أو لأنه يتغير بتغير التوابع فيختلف باختلاف أحوال المخاطبين وبإختلاف مقدرة المتكلمين وباختلاف الألسنة واللغات عكس ما تقدم ولنضرب لك أمثالا توضح دقائق هذين النوعين.
إذا أردت أن تخبر عن حاتم بالجود قلت جاد حاتم إن كنت تخاطب خالي الذهن من هذا الخبر وقلت حاتم جواد إذا كنت تخاطب شاكا مترددا فيه وقلت إن حاتما جواد إذا كنت تخاطب منكرا غير مسرف في إنكاره وقلت والله إن حاتما لجواد إذا كان مخاطبك مسرفا في الإنكار وقلت حاتم سخي جواد كريم معطاء إذا كان المقام مقام مدح وقلت ما جواد إلا حاتم إذا كان مخاطبك يعتقد العكس وأن غير حاتم هو الجواد وقلت حاتم ممدود السماط أو كان في بني طيء بحر كثير الفيضان إذا كان على شيء من الذكاء وقلت حاتم مهزول الفصيل أو غمر حاتم بإنعامه الأنام إذا كان مخاطبك على جانب عظيم من الذكاء.
فأنت ترى أن هذه الأمثلة كلها دارت على معنى واحد إستوت جميعها في أدائه هو نسبة الجود إلى حاتم فذلك هو المعنى الأولي أو الأصلي ثم أنت ترى بعد ذلك أن المعنى الأولي زيدت وعليه خصوصيات مختلفة ومزايا متغايرة هذه الأمثلة ففي المثال الأول تجرد من مؤكدات الحكم لأن المخاطب خالي الذهن وفي الثاني تأكيد باسمية الجملة استحسانا لأن المخاطب شاك وفي الثالث تأكيد بمؤكدين اسمية الجملة وإن لأن المخاطب منكر إنكارا يقتضيهما وفي الرابع تأكيد بمؤكدات أربعة اسمية الجملة وإن واللام والقسم لأن المخاطب مسرف في الإنكار وفي الخامس إطناب لأن المقام للمدح وهو يقتضي الإطناب وفي السادس قصر للجود على حاتم لأن المخاطب يعتقد العكس فقصرت انت قصر قلب لتعكس مراده عليه وفي السابع تجوز في التعبير بكناية قريبة واستعارة تصريحية لأن المخاطب على شيء من الذكاء وفي الثامن تجوز في التعبير بكناية بعيدة واستعارة مكنية لأن المخاطب على جانب عظيم من الذكاء بحيث تكفيه الإشارة الخفية واللمحة القصية.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٢)
ثم إن هذه النكات البلاغية والاعتبارات الزائدة يختص بها اللسان العربي كما أن لكل لغة خصائصها.
وهذه الاعتبارات مع فصاحة المفردات هي مناط بلاغة الكلام والمتكلم وعلوم البلاغة على سعتها ووفرة مباحثها وحسن بلاء الباحثين فيها لا تكفي وحدها لتصل بدارسها إلى مصاف البلغاء وذوي اللسن والبيان بل غايتها أن يعرف بها أن هذه الحال تقتضي هذا الاعتبار وأن تلك الحال تقتضي ذلك الاعتبار وهكذا أما التطبيق والقدرة على الصياغة البلاغية فشأو بعيد يتوقف على أمور كثيرة منها الإلمام بظروف الكلام وأحوال المخاطبين ومنها الإحاطة بدرجة تلك الأحوال قوة وضعفا ومنها الإتيان بالخصوصيات المناسبة لهذه الأحوال والمقامات ومنها الذوق البلاغي أو الحاسة البيانية التي تكتسب بممارسة كلام البلغاء وأساليبهم وترويض النفس على محاكاتهم وتقليدهم وإلا فكم رأينا من مهرة في علوم اللسان لا يحسنون صناعة الكلام ولا يستطيعون حيلة إلى أقل درجات البيان فضلا عن أن يبرزوا في هذا الميدان.
والكلام البليغ يتفاوت تفاوتا بعيد المدى تبعا لدرجة توافر هذه الأمور فيه كلا أو بعضا ولم تعرف الدنيا ولن تعرف كلاما بلغ الطرف الأعلى والنهاية العظمى في الإحاطة بكل الخواص البلاغية سوى القرآن الكريم الذي انقطعت دونه أعناق الفحول من البلغاء في حلبته أنفاس الموهوبين من الفصحاء حتى شهدوا على أنفسهم بالعجز حين شاهدوا روائع الإعجاز ورأوا أن كلامهم وإن علا فهو طبعة الخلق أما القرآن فهو طبعة الخلاق!.
