Arabic source text

📘 আল-কাওয়ায়িদু ফি তাওহীদিল ইবাদাহ (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ বাজসাইর)

📘 القواعد في توحيد العبادة (محمد بن عبد الله باجسير)

📘 আল-কাওয়ায়িদু ফি তাওহীদিল ইবাদাহ (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ বাজসাইর)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
أولًا: النصوص الدالة على حرمة التحايل على المحرمات الذي هو فعل اليهود وصفتهم الغالبة، ومن ذلك:
ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ بِأَدْنَى الْحِيَلِ"(1).
وقد جاء فعل اليهود في تحايلهم على تحليل الشحوم التي حرمها الله عليهم، ففي "الصحيحين" عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ - رضي الله تعالى عنهُ - يَقُولُ: قاتَلَ الله فُلانًا ألَم يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: " لَعَنَ الله اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوها فَبَاعُوهَا"(2).
ولا شك أن تغيير الألفاظ الشرعية التي لها دلالات معينة، وحقائق ثابتة، ومن ثم تسميتها بأسماء أخرى مألوفة وغير منفرة من أجل إباحتها وتجويزها من أعظم الحيل المحرمة.
ووجه الشاهد من هذه الأدلة: أنه لو كان مجرد تغيير الاسم واللفظ يؤثر في تغيير المعنى والمضمون لما حُرِّمَت الحيل أصلًا؛ لأنَّه بتغيير الاسم واللفظ سيتغير المعنى وينتقل إلى حقيقة أخرى غير الحقيقة الأولى، وعندها فلا مانع من أن يكون للحقيقة الثانية حكم آخر يختلف عن الأول. لكن مع تحريم هذا الصنيع دلالة على أن تغيير اللفظ والاسم--------------------------------------------
(1) رواه الإمام ابن بطة في: إبطال الحيل (ص 47)، ويقول الإمام ابن تيمية عقب ذكره للحديث: "هذا إسناد جيد، يصحح مثله الترمذي وغيره تارة، ويحسنه تارة، ومحمد بن مسلم المذكور مشهور ثقة، ذكره الخطيب في تاريخه كذلك، وسائر رجال الإسناد أشهر من أن يحتاج إلى وصفهم، وقد تقدم ما يشهد لهذا الحديث من قصة أصحاب السبت". الفتاوى الكبرى (3/ 123)، وانظر: مجموع الفتاوى (29/ 29)، وحسَّنه الإمامان: ابن القيم وابن كثير. انظر: حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (9/ 244)، وتفسير ابن كثير (1/ 108).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل (3/ 1275)، برقم (3273)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (3/ 1207)، برقم (1582).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 991)

لا يغير في الحقيقة شيئًا، بل هي باقية والحكم يدور معها وجودًا وعدمًا لا مع الاسم واللفظ.
يقول الإمام ابن القيم معلِّقًا على حيلة اليهود في الشحوم: "وجملوها: يعني أذابوها وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك؛ ليزول عنها اسم الشحم ويحدث لها اسم آخر وهو الوَدَك(1)، وذلك لا يفيد الحِلَّ؛ فإن التحريم تابع للحقيقة، وهي لم تتبدل بتبدل الاسم"(2).
فاليهود لعنوا لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله، ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع، كما أنه لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها؛ فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم، وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك(3).
ومما يدل على صحة القاعدة مما هو داخل في حكم الحيل أيضًا: ما جاء عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أناسًا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها"(4)، وفي رواية عند الدارمي من طريق عائشة رضي الله عنها: "يسمونها بغير اسمها فيستحلونها"(5)؛ يعني: الخمر.--------------------------------------------
(1) الوَدَك: بفتحتين، هو دسم اللحم والشحم ودهنه الذي يستخرج منه، أو يستحلب منه. [انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (5/ 168)، والمصباح المنير (2/ 653)، والمعجم الوسيط (2/ 1022)].
(2) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (9/ 244)، وانظر: فيض القدير (5/ 391).
(3) انظر: إعلام الموقعين (3/ 112).
(4) أخرجه أحمد في المسند (4/ 237)، برقم (18098)، وابن حبان في صحيحه (15/ 160)، برقم (6758)، وأبو داود في سننه (3/ 329)، برقم (3688)، من طريق أبي مالك الأشعري، والحديث ذكره الشيخ الألباني في: سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 701)، برقم (414)، وقال عقبه: " قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الستة، وجهالة اسم الصحابي لا تضر، كما في المصطلح تقرر". [المرجع نفسه].
(5) سنن الدارمي (2/ 155)، برقم (2100)، وحسَّنه الألباني، وله شاهد. [انظر: =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 992)

