فالتوقيفية: نسبة إلى التوقيف؛ أي: أن العبادة مبنية على الوقف والمنع والحبس والمكث والانتظار حتى يجيء النص الشرعي من الله تبارك وتعالى.
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
القاعدة تضمنت الدلالة على إحدى الأصول العظيمة من أصول الإسلام، بعد إفراده تعالى بالعبادة دون عبادة ما سواه، ألا وهو عبادة الله تعالى على وفق ما شرع سبحانه وتعالى في كتابه، أو على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
يقول الإمام ابن تيمية: "العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع؛ فإن الإسلام مبني على أصلين: أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم"(1).
والحاصل أن العبادة ممنوعة ومحظورة وموقوفة ومحبوسة حتى يأتي الإذن بها من الله تبارك وتعالى.
فالله تعالى هو المعبود، وهو الذي أمر بعبادته، وعبادته حقه الذي لا يشركه فيه أحد من الخلق، وعليه فلا يعبد إلا كما يريد ويحب سبحانه وتعالى، كما أنه تعالى هو الخالق للبشر ولعقولهم، المحيط بكل شيء، العالم بدقائق الأمور وغوامضها، الرحيم بعباده فيما شرع وأمر، فلا يأمر عباده إلا بما فيه الخير والبركة لهم(2).
فلا مجال لاختراع العقول والاستدراكات والقياسات العقلية فيما يتعلق بعبادته سبحانه وتعالى؛ إذ العقول مختلفة ومتباينة، وإذا أوقفت العبادة على العقول، فما من عقل من عقول البشر إلا وله تصور وميول وإردة تختلف--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (1/ 80).
(2) انظر: إعلام الموقعين (1/ 344).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 686)
عن الآخر، والنتيجة وجود عبادات لا حد لها ولا حصر في أعدادها، وأوقاتها، وكيفياتها، وشروطها وأركانها، وعليه فيعبد كل إنسان ما تهواه نفسه، ويشتهيه قلبه، ويزينه له عقله(1).
ولذا جاء الشرع بوقف العبادات على النصوص الشرعية من الكتاب أو السُّنَّة، فكل عبادة خلت من هذا الختم العظيم فلا اعتبار بها، ولا ثواب عليها، بل صاحبها مستحق للعقوبة في الدنيا والآخرة.
يقول الإمام ابن تيمية: "ومعلوم أن من شرع عبادة يتقرب بها إلى الله، ويجعلها وسيلة له إلى الله، يرجو عليها ثواب الله؛ إما واجبة أو مستحبة، فلا بد أن يكون من الدين الذي شرعه الله وأمر به، وإلَّا كان حظ صاحبها الإبعاد والطرد، ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع وقد قال الله لنبيه: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)}، [الأحزاب: 45، 46]، فهو داع إلى الله بإذن الله لا من تلقاء نفسه بل أُمِر"(2).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
المتأمل في نصوص الشريعة يجد الأدلة العديدة، والواضحة في تأييد هذه القاعدة العظيمة، وفيما يأتي أذكر بعض النصوص المؤيدة والمقررة لما دلت عليه القاعدة:
أولًا: النصوص الواردة في أمر الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالاستقامة على الدين، واتباع ما جاءه من عند ربه سبحانه، وتصريحه صلى الله عليه وسلم بأنه متبع لوحي الله تبارك وتعالى، ولا شك أن عبادة الله تعالى هي أعظم--------------------------------------------
(1) انظر: الموافقات للشاطبي (1/ 284 - 285).
(2) تلخيص كتاب الاستغاثة (1/ 288).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 687)
ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة عليه واتباعه، ومن تلك النصوص:
قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)} [هود: 112]، وقوله سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)} [الجاثية: 18]، وقال عن نبيه عليه السلام: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)} [الأحقاف: 9]، وقوله تعالى: {وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)} [الأنعام: 163].
وكلمة الاستقامة كلمة جامعة في كل ما يتعلق بالعقائد والأقوال والأعمال؛ سواء كان مختصًا به، أو كان متعلقًا بتبليغ الوحي وبيان الشرائع(1).
