طبقات الشافعية الكبرى: (5/ 335).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
نشأ في أسرة كريمة، اشتهرت بالعلم والفضل والديانة، بل إن عائلته من أرفع عوائل العلم والعلماء، قال بعضهم واصفا هذه العائلة الرفيعة، والبيت الكريم: " بيته أرفع بيت في بلاد الإسلام، وأعظمه، وأقدمه في العلوم الشرعية، والأمور الدينية. وأسلاف هذا البيت وأخلافه، قدوة العلماء، وأسوة الفضلاء، الإمامة مدفوعة إليهم، والرياسة موقوفة عليهم، تقدموا على أئمة زمانهم في الآفاق بالاستحقاق، وترأسوا عليهم بالفضل والفقه، لا بالبذل والوقاحة"(1)، وقال بعضهم في ترجمة ابنه الحسن بن منصور: " من بيت الفضل والإمامة "(2)، ولذا يقول ابن الأثير(3): " وهم جماعة أئمة، علماء، فقهاء، محدثون "(4).
وقد تفقه أبو المظفر السمعاني على أبيه أبي منصور، على مذهب الإمام أبي حنيفة، حتى برز في الفقه، وبرع على أقرانه من الشبان. وسمع الحديث في صغره وكبره، وانتشرت عنه الرواية، وكثر أصحابه وتلامذته(5).--------------------------------------------
(1) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى: (7/ 181).
(2) ابراهيم العراقي: المنتخب من كتاب السياق لتأريخ نيسابور، دار الفكر للطباعة والنشر، 1414 هـ، (203).
(3) ابن الأثير: محمد بن محمد بن عبدالكريم، المعروف بابن الأثير الجزري، (544 هـ - ت 606 هـ)، له مصنفات بديعة، ورسائل وسيعة منها: جامع الأصول، والنهاية في غريب الحديث. ابن خلكان: وفيات الأعيان: (4/ 141).
(4) ابن الأثير: اللباب في تهذيب الأنساب: (1/ 140).
(5) السمعاني: الأنساب: مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد، ط 1 - 1382 هـ، (7/ 224)، السبكي: الطبقات: (5/ 335).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
فلا عجب أن من نشأ في بيت علم وفضل ودين، أن يكون له شأن شئين، وأمر عظيم، حتى يقول حفيده أبو سعد السمعاني(1): " وجدُّنا الإمام أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، إمام عصره بلا مدافعة، وعديم النظير في وقته، ولا أقدر على أن أصف بعض مناقبه، ومن طالع تصانيفه وأنصف، عرف محله من العلم "(2).
ولم يصل السمعاني إلى هذه المكانة العلمية المرموقة العالية، بعد فضل الله تعالى عليه، وتوفيقه له، إلا بجهد وجد واجتهاد، في تحصيل العلم والرحلة إليه.
فكيف كان طلبه للعلم، وما رحلاته التي سُطرت له في تحصيله، كل ذلك هو موضوع المطلب الثاني.
المطلب الثاني: طلبه للعلم، ومكانته العلمية:
كان الإمام السمعاني شغوفا بالعلم، حريصا عليه، مع ما وهبه الله تعالى من صفاء ذهن، وقوة حافظة، وهمة عالية، حتى إنه قال عن نفسه: (ما حفظت شيئا فنسيته)(3).
ومن تمام حرصه على تلقي العلم عن أهله، رحل مُيمما وجهه لبلاد العلم والعلماء بغداد، بعدما تفقه على علماء أهل بلده مرو، فقصد بغداد، فدخلها سنة 461 هـ، وزار العراقين، واجتمع بالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وناظر ابن الصباغ(4). ثم رحل إلى الحجاز وصحب الإمام الزنجاني، وأبا علي الشافعي، وسمع منهما.--------------------------------------------
(1) أبو سعد السمعاني: عبدالكريم بن محمد بن منصور السمعاني الشافعي (506 هـ - ت 562 هـ)، محدث، حافظ، فقيه، نسابة، مؤرخ، مفسر، له تصانيف كثيرة منها: الأنساب، وتأريخ مرو. كحالة: معجم المؤلفين: (6/ 4).