يقول الشيخ السندي رحمه الله: " (يسمونها بغير اسمها): قاله في محل
الذم، فيدل على أن التسمية والحيلة لا تجعلان الحرام حلالًا"(1).
ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله: "التسمية لا حكم لها، ولا تتغير حقيقة الشيء بتغير الاسم كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: " أنه يأتي ناس من أمتي يسمون الخمر بغير اسمها"، وكذا من سمى الزنا نكاحًا، فالتسمية لا تزيل الاسم ولا الحكم؛ ومن عامل معاملة ربوية فهو مرابي وإن لم يسمه ربًا، فكذا من ارتكب شيئًا من الأمور الشركية فهو مشرك وإن سمى ذلك توسلًا وتشفعًا ونحوه"(2).
ولا شك أن إبليس قد سبق اليهود عليهم لعائن الله على هذا المنهج المنحرف، إذ هو قائدهم الأول، وإمامهم الأعظم في التلبيس والتدليس والكذب على الله تبارك وتعالى.
يقول الإمام الصنعاني: "وأول من سمى ما فيه غضب الله وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين إبليس لعنه الله، فإنه قال لأبي البشر آدم عليه السلام: {يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 120]، فسمى الشجرة التي نهى الله تعالى آدم عن قربانها - غرورًا وتدليسًا - بالاسم الذي اخترعه لها، كما يسمي إخوانه المقلدون له الحشيشة بلقمة الراحة، وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال عباد الله ظلمًا وعدوانًا: أدبًا، فيقولون: أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة، بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب، كما يحرفونه في بعض المقبوضات إلى سم (النفاعة)، وفي بعضها إلى اسم (السياقة)، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين.--------------------------------------------
= السلسلة الصحيحة (1/ 134)، رقم (89)].
(1) حاشية السندي (8/ 3139).
(2) تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس (ص 94).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 993)

وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان، كما يعرفه من شم رائحة الكتاب والسُّنَّة، وكل ذلك مأخوذ عن إبليس حيث سمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد"(1).
ثانيًا: إنكاره سبحانه وتعالى على المشركين تسمية أصنامهم وأوثانهم بأنهم آلهة، وأنها مجرد أسماء لا حقيقة لها، ولا نصيب لها من خصائص الإلهية شيء البتة، وهذا الإنكار من الله تعالى عليهم يدل على أن العبرة بحقائق الأشياء وما هي عليه من الصفات الثابتة، أما مجرد إطلاق الأسماء والألفاظ على ما هو عار وخواء من الحقائق والمعاني التي دلت عليها الألفاظ فلا اعتبار له، كما أن هذا التغيير في الألفاظ والأسماء لا أثر له في تغيير الحقائق البتة.
وعليه فهذه الأصنام والأوثان حقيقتها أنها حجارة، وهؤلاء المعبودون غايتهم أنهم بشر لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، بل وأموات قد استحالوا ترابًا ورفاتًا، فمهما بالغوا في تعظيمهم، وإلباسهم لباس العزة، وتسميتهم بأسماء العظمة، ووصفهم بأخص خصائص الإلهية، لم تكن سوى أسماء جوفاء، وألفاظ عارية فقيرة، متناقضة غاية التناقض مع حقيقة الحال.
يقول الإمام ابن تيمية: "ومن هذا الباب تسمية المعبودين آلهة، سموها بما لا تستحقه، كما يسمى الجاهل عالمًا، والعاجز قادرًا، وِالكذاب نبيًّا فلهذا قال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم: 23] "(2).
وقال أيضًا: "أخبر سبحانه أن الأسماء التي سماها المشركون أسماء ابتدعوها، لا حقيقة لها، فهم إنما يعبدودن أسماء لا مسميات لها؛--------------------------------------------
(1) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد (ص 108)، بتعليق الشيخ: علي آل سنان.
(2) النبوات (ص 200).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 994)

لأنه ليس في المسمى من الألوهية، ولا العزة، ولا التقدير شيء، ولم ينزل الله سلطانًا بهذه الأسماء، إن يتبع المشركون إلا ظنًا لا يغني من الحق شيئًا في أنها آلهة تنفع وتضر "(1).
ويقول الشيخ السعدي في معنى قوله تعالى: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [الأعراف: 71]: "أي: كيف تجادلون على أمور لا حقائق لها، وعلى أصنام سميتموها آلهة، وهي لا شيء من الإلهية فيها، ولا مثقال ذرة"(2).
ثالثًا: قصة ذات أنواط التي حدثت في خروج النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه
إلى خيبر فمر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سُنَّة من كان قبلكم"(3).
فلم يكن استبدالهم للفظ الآلهة بذات أنواط مؤثرًا ما دامت الحقيقة واحدة في كلتا الصورتين، فدل ذلك على أن الحقائق لا تتغير وإن تغيرت الأسماء والألفاظ.
يقول الشيخ سليمان آل الشيخ عقب ذكره للقصة: "وفيها أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء؛ ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط، فالمشرك وإن سمى شركه ما سماه؛ كمن يسمي دعاء الأموات، والذبح لهم، والنذر، ونحو ذلك تعظيمًا ومحبة فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه وقس على ذلك"(4).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (2/ 259).
(2) تفسير السعدي (ص 294).
(3) سبق تخريجه في (ص 233)، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
(4) تيسير العزيز الحميد (ص 142).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 995)

