وأحياهم، ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء، أو ملك من الملائكة، أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه، غير قادر عليه، ويترك الطلب لرب الأرباب، القادر على كل شيء، الخالق، الرازق، المعطي، المانع، وحسبك بما في هذه الآية موعظة؛ فإن هذا سيد ولد آدم، وخاتم الرسل، يأمره الله بأن يقول لعباده: لا أملك لنفسي ضرًّا ولا نفعًا، فكيف يملكه لغيره، وكيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه فضلًا عن أن يملكه لغيره"(1).
فلا يوجد أي فرق بين سؤال الحي ما لا يستطيعه وبين التوجه بنفس السؤال للميت؛ وذلك لأن الميت انقطع عن الحياة فصار لا يستطيع فعل ما كان يفعله وهو حي يرزق من السعي والحركة؛ وعليه يكون سؤاله والطلب منه في هذه الحال من الشرك الأكبر.
يقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ مبينًا ذلك: "فإن الأسباب العاديَّة التي يستطيعها الإنسان في حياته تنقطع بموته، كما دلَّ عليه الحديث(2)، وبذلك تصير ملحقة في الحكم والشرع بما لا يستطيعه في حياته؛ كهداية القلوب، وشفاء المريض، وإنبات النبات، وطلب الذرية؛ فلا فرق بين قول الرجل للمسيح بعد رفعه: أعطني كذا وكذا من القوت ونحوه، وقوله: اهدِ قلبي، اغفر ذنبي، وقد تقدَّم أن قول النصارى: (يا والدة المسيح اشفعي لنا عند الإله) شرك بإجماع المسلمين؛ ولو طلب منها في حياته أن تشفع بالدعاء والاستغفار، كما كان يفعله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه لم يمنع من ذلك"(3).
ويقول الشيخ ابن سحمان: "لا يجوز لأحد أن يعتقد أن الأحياء--------------------------------------------
(1) انظر: فتح القدير (2/ 449 - 450)، (3/ 59).
(2) المقصود حديث: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة".
(3) مصباح الظلام (ص 390).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 827)
يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله، فإن اعتقاد ذلك شرك، وإذا كان الأحياء لا يقدرون على شيء من ذلك، فالأموات بطريق الأولى، وإنما يجوز من الحي طلب الدعاء منه، والاستغفار، والتوسل بدعائه وشفاعته، إذ هو قادر على ذلك، وأما الميت فقد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا لمن استغاث به، أو دعاه، أو سأله أن يشفع له، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"(1)، وهذا يدل على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان، فدل ذلك على أنه ليس للميت تصرف في ذاته، فضلًا عن غيره، فإنما عجز عن حركة نفسه، فكيف يتصرف في غيره؟.
وأما الأحياء القادرون على الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية، في قتال، أو إدراك عدو، أو دفع سبع صائل، وغيره، فهذا لا مانع منه، وهذا ليس في قدرة الأموات: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر: 22]، ومن سوَّى بينهما فقد جمع بين ما فرق الله بينه، وكفى بذلك عتوًّا وعنادًا"(2).
ثالثًا: حرمة سؤال الهداية من غيره سبحانه وتعالى؛ أي: هداية التوفيق، أما هداية البيان فهي في مقدور البشر من الأنبياء وأهل العلم، فهم يهدون الناس بعلومهم ومعارفهم بما يبلغونهم من العلم والهدى، ومن الكتاب العظيم والسُّنَّة المطهرة، أما هداية القلوب بجعل الهدى والنور فيها، وإخراج الزيغ والضلال منها، فهذا لا يستطيعه إلا الله وحده.
وعليه فمن اعتقد في مخلوق القدرة على إيجاد الهداية في قلوب الخلق، أو سألها من غيره سبحانه معتقدًا قدرته على ذلك فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج عن ملة الإسلام.--------------------------------------------
(1) سيأتي تخريجه: انظر: (ص 856).
(2) الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق، لابن سحمان (ص 555 - 556).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 828)
ولا شك أن هداية البيان والإيضاح هي من أعظم الطرق والذرائع للوصول إلى هداية التوفيق والاستقامة على الهدى، والبعد عن الضلال، وعليه يمكن القول بأن الأنبياء والرسل وأهل العلم هم السبب الموصل إلى هداية التوفيق والإيمان، أما نفس خلق التوفيق والهدى في القلوب فلا يقدر عليه حتى الأنبياء والرسل فضلًا عن غيرهم من أهل العلم والصلاة.
يقول الإمام ابن تيمية: "وأما جعل الهدى في قلوب العباد فهو إلى الله تعالى لا إلى الرسول كما قال الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56]، وقال تعالى: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [النحل: 37] "(1).
ويقول رحمه الله أيضًا: "وأما حصول الهدى في القلب فهذا لا يقدر عليه أحد باتفاق المسلمين؛ سنيهم وقدريهم؛ لأن أحدًا لا يستطيع أن يهدي القلوب، ويخلق الهدى فيها غير الله. أما أهل السُّنَّة فيقولون: إن الاهتداء الذي في القلب لا يقدر عليه إلا الله، ولكن العبد يقدر على أسبابه، وهو المطلوب منه"(2).
