Arabic source text

📘 আল-কাওয়ায়িদু ফি তাওহীদিল ইবাদাহ (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ বাজসাইর)

📘 القواعد في توحيد العبادة (محمد بن عبد الله باجسير)

📘 আল-কাওয়ায়িদু ফি তাওহীদিল ইবাদাহ (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ বাজসাইর)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
أولئك، وحصول مفاسد أخر هي أبغض إليه من معصية أولئك"(1).
ويقول رحمه الله عند كلامه على أنواع الإرادة: "ولهذا كانت الأقسام أربعة:
أحدها: ما تعلقت به الإرادتان؛ وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع فأمر به، وأحبه، ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك لما كان.
والثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط؛ وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار، فتلك كلها إرادة دين، وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع.
والثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط؛ وهو ما قدره وشاءه من الحوادت التي لم يأمر بها؛ كالمباحات، والمعاصي، فإنه لم يأمر بها، ولم يرضها، ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت؛ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
والرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي، وإذا كان كذلك فمقتضى اللام في قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56]، هذه الإرادة الدينية الشرعية، وهذه قد يقع مرادها وقد لا يقع، والمعنى: أن الغاية التي يحب لهم ويرضى لهم، والتي أمروا بفعلها هي العبادة، فهو العمل الذي خلق العباد له؛ أي: هو الذي يحصل كمالهم وصلاحهم الذي به يكونون مرضيين محبوبين، فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادمًا لما يحب ويرضى ويراد له الإرادة الدينية، التي فيها سعادته ونجاته، وعادمًا لكماله وصلاحه العدم المستلزم فساده وعذابه"(2).--------------------------------------------
(1) درء التعارض (8/ 477).
(2) مجموع الفتاوى (8/ 188 - 190).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)

ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين(1): "والإرادة الدينية: أصل في إيجادَ المخلوق، والإرادة الكونية: أصل فيمن كتبت عليه الشقاوة، فلا ييسر إلا لها، ولا يعمل إلا بها، قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119] فهي الإرادة الكونية، وهي لا تعارض الإرادة الدينية، التي هي أصل إيجاد المخلوقات، فمن ذلك قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56] فقد يعبدون وقد لا يعبدون"(2).
وقال الشيخ الشنقيطي: "فإرادة عبادتهم المدلول عليها باللام في قوله: {لِيَعْبُدُونِ (56)}: إرادة دينية شرعية، وهي الملازمة للأمر، وهي عامة لجميع من أمرتهم الرسل لطاعة الله، لا إرادة كونية قدرية؛ لأنَّها لو كانت كذلك لعبده جميع الإنس والجن والواقع خلاف ذلك"(3).
وبذلك يظهر أن الإرادة الكونية للعبادة غير لازمة على جميع الخلق، وليست هي من مقتضيات اللام في قوله: {لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56]، بخلاف الدينية؛ إذ هي الأصل في إيجاد البشرية فهي لازمة وداخلة في معنى اللام، ولا يلزم من انتفاء الإرادة الكونية انتفاء الإرادة الدينية؛ فإن تعوق البعض عن الوصول إلى الغاية، مع تعاضد المبادئ، وتآخذ المقدمات الموصلة إليها لا يمنع كونها غاية، كما في قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)} [إبراهيم: 1]، ونظائره(4).--------------------------------------------
(1) هو: العالم الجليل عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، من بيت علم وشرف ودين، ولد عام 1194 هـ، كان آية في العدالة والنزاهة مسددًا في أقضيته مشتهرًا بفراسته، له من المؤلفات، مختصر بدائع الفوائد، ومختصر إغاثة اللهفان، تأسيس التقديس، توفي عام 1282 هـ. [مقدمة كتاب تأسيس التقديس، بتحقيق: الشيخ عبد السلام بن برجس].
(2) الدرر السنية (2/ 306 - 307).
(3) أضواء البيان (7/ 445).
(4) انظر: تفسير أبي السعود (8/ 144)، وروح المعاني (27/ 21).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)

