وَالْعِلْهِز1، فَنَالَ ذَلِكَ الْجَدَبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ، وَبِدُعَائِهِ عُوقِبُوا، حَتَّى شَدَّ وَشَدَّ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بُطُونِهِمُ الْحِجَارَةَ مِنَ الْجُوعِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَقَدْ رَأَيْنَا بِعُيُونِنَا، مَا أَغْنَى عَنِ الْأَخْبَارِ، فَكَمْ مِنْ بَلَدٍ فِيهِ الصَّالِحُونَ وَالْأَبْرَارُ وَالْأَطْفَالُ وَالصِّغَارُ، أَصَابَتْهُ الرَّجْفَةُ، فَهَلَكَ بِهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْمُسِيءُ وَالْمُحْسِنُ، وَالطِّفْلُ وَالْكَبِيرُ كَـ"قومس"2 ومهرجان، و"قذق" و"الرّيّ"، وَمُدُنٍ كَثِيرَةٍ مِنْ مُدُنِ الشَّامِ وَالْيَمَنِ.
وَهَذَا شَيْءٌ يَعْرِفُهُ، كُلُّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ عز وجل، مِنْ أَهْلِ الدِّيَانَاتِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَخْبَارِ أَنَّ الْمَنْصُورَ سَمَرَ3 ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَذَكَرَ خُلَفَاءَ بَنِي أُمَيَّةَ وَسِيرَتَهُمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا عَلَى اسْتِقَامَةٍ، حَتَّى أَفْضَى أَمْرُهُمْ إِلَى أَبْنَائِهِمُ الْمُتْرَفِينَ، فَكَانَ هَمُّهُمْ مِنْ عَظِيمِ شَأْنِ الْمُلْكِ، وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ قَصْدَ الشَّهَوَاتِ وَإِيثَارَ4 اللَّذَّاتِ، وَالدُّخُولَ فِي مَعَاصِي اللَّهِ عز وجل وَمَسَاخِطِهِ، جَهْلًا مِنْهُمْ بِاسْتِدْرَاجِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمْنًا مِنْ مَكْرِهِ تَعَالَى، فَسَلَبَهُمُ اللَّهَ تَعَالَى الْمُلْكَ وَالْعِزَّ، وَنَقَلَ عَنْهُمُ النِّعْمَةَ.
فَقَالَ لَهُ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ5: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مَرْوَانَ، لَمَّا دَخَلَ أَرْضَ النُّوبَةِ هَارِبًا، فِيمَنِ اتَّبَعَهُ، سَأَلَ مَلِكُ النُّوبَةِ عَنْهُمْ، فَأُخْبِرَ فَرَكِبَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ عَجِيبٍ فِي هَذَا النَّحْوِ، لَا أَحْفَظُهُ، وَأَزْعَجَهُ عَنْ بَلَدِهِ.--------------------------------------------
1 العلهز: القراد الضخم، وَطَعَام من الدَّم والوبر كَانَ يتَّخذ فِي المجاعة.
2 قومس: صقع كَبِير بَين خُرَاسَان وبلاد الْجَبَل، وإقليم بالأندلس.
3 السمر: سهر اللَّيْل وَحَدِيثه، وظل الْقَمَر، والدهر "الْقَامُوس".
4 وَفِي نُسْخَة: وإتيان.
5 صَالح بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس الْهَاشِمِي الْأَمِير عَم السفاح والمنصور، ولد عَام 96هـ، وَأول من ولي مصر من قبل الْخُلَفَاء العباسيين تعقب مَرْوَان بن مُحَمَّد لما فر من الشَّام وَقَتله ببوصير سنة 132هـ، فولاه السفاح مصر ثمَّ ولاه أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور بِلَاد الشَّام، وَكَانَ شجاعًا حازمًا وَتُوفِّي بِقِنِّسْرِينَ عَام 151هـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)