{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٣)
مقاصد القرآن الكريم
بما أن الترجمة عرفا لا بد أن تتناول مقاصد الأصل جميعا فإنا نقفك على أن تعالى
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٣)
في إنزال كتابه العزيز ثلاثة مقاصد رئيسية أن يكون هداية للثقلين وأن يقوم آية لتأييد النبي صلى الله عليه وسلم وأن يتعبد الله خلقه بتلاوة هذا الطراز الأعلى من كلامه المقدس.
هداية القرآن:
وهداية القرآن تمتاز بأنها عامة وتامة وواضحة.
أما عمومها فلأنها تنتظم الإنس والجن في كل عصر ومصر وفي كل زمان ومكان قال الله سبحانه: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} وقال جلت حكمته: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} وقال عز اسمه: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} وقال عمت رحمته: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} .
وأما تمام هذه الهداية فلأنها احتوت أرقى وأوفى ما عرفت البشرية وعرف التاريخ من هدايات الله والناس وانتظمت كل ما يحتاج إليه الخلق في العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات على اختلاف أنواعها وجمعت بين مصالح البشر في العاجلة والآجلة ونظمت علاقة الإنسان بربه وبالكون الذين يعيش فيه ووفقت بطريقة حكيمة بين مطالب الروح والجسد اقرأ إن شئت قوله سبحانه: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٤)
وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} وقال جل جلاله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} وقال عز من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} وقال تعالت حكمته: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} إلى غير ذلك من آيات كثيرة.
وأما وضوح هذه الهداية فلعرضها عرضا رائعا مؤثرا توافرت فيه كل وسائل الإيضاح وعوامل الإقناع أسلوب فذ معجز في بلاغته وبيانه واستدلال بسيط عميق يستمد بساطته وعمقه من كتاب الكون الناطق وأمثال خلابة تخرج أدق المعقولات في صورة أجلى الملموسات وحكم بالغات تبهر الألباب بمحاسن الإسلام وجلال التشريع وقصص حكيم مختار يقوي الإيمان واليقين ويهذب النفوس والغرائز ويصقل الأفكار والعواطف ويدفع الإنسان دفعا إلى التضحية والنهضة ويصور له مستقبل الأبرار والفجار تصويرا يجعله كأنه حاضر تراه الأبصار في رابعة النهار والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن يخرجنا استعراضها عما نحن بسبيله الآن.
والمهم أن نعلم في هذا المقام أن الهدايات القرآنية الكريمة منها ما استفيد من معاني القرآن الأصلية ومنها ما استفيد من معانيه التابعة أما القسم الأول فواضح لا يحتاج إلى تمثيل وهو موضع اتفاق بين الجميع وأما القسم الثاني ففيه دقة جعلت بعض الباحثين يجادل فيه وإنا نوضحه لك بأمثلة نستمدها من فاتحة الكتاب العزيز:
منها استفادة أدب الابتداء بالبسملة في كل أمر ذي بال أخذا من ابتداء الله كتابه بها ومن افتتاحه كل سورة من سورة بها عدا سورة التوبة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٥)
ومنها: استفادة أن الاستعانة في أي شيء لا تستمد إلا من اسم الله وحده أخذا من إضافة الاسم إلى لفظ الجلالة موصوفا بالرحمن الرحيم ومن القصر المفهوم من البسملة على تقدير عامل الجار والمجرور متأخرا ومن تقدير هذا العامل عاما لا خاصا.
ومنها: استفادة الاستدلال على أن الحمد مستحق لله بأمور ثلاثة تربيته تعالى للعوالم كلها ورحمته الواسعة التي ظهرت آثارها وتأصل اتصافه تعالى بها وتصرفه وحده بالجزاء العادل في يوم الجزاء وذلك أخذا من جريان هذه الأوصاف على اسم الجلالة في مقام حمد بقوله سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}
ومنها: استفادة التوحيد بنوعيه توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية من القصر الماثل في قوله سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
ومنها: استفادة دليل هذا التوحيد من الآيات السابقة عليه ووقوعه هو في سياقها عقيبها كما تقع النتيجة عقب مقدماتها.
ومنها استفادة أن الهداية إلى الصراط المستقيم هي المطمع الأسمى الذي يجب أن يرمي إليه الناس ويتنافس فيه المتنافسون يدل على ذلك اختيارها والاقتصار على طلبها والدعاء بها ثم انتهاء سورة الفاتحة بها كما تنتهي البدايات بمقاصدها.