(2) السمعاني: الأنساب: (7/ 223).
(3) السبكي: طبقات الشافعية: (5/ 344).
(4) ابن الصباغ: عبدالسيد بن محمد بن عبدالواحد، أبو نصر، (400 هـ - ت 477 هـ)، فقيه شافعي، من أهل بغداد، تولى التدريس بالمدرسة النظامية، من كتبه: الشامل والعدة في الأصول. الزركلي: الأعلام: (4/ 10).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
وهنا بدأ الإمام السمعاني يُقلب النظر والفكر، حتى تحول من مذهبه الحنفي الذي كان يُناظر عنه ثلاثين سنة إلى المذهب الشافعي. فما أن عاد إلى مقر رأسه مرو، وأعلن انتقاله المذهبي، إلا وانقلب عليه الناس، واضطربوا بسبب ذلك اضطرابا شديدا، أدى لخروجه من مرو عام 468 هـ إلى طوس(1)، ثم إلى نيسابور(2).--------------------------------------------
(1) طوس: بضم أوله، وسين مهملة، مدينة معروفة، ما بين الري ونيسابور. البكري: معجم ما استعجم من البلاد والمواضع، عالم الكتب - بيروت، ط 3 - 1403 هـ، (3/ 898).
(2) ابن الجوزي: المنتظم: (17/ 37).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
ومرَّ أثناء خروجه ببعض البلدان التي أفاد من علمائها: فرحل إلى جرجان(1)، ثم إلى أصبهان(2)، ثم إلى همذان(3)، ثم إلى قزوين(4)، ثم إلى الري(5)، وبعد أن استقرت الأمور في بلاده مرو رجع إليها، فأفاد وأصبح مرجعا للعلم وأهله.--------------------------------------------
(1) جرجان: مدينة جرجان على نهر الديلم، افتتحها سعيد بن عثمان في ولاية معاوية، ثم انغلقت وارتد أهلها عن الإسلام، حتى افتتحها يزيد بن المهلب في ولاية سليمان بن عبد الملك، وبها النخل الكثير، وأصناف ثياب الحرير. اليعقوبي: البلدان: دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 - 1422 هـ، (93)
(2) أصبهان: مدينة معروفة من بلاد فارس، سميت بذلك؛ لأن أول من نزلها إصبهان بن فلوج، وقيل: سميت إصبهان؛ لأن إصبه بلسان الفرس: البلد، وهان: الفرس، فمعناه: بلد الفرسان. البكري: معجم ما استعجم من البلاد: (1/ 163).
(3) همذان: مدينة مشهورة من مدن الجبال، لها رقعة واسعة، وهواء لطيف، وماء عذب، وتربة طيبة، افتتحت سنة 23 هـ. اليعقوبي: البلدان: (82)، القزويني: آثار البلاد: (483).
(4) قزوين: مدينة مشهورة، بينها وبين الري 27 فرسخا، فتحها البراء بن عازب في عهد عثمان بن عفان، وينسب إلى قزوين خلق لا يحصون منهم: ابن ماجة القزويني صاحب السنن. الحموي: معجم البلدان: (4/ 342).
(5) الري: مدينة مشهورة من أمهات البلاد، وأعلام المدن، كثيرة الخيرات، وافرة الغلات والثمرات، قديمة البناء. بناها راز بن خراسان؛ لأن النسبة إليها رازي، ينسب إليها الإمام محمد بن عمر الرازي. القزويني: آثار البلاد: (375).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
ولذا كان الإمام السمعاني محلا لثناء العلماء عليه، لِما آتاه الله تعالى من الفقه والعلم والديانة، يقول ابن القيسراني(1): "الإمام أبو المظفر السمعاني، صاحب السنة والفقه والعلوم "(2)، وقد انهالت عليه عبارات المدح والثناء، التي كان هو مستأهلا لها، فمما قيل عنه:
- " فقد كان بحرا في الوعظ، حافظا لكثير من الروايات والحكايات، والنكت، والأشعار، فظهر له القبول عند الخاص والعام "(3).
