واستدعاء مال، أو ما يؤدي إلى المال"(1).
وقال أيضًا في أنواع السؤال: "والسؤال على ضربين: طلب المقال وجوابه المقال، وطلب النوال وجوابه النوال، فعلى الأول: {أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف: 31]، وقال: {وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف: 32]، وعلى الثاني قوله: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} [يونس: 89]؛ أي: أعطيتما ما سألتما، والاستجابة قيل هي الإجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له"(2) ..
أما الطلب فهو من الأصل الثلاثي (طلب)، يقال: طلبت الشيء أطلبه طلبًا، وهذا مطلبي، وهذه طلبتي، وهو أصل واحد يدل على ابتغاء الشيء، وطلبه طلبًا إذا هم بتحصيله، أو التمسه وأراده ورغب فيه، والطَّلَبُ مُحَاوَلَة وِجْدَانِ الشَّيءِ وأَخْذِه(3).
قال الراغب: "الطلب الفحص عن وجود الشئ عينًا كان أو معنى، قال: {فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)} [الكهف: 41]، وقال: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73)} [الحج: 73]، وأطلبت فلانًا إذا أسعفته لما طلب وأحوجته إلى الطلب"(4).
وبذلك يظهر التقارب الشديد بين السؤال والطلب؛ ولذا كان استعمال أهل العلم لكلا اللفظين من باب استعمال الكلمات المترادفة في المعنى(5)، مع وجود الفرق بينهما عند التدقيق.--------------------------------------------
(1) المفردات في غريب القرآن (ص 250).
(2) المصدر نفسه (ص 102).
(3) انظر: معجم مقاييس اللغة (3/ 417)، وتهذيب اللغة (3/ 237)، وتاج العروس (3/ 274)، والعين (7/ 430)، ومختار الصحاح (ص 166)، والمعجم الوسيط (2/ 561)، والقاموس المحيط (ص 140).
(4) المفردات في غريب القرآن (ص 305 - 306).
(5) انظر: الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق، لابن سحمان (ص 452).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 807)
جاء "في معجم الفروق اللغوية": "الفرق بين السؤال والطلب: أن السؤال لا يكون إلا كلامًا، ويكون الطلب السعي وغيره، وفي مَثَلٍ: عليك الهرب وعلى الطلب"(1).
وذكر أبو البقاء الكفوي فرقًا آخر فقال: "والطلب عام، حيث يقال فيما تسأله من غيرك، وفيما تطلبه من نفسك، والسؤال لا يقال إلا فيما تطلبه من غيرك"(2).
وقد جاء التعبير كثيرًا في النصوص الشرعية عن السؤال والطلب -الذي هو عبادة لله تعالى- بالدعاء، والدعاء كما سيأتي على قسمين في الشرع:
دعاء عبادة، ودعاء مسألة(3).
والسؤال والطلب في القاعدة متعلقان بدعاء المسألة، متضمنان لدعاء العبادة للتلازم وعدم الانفكاك بين النوعين، ومن أمثلة ذلك في النصوص الشرعية قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)} [الأنعام: 40، 41]، فالدعاء في هذه الآيات المقصود به دعاء المسألة، فهو ظاهر فيه، بدليل أنهم في حال شدة وكربة وطلبوا كشفها عنهم، ودعاء العبادة يدخل فيه من باب اللزوم، إذ لا ينفك دعاء العبادة عن دعاء المسألة كما سيأتي تقريره.
يقول الشيخ الدهلوي في آية الأنعام: "وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله بعض المفسرين، بل هو الاستعانة"(4).--------------------------------------------
(1) معجم الفروق اللغوية، للعسكري (ص 289).
(2) كتاب الكليات، لأبي البقاء الكفوي (ص 917).
(3) انظر: القاعدة التالية المتعلقة بدعاء العبادة ودعاء المسألة (ص 879).
(4) حجة الله البالغة (ص 129).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 808)
وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في الآية: "وهذا الدعاء ظاهر في دعاء المسألة حال الشدة والضرورة"(1).
بل هذا هو الكثير والغالب في الاستعمال؛ إذا أطلق لفظ الدعاء في النصوص الشرعية فالمقصود به دعاء المسألة المتضمن لدعاء العبادة.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "قلت: وأكثر ما يستعمل الدعاء في الكتاب والسُّنَّة واللغة ولسان الصحابة ومَن بعدهم من العلماء: في السؤال والطلب، كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم: الصلاة لغة الدعاء، وقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)} [فاطر: 13]، في الآيتين، وقال: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأنعام: 63]، وَقَالَ: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} [يونس: 12]، وَقَالَ: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51)} [فُصِّلَت: 51]، وَقَالَ: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ} [فُصِّلَت: 49] "(2).