رابعًا: من المعلوم أن التفريق في الحكم بين الشيئين المتفقين في الحقيقة والمعنى والصفة لمجرد اختلاف الأسماء من الظلم العظيم الذي نهى الله عنه، بل هو تفريق بين المتماثلين، والله تعالى قد أمر بالعدل والاعتبار الذي هو القياس الشرعي، وهو التسوية في الحكم بين المتماثلين في الحقيقة والمعنى ولو اختلفت الألفاظ، وتنوعت الأسماء، فلا فرق بين شرك وشرك، ولا بين شراب مسكر وآخر مثله باسم آخر، وهكذا(1).
خامسًا: كما لا يخفى أن التحريم الشرعي إنما يكون تابعًا للحقيقة والمفسدة لا للاسم والصورة؛ فإن إيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة بسبب شرب الخمر، وكذا سوء الظن وقلة الأدب مع الله، وتشبيه المخلوق بالخالق، والتنقص لعظمة الألوهية والربوبية الحاصل بسبب الإشراك في عبادة الله تعالى لا يزول، ولا يتغير بتبديل الأسماء والصور، وهل هذا إلا من سوء الفهم، وعدم الفقه عن الله ورسوله(2).

*‌‌ المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد حرص أهل العلم أشد الحرص على بيان هذه القاعدة الشرعية، واستعملوها في ردِّهم لكثير من البدع والحيل، وفيما يأتي أنقل بعض ما وقفت عليه من أقوال تؤيد معنى القاعدة، وتقرر مفهومها الذي دلت عليه:
يقول الإمام ابن القيم: "فإن الحقائق لا تتغير بتغير الألفاظ"(3).--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (34/ 196).
(2) انظر: إعلام الموقعين (3/ 116).
(3) إعلام الموقعين (1/ 224).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 996)

ويقول الإمام الصنعاني في كلامه على فعل المشركين: "وإنما الجاهلية سموه صنمًا ووثنًا، وهؤلاء القبوريون يسمونه وليًّا وقبرًا ومشهدًا، والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية؛ فإن من شرب الخمر وسماها ماء، ما شرب إلا خمرًا، وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعله يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية"(1).
ويقول العلامة السهسواني الهندي في معرض كلامه على التوسل بالأعمال الصالحة: " وهذا التوسل هو عين دين الإسلام، لا يجحده أحد من المسلمين، لكن هذا التوسل في الحقيقة هو التوسل بالأعمال الصالحة، وإن سماه أحد توسلًا بالأنبياء والصالحين، فلا يتغير حكمه بهذه التسمية، فإن العبرة للمُسَمَّى والمُعَنْوَن لا للاسم والعنوان"(2).
ويقول الشيخ السعدي: " ولا فرق في هذا بين أن يسمي تلك العبادة التي صرفها لغير الله عبادة، أو يسميها توسلًا، أو يسميها بغير ذلك من الأسماء، فكل ذلك شرك أكبر؛ لأن العبرة بحقائق الأشياء ومعانيها دون ألفاظها وعباراتها"(3).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم"(4).

*‌‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
لقد فرَّعَ أهل العلم بعض الفروع والجزئيات والمسائل على هذه القاعدة، واستفادوا منها في إبطال كثير من البدع والضلالات، وفيما--------------------------------------------
(1) تطهير الاعتقاد عن أدران الألحاد (ص 107).
(2) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص 199).
(3) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص 31).
(4) أضواء البيان للشنقيطي (1/ 307).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 997)

يأتي أتناول بعض ما ذكره أهل العلم من فروع ومسائل متعلقة بالقاعدة، أو ظهر لي من خلال كلامهم:
أولًا: دلت القاعدة على ثبات الحقائق والمعاني للألفاظ والأسماء، إذ إن جميع الأحكام الشرعية إنما بنيت على الحقائق والمعاني، وهي بلا شك مرتبطة بأسمائها الشرعية التي جاءت بها النصوص الشرعية في القرآن والسُّنَّة، فالعبرة والمعول على الحقائق والمعاني، فهي التي عليها مدار الأحكام، وبها يكون الحكم والقضاء، ولا ينكر أهمية المحافظة على الألفاظ والأسماء الشرعية، وأن تغييرها مع اعتبار الحقيقة الأولى يعد من التحريف والكذب على الله تعالى.
ويستخلص من ذلك: أن حكم الشيء تابع لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه ولا لاعتقاد فاعله: يوضح ذلك: أن من أطاع مخلوقًا في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذه ربًّا وإلهًا ومعبودًا من دون الله، كما قال تعالى في شأن اليهود والنصارى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)} [التوبة: 31]، وقد قال عديّ بن حاتم لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم لم يعبدوهم فقال صلى الله عليه وسلم: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئًا حرموه"(1).
فهؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية لم يسمّوا أحبارهم--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي في جامعه، كتاب: تفسير القرآن (5/ 278)، برقم (3095)، والبيهقي في السُّنن الكبرى (10/ 116)، برقم (20137)، وصحح الشيخ الألباني بعض طرقه في السلسلة الصحيحة (7/ 861)، رقم (3293)، وحسن بعضها في غاية المرام حديث رقم (6).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 998)