رابعًا: سؤال أهل العلم رحمهم الله لا يدخل في السؤال المحرم الممنوع، بل قد يكون سؤالهم فرض واجب وحتم لازم لا محيص عنه، وقد أمر الله تبارك وتعالى به في قوله سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)} [النحل: 43]، فسؤال العلماء فيما افترضه الله تعالى من الواجبات، وما نهى عنه من المحرمات من أوجب الأمور؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبيان ذلك:
أن سؤال أهل العلم ليس فيه خضوع أو ذلة للمسؤول، بل فيه--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (1/ 308).
(2) تلخيص كتاب الاستغاثة (1/ 436)، وانظر: مجموع الفتاوى (1/ 329).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 829)
تعظيم أهل العلم التعظيم الجائز، والتبجيل الذي يستحقونه، ورفعًا لهم في مكانتهم التي أنزلهم الله إياها.
يقول الإمام المعلمي اليماني: "وقد يكون السؤال من القسم الأول ولكنه يصحبه تذلل ما فيما يظهر، وذلك كسؤال الناس أنبياءهم عن أمور دينهم، وكذلك سؤال العامة علماءهم عن أمور الدين، وكذلك سؤال المحتاج العاجز حاجته من الغني.
والحق أن السؤال من الأنبياء والعلماء إنما يصحبه الإكرام والاحترام الذي أمر الله عز وجل به، وأما سؤال المحتاج العاجز فإنما يصحبه التذلل لجهل الأغنياء بما عليهم من الحقوق"(1).
ثم إن سؤال أهل العلم عن أمور الدين ليس هو مما يبغضونه ولا يحبونه، ثم إن سؤالهم العلم لا ينقص منهم شيئًا، بل هم في ازدياد مستمر، ورفعة دائمة في الدنيا والآخرة.
يقول الإمام ابن تيمية: "فأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم فليس من هذا الباب؛ لأن المخبر لا ينقص الجواب من علمه، بل يزداد بالجواب، والسائل محتاج إلى ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: "هَلَّا سَألوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّما شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤالُ"(2)، ولكن من المسائل ما ينهى عنه كما قال تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} [المائدة: 101] الآية، وكنهيه عن أغلوطات--------------------------------------------
(1) مخطوط العبادة، مصورة مكتبة الجامعة الإسلامية (لوحة/ 508).
(2) أخرجه أبو داود في سننه (1/ 93)، برقم (337)، والدارمي في سننه، باب: المجروح تصيبه الجنابة (1/ 210)، برقم (752)، عن ابن عباس رضي الله عنهما وحسنه الشيخ الألباني. انظر: صحيح الجامع، (2/ 804)، برقم (4362)، وانظر: صحيح سنن أبي داود (2/ 161)، حديث رقم (365)، وللحديث شاهد آخر عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43]، ونص بعض أهل العلم كالبيهقي وصوبه الدارقطني: أنه موقوف. وتعقبه الشيخ الألباني بقوله: "ولكنه في حكم المرفوع لأنه في التفسير، ولا سيما من ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما". [انظر: صحيح سنن أبي داود (2/ 164)].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 830)
المسائل ونحو ذلك"(1).
ويقول الإمام ابن القيم: "وكذلك سؤال الناس هو عيب ونقص في الرجل، وذلة تنافي المروءة إلا في العلم، فإنه عين كماله ومروءته وعزه، كما قال بعض أهل العلم: خير خصال الرجل السؤال عن العلم. وقيل: إذا جلست إلى عالم فسل تفقهًا لا تعنتًا"(2).
ويلحق بسؤال أهل العلم السؤال من السلطان الحاكم، فإن سؤاله شيئًا من أمور الدنيا جائز إذا كان للسائل حق في بيت مالك المسلمين، أما إذا لم يكن له حق لم يجز لما يترتب على سؤاله من الخضوع والتذلل له.
يقول الإمام ابن حزم: "وأما السلطان فليس يُسْأَل من ماله شيء، إنما بيده أموال المسلمين، فلا حرج على المسلم أن يسأله من أموال المسلمين الذين هو أحدهم"(3).
ويقول الشيخ المعلمي في معرض تقسيمه لأحوال السؤال: "ومن القسم الأول ما أبيح من سؤال السلطان؛ فالمراد إباحة أن يسأله من كان له حق في بيت المال، فأما من لم يكن له حق أصلًا فسؤاله من السلطان كسؤاله من غيره"(4).
خامسًا: طلب الإعانة والاستغاثة المقيدة جائزة من غير الله فيما يقدر عليه ذلك الغير، وأما الإعانة المطلقة والإغاثة المطلقة بمعنى خلق المعين والمغيث فهذا لا يقدر عليه إلا الرب سبحانه وتعالى، وإنما غاية المخلوق أن يكون سببًا في الإعانة والإغاثة.
يقول الإمام ابن تيمية: "فمن فهم معنى قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} [الفاتحة: 5]، عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (1/ 78 - 79).