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
القاعدة نصت على ضابط لمسألة الطلب والدعاء والسؤال، وأنه يعتبر شركًا أكبر، مخرجًا من ملة الإسلام إذا توجه به العبد لغير الله سبحانه وتعالى؛ سواء لنبي، أو صالح، أو ملك، أو جني، أو غير ذلك في الأمور التي لا تكون في مقدور ذلك الغير بحسب طبيعته وفطرته التي فطر عليها، ولا يستطيعها إلا الرب سبحانه وتعالى.
يقول الإمام ابن تيمية: "وتفصيل القول أن مطلوب العبد إن كان--------------------------------------------
(1) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص 115).
(2) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص 136).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 809)
من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى؛ مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين والبهائم، أو وفاء دينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله وما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه، وغفران ذنبه، أو دخوله الجنة، أو نجاته من النار، أو أن يتعلم العلم والقرآن، أو أن يصلح قلبه، ويُحَسِّن خلقه، ويزكي نفسه، وأمثال ذلك، فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلَّا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول لملك، ولا نبي، ولا شيخ؛ سواء كان حيًّا أو ميتًا اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشف مريضي، ولا عافني أو عاف أهلي أو دابتي"(1).
وقال في موضع آخر بعد ذكره لهذه الأمور: "فمن سأل مخلوقًا شيئًا من ذلك فهو مشرك، به قد اتخذ لله ندًّا، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا مثل دين النصارى"(2).
وحتى يتضح معنى القاعدة بجلاء، ويمكن التفريق بين ما هو جائز وما هو محرم أو شرك من أنواع السؤال، ومعرفة الضابط للسؤال الذي إذا وقع لغير الله تعالى كان دعاء وعبادة للمسؤول، وصار شركًا بالله العظيم؛ فمن أجل كل ذلك فإنه لا بد من معرفة أصل مسألة السؤال، وما ذكره أهل العلم من تقسيمات لحالات السؤال، فأقول مستعينًا بالله تعالى.
لقد ورد في بعض النصوص الشرعية الأمر بسؤال الله تعالى وحده، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (إذا سألت فاسأل الله)(3)، وصح عنه صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (27/ 67).
(2) مختصر الفتاوى المصرية (ص 192).
(3) أخرجه الإمام أحمد (1/ 293) برقم (2669)، والترمذي في سننه (4/ 667)، برقم (2516)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصحح الشيخ الألباني، [انظر: مشكاة المصابيح (3/ 1459)، برقم (5302)، وذكر الإمام ابن رجب روايات الحديث، ثم حكم على رواية الترمذي بأنها: حسنة جيدة (ص 184 - 185)].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 810)
أنه بايع جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه(1).
قال النووي في معنى الحديث: "فيه التمسك بالعموم؛ لأنهم نهوا عن السؤال فحملوه على عمومه، وفيه الحث على التنزيه عن جميع ما يسمى سؤالًا وإن كان حقيرًا والله أعلم"(2).
وجاءت أحاديث كثيرة في تحريم سؤال الناس(3) شيئًا من أموالهم في غير ما ضرورة، فقط من باب التكثير بالمال، أو استشراف النفس له.
يقول ابن تيمية: "فقد جاء بضعة عشر حديثًا في النهي عن المسألة"(4).
وجاء في حديثٍ النهيُ عن الاسترقاء في شأن الذين يدخلون الجنة بدون حساب ولا عذاب: (قال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)(5)، فمدحهم عليه السلام من أجل اتصافهم--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: كراهية المسألة للناس (2/ 721)، برقم (1043)، من حديث عوف بن مالك الأشجعي.
(2) شرح النووي على صحيح مسلم (7/ 132).
(3) ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: من تحل له المسألة (2/ 722)، برقم (1044)، عن قبيصة بن مخارق الهلالي، وفيه: (يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا).
(4) مختصر الفتاوى المصرية (ص 575).
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره (5/ 2157)، برقم (5378)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف المسلمين الجنة بغير حساب (1/ 199)، برقم (220)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 811)
بعدة صفات ومنها: عدم استرقائهم، والاسترقاء: طلب الرقية من الغير، وهي من جنس الدعاء والسؤال.
فالله تعالى لم يأمر بسؤال الخلق قط؛ لا أحياء ولا أمواتًا، ومن زعم أن سؤال المخلوق حيًّا أو ميتًا قد أمر الله به، أو هو واجب، أو مستحب فهو غالط(1).