فيدخل في ذلك: جميع ما أمره به، وجميع ما نهاه عنه؛ لأنه قد أمره بتجنب ما نهاه عنه، كما أمره بفعل ما تعبده بفعله(2).
والواجب على الخلق كلهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يعبدون إلا الله، ويعبدونه بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا بغيرها(3).
يقول الإمام ابن القيم في معنى الآية: "فقسم الأمر بين الشريعة التي جعله هو سبحانه عليها، وأوحى إليه العمل بها، وأمر الأمة بها، وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون؛ فأمر بالأول، ونهى عن الثاني"(4).
ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في قوله تعالى: {وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ}: "أمرني ربي سبحانه وتعالى، فدل على أن العبادات توقيفية، لا يصلح منها شيء إلا بأمر الله سبحانه وتعالى"(5).
ثانيًا: حديث عائشة -رضى الله عنها- قالت: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحْدَثَ--------------------------------------------
(1) انظر: التفسير الكبير (18/ 57)، ومجموع الفتاوى (20/ 112).
(2) انظر: فتح القدير للشوكاني (2/ 529).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 523).
(4) إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 47).
(5) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (1/ 166).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 688)
فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ"(1).
هذا الحديث أصل من أصول الإسلام كما نص على ذلك بعض أهل العلم، وهو دال على أن الإحداث في العبادات بما يخالف الشرع يقضي ببطلانها وردها؛ لأنها والحالة هذه تكون العبادة قد خرجت عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره، وخالفت ما أجمع عليه صحابته الكرام -رضوان الله عليهم- فكان عاقبتها الرد وعدم القبول، وهذا يدل دلالة صريحة على أن العبادة مبنية على التوقيف من صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم.
يقول الإمام ابن رجب رحمه الله: "فقوله صلى الله عليه وسلم "كلُّ بدعة ضلالة"(2)، من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيءٌ، وهو أصلٌ عظيمٌ من أصول الدِّين، وهو شبيهٌ بقوله: "مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا ما لَيْسَ مِنْهُ فهو رَدٌّ"، فكلُّ من أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدِّين، ولم يكن له أصل من الدِّين يرجع إليه، فهو ضلالةٌ، والدِّينُ بريءٌ منه، وسواءٌ في ذلك مسائلُ الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة"(3).
فالأصل في العبادة أنها مبنية على الأمر والطلب، فإذا لم تطلب--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (2/ 959)، برقم (2550)، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، (3/ 1343)، برقم (1718).
(2) قطعة من حديث: أخرجه الإمام أحمد في المسند (4/ 126)، برقم (17184)، وابن ماجة: المقدمة، باب: اتباع سُنّة الخلفاء الراشدين (1/ 15)، برقم (42)، والدارمي في سننه (1/ 57)، برقم (95)، والحاكم في المستدرك (1/ 174)، برقم (329)، وقال: "هذا حديث صحيح ليس له علة، وقد احتج البخاري بعبد الرحمن بن عمرو، وثور بن يزيد، وروي هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام بالسُّنَّة، والذي عندي أنهما رحمهما الله توهما أنه ليس له راو عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد، وقد رواه محمد بن إبراهيم بن الحارث المخرج حديثه في الصحيحين عن خالد بن معدان". وصححه الألباني في إرواء الغليل (8/ 107).
(3) جامع العلوم والحكم (ص 266).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 689)
من العبد كان فعلها سدى؛ لأنَّها على خلاف الأمر والتكليف، بل لا تنعقد من أصلها، وهي مردودة على صاحبها.
ثالثًا: ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك)(1).
يقول الإمام ابن تيمية: "ولهذا قال الفقهاء العبادات مبناها على التوقيف كما في "الصحيحين" عن عمر بن الخطاب"(2)، ثم ذكر حديث عمر.