(2) مفتاح دار السعادة (1/ 168).
(3) المحلى، لابن حزم (9/ 159).
(4) مخطوط "العبادة"، (لوحة/ 509).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 831)
إلا الله وحده، وأنه يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستغاثة لا تكون إلا بالله، والتوكل لا يكون إلا عليه: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 126]، فالنصر المطلق وهو خلق ما يغلب به العدو لا يقدر عليه إلا الله"(1).
سادسًا: ومن فروع القاعدة أن من سأل الطبيب البرء من مرضه معتقدًا قدرته على ذلك كان واقعًا في الشرك بالله العظيم؛ لأنه سأله شيئًا لا يقدر عليه إلا الله، أما البرء والشفاء فهو من عند الله سبحانه وتعالى، ولكن الله قد شرع له أسبابًا، ومنها الطبيب المعالج، والدواء الناجع، فالأطباء أسباب، ويوصلون بقدرة الله إلى أسباب من وصف الأدوية المناسبة للداء، أما حقيقة خلق البرء، وإيجاد الشفاء فهو بيد الله تعالى.
يقول ابن حزم: "مسألة ولا تجوز مشارطة الطبيب على البرء أصلًا؛ لأنه بيد الله تعالى لا بيد أحد، وإنما الطبيب معالج، ومقو للطبيعة بما يقابل الداء، ولا يعرف كمية قوة الدواء من كمية قوة الداء، فالبرء لا يقدر عليه إلا الله تعالى … فإن أعطي شيئًا عند البرء بغير شرط فحلال؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ ما أعطي المرء من غير مسألة"(2).
سابعًا: طلب الدعاء ممن يظن فيه الخير والصلاح جائز ولا دخل في سؤال المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؛ لأنه لم يطلب منه سوى الدعاء وهذا شيء يستطيعه ويقدر عليه، وأما تحقيق مطلوب السائل واستجابة الدعاء فهذه إلى الله تعالى.
يقول الإمام ابن تيمية: "وَذَلِكَ أَنَّ الْمَخْلوقَ يَطْلُبُ مِنْ الْمَخْلُوقِ مَا يَقْدِرُ المَخْلُوقُ عَلَيْهِ، والْمَخْلُوقُ قَادِرٌ عَلَى دُعَاءِ اللهِ وَمَسْأَلَتِهِ، فَلِهَذَا كَانَ طَلَبُ الدُّعَاءِ جَائِزًا كَمَا يَطْلُبُ مِنْهُ الْإعَانَةَ بمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَالْأَفْعَالَ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْهَا. فَأَمَّا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَبَ إِلَّا--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (1/ 375).
(2) المحلى، لابن حزم (8/ 196).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 832)
مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ لَا يُطْلَبُ ذَلِكَ لَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَلَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ"(1).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "وهذا من جنس الأسباب العادية، فإن الرجل إذا كان معروفًا بالصلاح، وإجابة الدعاء، فطلب منه الدعاء، أو أمر به، فدعا الله واستجيب له، لا يكون هو الفاعل للاستجابة، وليس المطلوب منه ما يختص بالله من الفعل، وإنما يطلب منه ما يختص به من الدعاء والتضرع"(2).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (1/ 329).
(2) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص 49).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 833)
المبحث الخامس
قاعدة الاعتقاد في الأسباب بذاتها شرك في الربوبية والألوهية
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة
معنى الأسباب:
الأسباب: جمع سبب، وهو الحبل، ويقال للطريق الموصل إلى الشيء سبب؛ لأنك بسلوكه تصل الموضع الذي تريده، ومنه قيل للباب سبب، وكل شيء يتوصل به إلى شيء يسمى سببًا؛ وذلك لإيصاله إلى المقصود. قال بعض أهل اللغة: السبب من الحبال القوي الطويل، ولا يدعى الحبل سببًا حتى يصعد به وينزل ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب، يقال: ما بيني وبين فلان سبب أي آصرة رحم أو عاطفة مودة، وقد سمى تعالى وِصَل الناس بينهم أسبابًا وهي التي يتسببون بها إلى قضاء حوائجهم بعضهم من بعض، قال تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166)} [البقرة: 166]؛ يعني: الواصلات التي كانت بينهم في الدنيا، وقال تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)} [الكهف: 85]؛ أي: طريقًا، وقال تعالى مخبرًا عن فرعون: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 834)
السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} [غافر: 36، 37]، وأسباب السموات: أبوابها؛ لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها، وقال زهير بن أبي سلمى:
ومَنْ هابَ أسبابَ الْمَنِيَّةِ يَلْقَهَا … ولو رامَ أسبابَ السَّماء بسُلَّمِ(1)
والمودة بين القوم تسمى سببًا؛ لأنهم بها يتواصلون وبالجملة فسمى الله سبحانه ذلك أسبابًا؛ لأنَّها كانت يتوصل بها إلى مسبباتها(2).