يقول الإمام ابن تيمية: "وأما نفس سؤال الناس فسؤالهم في الأصل محرم بالنصوص المحرمة له، وإنما يباح عند الضرورة"(2).
ولا شك أن ترك سؤال المخلوق اعتياضًا بسؤال الخالق أفضل مطلقًا(3).
ويزيد الإمام ابن تيمية الأمر إيضاحًا بقوله: "وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجبًا على السائل، ولا مستحبًا، بل المأمور به سؤال الله تعالى، والرغبة إليه، والتوكل عليه، وسؤال الخلق في الأصل محرم لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلًا على الله أفضل، قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)} [الشرح: 7، 8]؛ أي: ارغب إلى الله لا إلى غيره، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59)} [التوبة: 59]، لم يأمرهم أن يقولوا: إنا لله ورسوله راغبون؛ فالرغبة إلى الله وحده"(4).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "ومعلوم أن الرسل نهت عن دعاء غير الله بما لا يقدر عليه إلا الله، بل وفيما لا تدعو إليه حاجة ولا--------------------------------------------
(1) انظر: تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري (1/ 217 - 218).
(2) تلخيص كتاب الاستغاثة (1/ 401).
(3) انظر: تلخيص كتاب الاستغاثة (1/ 215).
(4) انظر: مجموع الفتاوى (1/ 181).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 812)
ضرورة من جنس المسألة"(1).
وقد لخص العلامة المعلمي حالات السؤال وأحكامه بعد أن ذكر جملة من الأدلة المتعلقة بالسؤال فقال رحمه الله: "وقد نظرت في وجوه السؤال فوجدته على أقسام:
القسم الأول: ما هو من باب سؤال الإنسان حقًا له عند المسؤول؛ كأن يكون لك دَيْن عند إنسان فتطلبه منه.
الثاني: ما جرت العادة بالتسامح به على نية المكافأة؛ كقول التلميذ لزميله: ناولني الكتاب.
الثالث: سؤال الإنسان ما ليس بحق له ولا جرت العادة بالتسامح به على نية المكافأة، وذلك كقول من يجد الكفاف من العيش لغني لا حق له عليه: أعطني دينارًا مثلًا، ومن هذا القسم سؤال الإنسان من ربه تعالى؛ لأنه لا حق له على ربه تعالى.
فأما الأول: فلا يسمى استعانة ولا يلزمه التذلل والخضوع، وأما الثاني: فإنه وإن سمي استعانة لكنه لا يلزمه التذلل والخضوع إلا أن فيه رائحة ما من ذلك. وأما الثالث: فهو الذي يلزمه التذلل والخضوع"(2).
ويبين الشيخ ابن عثيمين حالات سؤال ودعاء المخلوق بقوله: "ودعاء المخلوق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: جائز، وهو أن تدعو مخلوقًا بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة، فهذا ليس من دعاء العبادة، بل هو من الأمور الجائزة، قال صلى الله عليه وسلم: "وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْه""(3).--------------------------------------------
(1) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص 140).
(2) انظر: مخطوط (العبادة) للمعلمي، (لوحة: 507 - 508).
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب: من حق المسلم للمسلم رد السلام، (4/ 1705)، برقم (2162)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 813)
الثاني: أن تدعو مخلوقًا مطلقًا، سواء كان حيًّا أو ميتًا فيما لا يقدر عليه إلَّا الله، فهذا شرك أكبر لأنك جعلته ندًّا لله فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل: يا فلان! اجعل ما في بطن امرأتي ذكرًا.
الثالث: أن تدعو مخلوقًا ميتًا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة، فهذا شرك أكبر أيضًا لأنه لا يدعو من كان هذه حاله حتى يعتقد أن له تصرفًا خفيًا في الكون(1).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
بعض ما ظهر لي من أدلة مؤيدة لمعنى القاعدة:
أولًا: أن التوجه بالطلب والسؤال لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه فيه صرف لبعض صفات الربوبية لمن توجه إليه بالسؤال والطلب؛ من العلم المطلق، والبصر المطلق، والسمع المطلق، والقدرة المطلقة المساوية لقدرة الله تعالى، ولا شك أن هذا الاعتقاد من أعظم الشرك، وأقبح الكفر بالله العظيم.
يقول الرازي في "تفسيره" لقوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5)} [الأحقاف: 5]، والآيات التي بعدها: "اعلم أنه تعالى بيّن فيما سبق أن القول بعبادة الأصنام قول باطل من حيث إنها لا قدرة لها ألبتة على الخلق، والفعل، والإيجاد، والإعدام، والنفع، والضر، فأردفه بدليل آخر يدل على بطلان ذلك المذهب، وهي أنها جمادات فلا تسمع دعاء الداعين، ولا تعلم حاجات المحتاجين، وبالجملة فالدليل الأول كان إشارة إلى نفي العلم من كل الوجوه، وإذا انتفى العلم والقدرة من كل--------------------------------------------
(1) القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 159 - 160).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 814)
الوجوه لم تبق عبادة معلومة ببديهة العقل"(1).