- " وكان إمام عصره بلا مخالف، أقر له بذلك الموافق والمخالف "(4).
- " وكانت له يد طولى في فنون كثيرة "(5).
- " الإمام، العلامة، مفتي خراسان، شيخ الشافعية "(6).
- " ويقول إمام الحرمين: لو كان الفقه ثوبا طاويا، لكان أبو المظفر السمعاني طِرازه، وقال أبو علي بن الصفار: إذا ناظرت أبا المظفر، فكأني أناظر رجلا من أئمة التابعين، مما أرى عليه من آثار الصالحين "(7).
ولذا فالإمام السمعاني بحق، وحيد عصره في وقته، فضلا، وطريقة، وزهدا، وورعا(8)، قال عنه الإمام السبكي(9): "الرفيع القدر، العظيم المحل، المشهور الذكر، أحد من طبق الأرض ذكره، وعبق الكون نشره "(10).--------------------------------------------
(1) ابن القيسراني: محمد بن طاهر بن علي (448 هـ - ت 507 هـ)، رحالة، مؤرخ، من حفاظ الحديث، له كتب كثيرة منها: تأريخ أهل الشام، وتذكرة الموضوعات. الزركلي: الأعلام: (6/ 171)
(2) ابن القيسراني: الأنساب المتفقة: (200).
(3) الذهبي: تأريخ الإسلام: (33/ 323).
(4) اليافعي: مراءة الزمان: دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 - 1417 هأ، (3/ 115).
(5) ابن كثير: البداية والنهاية: (12/ 189).
(6) الذهبي: سير أعلام النبلاء: (14/ 155).
(7) الذهبي: سير أعلام النبلاء: (14/ 157).
(8) السبكي: طبقات الشافعية: (5/ 342).
(9) السبكي: عبدالوهاب بن علي بن عبد الكافي، (0727 هـ - ت 771 هـ)، قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث، كان طلق اللسان، قوي الحجة، انتهى إليه قضاء الشام وعزل، من مؤلفاته: جمع الجوامع. الزركلي: الأعلام: (4/ 184).
(10) السبكي: طبقات الشافعية: (5/ 335).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه:
هذه القامة العظيمة، والمفخرة الكبيرة، لهذا الإمام العلم العلامة، الذي أجمع الناس على إمامته(1)، فبلغت شهرته الآفاق، وانتفع الناس بعلومه، تتلمذ على نخبة من العلماء، فأخذ عنهم، واقتبس منهم، وتتلمذ عليه نخبة من طلاب العلم، الذين صاروا منارات للهدى يُقتدى بهم. وليس المقصود هنا جمع كل شيوخه وتلاميذه، وإنما الإشارة إلى أبرزهم:
فمن شيوخه:
1 - أبو غانم، أحمد بن علي الكُراعي، مُسنِد مرو، الكراعي نسبة إلى بيع الأكارع، توفي سنة 444 هـ، وهو من أكبر شيوخ السمعاني(2).
2 - التُرابي، أبو بكر محمد بن عبدالصمد المروزي، الشيخ الجليل، المُعَمّر، مُسنِد خراسان، قال الذهبي: " حدث وعُمِّر"(3)، توفي سنة 463 هـ(4).
3 - والده، أبو منصور محمد بن عبدالجبار السمعاني، كان إماما فاضلا، ورعا، متقنا، أحكم العربية واللغة، وصنف فيها التصانيف المفيدة، توفي سنة 450 هـ(5).