سادسًا: دلَّت القاعدة كذلك على إبطال قول من زعم بأن خلق آدم عليه السلام وجميع ما في الكون كان من أجل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ورووا في ذلك خبرًا باطلًا موضوعًا وفيه: (ولولا حمد ما خلقتك)(1).--------------------------------------------
(1) رواه الحاكم في المستدرك (2/ 672)، رقم (4228)، والطبراني في المعجم الأوسط (6/ 313)، برقم (6502)، والبيهقي في دلائل النبوة (5/ 489)، كلهم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: "تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه وهو ضعيف". وقال البخاري: "ضعفه علي جدًّا"؛ يعني: ابن المديني الضعفاء الصغير للبخاري (ص 71)، وقال فيه الإمام ابن خزيمة: "وعبد الرحمن بن زيد ليس هو ممن يحتج أهل التثبيت بحديثه؛ لسوء حفظه للأسانيد … " صحيح ابن خزيمة (3/ 233). وقال ابن حبان في زيد بن عبد الرحمن: "لا أدري التخليط منه أو من أبيه؛ لأن أباه ليس بشيء في الحديث" الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (1/ 306). وقال ابن الجوزي: "عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يروي عن أبيه، ضعفه أحمد، وعلي، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازي، والنسائي، والدارقطني، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل: وإسناد الموقوف فاستحق الترك" الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (2/ 95). وقال الإمام ابن تيمية: "قلت وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا" مجموع الفتاوى (1/ 255)، بل الحاكم نفسه قد ضعف عبد الرحمن بن زيد وهذا يدل على تساهله أو غفلته كما بين ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: "والحاكم أجل قدرًا، وأعظم خطرًا، وأكبر ذكرًا من أن يذكر في الضعفاء، لكن قيل في الاعتذار عنه: أنه عند تصنيفه للمستدرك كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له، وقطع بترك الرواية عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها؛ من ذلك أنه أخرج حديثًا لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكان قد ذكره في الضعفاء، فقال: أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه، وقال في آخر الكتاب: فهؤلاء الذين ذكرتهم في هذا الكتاب ثبت عندي صدقهم؛ لأنني لا أستحل الجرح إلا مبينًا، ولا أجيزه تقليدًا، والذي أختار لطالب العلم أن لا يكتب حديث هؤلاء أصلًا". لسان الميزان (5/ 232).
وقد حكم على الحديث بالضعف أو بالوضع جملة من أهل العلم منهم: الإمام ابن تيمية فقد بين أن هذا الحديث مما أنكر على الحاكم تصحيحه. مجموع الفتاوى (1/ 254 - 256)، وقال الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الله بن مسلم الفهري بأنه روى: "خبرًا باطلًا فيه: (يا آدم لولا محمد ما خلقتك) ميزان الاعتدال في نقد =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)

فالله تعالى لم يخلق أحدًا من الإنس والجن من أجل أحد لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، وإنما خلق الله الخلق من أجل عبادته وحده لا شريك له وطاعة رسله عليهم السلام.
وقد بيَّن الشيخ الألباني(1) ضعف الحديث من جهة المتن؛ لمعارضته لما هو مقرر في الشريعة، ومتفق عليه بين أهل الإسلام في موضعين، فقال: "الموضع الثاني: قوله في آخره: (ولولا محمد ما--------------------------------------------
= الرجال (4/ 199) ". وقال العلامة ابن عبد الهادي في رده على السبكي: "وإني لأتعجب منه كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل، وفيه قول الله لآدم: (ولولا محمد ما خلقتك)، مع أنه حديث غير صحيح، ولا ثابت بل هو حديث ضعيف الإسناد جدًّا، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد بصحيح، بل هو مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه، ولو كان صحيحًا إلى عبد الرحمن لكان ضعيفًا غير محتج به؛ لأن عبد الرحمن في طريقه، وقد أخطأ الحاكم في تصحيحه وتناقض تناقضًا فاحشًا كما عرف له ذلك في مواضع والله أعلم" الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص 60 - 61)، وممن ضعف الحديث العلامة الألباني حيث قال: "وقد اتفق عند التحقيق كلام الحفاظ ابن تيمية والذهبي والعسقلاني على بطلان هذا الحديث، وتبعهم على ذلك غير واحد من المحققين" التوسل أنواعه وأحكامه (ص 108)، وللمزيد يراجع: سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/ 88/ 25) وما بعدها، والتوسل أنواعه وأحكامه (ص 105 - 116).
(1) هو: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن الحاج نوح الألباني، ولد عام 1333 هـ في مدينة (أشقودرة) عاصمة دولة ألبانيا سابقًا، ثم هاجر بصحبة والده إلى دمشق الشام، ثم انتقل إلى المملكة الأردنية، حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة على يد والده، ودرس عليه أيضًا التجويد، والنحو والصرف، وفقه المذهب الحنفي، كما درس على الشيخ سعيد البرهاني، والعلامة بهجة البيطار، وغيرهم، وهو حامل راية الدعوة إلى التوحيد والسُّنَّة في عصرنا، وصاحب المؤلفات العظيمة والتحقيقات القيمة، من أبرزها: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، وسلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقها وفوائدها، وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، منح جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام 1419 هـ، توفي بالأردن عام 1421 هـ. [انظر ترجمته في: (علماء الشام في القرن العشرين) (173 - 186)، لمحمد الناصر].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)