ويقول الألوسي: "إن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك وأن لا يحوم حول حماه، وقد عده أناس من العلماء شركًا، وإن لا يكنه فهو قريب منه، ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء، ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم"(2).
والمراد من الدعاء كما قال غير واحد السؤال والطلب، وهو مخ العبادة؛ لأن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب، وأنه عاجز عن تحصيله، وعرف أن ربه تبارك وتعالى يسمع الدعاء، ويعلم الحاجة، وهو قادر على إيصالها إليه، ولا شك أن معرفة العبد نفسه بالعجز والنقص، ومعرفته ربه بالقدرة والكمال من أعظم العبادات"(3).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "جعله الدعاء والهتف ليسا نتيجة الاعتقاد، بل يصدران ممن اعتقاده منحصر في الله، وهو يدعو غيره، ويلتجئ إليه فيما لا يقدر عليه إلا الله وحده، ويهتف بذكره عند الشدائد وغيرها ليجلب له، أو يدفع عنه، وهو لا يعتقد فيه القدرة على شيء مما طلبه منه، هذا محال أن يطلب أحد غيره شيئًا، أو يدعوه منه، وهو يعلم ويعتقد أنه لا يقدر عليه، ولا يوصل مطلوبه ومقصوده إليه"(4).--------------------------------------------
(1) التفسير الكبير للرازي (28/ 6).
(2) روح المعاني للألوسي (6/ 128).
(3) روح المعاني (8/ 139).
(4) التوضيح عن توحيد الخلاق، للشيخ سليمان (ص 177 - 178).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 815)
ويقول الشيخ ابن عثيمين: "فمن دعا غير الله عز وجل بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيًّا أو ميتًا، ومن دعا حيًا بما يقدر عليه مثل أن يقول: يا فلان أطعمني، يا فلان أسقني فلا شيء فيه، ومن دعا ميتًا أو غائبًا بمثل هذا فإنه مشرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفًا في الكون فيكون بذلك مشركًا"(1).
ثانيًا: أن السؤال والطلب في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله عبادة عظيمة، يحبها سبحانه وتعالى، ولذا أمر بها عباده، بل هي من خصائص ألوهيته سبحانه، ولا شك أن صرف هذا الحق، وتلك العبادة لغيره سبحانه لون من ألوان الإشراك بالله العظيم.
"يدل على ذلك ما جاء في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدعاء هو العبادة" وقال ربكم ادعوني أستجب لكم … "(2).
" وكما سبق تقريره فإن أحد نوعي الدعاء هو السؤال والطلب، فثبت بذلك أن السؤال والطلب عبادة لله تعالى؛ وإنما كان عبادة لما فيه من إظهار الافتقار والخضوع والضراعة إلى الله تعالى(3).
يقول الإمام ابن رجب: "فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة"(4).--------------------------------------------
(1) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (6/ 51 - 52).
(2) أخرجه أحمد في مسنده (4/ 267)، برقم (18378)، وأبو داود في سننه، باب: الدعاء (2/ 76)، برقم (1479)، والترمذي في سننه (5/ 211)، برقم (2969)، وقال عقبه: "قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح". وانظر أيضًا: (5/ 374)، و (5/ 456)، وقال الحافظ ابن حجر: "أخرجه أصحاب السُّنن بسند جيد". [فتح الباري (1/ 49)].
(3) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي (4/ 8).
(4) جامع العلوم والحكم (ص 191)، وانظر: روح المعاني (8/ 139).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 816)
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لا يسأل الله يغضب عليه"(1).
وهذا الحديث يدل على محبة الله تعالى لسؤال عبده له ورضاه عن ذلك؛ إذ معنى الحديث أن من يسأل الله تعالى ويدعوه يرضى عنه ولا يغضب عليه.
يقول الإمام ابن تيمية: "وهو سبحانه لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، بل يحب من يدعوه ويتضرع إليه، ويبغض من لا يدعوه"(2).