ومنها: استفادة أن الهداية لا يرجى فيها إلا الله وحده لأنها انتظمت مع آيات التوحيد قبلها في سمط واحد.
ومنها: استفادة أدب من الآداب هو أن يقدم الداعي ثناء الله على دعائه استنتاجا من ترتيب هذه الآيات الكريمة حيث تقدم فيها ما يتصل بحمد الله وتمجيده وتوحيده على ما يتصل بدعائه واستهدائه.
هذه أمثلة اقتبسناها من سورة الفاتحة ونحن لا نظن أن أحدا يخاصم فيها هاك مثالين مما وقع فيه خلاف العلماء.:
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٦)
المثال الأول استفادة وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء في الطهارة أخذا من مخالفة مقتضى الظاهر في ذكر هذه الأعضاء بآية الوضوء إذ يقول الله سبحانه يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين فأنت ترى أنه تعالت حكمته ذكر الرأس وهو ممسوح بين الأعضاء الأخرى وهي مغسولة وكان مقتضى الظاهر أن تتصل المغسولات بعضها ببعض وتذكر قبل الممسوح أو بعده لأن المغسولات متماثلة والعرب لا تفصل بين المتماثلات إلا لحكمة والحكمة هنا هي إفادة وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء في الطهارة على نمط الترتيب الماثل في هذه الآية.
وثمة وجه آخر لاستفادة حكم هذا الترتيب أيضا ذلك أن الآية المذكورة لم تعرض فيها أعضاء الوضوء مرتبة ترتيبا تصاعديا ولا ترتيبا تنازليا فلم يبدأ فيها بالأعالي متبوعة بالأسافل ولا بالأسافل متبوعة بالأعالي بل ذكر فيها عال ثم سافل ثم أعلى ثم أسفل وذلك خلاف مقتضى الظاهر ومثله لا يصدر في لغة العرب إلا لحكمة وما الحكمة هنا فيما نفهم إلا إفادة وجوب الترتيب في الوضوء وبهذا قال الشافعية والحنابلة وإن خالفهم الحنفية والمالكية.
المثال الثاني استفادة وجوب مسح ربع الرأس في الوضوء أخذا من مخالفة مقتضى الظاهر أيضا في قوله سبحانه: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} حيث دخلت باء على الرؤوس وهي الممسوحة مع أن الظاهر كان يقتضي دخولها على آلة المسح وهي راحة اليد ولكن مخالفة هذا الظاهر في كلام عربي بليغ دلتنا على أنه نزل الرأس منزلة آلة المسح إرشادا إلى أن اليد توضع على الرأس وتحرك كأننا مسحنا اليد بالرأس وبهذه الطريقة تنمسح الناصية عادة وهي تقدر بربع الرأس فالواجب إذن هو مسح ربع الرأس وبهذا أخذ الحنفية وإن خالفهم الأئمة الثلاثة رضوان الله عليهم أجمعين.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٧)
ولسنا هنا بصدد مقارنات فقهية أو موازنات مذهبية حتى نناصر رأيا على رأي أو نرجح فهما على فهم فسحبنا في هذا الموضوع بيان دلالة نظم القرآن الكريم باعتبار معانيه الثانوية على هدايات متنوعة من عقائد وأحكام وآداب وأدلة ولطائف وإن اختلف الناس في إدراكها على مقدار اختلاف مواهبهم واستعدادهم لأن هذه المعاني الثانوية دقيقة الطرق لطيفة المسالك ومن شأن الدقائق واللطائف أن يكون مجال التفاوت بين الفاهمين لها بعيدا بخلاف دلالة نظم القرآن الكريم على هداياته باعتبار معانيه الأصلية فإنها واضحة قل أن يقع فيها تفاوت أو خلاف لأن هذه المعاني كما قررنا يستوي فيها العربي والعجمي والحضري والبدوي والذكي والغبي.
واعلم أن قرآنية القرآن وامتيازه ترتبط بمعانيه الثانوية وما استفيد منها أكثر مما ترتبط بمعانيه الأصلية وما استفيد منها للاعتبارات الآنفة ولأن المعاني الأصلية ضيقة الدائرة محدودة الأفق أما المعاني الثانوية فبحر زاخر متلاطم الأمواج تتجلى فيها علوم الله وحكمته وعظمته الإلهية وتظهر منها فيوضات الله وإلهاماته العلوية على من وهبهم هذه الفيوضات والإلهامات من عباده المصطفين وورثة كلامه المقربين وأهل الذوق والصفاء من العلماء العاملين جعلنا الله منهم بمنه وكرمه آمين.