خلقتك) فإن هذا أمر عظيم يتعلق بالعقائد التي لا تثبت إلا بنص متواتر اتفاقًا، أو صحيح عند آخرين، ولو كان ذلك صحيحًا لورد في الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة، وافتراض صحته في الواقع مع ضياع النص الذي تقوم به الحجة ينافي قوله تبارك وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: 9]، والذكر هنا يشمل الشريعة كلها قرآنا وسُنّة … وأيضًا فإن الله تبارك وتعالى قد أخبرنا عن الحكمة التي من أجلها خلق آدم وذريته، فقال عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56]، فكل ما خالف هذه الحكمة أو زاد عليها لا يقبل إلا بنص صحيح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم كمخالفة هذا الحديث الباطل"(1).
ومثله حديث: (لولاك ما خلقت الأفلاك)(2) فإنَّه حديث موضوع، وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية تعقيبًا على من صحح معنى الحديث: "بل هو باطل لفظًا ومعنى، فإن الله تعالى إنما خلق الخلق ليعبدوه، كما قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)}، ولم يثبت حديث عن النبي -صلي الله عليه وسلم- يدل على أن الخلق خلقوا من أجله لا الأفلاك ولا غيرها من المخلوقات، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)} [الطلاق: 12] "(3).
وقال الشيخ محمد جمال الدين القاسمي(4): "ومما هو جدير--------------------------------------------
(1) التوسل أنواعه وأحكامه (ص 116).
(2) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (2/ 214)، وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة (ص 326)، وحكم عليه الألباني بأنه: موضوع. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/ 450) برقم (282).
(3) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب أحمد بن عبد الرزاق الدويش (1/ 465).
(4) هو: جمال الدين (أو محمد جمال الدين) بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق، ولد سننة 1283 هـ، إمام الشام في عصره مولده ووفاته في دمشق. كان سلفي العقيدة =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)

بالعناية قصص المولد النبوي الذي اشتمل على كثير من الخيال الشعري، والأحاديث التي وضعها المطرون الغلاة كحديث: (لولاك ما خلقت الأفلاك) "(1).--------------------------------------------
= لا يقول بالتقليد. من مصنفاته: محاسن التأويل في تفسير القرآن الكريم، وإصلاح المساجد من البدع والعوائد، وتعطير المشام في مآثر دمشق الشام، وقواعد التحديث من فن مصطلح الحديث، ودلائل التوحيد، وديوان خطب، وغيرها، ولابنه الأستاذ ظافر القاسمي كتاب: (جمال الدين القاسمي وعصره)، توفي سنة 1332 هـ. [انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (2/ 135)].
(1) قواعد التحديث (ص 155).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)

‌‌المبحث الخامس
قاعدة ليس في الشريعة بقعة تقصد للعبادة لذاتها إلا المساجد ومشاعر الحج
وفيه مسائل:

*‌‌ المسألة الأولى * معنى القاعدة
مما لا يخفى أن الله تعالى قد خصَّ بعض البقاع والأمكنة والأزمنة بزيادة الفضل ومزيد التشريف، ورفعة القدر، وعلو الدرجة، وجعل هذه البقاع، وتلك الأمكنة والأزمنة، مخصوصة بشيء من التعبد، أو الذكر المشروع فعله تقربًا إلى الله تبارك وتعالى، وبقدر ما شرع فيها من التعبد والذكر يكون حظها ونصيبها من سمو الشرف، وزيادة الفضل، وعظيم المكانة.
يقول الرازي: "وبيانه أن الأمكنة والأزمنة إنما تتشرف بذكر الله تعالى"(1).
ويقول ابن الحاج(2): "وفضيلة الأزمنة والأمكنة بما خصها الله--------------------------------------------
(1) التفسير الكبير (4/ 12).
(2) هو: محمد بن محمد بن محمد ابن الحاج أبو عبد الله العبدري الفاسي، نزيل مصر، =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)