ولذا قال الناظم:
الله يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسأل يغضب
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ مبينًا معنى الحديث: "مفهومه أن من سأله رضي عليه، وهل هذا الرضا وهذا الغضب إلَّا لحصول عبادة يحبها ويرضاها، أو لفقدها الموجب لغضبه وسخطه، فإذا صرف ذلك لغير الله في الأمور العامة الكلية التي مصدرها عن قدرة كاملة ليست في قوى البشر، وليست من جنس الأسباب العادية، فهذا عين الشرك"(3).--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو يعلى في مسنده (12/ 10)، برقم (6655)، وأخرجه الترمذي (5/ 456)، (3373)، وابن ماجة (2/ 1258)، رقم (3827)، وأحمد (2/ 442، 443)، والبخاري في الأدب المفرد (658)، والطبراني في الدعاء (2/ 796)، رقم (23)، وفي الأوسط (3/ 216)، رقم (2452)، كلهم من طريق أبي المليح صبيح عن أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة به، وبعضهم ذكر لفظ الحديث: "من لم يدع الله يغضب عليه"، والحديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه. قال الحافظ في الفتح: (11/ 95): "وهذا الخوزي مختلف فيه ضعفه ابن معين وقواه أبو زرعة"، وقال ابن كثير عقب ذكره لرواية الإمام أحمد: (4/ 86): "وهذا إسناد لا بأس به". وقد حسن الحديث الألباني. [انظر: صحيح الأدب المفرد (ص 246)، برقم: (252/ 512/ 675)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (6/ 323)، برقم (2654)].
(2) مجموع الفتاوى (35/ 370).
(3) مصباح الظلام، للشيخ عبد اللطيف (ص 313).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 817)
وقال أيضًا: "وسيأتيك أن الدعاء والنداء بما لا يقدر عليه إلا الله داخل في مسمى العبادة فتنبه"(1).
ولذا جاء الأمر الشرعي بسؤال الله ودعائه وحده دون ما سواه، فقال سبحانه: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32].
وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله)(2).
يقول الصنعاني: "وقوله: (فاسأل الله) أمر بإفراد الله عز وجل بالسؤال، وإنزال الحاجات به وحده، … وإفراد الله بطلب الحاجات دون خلقه يدل له العقل والسمع؛ فإن السؤال بذل لماء الوجه، وذل لا يصلح إلا لله تعالى؛ لأنه القادر على كل شيء، الغني مطلقًا، والعباد بخلاف هذا"(3).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بعد أن ذكر جملة من الأدلة على أن السؤال والطلب عبادة لله تعالى -فقال-: "وأمثال هذا في الكتاب والسُّنَّة أكثر من أن يحصر في الدعاء الذي هو السؤال والطلب، فمن جحد كون السؤال والطلب عبادة فقد صادم النصوص، وخالف اللغة واستعمال الأمة سلفًا وخلفًا"(4).
ووجه كون السؤال والطلب فيما لا يقدر عليه إلا الله عبادة هو أن السائل اعتقد في المسؤول التأثير بقوة غيبية، حيث طلب منه ما هو فوق طاقة البشر؛ ولأجل هذا طلب منه جلب نفع أو دفع ضر، فاعتقد فيه خاصية من خصائص الربوبية من التأثير الغيبي، والقدرة المطلقة، والسمع في حال القرب والبعد(5).--------------------------------------------
(1) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص 75).
(2) تقدم تخريجه في أول القاعدة.
(3) سبل السلام (4/ 176).
(4) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص 136).
(5) انظر: الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية (2/ 494).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 818)
ثالثًا: أن السؤال والطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله يستلزم الوقوع في أنواع أخرى من الذل، والخضوع، والافتقار إلى غيره سبحانه، إضافة إلى الرجاء والرغبة الملازمة لمثل هذه الأحوال، وخوفه من عدم الاستجابة له، ولا شك أن صرف مثل هذه الأمور لغير الله هو من أعظم الشرك وأشنع الكفر؛ لأنها من أعظم العبادات القلبية.
يقول الشيخ سليمان آل الشيخ في شأن السؤال من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله: "ولأن من خصائص الإلهية إفراد الله بسؤال ذلك، إذ معنى الإله هو الذي يعبد لأجل هذه الأمور، ولأن الداعي إنما يدعو إلهه عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك هو خلاصة التوحيد، وهو انقطاع الأمل مما سوى الله، فمن صرف شيئًا من ذلك لغير الله فقد ساوى بينه وبين الله، وذلك هو الشرك، ولهذا يقول المشركون لآلهتهم وهم في الجحيم: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98)} [الشعراء: 97، 98] "(1).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "يوضح هذا: أن ما لا يقدر عليه إلا الله من الأمور العامة الكلية لهداية القلوب، ومغفرة الذنوب، والنصر على الأعداء، وطلب الرزق من غير جهة معينة، والفوز بالجنة، والإنقاذ من النار، ونحو ذلك غاية في القصد والإرادة، فسؤاله وطلبه غاية في السؤال والطلب، وفي ذلك من الذل، وإظهار الفاقة، والعبودية ما لا ينبغي أن يكون لمخلوق، أو يقصد به غير الله، وهذا أحد الوجوه في الفرق بين دعاء المخلوق فيما يقدر عليه من الأسباب العادية الجزئية، وبين ما تقدم، مع أن سؤال المخلوق قد يحرم مطلقًا"(2).--------------------------------------------
(1) تيسير العزيز الحميد (ص 193).