ورهبانهم أربابًا ولا آلهة، ولا معبودين، ولا كانوا يعتقدون أو يظنون أن فعلهم هذا معهم عبادة لهم، ولهذا استعظم عدي هذا وقال: إنهم لم يعبدوهم، ومع ذلك سمَّاهم الله أربابًا وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن فعلهم هذا عبادة وتأليه لهم، ولم يكن عدم ظنهم هذا عذرًا لهم، ولا مزيلًا لاسم فعلهم ولا رافعًا لحقيقته وحكمه.
وفي هذا دلالة على أن حكم الشيء تابع لحقيقته وما هو عليه، لا لاسمه، ولا لاعتقاد فاعله.
ثانيًا: فيها الرد على من أجاز الشرك الواضح الذي لا شك فيه بحجة أنه توسل إلى الله تعالى بأهل الخير والصلاح، وأنه من محبة الأولياء ومن حقهم علينا، والقاعدة تبطل هذا المفهوم الشركي، بل هذا هو عين الإشراك بالله تبارك وتعالى.
يقول الإمام ابن القيم في كلامه على حكم الساحر: "والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان فهو عبادة له، وإن سماه بما سماه به" فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه، فمن سجد لمخلوق، وقال ليس هذا بسجود له، وهذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة كما أقبلها بالنعم، أو هذا إكرام لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودًا لغير الله فليسمه بما شاء"(1).
ويقول الإمام الشوكاني: "إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه؛ سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية، أو أطلق عليه اسمًا آخر، فلا اعتبار بالاسم قط، ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم"(2).--------------------------------------------
(1) بدائع الفوائد (2/ 461).
(2) رسالة الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد (ص 18)، ضمن مجموع (الرسائل =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 999)

ويقول الشيخ سليمان بن سحمان: "هذه العبادة التي صرفها المشركون الأولون لآلهتهم هي ما يفعله المشركون من عباد القبور في هذه الأزمان سواء بسواء، وإن زعموا أن هذا توسل، فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء"(1).
كما أبطل الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله مقالة من قال: إن دعاء الصالحين والاستغاثة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله يسمى توسلًا عنده وتشفعًا. فقال: "وهذا فرار منه أن يسميه شركًا وكفرًا، وهذا من جنس جهله بالأسماء والمسميات … ، وأن التوسل صار مشتركًا في عرف كثيرين، وأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء، وأن الله سمى هذا شركًا وعبادة لغيره في مواضع من كتابه … ، فإياك أن تغتر بالإلحاد وتغيير الأسماء؛ فقف مع الحدود الشرعية، واعتبر بالحقائق تعرف أن هؤلاء مشركون وثنيون، عبَّاد قبور، لا يستريب في ذلك إلّا جاهل بأصل الإسلام لم يدر ما جاءت به الرسل الكرام"(2).
ولقد دخل كثير من هذه الأمة في الشرك بالله، والتعلق على من سواه، ويسمون ذلك توسلًا، وتشفعًا، وتغيير الأسماء، لا اعتبار به، ولا تزول حقيقة الشيء، ولا حكمه بزوال اسمه، وانتقاله في عرف الناس، واستبداله باسم آخر، ولما علم الشيطان أن النفوس تنفر من تسمية ما يفعله المشركون تألهًا، أخرجه في قالب آخر، تقبله النفوس، فتغيير الأسماء، لا يزيل الحقائق، فمن ارتكب شيئًا من الأمور الشركية، فهو مشرك، وإن سمى ذلك توسلًا، وتشفعًا(3).--------------------------------------------
= السلفية في إحياء سنة خير البرية)، للإمام الشوكاني.
(1) الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص 406).
(2) منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس (ص 17).
(3) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 567 - 568).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1000)