تعالى به من العبادات التي تفعل فيها؛ لما قد علم أن الأمكنة والأزمنة لا تتشرف لذاتها، وإنما يحصل لها التشريف بما خصت به من المعاني"(1).
ومن أعظم هذه المعاني عبادته -سبحانة وتعالي- وإقامة ذكره عز وجل، فهي شريفة في ذاتها بتشريف الله تعالى لها، وهي من شعائر الله التي أمر الله تعالى بتعظيمها وإقامة ذكر الله عندها، والله تعالى لم يعظمها إلا لمعنى اختصت به في نفسها، ومن أعظم ذلك ارتباطها الشرعي بنوع من التعبد لله تعالى.
فالبقعة من حيث هي بقعة لا تقصد بالعبادة شرعًا، وإنما تقصد لإيقاع العبادة فيها لله تعالى(2).
ومحصل ما دلت عليه القاعدة أنه لا يجوز قصد بقعة أو مكان للعبادة إلا ما شرعه الشارع، أو حثَّ عليه، أو رغَّب فيه، ومن المقرر المعلوم أن الله تعالى لم يشرع للمسلمين مكانًا يقصدونه للعبادة إلا المساجد ومشاعر الحج؛ فأما المساجد فيشرع قصدها للصلاة فيها والذكر والدعاء ونحو ذلك، وأما المشاعر فيشرع قصدها لأداء شعائر الحج ومناسكه، ولا يشرع قصدها للصلاة لذاتها ابتداء، وإنما تدخل الصلاة تبعًا لأداء المناسك؛ إذ لا يشرع قصد مكان للصلاة إلا أن يكون من المساجد التي هي بيوت الله والتي تقام فيها صلوات المسلمين.--------------------------------------------
= سمع ببلاده ثم قدم الديار المصرية، وحج، جمع كتابًا سماه المدخل، كثير الفوائد كشف فيه عن معايب وبدع يفعلها الناس، ويتساهلون فيها، وذكر أشياء لا تحسن حسبت عليه، ومات في جمادى الأولى سنة 737 هـ، وقد بلغ الثمانين أو جاوزها وأضر في آخر عمره. [ترجمته في: الدر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (5/ 507)].
(1) المدخل (2/ 3).
(2) انظر حاشية الجمل شرح المنهج، لسليمان الجمل (1/ 486)، وتفسير السلمي (2/ 406).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)

يقول الإمام ابن تيمية: "ولم يشرع الله تعالى للمسلمين مكانًا يقصد للصلاة إلا المسجد، ولا مكانًا يقصد للعبادة إلا المشاعر، فمشاعر الحج كعرفة ومزدلفة ومنى تقصد بالذكر والدعاء والتكبير، لا الصلاة، بخلاف المساجد فإنَّها هي التي تقصد للصلاة، وما ثَمَّ مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر، وفيها الصلاة والنسك، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} [الأنعام: 162 - 163]، وما سوى ذلك من البقاع فإنَّه لا يستحب قصد بقعة بعينها للصلاة ولا الدعاء، ولا الذكر إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك"(1).

*‌‌ المسألة الثانية * أدلة القاعدة
فيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من أدلة على صحة القاعدة وتقريرها:
أولًا: أن قصد مكان أو زمان لأداء العبادة فيه مما يحتاج إلى دليل شرعي يدل على مشروعية هذا القصد؛ وقد جاءت النصوص الشرعية بالوعيد الأكيد لمن عمل عملًا تعبديًا بدون مستند شرعي.
فقد روى الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد"، وفي رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"(2).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (27/ 503 - 504).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (2/ 959)، رقم (2550)، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (3/ 1343) رقم (1728).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)

وعليه يكون قصد مكان أو زمان لعبادة من العبادات بدون دليل شرعي من العمل المردود على صاحبه، وهو أيضًا من إحداث وتشريع دين لم يأذن به الله.
ثانيًا: وفي مقابل ذلك فقد جاءت النصوص الشرعية آمرة وحاثة على إقامة ذكر الله تعالى؛ من الصلاة والدعاء والاعتكاف، في المساجد التي هي بيوت الله تعالى، وعلى إقامة ذكره في مشاعر الحج، وهذا يدل على أن قصد مكان للعبادة غير ما حثَّ الله تعالى عباده عليه، وأمرهم بعمارته بالعبادة من الإحداث في الدين، ومن فعل ما يغضب رب العالمين؛ لأن في ذلك هجرًا لما أمر به ورغَّب فيه.
فمن ذلك قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)} [النور: 36]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هي المساجد المخصوصة لله تعالى"(1). فبيوت الله التي هي المساجد هي التي أذن وقضى وأمر أن ترفع فتبنى وتعظم، ويذكر فيها اسمه سبحانه بالتسبيح والتقديس والتهليل، ولم يأمر سبحانه برفع المشاهد، أو القبور، أو تعظم الآثار النبوية الأرضية، ولا أمر بذكر اسمه فيها، ولا أمر بعبادته سبحانه عندها، وإنما خص بيوته سبحانه التي هي المساجد بما يليق بها من الذكر والتسبيح والصلاة(2).
وأما غير ذلك من البيوت والأمكنة؛ كبيوت الأوثان، وبيوت النيران، وبيت الكواكب، وبيت المقابر، فلم يمدح الله شيئًا منها، ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي -صلي الله عليه وسلم-، قال الله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)} [الكهف: 21] فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا على أهل الكهف كانوا من النصارى الذين لعنهم--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 185).
(2) انظر: التفسير الكبير (24/ 4).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)