فاستدل رحمه الله بالحديث على القاعدة، ووجه ذلك: أن عمر رضي الله عنه أوقف فعله وتقبيله على رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم، فتبرأ رضي الله عنه من فعل التقبيل في حال أنه لم يثبت لديه فعل النبي صلى الله عليه وسلم لذلك.
* المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد حرص أهل العلم أشد الحرص على بيان هذه القاعدة الشرعية، واستعملوها في ردِّهم لكثير من البدع والحيل، وفيما يأتي أنقل بعض ما وقفت عليه من أقوال تؤيد معنى القاعدة، وتقرر مفهومها الذي دلت عليه:
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن العبادة مبناها على الإذن من الشارع"(3).
ويقول رحمه الله أيضًا: "والعبادة مبناها على التوقيف والإتباع لا على الهوى والابتداع"(4).--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه. انظر: (ص 238).
(2) مجموع الفتاوى (1/ 334).
(3) مختصر الفتاوى المصرية (ص 269).
(4) مجموع الفتاوى (1/ 141).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 690)
ويقول الإمام ابن كثير: "وباب القربات يُقْتَصَرُ فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء"(1).
ويقول الشيخ الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "وتقرير ذلك أن العبادات توقيفية، فلا يقال: هذه العبادة مشروعة إلا بدليل من الكتاب والسُّنَّة والإجماع، ولا يقال: إن هذا جائز من باب المصلحة المرسلة، أو الاستحسان، أو القياس، أو الاجتهاد؛ لأن باب العقائد، والعبادات، والمقدرات؛ كالمواريث، والحدود لا مجال لتلك فيها"(2).
ويقول رحمه الله أيضًا في حكم اتخاذ الأعياد: "وعلى هذا فتخصيص يوم من الأيام وتمييزه على غيره بشيء من الطاعات أمر توقيفي، إنما يصار في معرفته إلى الشريعة المطهرة، ولم تخصص الشريعة يومًا من الأيام باتخاذه عيدًا للإسلام سوى يومي العيدين؛ عيد الفطر، وعيد النحر، وما يتبعه من أيام التشريق الثلاثة، وسوى العيد النسبي وهو يوم الجمعة، فإنه عيد الأسبوع، فليس للمسلمين أن يتخذوا عيدًا سواها"(3).
ويقول الإمام عبد العزيز بن باز: "لأن العبادات توقيفية لا يشرع فيها إلا ما دل عليه الكتاب والسُّنَّة، أما أقوال الناس وآراؤهم فلا حجة فيها إذا خالفت الأدلة الشرعية، وهكذا المصالح المرسلة لا تثبت بها العبادات، وإنما تثبت العبادة بنص من الكتاب أو السُّنَّة أو إجماع قطعي"(4).
ويقول العلامة العثيمين: "فالعبادات مبناها على الأمر، فما لم--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير (4/ 259)، وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة (9/ 43 - 45).
(2) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (3/)، برقم (820)، بعنوان: (الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج غير مشروع).
(3) المصدر نفسه (3/) رقم (813)، بعنوان: (حكم إقامة الموالد وذكريات الأيام … ).
(4) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (13/ 22).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 691)
يثبت فيه أمر الشارع، فهو بدعة، فمن تعبد بعبادة طولب بالدليل؛ لأن الأصل في العبادات الحظر والمنع، إلا إذا قام الدليل على مشروعيتها"(1).
وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في معنى قوله تعالى: {وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} [الأنعام: 163]: "أمرني ربي سبحانه وتعالى، فدلّ على أن العبادات توقيفيّة، لا يصلح منها شيء إلَّا بأمر الله سبحانه وتعالى"(2).
وجاء في فتاوى لجنة الإفتاء: "والعبادات مبناها على الأمر والنهي والاتباع"(3).
* المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
لقد فرَّعَ أهل العلم بعض الفروع والجزئيات والمسائل على هذه القاعدة، واستفادوا منها في إبطال كثير من البدع والضلالات، وفيما يأتي أتناول بعض ما ذكره أهل العلم من فروع ومسائل متعلقة بالقاعدة، أو ظهر لي من خلال كلامهم:
أولًا: أن شرط التوقيف الوارد في القاعدة يتضمن عدة أمور زائدة على أصل العبادة، وهذه لا بد من مراعاتها حتى تكون العبادة صحيحة ومقبولة عند الله تبارك وتعالى، فما من عبادة إلا وهي مفتقرة إلى إذن شرعي في عدة أمور لكي تصبح عبادة شرعية يتقرب بها العبد إلى الرب تعالى وتقدس، ومن تلك الأمور ما يلي:
الأول: السبب: فإذا تعبد لله تعالى بعبادة مقرونة بسبب غير شرعي--------------------------------------------
(1) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 211 - 212).
(2) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (1/ 166).
(3) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (3/ 64).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 692)
فهي بدعة مردودة على صاحبها، مثل إحياء ليلة السابع والعشرين من رجب بالتهجد، بحجة أنها ليلة الإسراء والمعراج، فالتهجد عبادة، لكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة لكونه بني على سبب لم يثبت شرعًا.
الثاني: الجنس: فلا بد أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها؛ فلو تعبد إنسان لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة؛ كمن يضحي بفرس فلا يصح؛ لأنَّه خالف الشريعة في الجنس، فالأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام على الراجح من أقوال أهل العلم.
الثالث: القَدْر: فلو زاد صلاة سادسة على أنها فريضة فهذه بدعة غير مقبولة؛ لأنَّها مخالفة للشرع في القدر، ومن باب أولى لو صلى الظهر خمسًا فصلاته باطلة.
الرابع: الكيفية: فلو توضأ فبدأ بغسل رجليه، ثم مسح رأسه، ثم غسل يديه، ثم وجهه فنقول: وضوؤه باطل؛ لأنَّه مخالف للشرع في الكيفية، وذلك على الراجح خلافًا لبعض الفقهاء ممن يصحح عدم الترتيب.
الخامس: الزمان فلو ضحى في أول أيام ذي الحجة فلا تقبل الأضحية لمخالفة الشرع في الزمان.
السادس: المكان: فلو اعتكف في غير مسجد فإن اعتكافه لا يصح، وذلك لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد(1).
ثانيًا: دلت القاعدة على أن العبادة موقوفة على الإذن الشرعي بها من صاحب الشريعة، ولا يكفي دخول العبادة تحت دليل ونص عام، بل لا بد من الدليل الخاص بهذه العبادة.
يقول الإمام ابن دقيق العيد(2) رحمه الله في كلامه على حرمة إحداث--------------------------------------------
(1) انظر: الإبداع في بيان كمال الشرع وخطر الابتداع لابن عثيمين (ص 21، 22).
(2) هو: محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، أبو الفتح تقي الدين، =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 693)
الأعياد: "قد منعنا إحداث ما هو شعار في الدين، ومثاله ما أحدثته الروافض من عيد ثالث سموه عيد الغدير، وكذلك الاجتماع وإقامة شعاره في وقت مخصوص، على شيء مخصوص لم يثبت شرعًا، وقريب من ذلك أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة على وجه مخصوص، فيريد بعض الناس أن يحدث فيها أمرًا آخر لم يرد به الشرع زاعمًا أن يدرجه تحت عموم، فهذا لا يستقيم؛ لأن الغالب على العبادات التعبد، ومأخذها التوقيف.
وهذه الصورة حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك المحدث أو منعه؛ فأما إذا دل فهو أقوى في المنع وأظهر من الأول، ولعل مثال ذلك: ما ورد في رفع اليدين في القنوت، فإنه قد صح رفع اليد في الدعاء مطلقًا، فقال بعض الفقهاء: يرفع اليد في القنوت؛ لأنه دعاء، فيندرج تحت الدليل المقتضي لاستحباب رفع اليد في الدعاء مطلقًا، وقال غيره: يكره؛ لأن الغالب على هيئة العبادة التعبد والتوقيف، والصلاة تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها، فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليد في القنوت كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن عمل لم يشرع أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء"(1).
