جبلية أو أشجار سامقة، ولعلها كانت بعض الصحاري الممتدة أو السهول الواسعة، فالمكان لم يحدد والستر لم يعين {لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} 1.
ونظرًا لوضوح سياسة ذي القرنين في الشعوب التي تمكن منها، وهو الدستور المعلن في رحلة الغرب لم يكرر هنا إعلان مبادئه، لأنها منهج حياة ودستور ودولة مترامية الأطراف وسياسة أمم فهو ملتزم بها أينما حل أو ارتحل {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} .
إلا أن الرحلة الثالثة تختلف عن الرحلتين السابقتين من حيث طبيعة الأرض والتعامل مع البشر سكان المنطقة، ومن حيث الأعمال التي قام بها فلم يقتصر فيها على الأعمال الجهادية لكبح جماح الأشرار والمفسدين، بل قام بعمل عمران هائل.
أما الأرض فوعرة المسالك، وأما السكان -وكان وعورة الأرض قد أثرت على طبائعهم وطريقة تخاطبهم مع غيرهم- فهناك المشقة في التفاهم والمخاطبة بحيث لا يكاد الإنسان منهم يقدر على التعبير عما في نفسه، ولا أن يفقه ما يحدثه به غير بني قومه {وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} إما في أسلوب التخاطب والتعامل -كما أسلفنا- أو من التخلف الحضاري والبدائية في العادات والمفاهيم والمصطلحات.
فلما وجدوا القوة في دولة ذي القرنين والعدل والصلاح في سيرته -وعدل السلطان بفتح أمامه القلوب قبل فتح الجيوش الأمصار- لجئوا إليه لحمايتهم من--------------------------------------------
1 الستر يطلق على الحواجز الطبيعية من الجبال والأشجار، وكذلك على ما يحجب ضوء الشمس من الأمور الصناعية من بنيان وملابس، وبكل احتمال مما سبق قال بعض المفسرين.
ويرجع الدكتور عبد العليم خضر أن الموضع الذي وصل إليه القرنين في جوله المشرق هي المناطق الصحراوية المطلة على المحيط الهندي وتعرف باسم "غيدروسيا" وكانت مأوى القبائل المتأخرة وكانت تغير على تخوم الدولة المجاورة فأراد ذو القرنين تأديبها وحماية حدود دولته الشرقية منهم. انظر: مفاهيم جغرافية: 269.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
هجمات تلك القبائل الهمجية المفسدة، قبائل يأجوج ومأجوج التي كانت تشن عليهم هجماتهم من خلف الجبلين المتقابلين من الممر الضيق الذي بينهما وذلك بإقامة سد بين الصدفين1، مقابل خراج يدفعونه إليه من أموالهم.
ونظرًا لأن القضية التي وضعها ذو القرنين نصب عينيه هي الإصلاح ومقاومة الفساد والشر، والحكم بالعدل بين الناس، ولم يكن همه جمع المال أو قصد العلو في الأرض بإذلال الشعوب، فقد رفض عرضهم، وتطوع بإقامة السد على أن يتطوعوا هم من جانبهم بتقديم الجهد البشري، فمنه الخبرة والتصميم والإشراف، وعليهم الطاقة العمالية والمواد الأولية المتوافرة في بلادهم.
وكان أيسر طريق لإقامة السد هو ردم ما بين الجبلين أولًا بفلزات الحديد الذي تتخلله قطع الفحم والخشب، حتى إذا تساوت قمة الحديد بقمة الجبلين المتقابلين، أمر بالنفخ لإيقاد النار بالحطب الذي يتخلل الفلزات لتسخين الحديد، حتى إذا جعله نارًا لشدة احمراره وتوهجه أفرغ عليه النحاس المذاب يتخلل الحديد ويختلط به فيصبح قطعة واحدة وكتلة متماسكة وجدارًا أملس بين الجبلين.
وهكذا حقق الأمن والطمأنينة لهؤلاء القوم المتخلفين، فلم تستطع قبائل يأجوج ومأجوج تسور الرد ولم يستطعوا ثقبه والنفاذ من خلاله2.
ولما أنجز ذو القرنين هذا العمل الضخم الرائع، لم تأخذه نشوة البطر والغرور بل أعاد النعمة إلى مسديها، نعمة العلم والخبرة إلى واهبها، ونعمة التوفيق للعمل الصالح إلى الذي مكن له في الأرض، {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} .