النبي -صلي الله عليه وسلم-(1).
فقصد تلك الأماكن بالعبادة من تعظيم ما لم يعظمه الرب تبارك وتعالى، وهذا خلاف دين الإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم، والذي تضمن تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له؛ وهي المساجد التي تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة، والاعتكاف، وسائر العبادات البدنية والقلبية؛ من القراءة، والذكر، والدعاء لله، قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18)} [الجن: 18](2).
يقول ابن تيمية: "فقد علم بالنقل المتواتر، بل علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول -صلي الله عليه وسلم- شرع لأمته عمارة المساجد بالصلوات، والاجتماع للصلوات الخمس، ولصلاة الجمعة والعيدين، وغير ذلك، وأنه لم يشرع لأمته أن يبنوا على قبر نبي، ولا رجل صالح؛ لا من أهل البيت، ولا غيرهم، لا مسجدًا، ولا مشهدًا"(3).
وقال رحمه الله: "وإنما البقاع التي يحبها الله، ويحب الصلاة والعبادة فيها هي المساجد التي قال الله فيها: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)} [النور: 36](4).
ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)} [الأعراف: 29].
قال الإمام ابن تيمية: "ولم يقل: (عند كل مشهد)؛ فإن أهل المشاهد ليس فيهم إخلاص الدين لله، بل فيهم نوع من الشرك"(5).
ويقول ابن كثير في الآية: "أي: أمركم بالاستقامة في عبادته--------------------------------------------
(1) انظر: تلخيص كتاب الاستغاثة (2/ 567).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (27/ 449).
(3) منهاج السُّنَّة النبوية (1/ 479).
(4) مجموع الفتاوى (27/ 62).
(5) مجموع الفتاوى (17/ 498).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)

في محالها"(1).
ومن ذلك ما جاء من الترغيب في الاجتماع في المساجد؛ من أجل قراءة القرآن، ومدارسته كقوله صلى الله عليه وسلم: ":وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه"(2).
ولم يرغب في الاجتماع في غير المساجد لأداء العبادة.
ولذا جاء الترغيب بقصد المساجد دون غيرها، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللَّهُمَّ ارحمه اللَّهُمَّ اغفر له اللَّهُمَّ تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه"(3) فذكر صلى الله عليه وسلم إتيان المساجد ولم يقل ثم أتى القبر الفلاني أو المشهد الفلاني، أو جاء إلى قبر نبي أو صالح.
كما جاء في السُّنَّة فضل واستحباب تعلق القلوب بالمساجد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير (2/ 209).
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (4/ 2074)، رقم (2699)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق (2/ 746)، رقم (2013)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة (1/ 459)، حديث رقم (649).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)

إلا ظله؛ الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد"(1).
ولم يستحب -سبحانة وتعالي- تعلق القلوب بمقامات الأنبياء والصالحين، أو قبورهم كما هو المشاهد من كثير من الجهال.
ومن ذلك تخصيصه -سبحانه وتعالي- عكوف العبادة بكونه في المساجد لا في غيرها فقال رحمه الله: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].
ومن ذلك ما أمر الله به من قصد المشاعر للذكر والدعاء: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)} [البقرة: 198].
فلم يأذن بقصد القبور ولا المشاهد ولا مكانًا بعينه إلا المساجد والمشاعر.
ومن ذلك أمره سبحانه بقصد مسجده الحرام، وبيته العتيق، والمشاعر لأداء مناسك الحج فقال سبحانه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)} [آل عمران: 97]، وقال عز وجل: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ} [المائدة: 97]، ولم يأمرنا -سبحانه وتعالي- بقصد الحج إلى قبر أو إلى مشهد.
ثالثًا: أن قصد مكان من الأمكنة من أجل العبادة، لم تأت الشريعة باستحباب قصده، لا يكون إلا عن اعتقاد خصوصية هذا المكان دون غيره، بأن يعتقد بأن العبادة فيه أفضل من المساجد، أو أنها أحب إلى الله تعالى لتعلقها بأحد أوليائه، ولا شك أن هذه الخصوصية لا تثبت إلا--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجماعة والإمامة، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد (1/ 234)، رقم (628)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة (2/ 715)، رقم (1031).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)