فالواجب عدم الاكتفاء بالدليل العام على جواز التعبد بأمور محدثة، بل لا بد من طلب الدليل الخاص على كل عبادة بذاتها، وهذا هو المنهج الذي سار عليه سلف هذه الأمة كما هو ظاهر للمتأمل(2).--------------------------------------------
= الفقيه، الأصولي، المحدث. له مصنفات نافعة منها: الإلمام في الحديث، والإمام شرح الإلمام، وشرح العمدة "عمدة الأحكام" للمقدسي، توفي سنة 702 هـ. [ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى (6/ 2)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/ 229)].
(1) إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (1/ 172).
(2) انظر: المرجع نفسه (1/ 173).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 694)
ويقول رحمه الله في ترجيح المطالبة بالدليل الخاص في كل عبادة: "ويحتمل أن يقال: إن هذه الخصوصيات بالوقت أو بالحال والهيئة والفعل المخصوص يحتاج إلى دليل خاص يقتضي استحبابه بخصوصه، وهذا أقرب والله أعلم"(1).
ولا يلزم أن ما كان قربة في عبادة من العبادات من الصفات والهيئات يكون قربة بدون اقترانه بتلك العبادة، أو مع اقترانه بعبادة أخرى غير التي جاء النص بها.
وقد بيَّن الإمام ابن رجب هذه المسألة بتوسع فقال: "فأما العبادات؛ فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وهذا كمن تقرب إلى الله تعالى بسماع الملاهي، أو بالرقص، أو بكشف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله التقرب بها بالكلية، وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا، فقد (رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا قائمًا في الشمس فسأل عنه فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه)(2)، فلم يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفي بنذرهما، … مع أن القيام عبادة في مواضع أخر؛ كالصلاة، والأذان، والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم، فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون قربة--------------------------------------------
(1) إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (1/ 171).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب: النذر فيما لا يملك وفي معصية (6/ 2465)، برقم (6326)، من طريق ابن عباس رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 695)
في كل المواطن، وإنما يتبع في ذلك كله ما وردت به الشريعة في مواضعها. وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها؛ كمن صام يوم العيد، أو صلى وقت النهي، وأما من عمل عملًا أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع، أو أخل فيه بمشروع فهذا أيضًا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به، أو إدخال ما أدخل فيه … ، وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع فزيادته مردودة عليه؛ بمعنى أنها لا تكون قربة ولا يثاب عليها"(1).
ثالثًا: تضمنت القاعدة أن الأذكار الشرعية، والأوراد والأدعية مبنية على التوقيف، فلا يجوز أن يزاد عليها، ولا أن ينقص منها شيئًا، بل الواجب المحافظة عليها كما علمها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه من بعده.
يقول الإمام النووي رحمه الله: "فإن ألفاظ الأذكار يحافظ فيها على الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم"(2).
ويقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: "لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فالأدعية والأذكار النبوية هي أقل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبر عنه لسان، ولا يحيط به إنسان"(3).
ومن أصرح الأدلة الدالة على المنع من تغيير ألفاظ الأذكار النبوية ما جاء عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل اللَّهُمَّ أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك،--------------------------------------------
(1) جامع العلوم والحكم (ص 60).
(2) المجموع للنووي (3/ 459).
(3) مجموع الفتاوى (22/ 510 - 511).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 696)
رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللَّهُمَّ آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به، قال فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغت: اللَّهُمَّ آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت: ورسولك، قال: لا؛ ونبيك الذي أرسلت"(1).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله فى معنى حديث البراء: "وأولى ما قيل في الحكمة في رده صلى الله عليه وسلم على من قال الرسول بدل النبي: إن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، وهذا اختيار المازري، قال: فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحي إليه بهذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها"(2).
وهكذا نجد أهل العلم يقررودن أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ويعلل بعضهم ذلك باحتمال وجود معنى خاص وسر معين في صيغة الألفاظ النبوية(3).