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
لقد بيَّنت القاعدة إحدى القضايا المتعلقة بالأسباب، وهي مسألة الاعتقاد في الأسباب، وكونها مؤثرة في المُسَبَّبات بذاتها بدون قدرة الله تعالى ومشيئته، أو مع المشاركة لله تعالى في القدرة والتأثير، والقاعدة نصت على أن هذا الاعتقاد شرك بالله تعالى يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام، ويبطل الإيمان الذي في قلبه.
كما أشارت القاعدة إلى أن هذا الاعتقاد يعتبر شركًا في الربوبية لكونه اعتقد أن ثمة مشاركًا لله تعالى في الخلق والإيجاد والتأثير، وهذا شرك في أخص صفات الربوبية، كما أن اعتقاد تأثير الأسباب بذاتها شرك في الألوهية أيضًا؛ لما تقرر من أن الشرك في الربوبية مستلزم للشرك في الإلهية ولا بد، فمن اعتقد في تأثير الأسباب بذاتها، بقدرتها ومشيئتها الخاصة فلا بد أن يصرف لها شيئًا من العبادة القلبية من التوكل--------------------------------------------
(1) انظر: الحماسة المغربية، لأبي العبادس الجرواي (21/ 1216)، وجمهرة أشعار العرب، لأبي زيد القرشي (ص 94)، وخزانة الأدب وغاية الأرب، للحموي (1/ 422).
(2) انظر: المحكم والمحيط الأعظم (8/ 424)، ولسان العرب (1/ 458)، والتفسير الكبير (4/ 190 - 191)، ومشارق الأنوار (2/ 202)، وشفاء العليل (ص 190).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 835)
عليها التوكل الشركي، ومن تفويض الأمور إليها، وما يتبع ذلك من الخوف والمحبة والرجاء، وغير ذلك من العبادات القلبية.
ولزيادة التوضيح في معنى القاعدة لا بد من التقديم بمقدمة تبيّن أصل مسألة الأسباب، ومعرفة الموقف الشرعي منها، فيقال:
لا يخفى أن الله خلق هذا العالم، وجعل له سننًا كونية لا تتغير ولا تتبدل إلا أن يشاء الله تعالى ذلك، كما قال سبحانه: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30]، ومن تلك السُنن الكونية أن جعل لكل شيء سببًا، وربط بين المسببات والأسباب، وبين النتائج والمقدمات، إذ هو خالق الأسباب والمُسَبَّبَات، فهو خالق للسبب وجعله مؤثرًا ومنتجًا للمُسَبَّب، وإن كان السبب لوحده لا يوجب المُسَبَّب، بل لا بد أن يضم الله إليه أمورًا أخرى، وأن يدفع عنه آفات كثيرة، وأنه قد يخلق المسبب بدون السبب، إذ ليس في الكون ما يستقل بإحداث شيء إلا مشيئة الله تعالى وقدرته، فهو سبحانه وتعالى الوحيد الذي يستقل بإحداث الأشياء بخلق أسبابها، وقد يحدثها بغير أسباب سوى مشيئته سبحانه(1).
يقول الإمام ابن تيمية: "ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيء هو وحده علة تامة، وسبب تام للحوادث؛ بمعنى أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث، بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وأما الأسباب المخلوقة كالنار في الإحراق، والشمس في الإشراق، والطعام والشراب في الإشباع والإرواء، فجميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث به وحده، بل لا بد أن ينضم إليه سبب آخر، ومع هذا فلهما موانع تمنعهما عن الأثر، فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وانتفاء الموانع، وليس في المخلوقات واحد يصدر عنه--------------------------------------------
(1) انظر: جامع الرسائل (1/ 152).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 836)
وحده شيء"(1).
والأسباب التي جعلها الله تعالى منتجة لمسبَّباتها منها ما هي أسباب كونية، ومنها ما هي أسباب شرعية دلَّ الشرع الحكيم على كونها أسبابًا، وأمر بها؛ فمن أعظم الأسباب الشرعية الموصلة إلى رضوان الله وجنته الإيمان بالله تعالى وإفراده بالعبادة، وعدم الإشراك به، والتوكل عليه، والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، وطاعته، والإيمان بالقرآن وكونه كلامه منه بدأ وإليه يعود، فهذه أعظم الأسباب التي ينال بها العبد رحمة الله ومغفرته ورضوانه.
أما في الأمور الكونية فقد جعل الله جل وعلا بعض الأمور أسبابًا منتجة لمسبَّباتها، فمن ذلك أنه جعل الماء منبتًا للزرع، قال عز وجل: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9)} [ق: 9]، وجعل سبحانه الولد مسببًا عن النكاح بين الرجل والمرأة وحصول الوقاع بينهما فتحمل به بإذن الله. كما أنه سبحانه جعل الماء العذب سببًا كونيًا لإزالة العطش، بخلاف الماء المالح فلم يجعله سببًا كونيًا لإزالة العطش. وجعل النار سببًا للإحراق، وجعل في الماء خاصية إطفاء النار، وهكذا.