بدليل صحيح وإلا كان شرع دين لم يأذن به الله كما قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].
يقول الإمام ابن تيمية: "وإن لم يكن الدعاء عندها أفضل كان قصد الدعاء عندها ضلالة ومعصية، كما لو تحرى الدعاء وقصده عند سائر البقاع التي لا فضيلة للدعاء عندها؛ من شطوط الأنهار، ومغارس الأشجار، وحوانيت الأسواق، وجوانب الطرقات، وما لا يحصي عدده إلا الله، وهذا قد دل عليه كتاب الله في مواضع مثل قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}، فإذا لم يشرع الله استحباب الدعاء عند المقابر، ولا وجوبه، فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله"(1).
رابعًا: أن تقديس الأمكنة والبقاع التي لم يأت الشرع بتقديسها، أو قصدها بالعبادة، وخاصة إذا كانت قبرًا لنبي، أو صالح، أو مقامًا لهما، فيه تشبه بأهل الكتاب الذين كانوا يقدسون ويعظمون أماكن دفن أنبيائهم وصالحيهم فيتخذونها مساجد، وقد نهينا عن التشبه بهم، وأمرنا بمخالفتهم، ولذا لعنهم النبي -صلي الله عليه وسلم- بسبب فعلهم هذا، كما في قوله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك"(2).--------------------------------------------
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (ص 340).
(2) رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد (1/ 377)، رقم (532).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)

خامسًا: أن قصد مكان أو بقعة بالعبادة -دون مساجد المسلمين ومشاعر الحج- فيه فتح باب لمفسدة عظيمة تؤدي إلى تعلق قلوب العامة بهذه الأمكنة، وخاصة إذا صدر هذا ممن يحسنون به الظن؛ فإن قلوبهم ضعيفة وسرعان ما يضلهم الشيطان ويسول لهم بأن هذا المكان مبارك، أو أنه قبر لنبي، أو مقام لصالح، إما بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم يترتب على هذا اتخاذ هذا المكان وتلك البقعة مسجد يتحرون الصلاة فيه ويقصدونه ولو من بعيد، أضف إلى ذلك صرفها للقلوب عن الأماكن الشرعية التي أمرنا بالتعلق بها.
يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: "ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنَّه يقال: إن هذا مقام نبي، أو قبر نبي، أو ولي، بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجدًا، فيصير وثنًا يعبد من دون الله تعالى. شرك مبني على إفك! والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق والإخلاص"(1).
سادسًا: ما جاء من الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم من إنكار تتبع آثار النبي -صلي الله عليه وسلم- وتحري مواضعه التي وجد فيها، أو عبد الله عندها، فمن ذلك ما ثبت عن عمر بن الخطاب(2) رضي الله عنه من النهي والتشديد على من تتبع آثار النبي -صلي الله عليه وسلم-، وقصدها للعبادة، كما جاء عن المعرور بن سويد(3) قال:--------------------------------------------
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (ص 390).
(2) هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح القرشي، العدوي، أبو حفص أمير المؤمنين، وخليفة خليفة رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، أسلم بعد أربعين رجلًا وإحدى عشر امرأة، وأظهر الله به الإسلام، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وبيعة الرضوان، وكل مشهد شهده رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، وقبض رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وهو عنه راضٍ، قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة سنة 23 هـ. [انظر: الاستيعاب (2/ 450)، والإصابة: (2/ 511)].
(3) هو: المعرور بن سويد، أبو أمية الأسدي الكوفي، من الثقات المعمرين، عاش مائة =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)