(2) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص 116).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 819)
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد أوضح أهل العلم معنى القاعدة، وبينوا أنواع السؤال، كما سبق بيانه، وفيما يأتي أذكر بعض أقوالهم في تقرير معنى القاعدة:
يقول الإمام ابن تيمية: "وتفصيل القول أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين والبهائم، أو وفاء دينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله، وما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه، وغفران ذنبه، أو دخوله الجنة، أو نجاته من النار، أو أن يتعلم العلم والقرآن، أو أن يصلح قلبه، ويحسن خلقه، ويزكي نفسه، وأمثال ذلك، فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول لملك، ولا نبي، ولا شيخ، سواء كان حيًّا أو ميتًا: اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشف مريضي، ولا عافني، أو عاف أهلي، أو دابتي، وما أشبه ذلك، ومن سأل ذلك مخلوقًا كائنًا من كان فهو مشرك بربه، من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه"(1).
ويقول رحمه الله أيضًا في تقسيمه لحالات السؤال والطلب من أهل القبور: "وأما من يأتي إلى قبر نبي، أو صالح، أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي، أو رجل صالح وليس كذلك، ويسأله، ويستنجده، فهذا على ثلاث درجات:
إحداها: أن يسأله حاجته؛ مثل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (27/ 67 - 68).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 820)
دوابه، أو يقضي دينه، أو ينتقم له من عدوه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابه، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، فهذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل"(1).
ويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: "فمن دعا غير الله طالبًا منه ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب نفع، أو دفع ضر فقد أشرك في عبادة الله"(2).
ويذكر الشيخ سليمان آل الشيخ جملة من الأمور الشركية، ومن ضمنها دعاء غيره سبحانه فيقول: "ومنها الدعاء فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ سواء كان طلبًا للشفاعة، أو غيرها من المطالب، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)} [فاطر: 13، 14] "(3).
ويقول أيضًا مقررًا لحكم القاعدة: "أن دعاء الميت، والغائب، والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله، والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر، بل هو أكبر أنواع الشرك؛ لأن الدعاء مخ العبادة"(4).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "وسؤال العباد والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، ولو قال: يا ولي الله اشفع لي فإن نفس السؤال محرم، وطلب الشفاعة منهم يشبه قول النصارى: يا والدة الله اشفعي لنا إلى الابن والإله"(5).--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه (27/ 72).
(2) درر السنية في الأجوبة النجدية (2/ 19).
(3) تيسير العزيز الحميد (ص 32).
(4) المصدر نفسه (ص 193)، وانظر: (ص 171)، و (ص 195).
(5) البراهين الإسلامية في رد الشبهة الفارسية، للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص 116).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 821)
ويقول أيضًا: "ويقال: كتاب الله، وسُنّة رسوله، وأقوال أهل العلم صريحة متوافرة متظاهرة على تكفير من دعا غير الله، وناداه بما لا يقدر عليه إلا الله"(1).
وجاء فيما أفتى به علماء مكة ونجد فيما اتفقوا عليه من مسائل التوحيد: "وأنَّ أعتقادَ أنَّ لشيءٍ من الأشياءِ سُلطانًا على ما خرجَ من قدرةِ المخلوقينَ شركٌ أكبر. وأنَّ من عظَمَ غيرَ اللهِ مستعينًا به فيما لا يقدرُ عليه إلَّا الله، كالاستنصارِ في الحربِ بغير قوَّة الجيوشِ، والاستشفاءِ من الأمراضِ بغير الأدويةِ التي هَدانا اللهُ لها، والاستغاثةِ على السَّعادةِ الأُخروِيَّةِ أو الدُّنْيَويّةِ بغير الطُّرقِ والسُّنَنِ التي شَرَعَها اللهُ لَنا يُكونُ شِركًا أكبر"(2).
ويقول الشيخ السهسواني: "أقول: إنما نكفر بالنداء الحقيقي الذي يطلب فيه من الأموات والجمادات ما لا يقدر عليه إلا الله"(3).