وخلقه سبحانه وتعالى للأسباب وتأثيراتها ونتائجها من المُسَبَّبات من أعظم النعم التي أنعم بها على بني الإنسان(2)؛ لتستقيم حياتهم، وأمرهم بمعالجة هذه الأسباب والعمل بها، سواء الكونية أو الشرعية للوصول إلى نتائجها ومسبباتها، مع الاعتماد التام على خالق السبب والمسبب وهو الرب تبارك وتعالى، فإنَّه هو الذي جعل هذه الأسباب تنتج المسبَّبات.
مع ملاحظة أنه يشترط في الأخذ بالأسباب الكونية أن تكون مشروعة، أما إذا كانت محرمة فلا يجوز تعاطيها وإن ثبتت سببيتها--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (8/ 133).
(2) انظر: شفاء العليل (ص 37).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 837)
وتأثيرها وإنتاجها للمسبب؛ وذلك كالتداوي بالمحرمات فإنه لا يجوز لمنع الشرع من ذلك وإن ثبت نفعه وتأثيره.
وخلاصة الأمر أن من الأسباب ما ينتج المسبَّب كونًا، ومنها ما لا ينتجه، فإذا كان ينتج المسبب كونًا وذلك حسب العادة والعرف، فينظر بعد ذلك في إباحته الشرعية، فإنْ أَباحته الشريعة فهو سبب شرعي وقدري، وإذا لم تبحه كان سببًا كونيًا، كالتداوي بالمحرمات، وليس بسبب شرعي فهذا النوع لا يجوز تعاطيه شرعًا.
وإذا كان السبب لا ينتج المسبب كونًا وقدرًا فمثله لا يأتي الإذن به شرعًا، فلا يجوز تعاطيه(1).
ومما ينبغي معرفته أن يعلم أن الأسباب لا تؤثر أصلًا بنفسها، وإنما تأثيرها بتقدير الله أن يرتب عليها مسبباتها، وأنها لا تنفع ولا تضر بذاتها، ولا تؤثر بنفسها، بل الأسباب ومسبباتها تحت مشيئة الله سبحانه، والله تعالى هو الذي أودع في الكون الأسباب والمسببات التي قام بها الخلق والأمر، وهو الذي خلق من الأسباب ما خلق به المسببات(2).
يقول الإمام ابن تيمية: "وأما إثبات الأسباب التي لا تستقل بالأثر، بل تفتقر إلى مشارك معاون، وانتفاء معارض مانع، وجعلها مخلوقة لله، فهذا هو الواقع الذي أخبر به القرآن، ودل عليه العيان والبرهان؛ فإن ذلك مما يبين أنه ليس في المخلوقات ما يستقل بمفعول من المفعولات"(3).--------------------------------------------
(1) وذلك كمن يعلق خيطًا لدفع العين مثلًا؛ إذ ليس في الخيط سببية دفع العين لا حسًّا ولا كونًا ولا أُذن في ذلك شرعًا؛ كمن يعلق التمائم التي هي طلاسم أو خرزات أو جلد فكل ذلك لا أثر له قدرًا وكونًا، وهو غير مأذون به شرعًا، بل هو من الشرك الأصغر.
(2) انظر: تفسير البيضاوي (1/ 373).
(3) درء التعارض (9/ 348)، وانظر: الصفدية (1/ 222)، وتلخيص كتاب الاستغاثة =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 838)
ويقول أيضًا: "فمعلوم أن السبب لا يستقل بالحكم، فمجرد نزول المطر ليس موجبًا للنبات، بل لا بد من أن يخلق الله أمورًا أخرى، ويدفع عنه الآفات المانعة فيربيه بالتراب والشمس والريح ويدفع عنه ما يفسده، فالنبات محتاج مع هذا السبب إلى فضل من الله أكبر منه"(1).
فالأسباب الكونية أو الشرعية مؤثرات، ولكن تأثيرها ناقص، لا يحصل المسبب بها وحدها، وإنما المؤثر التام هو إرادة الله الكونية القدرية، ومشيئته النافذة فإن المراد لا يتأخر عنهما أبدًا.
يقول الإمام الشاطبي: "إذ كان واجبًا على كل مؤمن أن يعتقد أن الأسباب غير فاعلة بأنفسها، وإنما الفاعل فيها مسببها سبحانه؛ لكن عادته في خلقه جارية بمقتضى العوائد المطردة، وقد يخرقها إذا شاء لمن شاء، فمن حيث كانت عادة اقتضت الدخول في الأسباب، ومن حيث كانت الأسباب فيها بيد خالق المسببات اقتضت أن للفاعل أن يفعل بها وبدونها"(2).
والقاعدة نصت على أن من اعتقد في فاعلية الأسباب وتأثيرها بذاتها بدون مشيئة الله وقدرته النافذة، كان مشركًا الشرك الأكبر السالب للإيمان بالكلية، وذلك كحال عباد الأصنام وعباد القبور الذين يعتقدون أنها تنفع وتضر استقلالًا، وهذا عام في جميع الأسباب سواء كانت كونية أو شرعية.
أما من تعاطى الأسباب بدون اعتقاد فيها، وأنها لا تؤثر بذاتها، ولكنه اعتمد عليها واطمأن لها بدون التفات إلى خالقها وخالق أثرها كان--------------------------------------------
= (1/ 426)، وشفاء العليل (ص 37)، ومنهاج التأسيس والتقديس، للشيخ عبد اللطيف (ص 205).