(خرجنا مع عمر في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)} [الفيل: 1]، {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1)} هو [قريش]، فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل)(1).
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه لما أُخبر عن شأن الشجرة التي كان يقصدها بعض الناس متوهمين أنها شجرة البيعة رجاء بركتها أمر رضي الله عنه بقطعها:
فعن نافع(2) قال: (بلغ عمر بن الخطاب أن أناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، قال: فأمر بها فقطعت)(3).--------------------------------------------
= وعشرين سنة، حدث عن عمر، وأبي ذر، وابن مسعود رضي الله عنهم، وعنه: عاصم بن بهدلة، وأعمش، وواصل الأحدب، والمغيرة اليشكري، وثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي. [نظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (1/ 67)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (8/ 415)].
(1) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (2/ 151)، رقم (7550)، وعبد الرزاق في مصنفه (2/ 118)، رقم (2734)، وقال الشيخ الألباني: "وسنده صحيح على شرط الشيخين". انظر: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (ص 97)، ورواه الحافظ الطبري في التفسير من طريق أخرى عن الشعبي قال: (نزل عمر الروحاء فرأى رجالًا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها، فقال: ما هؤلاء، قالوا: يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى هاهنا، فكره ذلك وقال: إنما رسول الله أدركته الصلاة بواد فصلى ثم ارتحل فتركه). [نظر: تفسير الطبري (1/ 433)، وتاريخ المدينة المنورة (2/ 49)، حديث رقم (1468)].
(2) هو: نافع مولى ابن عمر أبو عبد الله المدني، كثير الحديث، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع، عن ابن عمر، بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم السنن، مات نافع سنة ست عشرة ومائة، أو سبع، أو تسع، أو عشرين. [انظر: طبقات الحفاظ (1/ 47)].
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2/ 150)، رقم (7545)، وابن سعد في الطبقات (2/ 100)، لكنها منقطعة بين نافع وعمر، وانظر: تحذير الساجد (ص 84)، وجاء =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)

يقول الإمام ابن تيمية: "فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنَّه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب، وهذا هو الأصل؛ فإن المتابعة في السُّنَّة أبلغ من المتابعة في صورة العمل"(1).
وهذه الشجرة ليست هي شجرة البيعة التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحتها بيعة الرضوان، وإنما تلك خفيت عليهم في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عن نافع قال: قال ابن عمر رضي الله عنهما: (رجعنا من العام المقبل فما اجتمع اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله)(2).
ولذا جاء في البخاري(3) عن طارق بن عبد الرحمن(4) قال:--------------------------------------------
= عن ابن جريج في قوله تعالى: {يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} قال: ( … فكانت هذه الشجرة يعرف موضعها، ويؤتى هذا المسجد، حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فبلغه أن الناس يأتونها، ويصلون عندها فيما هنالك، ويعظمونها؛ فرأى أنَّ ذلك من فعلهم حدث) وحسن إسناده الفاكهي. [انظر: أخبار مكة للفاكهى (5/ 77)].
(1) مجموع الفتاوى (1/ 281).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب: البيعة في الحرب أن لا يفروا (3/ 1080)، رقم (2798).
(3) هو: شيخ الإسلام، وإمام الحفاظ أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي مولاهم، البخاري صاحب الصحيح كان رأسًا في الذكاء، رأسًا في العلم، رأسًا في الورع والعبادة توفي سنة 256 هـ. [انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (2/ 555)].
(4) هو: طارق بن عبد الرحمن البجلي الكوفي، روى عن سعيد بن المسيب، ثقة مشهور إلا أن أحمد بن حنبل قال: ليس حديثه بذاك، وقال يحيى بن سعيد القطان: هو عندي كإبراهيم بن مهاجر، قال الذهبي: قلت قد روى عنه شعبة، وأبو عوانة، ووكيع، ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به يكتب حديثه، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. [انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال (3/ 454 - 455)، ورجال =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)

(انطلقت حاجًا فمررت بقوم يصلون قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدَّثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال فلما خرجنا من العام المقبل أُنسيناها فلم نقدر عليها. فقال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم)(1).
قال الإمام ابن عبد البر(2): "وقد كره مالك(3) وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان؛ وذلك -والله أعلم- مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك"(4).
هذا ما حصل في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من تعمية الشجرة على الصحابة، ونسيانهم لموضعها، ثم في زمان عمر رضي الله عنه توهموا في شجرة أخرى أنها شجرة البيعة، وصاروا يقصدونها للعبادة رجاء بركتها، فقطعها عمر سدًا لذريعة تعظيمها والافتتان بها(5).--------------------------------------------
= صحيح البخاري (الهداية والإرشاد) (2/ 376)].
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، المغازي، باب: غزوة الحديبية (4/ 1528)، رقم (3930)، والطبراني في المعجم الكبير (2/ 3470)، رقم (816)، وابن سعد في الطبقات (2/ 99).
(2) هو: يوسف بن عمر بن عبد البر بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الحافظ شيخ علماء الأندلس، وكبير محدثيها في وقته، وأحفظ من كان فيها لسنة مأثورة له مؤلفات كثيرة نافعة منها: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، توفي رحمه الله سنة 463 هـ. [انظر ترجمته في: الديباج المذهب ص 357، وشجرة النور الزكية (ص 119)].
(3) هو: إمام دار الهجرة، الإمام مالك بن أنس الأصبحي المدني، ولد سنة 93 هـ، وهو أحد الأئمة الأربعة، جمع بين الفقه والحديث والرأي، جلس للفتيا وله إحدى وعشرون سنة، وقصده طلبة العلم من الآفاق، من أشهر مصنفاته الموطأ، توفي سنة 179 هـ. [تذكرة الحفاظ (1/ 207 - 213)، وسير أعلام النبلا (8/ 48 - 135)].
(4) الاستذكار (2/ 360).
(5) انظر: فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (1/ 151 - 152).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)