4 - الحنّاط، وتعود هذه النسبة إلى بيع الحنطة، الحسن بن عبدالرحمن بن الحسن المكي الشافعي،، الشيخ العالم، الثقة، سمع منه أبو المظفر في مكة، توفي سنة 472 هـ(6).
5 - الزنجاني، سعد بن علي بن محمد، كان سعد حافظا، متقنا، ثقة، ورعا، كثير العبادة، قال إسماعيل بن محمد الحافظ عنه: "إمام كبير، عارف بالسنة"(7)، توفي سنة 471 هـ، وله تسعون عاما(8).--------------------------------------------
(1) ابن القيم: مختصر الصواعق المرسلة: دار الحديث القاهرة، ط 1 - 1422 هـ، (484).
(2) الذهبي: سير أعلام النبلاء: (14/ 155)، ابن كثير: طبقات الشافعيين: دار الوفاء، المنصورة، ط 1 - 2004 م، (489).
(3) الذهبي: المرجع السابق: (13/ 408).
(4) السمعاني: الأنساب: (3/ 31).
(5) المرجع السابق: (7/ 222).
(6) المرجع السابق: (4/ 268)، الذهبي: سير أعلام النبيلا: (13/ 476).
(7) الذهبي: المرجع السابق: (13/ 479).
(8) السمعاني: المرجع السابق: (6/ 325).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
فهذه إطلالة موجزة لبعض شيوخ الإمام السمعاني، وإلا فإن شيوخه كُثر، حتى قال بعض من ترجم له: " وجمع في الحديث ألف حديث عن مائة شيخ "(1).
ومن تلاميذه:
1 - ولده الأكبر، محمد بن منصور بن محمد السمعاني، الفقيه، الأديب، المحدث، الحافظ، الواعظ، الخطيب، المبرز في علم الحديث، الجامع لأشتات العلوم، توفي سنة 510 هـ، وهو ابن 43 سنة(2).
2 - الابن الثاني للسمعاني، الحسن بن منصور بن محمد، كان إماما، زاهدا، ورعا، كثير العبادة والتهجد، نظيفا منورا، مليح الشيبة، منقبضا عن الخلق، ولد بعد أخيه بسنتين، رُزق ثواب الشهداء آخر عمره، إذ دخل عليه اللصوص لوديعة كانت لإنسان عند زوجته، وخنقوه ليلة الإثنين سنة 531 هـ(3).
3 - السرخسي الشيرزي، أبو حفص عمر بن محمد بن علي، كان على سيرة السلف من ترك التكليف والتواضع، وكان فقيها، محققا، مدققا، حسن السيرة، كثير الدرس للقرآن، توفي سنة 529 هـ(4).
4 - الفاشاني، أبو نصر محمد بن محمد بن يوسف، الإمام، الفاضل، العالم، الورع، برع في الفقه، وكان لطيف الطبع، كثير المحفوظ، حسن المحاورة، لا يمل جليسه منه، سمع الأكابر، ونشر العلم، توفي سنة 529 هـ(5).
5 - التيمي، إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني، الملقب بقوام السنة، إمام في التفسير، والحديث، واللغة، والأدب، عارف بالمتون والأسانيد، توفي سنة 535 هـ(6).
وقد روى عن الإمام السمعاني خلق كثيرون، يقول أبو سعد السمعاني: " سمع الحديث الكثير في صغره وكبره، وانتشرت عنه الرواية، وكثر أصحابه وتلامذته "(7).--------------------------------------------
(1) اليافعي: مرآة الجنان: (3/ 115).
(2) السمعاني: المرجع السابق: (7/ 226)، السبكي: طبقات الشافعية: (7/ 5).
(3) المرجع السابق: (7/ 227).
(4) المرجع السابق: (8/ 227).
(5) السمعاني: الأنساب: (10/ 135).
(6) السمعاني: الأنساب: (3/ 408)، الذهبي: سير أعلام النبلاء: (14/ 469).
(7) السمعاني: المرجع السابق: (7/ 224).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)