ويقول رحمه الله أيضًا: "مراد المانعين للنداء ليس مطلق النداء، بل النداء الحقيقي الذي يقصد به من المنادَى ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب النفع وكشف الضر، ولا مرية في أنه عبادة، وكونه عبادة وممنوعًا--------------------------------------------
(1) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص 39).
(2) انظر: البيان بعنوان: (نداء عام من علماء بلد الله الحرام)، وقد نشر هذا الخطاب في جريدة (أم القرى) العدد الثامن والثلاثين عام (1344 هـ)، ثم أصدرته الجريدة في كتاب بعنوان: (البيان فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد) في 4/ 3 / 1344 هـ، وقد ضُمَّ إلى النداء خطاب رئيس القضاء الشيخ ابن بُلَيْهِد، ثم نشرته رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عام (1398 هـ) وضمَّت إليه بيانًا من علماء مكة في ذكر بعض المسائل العقدية المتفق عليها بينهم، ثم نشره محققًا له: محمد بن عبد العزيز الأحمد، عام (1410 هـ)، نشرته دار الوطن بالرياض، [وانظر: مشاهير علماء نجد وغيرهم، للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ (ص 36)، والدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 224)].
(3) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص 399).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 822)
لا يقتضي كون كل نداء ممنوعًا، حتى يلزم منه عدم جواز نداء الأحياء فيما يقدرون عليه"(1).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي مقررًا لمعنى القاعدة: "وسؤاله إياه(2) تلك الحاجة؛ من جلب خير، أو دفع ضر، أو رد غائب، أو شفاء مريض، أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله، معتقدًا أنه قادر على ذلك، هذا شرك في الربوبية؛ حيث اعتقد أنه متصرف مع الله تعالى في ملكوته"(3).
ويقول الشيخ السعدي: "فالاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك"(4).
ويربط الإمام ابن باز بين السؤال من غير الله ما لا يقدر عليه إلا هو، وبين اعتقاد علم الغيب وغيره من صفات الربوبية فيقول: "أما أن تطلب من الميت، أو الغائب، أو الجماد كالأصنام شفاء مريض، أو النصر على الأعداء، أو نحو ذلك، فهذا من الشرك الأكبر، وهكذا طلبك من الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى يعتبر شركًا به سبحانه وتعالى؛ لأن دعاء الغائب بدون الآلات الحسية معناه اعتقاد أنه يعلم الغيب، أو أنه يسمع دعاءك وإن بعد، وهذا اعتقاد باطل يوجب كفر من اعتقده، يقول الله جل وعلا: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]، أو تعتقد أن له سرًا يتصرف به في الكون، فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، كما يعتقده بعض الجهلة في بعض من يسمونهم بالأولياء، وهذا شرك في الربوبية أعظم من شرك عباد الأوثان"(5).--------------------------------------------
(1) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص 367).
(2) المقصود سؤال غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه.
(3) معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي (2/ 475)، وانظر: (2/ 523).
(4) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص 47)، وانظر: القواعد الحسان في تفسير القرآن، قاعدة رقم (51).
(5) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (13/ 330)، وانظر: (5/ 332).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 823)
وأجاب الشيخ ابن عثيمين عن سؤال فيمن يدعي الولاية مع دعائه لغير الله سبحانه وتعالى، فقال رحمه الله: "فأي إنسان يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله بما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل فإنه مشرك كافر، وليس بولي لله ولو ادعى ذلك، بل دعواه أنه ولي مع عدم توحيده وإيمانه وتقواه دعوى كاذبة تنافي الولاية"(1).
ويقول الشيخ صالح الفوزان: "فكل ما لا يقدر عليه إلَّا الله فإنه لا يُطلب إلَّا من الله، فإن طُلب من غيره كان ذلك شركًا"(2).
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
فيما يأتي بعض ما ظهر لي من فوائد القاعدة:
أولًا: تضمنت القاعدة ذكر الضابط في كون السؤال والطلب شركًا أكبر مخرجًا من ملة الإسلام، وهو السؤال والطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، هذا هو المشهور في كلام أهل العلم ولا إشكال فيه، لكن بعض أهل العلم عبَّر عن ضابط الشرك في القاعدة بأنه: دعاء المخلوق وسؤاله ما لا يقدر عليه ذلك المخلوق المعين(3).
ولا شك أن هذا الضابط صحيح في الجملة ولكنه غير دقيق، إذ من الممكن أن يدعو ويسأل أحدٌ مخلوقًا حيًّا شيئًا وهو يظن قدرته على تحقيقه وإجابة طلبه، ولكنه في واقع الحال لا يستطيع فعل شيء من ذلك المطلوب، فلا يكون من سأله ودعاه والحالة هذه واقعًا في الشرك الأكبر؛ وذلك لكون هذا الفعل مقدورًا عليه في غالب طبع البشر، وذلك--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى والرسائل، للشيخ العثيمين (2/ 167).