وذكر العلامة محمود شكري الألوسي حقيقة واقع أهل القبور، وما وقعوا فيه من التلبيس والتدليس بتغييرهم للأسماء، وبين رحمه الله أن هذا التغيير لا يغير من الحقيقة شيئًا، وأن العبرة بحقائق أفعالهم وأعمالهم؛ فقال ما ملخصه: "ونذكر لك طرفًا من معتقد هؤلاء وحقيقة ما هم عليه من الدين؛ ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن؛ إن كان الواقف ممن اختصه الله بالفضل والمن، ولئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم تشفعًا وتوسلًا واستظهارًا، مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل الحقائق.
من ذلك محبتهم مع الله محبة تأله وخضوع ورجاء، ودعاؤهم مع الله في المهمات، والعكوف حول أجداثهم، وتقبيل أعتابهم، والتمسح بآثارهم، طلبًا للغوث واستجابة الدعوات، وإظهار الفاقة وإبداء الفقر والضراعة واستنزال الغيوث والأمطار، وطلب السلامة من شدائد البراري والبحار، وسؤالهم تزويجهم الأرامل والأيامى، واللطف بالضعفاء واليتامى، والاعتماد عليهم في المطالب العالية، وتأهيلهم لمغفرة الذنوب والنجاة من الهاوية، وإعطاء تلك المراتب السامية وجماهيرهم -لما ألفت ذلك طباعهم، وفسدت به فطرهم، وعز عنه امتناعهم - لا يكاد يخطر ببال آحاد المسلمين من قصد الله تعالى، والإنابة إليه، بل ليس ذلك عندهم إلا الولي الفلاني، ومشهد الشيخ فلان، حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضًا عن الخروج للاستسقاء، والإنابة إلى الله تعالى في كشف الشدائد والبلوى، وكل هذا رأيناه وسمعناه عنهم، فهل سمعت عن جاهلية العرب، مثل هذه الغرائب التي ينتهي عندها العجب.
والكلام مع ذكي القلب، يقظ الذهن، قوي الهمة، العارف بالحقائق، ومن لا ترضى نفسه بحقيقة التقليد في أصول الديانات والتوحيد، وأما ميت القلب، بليد الذهن، وضيع النفس، جامد القريحة،

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1001)

ومن لا تفارق همته التشبث بأذيال التقليد والتعلق بما يحكى عن فلان وفلان في معتقد أهل المقابر والتنديد؛ فذاك فاسد الفطرة، معتل المزاج، وخطابه محض عناء ولجاج.
إلى أن قال رحمه الله:
وباب تصرف المشايخ والأولياء قد اتسع حتى سلكه جمهور من يدعي الإسلام حتى سلكه جمهور من يدعي الإسلام من أهل البسيطة وخرقه قد هلك في بحاره أكثر من سكن الغبراء، وأظلته المحيطة، حتى نسي القصد الأول من التشفع والوساطة، فلا يعرج عليه عندهم إلا من نسي عهود الحمى فعاد الأمر إلى الشرع في توحيد الربوبية والتدبير والتأثير، ولم يبلغ شرك الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية، بل ذكر الله عز وجل أنهم يعترفون به، ولذلك احتج عليهم في غير موضع من كتابه بما أقروا به من الربوبية، والتدبير على ما أنكروه من الإلهية.
ولا يمانع هذا إلا مكابر في الحسيات وإن فقد بعض أنواع في بعض البلاد فكم له من نظائر، … ومن شاهد ما يقع منهم عند مشهد علي والحسين وموسى الكاظم، ومحمد الجواد رضي الله عنهم عند رافضتهم، والشيخ عبد القادر والحسن البصري والزبير وأمثالهم رضي الله عنهم عند سنتهم: من العبادات وطلب العطايا والمواهب والتصرفات، وأنواع الموبقات علم أنهم من أجهل الخلق وأضلهم وأنهم في غاية من الكفر والشرك ما وصل إليها من قبلهم ممن ينتسب إلى الإسلام، والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته بمحو هذه الضلالات حتى يعبد وحده، فتسلم الوجوه له، وتعود البيضاء كما كانت ليلها كنهارها"(1).
ويبين الشيخ عبد العزيز بن باز استشكال من يقول: إن المتأخرين لم يدعوا عبادة الأولياء أو الصالحين، وإنما هم يتبركون بهم، فقال:--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ نجد، للعلامة: محمود شكري الألوسي (ص 75 - 79).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1002)

"الاعتبار بالحقائق والمعنى لا باختلاف الألفاظ، فإذا قالوا: ما نعبدهم وإنما نتبرك بهم، لم ينفعهم ذلك، ما داموا فعلوا فعل المشركين من قبلهم، وإن لم يسموا ذلك عبادة، بل سموه توسلًا أو تبركًا، فالتعلق بغير الله، ودعاء الأموات، والأنبياء، والصالحين، والذبح لهم، أو السجود لهم، أو الاستغاثة بهم، كل ذلك عبادة ولو سموها خدمة، أو سموها غير ذلك؛ لأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء كما تقدم"(1).
ويقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: "والآن عَبَدَة القبور يقولون: هذا ليس بشرك، هذا توسُّل، وهذا محبة للأولياء والصالحين. إن أولياء الله الصالحين لا يرضون بهذا العمل، ولا يرضون أن تُجعل قبورهم أوثانًا تُعبد من دون الله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اللَّهُمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"(2)، فدلّ على أن تعظيم القبور والتبرك بها يجعلها أوثانًا تُعبد من دون الله.
فالحاصل؛ أن هذا فيه دليل على أن العبرة في المعاني لا في الألفاظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر، وإن سموه توسّلًا، أو سموه إظهارًا لشرف الصالحين، أو وفاءً بحقهم علينا -كما يقولون-، هذا هو الشرك، سواء بسواء، فالذي يتبرّك بالحجر أو بالشجر أو بالقبر قد اتخذه إلهًا، وإن كان يزعم أنه ليس بإله، فالأسماء لا تغير الحقائق، إذا سمّيت الشرك، توسلًا، أو محبة للصالحين، أو وفاءً بحقهم، نقول: الأسماء لا--------------------------------------------
(1) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (3/ 139).
(2) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (1/ 172)، برقم (414)، مرسلًا عن عطاء بن يسار، وابن أبي شيبة في المصنف (2/ 150)، برقم (7544)، عن زيد بن أسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم، وللحديث طريق آخر عند أحمد بلفظ: "اللَّهُمَّ لا تجعل قبري وثنًا لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الشيخ الألباني: "وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير حمزة بن المغيرة وهو المخزومي وهو ثقة بلا خلاف". [انظر: الثمر المستطاب في فقه السُّنَّة والكتاب (1/ 361)].