يقول الحافظ السخاوي(4): "بل الاستدلال به لمجرد المنع ممنوع؛--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، فضل من بات على الوضوء (1/ 97)، برقم (244).
(2) فتح الباري لابن حجر (11/ 112).
(3) انظر: تدريب الراوي للسيوطي (2/ 122).
(4) هو: محمد بن عبد الرحمن بن محمد، شمس الدين السخاوي: مؤرخ حجة، عالم بالحديث والتفسير والأدب، أصله من سخا من قرى مصر، ومولده في القاهرة في عام 831 هـ، ساح في البلدان سياحة طويلة، وصنف زهاء مئتي كتاب أشهرها: "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع"، ترجم لنفسه فيه، وله: "شرح ألفية العراقي"، و"المقاصد الحسنة"، و"القول البديع في أحكام الصلاة على الحبيب الشفيع"، و"الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التأريخ"، وغيرها، توفي سنة 902 هـ، ووفاته بالمدينة. [ترجمته في: الضوء اللامع (8/ 2 - 32)، والأعلام للزركلي (6/ 194)].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 697)
بأن ألفاظ الأذكار توقيفية، فلا يدخلها القياس، بل يجب المحافظة على اللفظ الذي جاءت به الرواية؛ إذ ربما كان فيه خاصية وسر لا يحصل بغيره"(1).
ويقول المناوي في معنى حديث البراء: "لأن ألفاظ الأذكار توقيفية في نفس اللفظ وتقدير الثواب، فربما كان في اللفظ سر ليس في الآخر ولو كان مرادفه في الظاهر، أو لعله أوحي إليه بهذا اللفظ فرأى أن يقف عنده"(2).
وأما ما كان من الأذكار التي لم ترد بها السُّنَّة، ولا فعلها الصحابة رضي الله عنهم فهذه يحرم فعلها والتزامها، وهي من المحدثات والبدع التي لا خير فيها بلا شك.
يقول الإمام ابن تيمية: "وما سواها من الأذكار، قد يكون محرَّمًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون فيه شرك ما لا يهتدي إليه أكثر الناس، وهي جملة يطول تفصيلها.
وليس لأحد أن يسن للناس نوعًا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به، بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله للناس سنة، فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرمًا لم يجز الجزم بتحريمه، لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به، وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت، فهذا وأمثاله قريب.
وأما اتخاذ ورد غير شرعي، واستنان ذكر غير شرعي فهذا مما ينهى عنه، ومع هذا ففي الأدعية الشرعية، والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة، ونهاية المقاصد العلية، ولا يعدل عنها إلى غيرها--------------------------------------------
(1) فتح المغيث (2/ 300).
(2) فيض القدير (2/ 122).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 698)
من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو متعد"(1).
فالجاهل يجب عليه أن يتعلم هدي النبي صلى الله عليه وسلم، والمفرط عاقبته الحسرة والندامة بما فرط في جنب الله، أما المتعدي فتتلى عليه نصوص الوعيد والزجر فيمن تعدى حرمات الله وانتهكها، فإن نفع ذلك وإلا كان حقه العقاب الشديد، والتأديب البليغ.
فالحاصل أن جميع العبادات؛ كالذكر وغيرها كلها توقيفية، فلا مجال فيها للاجتهاد، واختراع العقول، بل لا بد من لزوم سنة صاحب الشريعة؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، والتقرب إلى الله بتشريع شيء لم يشرعه الله تعالى من أعظم الاعتداء على حق الله تعالى في التشريع، ومنازعته لله تعالى في حكمه.
يقول الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] فقال: "من الشرك، والبدع، وتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، ونحو ذلك، مما اقتضته أهواؤهم، مع أن الدين لا يكون إلا ما شرعه الله تعالى، ليدين به العباد، ويتقربوا به إليه، فالأصل الحجر على كل أحد أن يشرع شيئًا ما جاء عن الله ولا عن رسوله"(2).