(1) جامع الرسائل، لابن تيمية (1/ 146).
(2) الموافقات (1/ 206 - 207).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 839)
واقعًا في الشرك الخفي وهو شرك أصغر لا يخرج عن ملة الإسلام.
وأما من تعاطى ما ليس سببًا كونيًا ولا شرعيًا واعتقده سببًا مع عدم الدليل على سببيته؛ لا كونًا ولا شرعًا ولا عرفًا كان واقعًا في الشرك الأصغر؛ لأنه شارك الرب تبارك وتعالى في الحكم لهذا الشيء بالسببية مع أن الله لم يجعله سببًا، وليست له سببية بحسب العادة والعرف(1).
وبفهم هذه المسألة العظيمة يصل المؤمن إلى التحقيق الكامل لتوحيد الله تعالى؛ فإن حقيقته أن ترى الأمور كلها من الله تعالى، رؤية تقطع الاعتماد على الأسباب، واعتقاد كونها مؤثرة بذاتها، وهذا المقام يثمر التوكل، وترك شكاية الخلق، وترك لومهم، والرضا عن الله تعالى، والتسليم لحكمه(2).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
لقد تظاهرت الأدلة الدالة على تقرير معنى القاعدة من الكتاب الكريم والسُّنَّة النبوية الصحيحة، وفيما يأتي أذكر ما ظهر لي منها:
أولًا: أن إثبات تأثير الأسباب وإنتاجها للمسببات بذاتها فيه إثبات القدرة والإيجاد والإبداع لها، ولا شك أن إثبات موجد مستقل بالتأثير معِ الله شرك في الربوبية؛ لأنه لا خالق إلا الله تبارك وتعالى، قال سبحانه وتعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف: 54]، فخص الخلق به سبحانه دون ما سواه.
فلا محدث، ولا خالق، ولا موجد إلا الله تعالى، فكل ما يدخل--------------------------------------------
(1) انظر: مجلة البحوث الإسلامية عدد (69)، (ص 118 - 119).
(2) انظر: تجريد التوحيد، المفيد للمقريزي (ص 18).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 840)
في الوجود من المخلوقات، ومن أفعال العباد، وأعمالهم الظاهرة والباطنة كلها إنما حصلت بإيجاد الله تعالى وإحداثه.
فهو سبحانه وحده المتفرد بالخلق والإيجاد، والإبداع والتصوير، وقد نص على هذا الدليل في أكثر من موضع كما في قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)} [الأنعام: 101] فنص على أنه خلق كل شيء بما في ذلك الأسباب ومسبباتها(1).
فكيف بعد ذلك يسند الإبداع والإيجاد، وهما من خواص الإلهية إلى أعجز شيء وأهونه وهو الأسباب، فالقرآن الكريم يرسخ هذا الدليل في آياته التي تبحث عن الخلق والإيجاد، ويقرر أن لا مؤثر إلا الله وحده، فالأسباب لا تأثير لها تأثيرًا حقيقيًا، وإنما هي أسباب مُدَبَّرَة ومُصَرَّفَة بخلق الله لها، وجعلها مؤثرة إذا شاء ذلك سبحانه وتعالى(2).
والحاصل أن هذا الأصل -أعني: اختصاصه سبحانه بالخلق والإبداع والتدبير والتصريف دون ما سواه- هو من أعظم أصول الإسلام وأجلها، والقاعدة العظمى التي تدور عليها جميع الأحكام، وجميع القرآن من أوله إلى آخره يدل على هذا الأصل ويقرره، وقد احتج به تعالى على وجوب عبادته وطاعته، وأنه الإله الحق دون ما سواه(3).
ثانيًا: حديث زيْدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِّيّ(4) أنَّهُ قالَ: (صَلَّى لَنَا--------------------------------------------
(1) انظر: أضواء البيان (8/ 70).
(2) انظر: حقيقة التوحيد لبديع الزمان النورسي (ص 173).
(3) انظر: البراهين الإسلامية في رد الشبهة الفارسية، للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (90).
(4) هو: زيد بن خالد الجهني، مختلف في كنيته؛ فقيل: أبو زرعة، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو طلحة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عثمان وأبي طلحة وعائشة، وروى عن ابناه خالد وأبو حرب، ومولاه أبو عمرة وغيرهم، وشهد الحديبية وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، وحديثه في "الصحيحين" وغيرهما، مات =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 841)
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ الصبْحِ بالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فلمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فقال: "هَلْ تَدْرُونَ ماذَا قال ربُّكُمْ؟ " قالُوا: الله ورسولُهُ أعْلَمُ. قال: "أصْبَحَ مِنْ عِبَادي مُؤْمِنٌ بي وكافِرٌ فأمَّا منْ قالَ مُطِرْنا بفَضْلِ الله ورَحْمَتِهِ فذلِكَ مُؤْمِنٌ بي وكافِرٌ بالكوْكَبِ وأمَّا مَنْ قال مُطِرْنا بَنَوْءٍ كَذَا وكَذَا فذَلِكَ كافِرٌ بي ومُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ")(1).