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1003)

تغير الحقائق"(1).
ثالثًا: هذه القاعدة بمثابة السد المنيع، والباب المغلق أمام جميع أهل الباطل من أصحاب الديانات المحرفة، أو من أهل الأهواء المضلة والبدع المغوية والمبعدة عن هدي القرآن والسُّنَّة، ولو فتح هذا الباب لتبدلت الشرائع، وفسدت الأحكام، ولم يوثق بعدها بنص أو تنزيل.
يقول الإمام ابن القيم: "ولو أوجب تبديلُ الأسماء والصور تبدلَ الأحكام والحقائق لفسدت الديانات، وبدلت الشرائع، واضمحل الإسلام، وأي شيء نفع المشركين تسميتهم أصنامهم آلهة، وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها، وأي شيء نفعهم تسمية الإشراك بالله تقربًا إلى الله، وأي شيء نفع المعطلين لحقائق أسماء الله وصفاته تسمية ذلك تنزيهًا، وأي شيء نفع الغلاة من البشر واتخاذهم طواغيت يعبدونها من دون الله تسمية ذلك تعظيمًا واحترامًا، وأي شيء نفع نفاة القدر المخرجين لأشرف ما في مملكة الرب تعالى من طاعات أنبيائه، ورسله، وملائكته، وعباده عن قدرته تسمية ذلك عدلًا، وأي شيء نفعهم نفيهم لصفات كماله تسمية ذلك توحيدًا، وأي شيء نفع أعداء الرسل من الفلاسفة القائلين بأن الله. لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام، ولا يحيي الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يعلم شيئًا من الموجودات، ولا أرسل إلى الناس رسلًا يأمرونهم بطاعته تسمية ذلك حكمة، وأي شيء نفع أهل النفاق تسمية نفاقهم عقلًا معيشيًا، وقدحهم في عقل من لم ينافق نفاقهم، ويداهن في دين الله، وأي شيء نفع المكسة تسمية ما يأخذونه ظلمًا وعدوانًا حقوقًا سلطانية، وتسمية أوضاعهم الجائرة الظالمة المناقضة لشرع الله ودينه شرعَ الديوان.
وأي شيء نفع أهل البدع والضلال تسمية شبهم الداحضة عند--------------------------------------------
(1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (1/ 162).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1004)

ربهم، وعند أهل العلم والدين والإيمان عقليات، وبراهين، وتسمية كثير من المتصوفة الخيالات الفاسدة، والشطحات حقائق، فهؤلاء كلهم حقيق أن يتلى عليهم: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم: 23].
وكما يسمي بعضهم المغني بالحادي، والمطرب، والقوال، وكما يسمي الديوث بالمصلح، والموفق، والمحسن، ورأيت من يسجد لغير الله من الأحياء والأموات، ويسمى ذلك وضع الرأس للشيخ، قال: ولا أقول هذا سجود، وهكذا الحيل سواء، فإن أصحابها يعمدون إلى الأحكام فيعلقونها بمجرد اللفظ، ويزعمون أن الذي يستحلونه ليس بداخل في لفظ الشيء المحرم، مع القطع بأن معناه معنى الشيء المحرم"(1).
ويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي في رده على من سمى إثبات صفات الله تركيبًا: "هم سموه تركيبًا لينفوا به صفات الرب تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة، ولا في استعمال الشارع، فلسنا نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة، ولئن سموا إثبات الصفات تركيبًا فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سموه ما شئتم، ولا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمرًا لم يحرم بهذه التسمية"(2).
رابعًا: ومما يعد من دلالات أو فروع القاعدة: أن الحقائق لا تتغير بتغير الشعارات والعناوين والألقاب والانتسابات، فليس كل من انتسب إلى السُّنَّة، أو رفع شعارها صحت نسبته، وبورك شعاره، وإن كان مخالفًا للسُّنَّة، متنكرًا لها، معاديًا لأهلها أين ما كانوا، ومبغضًا لحملتها أين ما حلوا، فتسميته وانتسابه لا يغير في حقيقة أمره شيئًا.--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين (3/ 117 - 118).
(2) شرح العقيدة الطحاوية (ص 226).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1005)