رابعًا: ومما يستفاد من القاعدة عدم اتخاذ شيء من الأعمال الدينية العبادية، وجعلها أسبابًا لأمور وأغراض دنيوية إلا أن يكون مأذونًا بها من صاحب الشريعة، فإذا لم يأت الإذن من الشارع كانت أسبابًا باطلة، وكان صاحبها مستحقًا للعقوبة حسب إحداثه في الدين ما لم يأذن به الله.
يقول الإمام ابن تيمية: "الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء منها سببًا للدنيا، إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادة مبناها على الإذن من--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (22/ 511).
(2) تفسير السعدي (ص 757).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 699)
الشارع، فلا يجوز أن يشرك بالله فيدعو غيره وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه، وكذلك لا يعبد الله بالبدع وإن ظن في ذلك ثوابًا؛ فإن الشيطان قد يعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل له بالكفر والفسق والعصيان بعض أغراضه فلا يجوز له ذلك"(1).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "فإن العبادات مبناها التوقيف، ولا سيما إذا نسب أمر إلى هديه وشرعه وسنته، والعقل لا مدخل لاستحسانه واستقباحه في الدين، وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعًا مأمورًا به، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلًا، وتكون المسألة محرمة في حق السائل، حتى قال صلى الله عليه وسلم: "إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارًا، قالوا: يا رسول الله فلم تعطهم قال: يأبون إلا أن يسألوا ويأبى الله لي البخل"(2) "(3).
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "وليس في إنزال المطر إذا كشفت أجساد الأنبياء أو قبورهم ما يستدل به على جواز التوسل الشركي بهم، فإن الأمر الشرعي والعبادات الدينية توقيفية، لا يجوز إحداثها نظرًا إلى الأسباب القدرية الكونية؛ فإن أسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله أعيانًا وأنواعًا، وليس كل سبب منها دينيًا، شرعيًا، محمديًا عليه رسم المدينة"(4).--------------------------------------------
(1) مختصر الفتاوى المصرية (ص 269)، وانظر: مجموع الفتاوى (1/ 137).
(2) أخرجه بنحوه الإمام أحمد في المسند (3/ 4)، برقم (11017)، والمنذري في الترغيب والترهيب (1/ 330)، برقم (1212)، وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح"، وصححه الألباني في: غاية المرام (ص 226)، برقم (463).
(3) التوضيح عن توحيد الخلاق (ص 244).
(4) مصباح الظلام في الرد على من طعن في الشيخ الإمام (ص 294).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 700)
خامسًا: نصت القاعدة على الفارق الرئيس بين العبادات والعادات؛ من بيع وشراء وعقود ومعاملات، فالعبادات مبناها على التوقيف والأمر من الله تعالى، فالأصل في العبادة الحرمة التي قد تصل بالعبادة إلى حد الفساد والبطلان والرد حتى يأتي الدليل القاطع بها، بخلاف العادات فالأصل فيها الجواز والصحة حتى يقوم المانع الشرعي المبطل لها.
يقول الإمام ابن تيمية: "تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشيعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله، أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه عبادة، وما لم يثبت من العبادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور، ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا شرعه الله تعالى وإلا دخلنا في معنى قوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].
والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه وإلا دخلنا في معنى قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} [يونس: 59]، ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما لم يحرمه"(1).
ويقول الإمام ابن القيم: "فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم، والفرق بينهما: أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (16/ 29 - 17)، وانظر: (4/ 196).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 701)
شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو، ورضي به، وشرعه.
وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه، وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوًا، لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله؛ فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه، وما سكت عنه فهو عفو، فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها؛ فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه"(1).
ويقول ابن الحاج: "فليست العبادة بالعادة، ولا بالاستحسان، ولا بالاختيار، وإنما هي راجعة إلى امتثال أمر المولى سبحانه وتعالى، مع بيان رسوله المعصوم في الحركات والسكنات -صلوات الله عليه وسلامه-، فحيث مشى مشينا، وحيث وقف وقفنا، وكذلك يتعين الرجوع إلى ما استنبطه العلماء، وأفادوه من كتاب الله عز وجل وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم مما للقياس فيه مدخل"(2).