قال الإمام الشافعي: "وأرى معنى قوله والله أعلم: أن من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك إيمان بالله؛ لأنه يعلم أنه لا يمطر، ولا يعطي إلا الله عز وجل، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا فذلك كفر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النوء وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا، ولا يمطر، ولا يصنع شيئًا، فأما من قال مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا بوقت كذا فإنما ذلك كقوله مطرنا في شهر كذا، ولا يكون هذا كفرًا، وغيره من الكلام أحب إليَّ منه"(2).
ويقول الإمام النووي: "فاختلف العلماء في كفر من قال: مطرنا بنوء كذا على قولين؛ أحدهما: هو كفر بالله سبحانه وتعالى، سالب لأصل الإيمان، مخرج من ملة الإسلام، قالوا: وهذا فيمن قال ذلك معتقدًا أن الكوكب فاعل مدبر، منشئ للمطر، كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير--------------------------------------------
= سنة ثمان وسبعين بالمدينة وله خمس وثمانون. [ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة (2/ 603)].
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب صفة الصلاة، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم (1/ 290)، برقم (810)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: بيان كفر من قال مطرنا بالنوء (1/ 83)، برقم (71)، من حديث زيد بن خالد الجهني.
(2) الأم (1/ 252)، وانظر: الاستذكار (2/ 438).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 842)
العلماء، والشافعي منهم، وهو ظاهر الحديث"(1).
وقال الإمام ابن عبد البر بعد ذكره لحديث النوء: "فمعناه عندي على وجهين؛ أحدهما: أن القائل مطرنا بنوء كذا؛ أي: بسقوط نجم كذا، أو بطلوع نجم كذا، إن كان يعتقد أن النوء هو المنزل للمطر، والخالق له، والمنشئ للسحاب من دون الله، فهذا كافر كفرًا صريحًا ينقل عن الملة، وإن كان من أهلها استتيب. فإن رجع إلى ذلك إلى الإيمان بالله وحده وإلا قتل إلى النار.
وإن كان أراد أن الله عز وجل جعل النوء علامة للمطر، ووقتًا له، وسببًا من أسبابه؛ كما تحيي بالأرض الماء(2) بعد موتها، وينبت به الزرع، ويفعل به ما يشاء من خليفته(3)، فهذا مؤمن لا كافر.
ويلزمه مع هذا أن يعلم: أن نزول الماء لحكمة الله تعالى، ورحمته، وقدرته لا بغير ذلك؛ لأنه مرة ينزله بالنوء ومرة بغير نوء كيف يشاء لا إله إلا هو.
والذي أحب لكل مؤمن أن يقول كما قال أبو هريرة: مطرنا بفضل الله ورحمته ويتلو الآية إن شاء"(4).
ويقول الشيخ الدهلوي عقب ذكره لحديث النوء: "ومغزى الحديث أن من اعتقد للنجوم تأثيرًا في العالم وما يحدث فيه من الحوادث كان عند الله ممن كفر به وعبد النجوم، ومن عزا كل ما يحدث في العالم من خير وشر، ومن حوادث وأمور إلى الله وحده كان عند الله من عباده المقبولين، الذين تبرأوا من عبادة النجوم والكواكب"(5).--------------------------------------------
(1) شرح النووي على صحيح مسلم (2/ 60).
(2) هكذا في المطبوع، وكذا في الطبعة التي بتحقيق: عبد المعطي قلعجي، ولم يظهر لي وجه ذلك، والمقصود: (كما يحيى الأرض بالماء).
(3) هكذا في المطبوع ولم يظهر لي وجه ذلك ولعلها تصحفت من (خليقته).
(4) الاستذكار (2/ 437) ..
(5) رسالة التوحيد للدهلوي (ص 130).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 843)
والحاصل أن ظهور النوء وقت لنزول المطر بإذن الله تعالى ومشيئته؛ فمن اعتقد أن له تأثيرًا في إنزال المطر بذاته فهذا شرك أكبر بالإجماع، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، كاعتقادهم في الأموات والغائبين لجلب نفع أو دفع ضر، وإما أن ينسب إنزال المطر إلى النجم، وكونها سببًا للمطر مع اعتقاد أن الله هو الفاعل، فهذا أيضًا مما نفاه النبي صلى الله عليه وسلم وأبطله، وأخبر أنه من أمر الجاهلية، حماية منه لجناب التوحيد، وسدًّا لذرائع الشرك ولو بالعبارات الموهمة التي لا يقصدها الإنسان، وذلك لأنه نسب ما هو من فعل الله إلى خلق مسخر لا ينفع ولا يضر، ولا قدرة له على شيء فيكون شركًا أصغر(1).