إعجاز القرآن:
المقصد الثاني من نزول القرآن الكريم أن يقوم في فم الدنيا آية شاهدة برسالة سيدنا محمد وأن يبقى على جبهة الدهر معجزة خالدة تنطق بالهدى ودين الحق ظاهرا على الدين كله ووجوه إعجاز القرآن كثيرة نفصلها في مبحثها إن شاء الله بيد أنا ننبهك هنا إلى أن بلاغته العليا وجه بارز من هذه الوجوه بل هي أبرز وجوهه وجودا وأعظمها أفرادا لأن كل مقدار ثلاث آيات قصار معجز ولو كان هذا
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٨)
المقدار من آية واحدة طويلة فقد تحدى الله أئمة البيان أن يأتوا بسورة من مثله وأقصر سورة هي سورة الكوثر وآياتها ثلاث قصار وإذا كان أئمة البيان في عصر ازدهاره والنباغة فيه قد عجزوا فسائر الخلق أشد عجزا ولقد فرغنا من أن بلاغة القرآن منوطة بما اشتمل عليه من الخصوصيات والاعتبارات الزائدة وأنت خبير بأنها سارية فيه سريان الماء في العود الأخضر أو سريان الروح في الجسم وأن نظم القرآن الكريم مصدر لهداياته كلها سواء منها ما كان طريقه هيكل النظم وما كان طريقه تلك الخصوصيات الزائدة عليه وهنا يطالعك العجب العاجب حين تجد دليل صدق الهداية الإسلامية قد آخاها واتحد مطلعهما في سماء القرآن فأداه وأداها!!.
التعبد بتلاوة القرآن:
المقصد الثالث من نزول القرآن أن يتعبد الله خلقه بتلاوته ويقربهم إليه ويأجرهم على مجرد ترديد لفظه ولو من غير فهمه فإذا ضموا إلى التلاوة فهما زادوا أجرا على أجر قال الله تعالى: {إِِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح وروى الحاكم مثله مرفوعا وقال صحيح الإسناد وجاء في حديث آخر عن أنس أنه قال أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن وسنده ضعيف غير أنه يتقوى بغيره ثم إن هذه خصيصة امتاز بها القرآن هي عماد الدين أما غيرها فلا أجر على مجرد تلاوته بل لا بد من التفكر فيه وتدبره حتى الصلاة هي عماد الدين ليس للمرء من ثوابها إلا بمقدار ما عقل منها..
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٩)
وإنما انفرد القرآن بهذه المزية لحكم وسامية وفوائد ذات شأن:
أولها توفير عامل مهم من عوامل المحافظة على القرآن وبقائه مصونا من التغيير والتبديل اللذين أصابا كتب الله من قبل ذلك أن هذا الأجر العظيم الذي وعده الله من يتلو كتابه العزيز ولو غير متفهم لمعانيه من شأنه أن يحبب الناس في قراءة القرآن ويدفعهم إلى الإكثار منها ويحركهم إلى استظهاره وحفظه ولا ريب أن انتشار القراءة والقراء والحفاظ يجعل القرآن كثير الدوران على الألسنة واضح المعالم في جميع الأوساط والطبقات وهنا لا يجرؤ أحد على تغيير شيء فيه وإلا لقي أشد العنت من عارفيه كما حدث لبعض من حاولوا هذا الإجرام من أعداء الإسلام.
ثانيها إيجاد وحدة للمسلمين لغوية تعزز وحدتهم الدينية وتيسر وسائل التفاهم والتعاون فيما بينهم فتقوى بذلك صفوفهم وتعظم شوكتهم وتعلو كلمتهم
وتلك سياسة إلهية عالية فطن لها الإسلام على يد هذا النبي صلى الله عليه وسلم الأمي في عهد قديم من عهود التاريخ ونجحت هذه السياسة نجاحا باهرا حتى انضوى تحت اللسان العربي أمم كثيرة مختلفة اللغات ونبغ منهم نابغون سبقوا كثيرا من العرب في علوم القرآن وعلوم لغة القرآن بينما أمم كبيرة في هذا العصر الحديث الذي يزعمونه عصر العلم والنور قد حاولت مثل هذه المحاولة بتقرير لسان عام ولغة عالمية مشتركة أسموها لغة الاسبرنتو فكانت محاولة فاشلة فضلا عن أنها جاءت مسبوقة متأخرة.