سادسًا: ومما يستفاد من القاعدة أنه لا يجوز التعبد لله تعالى إلا بما هو عبادة مشروعة من الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وعليه فلا يجوز التعبد بما هو مباح أو جائز فيجعل عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، فإن هذا من أعظم التلبيس والافتراء على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو داخل في وعيد قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين (1/ 344 - 345).
(2) المدخل لابن الحاج (4/ 263 - 264).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 702)
يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا أصل عظيم من أصول الديانات" وهو التفريق بين المباح الذي يُفعل لأنه مباح، وبين ما يتخذ دينًا وعبادة وطاعة وقربة واعتقادًا ورغبة وعملًا؛ فمن جعل ما ليس مشروعًا، ولا هو دينًا، ولا طاعة، ولا قربة، جعله دينًا، وطاعة، وقربة، كان حرامًا باتفاق المسلمين"(1).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (31/ 38).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 703)
المبحث الثاني
قاعدة اعتبار ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم عبادة موقوف على قصده التعبد
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* معنى القاعدة
من المعلوم المستقر في العقول، ولا ينكره إلا من جهل أحوال النفوس البشرية، وما فطرت عليه من الطبائع الجبلية أن التأسي بافعال العظماء واتباعهم عليها من الأسرار العميقة المبثوثة في طباع البشر، لا يقدرون على الانفكاك عنه بوجه ولا بحال، لا سيما عند الاعتياد والتكرار، وخاصة إذا صادف محبة وميلًا إلى المتأسي به، ومتى وَجَدْتَ التأسي بمن هذا شأنه مفقودًا في بعض الناس فاعلم أنه إنما تُرِكَ لتأسٍ آخر أعظم في النفس من الأول(1).
ومن أعظم هؤلاء العظماء المتبوعين الذين حظيت بهم البشرية عبر تأريخها الطويل هو رسول الإسلام محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، الذي عظم الله قدره، وأعلى شأنه، وأوجب على--------------------------------------------
(1) انظر: الموافقات للشاطبي (4/ 248 - 249).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 704)
الأمة اتباعه، وجعله خير أسوة، وأعظم قدوة، وأحسن مثال، وخير متبوع، بل جعل اتباعه والسير على منهاجه من أعظم الطاعات، وأفضل القرب، وأرجى الأعمال عند الملك الديَّان يوم يبعث الأبدان.
ولذا كان من أعظم خصائصه صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى فرض طاعته واتباعه على العالم فرضًا مطلقًا، وأوجب على الناس كافة التأسي به قولًا واعتقادًا، وفعلًا وتركًا، بلا قيد فيه، ولا شرط، ولا استثناء، كما قال سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]، وقوله سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21]، وقوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)} [الأعراف: 158](1).
ومع كل هذا الثناء والتمجيد، والتعظيم والإعزاز لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم عن حد الطبيعة البشرية، ولا عن حيز الجبلة الإنسانية التي فطره الله عليها، فهو كسائر البشر فيما يتعلق بهذه الأمور إلا ما ثبت بالنص اختصاصه بأشياء لا يشركه فيه غيره.
فهو عليه السلام كغيره في الخصائص البشرية؛ لكونه يأكل ويشرب، ويجوع ويعطش، وينام ويتعب، ويمشي ويسافر، ويركب الدابة، ويتزوج النساء، ويمرض ويموت، وغير ذلك مما هو من خصائص البشر التي لا ينفكون عنها بحال، ولا يستغنون منها.
وهنا يأتي التساؤل الهام على ضوء ما سبق من وجوب الاقتداء والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم مطلقًا، وهل يشرع لنا التعبد بجميع أفعاله الصادرة--------------------------------------------
(1) انظر: فيض القدير (1/ 548)، والخصائص الكبرى، للسيوطي (2/ 342)، نقلًا عن أبي نعيم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 705)