ولذا يقول أبو البقاء الكفوي: "العبرة للمعاني دون الصور والمباني"(1).
خامسًا: ومما يستفاد من القاعدة: استعمالها في وزن أقوال الناس وآرائهم ونتائج عقولهم، بحيث لا يغتر بالأقوال والعبارات والألفاظ، إلا بعد تفحصها، ومعرفة حقيقتها، والوصول إلى مضمونها، وملاحظة ما تؤول إليه، وبعد ذلك تعرض على ميزان الكتاب والسُّنَّة، فما وافقهما منها قُبِلَ وإن كانت عبارته ركيكة، وألفاظه منفرة، وما خالفهما من تلك الأقوال رُدَّ وأُبعد وإن كانت ألفاظها منمقة، وأسلوبها مبهرجًا.
يقول الشيخ السعدي: "وأما أهل الإيمان بالآخرة، وأولو العقول الوافية، والألباب الرزينة، فإنهم لا يغترون بتلك العبارات، ولا تخلبهم تلك التمويهات، بل همتهم مصروفة إلى معرفة الحقائق، فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة؛ فإن كانت حقًا قبلوها وانقادوا لها، ولو كسيت عبارات رديئة، وألفاظًا غير وافية، وإن كانت باطلًا ردوها على من قالها، كائنًا من كان، ولو أُلْبِسَت من العبارات المستحسنة ما هو أرق من الحرير"(2).
ويقول أيضًا في معنى قوله تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112]: "أي: يزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه فى أحسن صورة ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة، والعبارات المموهة، فيعتقدون الحق باطلًا والباطل حقًا"(3).--------------------------------------------
(1) كتاب الكليات (ص 1067).
(2) تفسير السعدي (ص 270).
(3) تفسير السعدي (ص 269 - 270).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1006)

‌‌المبحث الثالث
قاعدة تعظيم شعائر الله هو تعظيم لله وعبادة له، فهو تابع لتعظيم الله وإجلاله
وفيه مسائل:

*‌‌ المسألة الأولى * شرح مفردات القاعدة
‌‌أولًا: معنى التعظيم:
التعظيم مشتق من أصل لغوي ثلاثي هو (عظم)، والعين والظاء والميم أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على كِبَر وقُوّة، فالعِظَم: مصدر الشَّيء العظيم، تقول: عَظُمَ يَعْظُم عِظَمًا، وعَظَّمَه تَعْظِيمًا وأعْظَمَهُ: فَخَّمَهُ، وكَبَّرَهُ، فإذا عَظُم في عينيك قلت: أعْظَمْتُهُ واسْتَعْظَمْتُه، ومن الباب العَظْم، سمِّي بذلك لقوّته وشِدّته(1).

‌‌ثانيًا: معنى شعائر الله:
الشعائر على وزن فَعَائِل، وأصلها من الفعل الثلاثي (شعر)، ومفردها: (شَعِيرَة) على وزن (فَعِيلة)؛ فقيل هي بمعنى (مُشْعِرَة) بصيغة--------------------------------------------
(1) انظر: معجم مقاييس اللغة (4/ 355)، والقاموس المحيط (ص 1470).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1007)

اسم فاعل، وقيل: بمعنى مفعولة؛ أي: (مُشْعرٌ بها)، ثم إن مادة (شعر) تتضمن أصلين: أحدهما الثَبَات، والآخر عِلْم وعَلَم(1).
فمن الأول: (الشَّعْر) وجمعه أَشْعار والواحدة (شعرة)، ورجل أشعر: طويل شعر الجسد، ومن الثاني: قولهم شعرت بالشيء إذا علمته وفطنت له، وليت شعري؛ أي: ليتني علمت، ومنه سمي الشاعر؛ لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره(2)، ومنه الشِّعار: الذي يتنادَى به القومُ في الحرب ليَعرِف بعضُهم بعضًا، ومشاعر الحج: مواضع المناسك، سميت بذلك، لأنَّها ظاهرة للحواس(3).
فالشعائر إذًا كل ما جعل علمًا على شيء، أو كان علامة على أمر بحيث يكون ظاهرًا للحواس(4).
وأما معنى الشعائر في الشرع فقد اختصت بعدة أمور بيَّنها أهل العلم في ثنايا كلامهم في بيان معنى الشعائر التي أمر الله بتعظيمها:
فجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما بأن الشعائر هي الهدي والبدن، قال وتعظيمها يكون باستحسانها، واستسمانها، وقيل: هي الجمار، وقيل: هي الصفا والمروة، وقيل: هي الركن والبيت، وقيل: الوقوف بعرفة--------------------------------------------
(1) معجم مقاييس اللغة (3/ 193).
(2) سمي الشاعر شاعرًا لفطنته ودقة معرفته، فالشِّعْرُ في الأصل: اسم للعلم الدقيق، وصار في التعارف اسمًا للكلام الموزون والمقفى، وحده: ما تركب تركبًا متعاضدًا، وكان مقفى، موزونًا، مقصودًا به ذلك، فما خلا من هذه القيود أو من بعضها فلا يسمى شعرًا، ولا يسمى قائله شاعرًا؛ ولهذا ما ورد في الكتاب أو السُّنَّة موزونًا فليس بشعر؛ لعدم القصد، أو التقفية، وكذلك ما يجري على ألسنة بعض الناس من غير قصد؛ لأنه مأخوذ من شعرت إذا فطنت وعلمت، وسمي شاعرًا لفطنته وعلمه به، فإذا لم يقصده فكأنه لم يشعر به، … [انظر: المصباح المنير (1/ 315)، والمفردات في غريب القرآن (ص 262)].
(3) انظر: المصباح المنير (1/ 315)، والمفردات في غريب القرآن (ص 262)، ومعاني القرآن للنحاس (2/ 250)، ومشارق الأنوار (2/ 225).
(4) انظر: غريب الحديث، لابن قتيبة (1/ 220).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1008)