(2) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (1/ 186).
(3) انظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص 178).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 824)
كمن استغاث بأصم وناداه كي يغيثه من الغرق أو الحرق مثلًا فلم يسمعه ولم يغثه، فليس في مقدوره سماعه ولا إغاثته، وكمن سأل من يسمعه وطلب منه إغاثته من الغرق، والمسؤول لا يحسن السباحة، فهو غير قادر على تحقيق ما طلب منه، فكل ذلك لا يعتبر فيه السائل والطالب واقعًا في الشرك؛ لأن جنس هذه الأمور مما يستطيعه البشر، وإن كان هذا المسؤول المعين لا يقدر عليه.
وعليه فالضابط الأول هو الأدق والأولى؛ وذلك أن ما لا يقدر عليه إلا الله مطلقًا هذا لا يمكن أن يفعله مخلوق بحال، في أي زمان، ولا أي مكان، وسيأتي فيما بعد التفريق بين حال الأحياء وحال الأموات بالنسبة للسؤال والطلب.
يقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله- مبينًا الفرق بين الضابطين في مسألة الاستغاثة: "أما قول من قال من أهل العلم: إن الاستغاثة شرك أكبر إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه، فإن هذا يَرِدُ عليه أن ثَمَّة أشياء قد يكون المخلوق في ظاهر الأمر قادرًا عليها، ولكنه فى الحقيقة لا يقدر عليها، لكن هذا الضابط غير منضبط؛ لأن من وقع في شدة كغرقٍ -مثلًا- وتوجّه لرجل يراه بأن يغيثه فقال مخاطبًا إياه: أستغيث بك، أستغيث بك، أستغيث بك، وذاك لا يحسن السباحة، ولا يحسن الإنجاء من الغرق، فهذا يكون قد استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق، فهل يكون شركًا أكبر؟! لا يكون منه؛ لأن الإغاثة من الغرق ونحوه يصلح -في الغالب- أن يكون المخلوق قادرًا عليها، فيكون الضابط الثاني هو الصحيح، وهو أن يقال: الاستغاثة بغير الله شرك أكبر إذا كان قد استغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، أما إذا استغاث به فيما يقدر عليه غير الله من المخلوقين، لكن هذا المخلوق المعين لم يقدر على هذا الشيء المعين، فإنَّه لا يكون شركًا أكبر؛ لأنه ما اعتقد في المخلوق شيئًا لا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 825)
يصلح إلا لله جل جلاله"(1).
ثانيًا: حرمة التوجه بالدعاء والسؤال للأموات في قبورهم؛ لأنَّهم لا يقدرون على قضاء الحاجات، وكشف الملمات، وتفريج الكربات، حتى ما كانوا يستطيعونه في الدنيا هم الآن عاجزون عنه شرعًا وعقلًا، وليس في مقدورهم، بل حتى رسولنا صلى الله عليه وسلم مع ما له من المكانة العظيمة العالية عند ربه سبحانه وتعالى، وأنه سيد ولد آدم، وصاحب المقام المحمود، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، وما أعطاه الله عز وجل من العطايا الجزيلة في الدنيا والآخرة، وكونه حيًّا في قبره حياة برزخية هي أفضل من حياة الشهداء، فمع كل هذه الفضائل والمنن فلا يجو دعاؤه ولا سؤاله ما لا يقدر عليه إلا الله من أمور الدنيا والآخرة، وحتى ما كان يستطيعه في الدنيا فلا يطلب منه بعد موته.
يقول الإمام ابن تيمية: "وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا أحياء في قبورهم، وإن قُدِّرَ أنهم يدعون للأحياء، وإن وردت به آثار فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك، ولم يفعل ذلك أحد من السلف؛ لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم، وعبادتهم من دون الله تعالى، بخلاف الطلب من أحدهم في حياته فإنَّه لا يفضي إلى الشرك؛ ولأن ما تفعله الملائكة، ويفعله الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالأمر الكوني فلا يؤثر فيه سؤال السائلين، بخلاف سؤال أحدهم في حياته، فإنَّه يشرع إجابة السائل، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم"(2).
ويقول الإمام الشوكاني: "وكذلك من صار يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه؛ فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء، والصالحين، وجميع المخلوقين، ورزقهم،--------------------------------------------
(1) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص 179).
(2) مجموع الفتاوى (1/ 330 - 331).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 826)