ثالثها استدراج القارئ إلى التدبر والاهتداء بهدي القرآن عن طريق هذا الترغيب المشوق وبوساطة هذا الأسلوب الحكيم.
فإن من يقرأ القرآن في يومه وهو غافل عن معانيه يقرؤه في غده وهو ذاكر لها ومن قرأه في غده وهو ذاكر لها أوشك أن يعمل بعد غد بهديها وهكذا ينتقل القارئ من درجة إلى درجة أرقى منها حتى يصل إلى الغاية بعد تلك البداية كل من سار على
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٠)
الدرب وصل ويرحم الله ابن عطاء الله السكندري إذ يقول في حكمه لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣١)
حكم ترجمة القرآن تفصيلا
على ضوء هذه المعلومات التي سقناها في تجلية معنى المتضايفين من لفظ ترجمة القرآن يسهل علينا أن ندرك أن لهذا المركب الإضافي أربعة معان رئيسية ثلاثة منها ترجع إلى اللغة وحدها والرابع تشترك فيه اللغة والعرف العام الذائع بين الأمم ولا ريب أن هذا المعنى الرابع هو الجدير بالعناية والاهتمام لأنه المتبادر إلى الأفهام والمقصود في لسان التخاطب العام.
وها نحن أولاء نستعرض تلك المعاني الأربعة مشفوعا كل معنى منها بحكمة المناسب له عسى أن تكون هذه الطريقة أبعد عن الخطأ والشطط وأهدى إلى الصواب والاعتدال.
1 - ترجمة القرآن بمعنى تبليغ ألفاظه
تطلق ترجمة القرآن إطلاقا مستندا إلى اللغة ويراد بها تبليغ ألفاظه وحكمها حينئذ أنها جائزة شرعا والمراد بالجواز هنا ما يقابل الحظر فيصدق بالوجوب وبالندب وإن شئت دليلا فها هو كان يقرأ القرآن ويسمعه أولياءه وأعداءه ويدعو إلى الله به في مولده ومهاجره وفي سفره وحضره والأمة من ورائه نهجت نهجه فبلغت ألفاظ القرآن وتلقاها بعضهم عن بعض فردا عن فرد وجماعة عن جماعة وجيلا عن جيل
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣١)
حتى وصل إلينا متواترا.. ثم ها هو القرآن نفسه يتوعد كاتميه ويقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري والترمذي وأحمد ويقول صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" رواه الشيخان.
2 - ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغته العربية
هذا هو الإطلاق الثاني المستند إلى اللغة أيضا كما مر ويراد به تفسير القرآن بلغته العربية لا بلغة أخرى وغني عن البيان أن حكمة الجواز بالمعنى الآنف وإن كنت في شك فهاك القرآن نفسه يقول الله فيه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ولقد قام الرسول صلوات الله وسلامه عليه ببيانه العربي خير قيام حتى اعتبرت السنة النبوية كلها شارحة له ونقل منها في التفسير بالمأثور شيء كثير ولقد تأثر العلماء برسول الله في ذلك منذ عهد الصحابة إلى اليوم وها هي المكتبات العامة والخاصة زاخرة بالتفاسير العربية للقرآن الكريم على رغم ما اندثر منها وعلى رغم ما يأتي به المستقبل من تفاسير يؤلفها من لا يقنعون بقديم ويتلقاها عنهم من يجدون في أنفسهم حاجة إلى عرض جديد لعلوم القرآن والدين ومما يدل على أن القرآن بحر الله الخضم وأن العلماء جميعا من قدامى ومحدثين لا يزالون وقوفا بساحله يأخذون منه على قدر قرائحهم وفهومهم والبحر بعد ذلك هو البحر في فيضانه وامتلائه والقرآن هو القرآن في ثروته وغناه بعلومه وبأسراره: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٢)
ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغة أجنبية
هذا هو الإطلاق الثالث المستند إلى اللغة أيضا ويراد به تفسير القرآن بلغة غير لغته أي بلغة عجمية لا عربية ولا ريب عندنا في أن تفسير القرآن بلسان أعجمي لمن لا يحسن العربية يجري في حكمة تفسيره بلسان عربي لمن يحسن العربية فكلاهما عرض لما يفهمه المفسر من كتاب الله بلغة يفهمها مخاطبه لا عرض لترجمة القرآن نفسه وكلاهما حكاية لما يستطاع من المعاني والمقاصد لا حكاية لجميع المقاصد وتفسير القرآن الكريم يكفي في تحققه أن يكون بيانا لمراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية ولو جاء على احتمال واحد لأن التفسير في اللغة هو الإيضاح والبيان وهما يتحققان ببيان المعنى ولو من وجه ولأن التفسير في الاصطلاح علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله بقدر الطاقة البشرية وهذا يتحقق أيضا بعرض معنى واحد من جملة معان يحتملها التنزيل وإذا كان تفسير القرآن بيانا لمراد الله بقدر الطاقة البشرية فهذا البيان يستوي فيه ما كان بلغة العرب وما ليس بلغة العرب لأن كلا منهما مقدور للبشر وكلا منهما يحتاجه البشر بيد أنه لا بد من أمرين أن يستوفي هذا النوع شروط التفسير باعتبار أنه تفسير وأن يستوفي شروط الترجمة باعتبار أنه نقل لما يمكن من معاني اللفظ العربي بلغة غير عربية وشروط التفسير ذكرناها في الجزء الأول بالمبحث الثاني عشر من هذا الكتاب وشروط الترجمة ذكرناها بهذا المبحث عن كثب.