ومزدلفة(1).
وبعد أن ذكر الإمام الطبري هذه الأقوال وغيرها تعقبها بقوله: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن تعظيم شعائره وهي ما جعله أعلامًا لخلقه فيما تعبدهم به من مناسك حجهم؛ من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها، والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم من تقوى قلوبهم، لم يخصص من ذلك شيئًا فتعظيم كل ذلك من تقوى القلوب"(2).
والناظر في كلام أهل العلم في معنى (الشعائر) يجد بعضهم قد فسرها بحسب معناها في الآية، كما جاء عن ابن عباس وغيره، ومنهم من فسرها بما هو أعم من ذلك، وقد يمثلون بشيء مما مرَّ ذكره.
والصحيح أن الشعائر هي كل ما أشعر الله به عباده وأعلمهم بتعظيمه وتعبدهم بذلك، فهي أعلام الدين، وشعائر الملة، أعم من كونها أعلامًا للحج، وإن كانت شعائر الحج تدخل في ذلك دخولًا أوليًا(3)، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم في بيان معنى الشعائر:
فعن عطاء: "أنه سئل عن شعائر الله، فقال: حرمات الله، اجتناب سخط الله، واتباع طاعته، فذلك شعائر الله"(4).
وجاء عنه بأنها: "جميع ما أمر به أو نهى عنه"(5).
وقال الإمام الطبري: "وأما قوله: {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}: فإنه يعني من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده معلمًا ومشعرًا يعبدونه عندها؛--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري (17/ 156)، وتفسير السمعاني (3/ 437).
(2) تفسير الطبري (17/ 157)، وهذا ما رجحه في مواضع أخرى. انظر: (17/ 159).
(3) انظر: فتح القدير (3/ 452).
(4) تفسير الطبري (6/ 54).
(5) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/ 146).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1009)

إما بالدعاء، وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها"(1).
وعرَّفها الرازي بقوله: "فهي أعلام طاعته، وكل شيء جعل علمًا من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله"(2).
وقال الجصَّاص في معنى الشعائر: "الشعائر: هي معالم للطاعات والقرب"(3).
وقال الزجاج في بيان معنى الشعائر: " يعْنِي بها جَميعَ مُتَعَبَّداتِه التي أَشْعَرَها الله: أَي جَعَلَها أَعلامًا لنا، وهي كلُّ ما كان من مَوْقفٍ، أَو مَسْعًى، أَو ذَبْحٍ، وإِنّما قيل شَعائِرُ لكُلّ عَلَمٍ ممّا تُعَبِّدَ به؛ لأنّ قَوْلَهُمْ شَعَرْتُ به: عَلِمْتُه، فلهذا سُمِّيَتِ الأَعلامُ التي هي مُتَعَبَّداتُ اللّهِ تعالى شَعَائِرَ"(4).
ويقول العلامة عبد الرحمن السعدي في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]: "يخبر تعالى أن الصفا والمروة وهما معروفان: من شعائر الله: أي: أعلام دينه الظاهرة التي تعبَّد الله بها عباده"(5).
ويقول الشيخ ابن عاشور في تفسير معنى الشعائر: "والشعائر: جمع شعيرة، وهي أمكنة، وأزمنة، وذوات؛ فالصفا والمروة، والمشعر الحرام: من الأمكنة، والشهر الحرام: من الشعائر الزمانية، والهدي والقلائد: من الشعائر الذوات"(6).--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (2/ 44)، وانظر: تفسير القرطبي (2/ 180)، و (12/ 56).
(2) التفسير الكبير (4/ 143)، وانظر: تفسير ابن زمنين (1/ 190).
(3) أحكام القرآن، للجصاص (1/ 121).
(4) تاج العروس (12/ 191)، وتهذيب اللغة للأزهري (1/ 267).
(5) تفسير السعدي (ص 76).
(6) انظر: التحرير والتنوير (6/ 81 - 82).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1010)