ولذا قال الإمام ابن تيمية: "وأمر عمر رضي الله عنه بقطع الشجرة التي توهموا أنها الشجرة التي بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم تحتها بيعة الرضوان، لما رأى الناس ينتابونها، ويصلون عندها، كأنها المسجد الحرام، أو مسجد المدينة"(1).
أما الشجرة الحقيقية فقد عميت عليهم في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فلم يهتدوا لمعرفتها، وكان إخفاؤها رحمة من الله كما قال ابن عمر رضي الله عنهما(2).
يقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ(3) بعد أن ذكر قصة خفاء الشجزة على الصحابة رضي الله عنهم: "هذا ما صار إليه شأن شجرة البيعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صار في خلافة عمر بن الخطاب ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: وهو توهم من توهم في شجرة بالحديبية أنها هي الشجرة التي بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم تحتها (بيعة الرضوان)، فكان من توهم ذلك ينتابها ويصلي عندها، فأمر عمر بن--------------------------------------------
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (ص 306).
(2) وبهذا التوفيق ينتفي التعارض بين روايات القصة.
(3) هو: صاحب السماحة الشيخ الجليل أبو عبد العزيز محمد بن إبراهيم ابن الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ابن شيخ الإسلام الإمام مجدد القرن الثاني عشر محمد بن عبد الوهاب، ولد في: 7/ محرم/ 1311 هـ، في مدينة الرياض، وأخذ العلم عن والده الشيخ إبراهيم وعن عمه الشيخ عبد اللطيف وعن الشيخ سعد بن عتيق وعن الشيخ حمد بن فارس وغيرهم، من أبرز تلامذته: فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وفضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد وفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد، وغيرهم، كان مفتيًا للديار السعودية، ورئيسًا للجامعة الإسلامية، ورئيسًا للقضاء في جميع المملكة، ورئيسًا لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، له فتاوى جمعها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في 13 مجلد، وله رسائل مفيدة أخرى، توفي إثر مرض ألم به في الرابع والعشرين من شهر رمضان من عام 1389 هـ. [انظر ترجمته في: مقال للشيخ عبد المحسن العباد ضمن مجلة الجامعة الإسلامية، العدد 6 (15)، و (العالم العابد الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله حياته وسيرته ومؤلفاته، تأليف عبد الملك القاسم) (ص 97)، من مطبوعات دار القاسم].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)

الخطاب بقطعها فقطعت"(1).
يقول الإمام النووي(2): "قال العلماء: سبب خفائها أن لا يفتتن الناس بها لما جرى تحتها من الخير، ونزول الرضوان والسكينة، وغير ذلك، فلو بقيت ظاهرة معلومة لخيف تعظيم الأعراب والجهال إياها، وعبادتهم لها، فكان خفاؤها رحمة من الله تعالى"(3).

*‌‌ المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
فيما يلي أذكر ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم في ذكرهم لهذه القاعدة أو استدلالهم بها أو لها:
يقول الإمام ابن تيمية: "وأصل هذا الباب: أنه ليس في شريعة الإسلام بقعة تقصد لعبادة اللّه فيها بالصلاة، والدعاء، والذكر، والقراءة، ونحو ذلك، إلا مساجد المسلمين ومشاعر الحج"(4).
وقال رحمه الله: "وأصل دين المسلمين أنه لا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة، وما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد، كما كانوا في الجاهلية يعظمون حراء ونحوه من البقاع هو مما جاء الإسلام بمحوه وإزالته ونسخه، ثم المساجد جميعها تشترك في العبادات فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر--------------------------------------------
(1) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (1/ 151) فما بعدها.
(2) هو: يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي، النووي، الفقيه الحافظ الشافعي.
له مؤلفات كثيرة منها: المجموع شرح المهذب لم يتمه، وروضة الطالبين، ورياض الصالحين، وغيرها. توفي رحمه الله سنة 676 هـ. [ترجمته في: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/ 153)].
(3) شرح النووي على صحيح مسلم (13/ 5).
(4) مجموع الفتاوى (27/ 137 - 138).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)