أمور مهمة:
ونسترعي نظرك إلى أمور مهمة أولها أن علماءنا حظروا كتابه القرآن بحروف غير عربية وعلى هذا يجب عند ترجمة القرآن بهذا المعنى إلى أية لغة أن تكتب
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٣)
الآيات القرآنية إذ كتبت بالحروف العربية كيلا يقع إخلال وتحريف في لفظه فيتبعهما تغير وفساد في معناه.
سئلت لجنة الفتوى في الأزهر عن كتابة القرآن بالحروف اللاتينية فأجابت بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله بما نصه1 لا شك أن الحروف اللاتينية المعروفة خالية من عدة حروف توافق العربية فلا تؤدي جميع ما تؤديه الحروف العربية فلو كتب القرآن الكريم بها على طريقة النظم العربي كما يفهم من الاستفتاء لوقع الإخلال والتحريف في لفظه ويتبعهما تغير المعنى وفساده وقد قضت نصوص الشريعة بأن يصان القرآن الكريم من كل ما يعرضه للتبديل والتحريف وأجمع علماء الإسلام سلفا وخلفا على أن كل تصرف في القرآن يؤدي إلى تحريف في لفظه أو تغيير في معناه ممنوع منعا باتا ومحرم تحريما قاطعا وقد التزم الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم إلى يومنا هذا كتابة القرآن بالحروف العربية.
الأمر الثاني أن تفاسير القرآن المتداولة بيننا تتناول المفرد من الأصل وبجانبه شرحه ثم تتناول الجملة أو الآية وشرحها متصل بها كذلك غالبا ومعنى هذا أن ألفاظ القرآن منبثة في ثنايا التفسير على وجه من الارتباط والإحكام بحيث لو جردنا التفاسير من ألفاظ الأصل لعادت التفاسير لغوا من القول وضربا من السخف ونحن لا نريد هنا في تفسير القرآن بلغة أجنبية أن تذكر مفردات القرآن وجملة مكتوبة بتلك اللغة الأجنبية أو مترجمة بهذه اللغة ثم تشفع بتفسيرها المذكور فلقد قررنا أن كتابة القرآن بغير العربية ممنوعة وسنقرر أن ترجمته بالمعنى العرفي مستحيلة إنما نريد هنا نوعا من التفسير يجوز أن يصدر بطائفة من ألفاظ الأصل على ما هي عليه في عروبتها رسما ولفظا إذا وضع لطائفة من المسلمين ثم يذكر عقبها المعنى الذي فهمه المفسر غير مختلط بشيء من1 أنظر المجلد السابع من مجلة الأزهر صفحة 45.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٤)
ألفاظ الأصل ولا ترجمته بل يكون هذا المعنى كله من كلام المفسر ويصاغ بطريقة تدل على أنه تفسير لا ترجمة كأن يقال معنى الآية المرقومة برقم كذا من سورة كذا هو كذا وكذا أو يقال في أول كل نوبة من نوبات التفسير معنى هذه الجملة أو الآية كذا ثم يبين في كلتا الطريقتين أن هذا المعنى مقطوع به أو أنه محتمل ويستطرد بما يظن أن حاجة المخاطبين ماسة إليه من التعريف بالمصطلحات الإسلامية والأسرار والحكم التشريعية والتنبيه على الأخطاء التي وقعت فيها الترجمات المزعومة ونحو ذلك مما يوقع في روع القارئ أن ما يقرؤه ليس ترجمة للأصل محيطة بجميع معانيه ومقاصده إنما هو تفسير فحسب لم يحمل من معاني القرآن ومقاصده إلا قلا من كثر وقطرة من بحر أما القرآن نفسه فأعظم من هذا التفسير بكثير كيف وهو النص المعجز في ألفاظه ومعانيه من كلام العليم الخبير؟!.