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لا يخفى على المتأمل في كلام العلماء فيما يتعلق بالأسباب والمسببات اهتمامهم بهذا الجانب الهام الذي يحتاج إلى معرفته وتجليته كل مسلم لما فيه من الخطورة، خاصة على عامة الناس ممن ليس له معرفة بالنصوص الشرعية وكلام علماء الأمة، وفيما يأتي أذكر بعض النقول من أقوالهم في تأييد معنى القاعدة:
يقول الإمام ابن القيم مبينًا حقيقة الشرك المتعلق بالأسباب: "فالالتفات إلى الأسباب ضربان: أحدهما شرك، والآخر عبودية وتوحيد، فالشرك: أن يعتمد عليها، ويطمئن إليها، ويعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود، فهو معرض عن المسبب لها، ويجعل نظره والتفاته مقصورًا عليها"(2).--------------------------------------------
(1) حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (ص 231).
(2) مدارج السالكين (3/ 499).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 844)
ويقسم رحمه الله الوقوف مع الأسباب إلى وقوف مأمور به بحيث لا يتعدى حدودها، ولا يقصر عنها؛ فيقف معها مراعاة لحدودها وأوقاتها وشرائطها، وهذا الوقوف لا تتم العبودية إلا به، "ووقوف معها بحيث يعتقد أنها هي الفاعلة المؤثرة بنفسها، وأنها تنفع وتضر بذاتها، فهذا لا يعتقده موحد، ولا يحتاج أن يحترز منه من يتكلم في المعرفة والسلوك"(1).
فاعتقاد أن السبب مؤثر بذاته، ومبدع لمسببه بانفراده أو مع الله تعالى شرك بالله تعالى، يخرج صاحبه عن ملة الإسلام.
ومما قرره الإمام ابن تيمية كثيرًا -ونسبه في مواضع إلى الغزالي وابن الجوزي-: "الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد … "(2).
وهذا الالتفات إذا تضمن اعتقاد التأثير الذاتي للأسباب بدون مشيئة الله كان شركًا في الربوبية مخرجًا عن ملة الإسلام، مستلزمًا للشرك في الإلهية كما سبق تقريره؛ لأنَّه لا بد من حصول الاعتماد والرجاء والخوف على هذه الأسباب وهي عبادات قلبية لا يجوز صرفها لغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ وليس في المخلوقات ما يستحق هذا؛ لأن غيره سبحانه لا يستقل بفعل شيء البتة، فكل سبب لا بد له من شريك وضد، ومع هذا كله، فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يُسَخَّر(3).
ويقول الإمام الشاطبي: "فالالتفات إلى المسببات بالأسباب له ثلاث مراتب؛ أحدها: أن يدخل فيها على أنه(4) فاعل للمسبب أو مولد--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه (3/ 479).
(2) مجموع الفتاوى (8/ 169)، وانظر: (8/ 170)، ومنهاج السُّنَّة (5/ 366)، والآداب الشرعية، لابن مفلح (2/ 286).
(3) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص 521).
(4) يعني: السبب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 845)
له فهذا شرك أو مضاه له والعياذ بالله والسبب غير فاعل بنفسه"(1).
ويقول الألوسي: "القول بأن الفلكيات ونحوها مؤثرة بنفسها ولو لم يأذن الله تعالى: ضلال واعتقاده كفر"(2).
ويفصل الإمام المعلمي في مسألة الاعتقاد في الأسباب بقوله: "فأما اعتقاد التأثير فاعلم أن التأثير على ضربين:
الأول: ما ثبت بالعادة القطعية المبنية على الحس والمشاهدة؛ كتأثير الآدميين الأحياء وغيرهم من الحيوان إلى الحد المحدود المعروف، وتأثير الشمس للحرارة واليبوسة، وتأثير الأدوية في الصحة والمرض ونحو ذلك فلا يكفر إلا من يخرجها من خلق الله تعالى أصلًا.
فأما من يقول إن الله تعالى أودع في النار قوة الإحراق مثلًا، فهي تؤثر بذلك إلا أن يشاء الله عز وجل سلبها قوة الإحراق فيسلبها، فلا يكفر هذا وإن خطأه كثير من العلماء، ويدخل في هذا ما لم يكن قطعيًا ولكنه مستند إلى قطعي كما سلف في التمهيد.
الضرب الثاني: ما لم يثبت بالعادة القطعية المبنية على الحس والمشاهدة فإن بلغ اعتقاد التأثير إلى زعم أن ذلك المؤثر مؤثر استقلالًا وقد مر تفسيره فهو شرك، وإن لم يبلغ ذلك فإن كان في ذلك الاعتقاد تكذيب لله عز وجل أو كذب عليه فهو كفر وشرك وإلا فهو من الخرص المذموم.
هذه حكم الاعتقاد؛ فأما إن صحبه خضوع أو طاعة فقد مرَّ حكم ذلك ولا يتوقف كون الخضوع أو الطاعة شركًا على فساد الاعتقاد في التأثير"(3).
يقول الشيخ صالح الفوزان - يحفظه الله -: "أما إذا اعتقد أنّ النعم--------------------------------------------
(1) الموافقات (1/ 201).
(2) روح المعاني (4/ 162).
(3) مخطوط العبادة، للمعلمي، لوحة (691 - 692).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 846)