الأمر الثالث أن ترجمة القرآن بهذا المعنى مساوية لترجمة تفسيره العربي لأن الترجمة هنا لم تتناول في الحقيقة إلا رأي هذا المفسر وفهمه لمراد الله على قدر طاقته خطأ كان فهمه أو صوابا ولم تتناول كل مراد الله من كلامه قطعا فكأن هذا المفسر وضع أولا تفسيرا عربيا ثم ترجم هذا التفسير الذي وضعه وإن شئت فقل إنه ترجم تفسيرا للقرآن قام هو به غير أنه لم يدونه وأنت خبير بأن التفسير هو التفسير سواء أدونه صاحبه أم لم يدونه.
الأمر الرابع ذهب بعضهم إلى تسمية هذا النوع وما يشبهه ترجمة تفسيرية للقرآن بالمعنى العرفي ونحن مع علمنا بأن الخلاف في التسمية تافه لا نستطيع أن نرى رأيهم لشهادة العرف التي أقمناها ثم اعتمدنا عليها في رسم الفوارق الأربعة بين أي ترجمة وأي تفسير فترجمة القرآن على فرض إمكانها تصوير لكل ما أراد منزله من معانيه ومقاصده وترجمة التفسير تصوير لكل ما أراد المفسر من معانيه ومقاصده والقرآن لا يمكن أن يكون في معانيه المرادة لله خطأ أبدا فإذا صحت ترجمته على فرض إمكانها وجب ألا
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٥)
تحمل ولا تصور خطأ أما التفسير فيمكن أن يكون في معانيه المرادة للمفسر خطأ أي خطأ وعلى هذا فترجمة هذا التفسير ترجمة صحيحة لا بد أن تحمل هذا الخطأ وتصوره وإلا لما صح أن تكون ترجمة له لأن الترجمة صورة مطابقة للأصل ومرآة حاكية له على ما هو عليه من صواب أو خطأ إيمان أو كفر حق أو باطل.
والقرآن مليء بالمعاني والأسرار الجلية والخفية إلى درجة تعجز المخلوق عن الإحاطة بها فضلا عن قدرته على محاكاتها وتصويرها بلغة عربية أو أعجمية أما التفسير فمعانيه محدودة لأن قدرة صاحبه محدودة مهما حلق في سماء البلاغة والعلم وعلى هذا فعدسه أي مصور له تستطيع التقاطه وتصويره بالترجمة إلى أي لغة.
الأمر الخامس يجب أن تسمى مثل هذه الترجمة ترجمة تفسير القرآن أو تفسير القرآن بلغة كذا ولا يجوز أن تسمى ترجمة القرآن بهذا الإطلاق اللغوي المحض لما علمت من أن لفظ ترجمة القرآن مشترك بين معان أربعة وأن المعنى الرابع هوالمتبادر إلى الأذهان عند الإطلاق نظرا إلى أن العرف الأممي العام لا يعرف سواه ولا يجوز أيضا أن تسمى ترجمة معاني القرآن لأن الترجمة لا تضاف إلا إلى الألفاظ ولأن هذه التسمية توهم أنها ترجمة للقرآن نفسه خصوصا إذا لاحظنا أن كل ترجمة لا تنقل إلا المعاني دون الألفاظ.
الأمر السادس يحسن أن يدون التفسير العربي وتشفع به ترجمته هذه ليكون ذلك أنفى للريب وأهدى للحق وأظهر في أنه ترجمة تفسير لا ترجمة قرآن ومن عرف قدر القرآن لم يبخل عليه بهذا الاحتياط لا سيما في هذا الزمن الذي تنمر فيه أعداء الإسلام وحاربونا فيه بأسلحة مسمومة من كل مكان.
الأمر السابع يجب أن يصدر هذا التفسير المترجم بمقدمة تنفي عنه في صراحة أنه ترجمة للقرآن نفسه وتبين أن ترجمة القرآن نفسه بالمعنى المتعارف أمر دونه خرط
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٦)
القتاد لأن طبيعة تأليف هذا الكتاب تأبى أن يكون لها نظير يحاكيه لا من لغته ولا من غير لغته وذلك هو معنى إعجازه البلاغي ومن أراد أن يتصور هذا اللون من ألوان إعجازه فلينتقل هو إلى هذا الكتاب ولغته فيتذوقه بها وبأساليبها ومن المحال أن ينتقل هذا الكتاب العزيز تاركا عرشه الذي بوأه الله إياه وهو عرش اللغة العربية وماذا يبقى للملك من عزة وسلطان إذا هو تخلى عن عرشه وملكه وهذا القرآن جعله الله ملك الكلام وتوجه بتاج الإعجاز واختار لغته العربية مظهرا لهذا الإعجاز والاعتزاز!: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٧)
فوائد الترجمة بهذا المعنى
لترجمة القرآن بهذا المعنى فوائد كنا في غنى عن بيانها بما أشرنا إليه من أنها كالتفسير العربي الذي اتفق الجميع على جوازه بشرطه ولكن بعض الباحثين توقفوا في جواز هذه الترجمة كما توقفوا في جواز الترجمة بالمعنى الآتي مع بعد ما بينهما ثم تذرعوا بأنه لا فائدة ترجى منها وأثاروا شبهات حولها لهذا نبسط القول ببيان فوائد هذه الترجمة ثم بدفع الشبهات عنها أما فوائدها فنشرحها فيما يأتي:
الفائدة الأولى رفع النقاب عن جمال القرآن ومحاسنه لمن لم يستطع أن يراها بمنظار اللغة العربية من المسلمين الأعاجم وتيسير فهمه عليهم بهذا النوع من الترجمة ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ويعظم تقديرهم للقرآن ويشتد شوقهم إل يه فيهتدوا بهديه ويغترفوا من بحره ويستمتعوا بما حواه من نبل في المقاصد وقوة في الدلائل وسمو في التعاليم ووضوح وعمق في العقائد وطهر ورشد في العبادات ودفع قوى إلى مكارم الأخلاق وردع زاجر عن الرذائل والآثام وإصلاح معجز للفرد وللمجموع واختيار موفق لأحسن القصص وإخبار عن كثير من أنباء الغيب وكشف عن معجزات
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٧)
أكرم الله بها رسوله وأمته إلى غير ذلك مما من شأنه أن يسمو بالنفوس الإنسانية ويملأ العالم حضارة صحيحة ومدنية.
وإنك لتستطيع أن ترى هذه الفائدة ماثلة بين عينيك إذا ما شاهدت أستاذا ممتازا يلقي درسا من دروس التفسير على العامة يجلي معاني القرآن لهم بمهارته ويتنزل إلى مستواهم فيخاطبهم ويتخير من المعاني أصحها وأمسها بحاجتهم ويعالج عند المناسبة ما يعرف من جهالتهم وشبهتهم والله لكأني بهذا المدرس اللبق وقد نفخ فيهم من روح القرآن فأحيا مواتهم وداوى أمراضهم وقادهم إلى النهضة وجعلهم يؤمنون بهذا الكتاب عن علم وذوق وشعور ووجدان بعد أن كانوا يؤمنون به إيمانا أشبه بالتقليد الأعمى أو بمحاكاة الصبيان.
ولقد دلتنا التجارب على أن كثيرا من هؤلاء الذين أحسوا جلال القرآن عن طريق تفسيره فكروا في حفظه واستظهاره ودراسة لغته وعلومه ليرتشفوا بأنفسهم من منهله الروي ويشبعوا نهمتهم من غذائه الهني ما دام هذا التفسير وغيره لا يحمل كل معاني الأصل وما دام ثواب الله يجزي على كل من نظر في الأصل أو تلا نفس ألفاظ الأصل.
الفائدة الثانية دفع الشبهات التي لفقها أعداء الإسلام وألصقوها بالقرآن وتفسيره كذبا وافتراء ثم ضللوا بها هؤلاء المسلمين الذين لا يحذقون اللسان العربي في شكل ترجمات مزعومة للقرآن أو مؤلفات علمية وتاريخية للطلاب أو دوائر معارف للقراء أو دروس ومحاضرات للجمهور أو صحف ومجلات للعامة والخاصة.
الفائدة الثالثة تنوير غير المسلمين من الأجانب في حقائق الإسلام وتعاليمه خصوصا في هذا العصر القائم على الدعايات وبين نيران هذه الحروب التي أوقدها أهل الملل والنحل الأخرى حتى ضل الحق أو كاد يضل في سواد الباطل وخفت صوت الإسلام أو كاد يخفت بين ضجيج غيره من المذاهب المتطرفة والأديان المنحرفة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٨)