ومن إيحاء هذا الموقف العظيم وهو يطل على البناء الشامخ ومن ورائه أفواج قبائل يأجوج ومأجوج المتلاطمة وهي لا تستطيع القلب ولا النقب تذكر مصير--------------------------------------------
1 الصدفان: الجبلان: المتناوحان أي المتقابلان، ولا يقال للواحد صدف وإنما يقال صدفان للاثنين لأن أحدهما يصادف الآخر. تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 11/ 61.
ونسبه لابن عطية.
2 سنعود إلى الحديث عن ذي القرنين، والسد، ويأجوج ومأجوج في مباحث مستقلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
الأرض وما عليها ومن فيها، وهذه خواطر المؤمنين المصدقين بوعد ربهم فإن مصير الأرض والجبال الدك والتدمير {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} [الحاقة: 13-15] .
إنها المشاعر الإيمانية تجاه خالق السماوات والأرض المتصرف في شئون الكون ذي العزة والجبروت بيده مقاليد الأمور مصير كل شيء إليه.
{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} .
إنه نموذج الحاكم الصالح الذي أدرك مهمته في الحياة، لقد مكن له في الأرض فجاب الآفاق لنشر العدل والخير والصلاح وقمع الشر والفساد، والأخذ على يد الظالم ومناصرة الضعيف والمظلوم، ودرء العدوان، وإقامة العمران في الأرض من غير أن يكون له حظ دنيوي في كل ذلك بل ابتغاء مرضاة ربه، وإيثارًا للدار الباقية على الفانية فلم يشغله السلطان والجاه والمال والخبرة عن ذكر الله وشكره والتطلع إلى يوم المعاد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
وقفات لابد منها
الوقفة الأولى: مع ذي القرنين
…
وقفات لا بد منها:
بعد هذا العرض الإجمالي لهذا المقطع، وقبل الانتقال إلى مباحث القيم والعبر والمواعظ لا بد لنا من عدة وقفات نتناول بإيجاز ثلاثة أمور طال كلام المفسرين حولها وتباينت آراؤهم فيها وهذه الأمور:
- التعرف على شخص ذي القرنين.
- السد وموقعه.
- يأجوج ومأجوج: حقيقتهم، ومصيرهم.
الوقفة الأولى: مع ذي القرنين
اختلف المفسرون في اسم ذي القرنين ونسبه وزمان وجوده، وسبب تلقيبه بذي القرنين، ولولا هذا الخلط الشديد الذي لا يقبله العقل ولا ترضاه الشريعة الذي وقع فيه كثير منهم لأعرضنا عن الخوض في هذا الحديث لأن من منهجنا أن لا نلتفت إلى ما أهمله القرآن الكريم، وأن نسير حيث توجهنا الآيات الكريمة في التعرف على الهدايات القرآنية.
وأبرز الأقوال في تحديد شخصية ذي القرنين:
- أنه أبو كرب شمر بن عمرو بن أفريقيش الحميري.
أخذ من ظاهر التسمية، لأن الأذواء من أهل اليمن، فمنهم ذو نواس، ذو النون، ذو النار، سيف بن ذي يزن.
- وقال آخرون إنه الإسكندر المكدوني بن فيلبوس اليوناني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
وذلك لأن البلاد التي استولى عليها الإسكندر امتدت من مشارق الأرض ومغاربها.
- وقيل هو قورش الإخميني، لإجماع المؤرخين على عدالة سيرته وحسن سيرته في الشعوب والممالك التي استولى عليها.
ولو نظرنا إلى الآيات الكريمة بتدبير وروية لاستطعنا أن نستنبط من خلالها معالم بارزة وأوصافًا واضحة يمكن أن تكون ضوابط وعلامات تعين على التعرف على هوية ذي القرنين. فمن هذه المعالم:
1- أنه رجل صالح، مكن الله له في الأرض وآتاه من كل شيء سببًا، فأقام العدل وحكم بالقسط.
2- كانت له رحلة إلى مطلع الشمس وحروب انتصر فيها على أمم كافرة وأخضعها لحكمه.
3- كانت له رحلة إلى مطلع الشمس لتأديب أقوام متخلفين.
4- كانت له رحلة إلى منطقة جبلية وعرة لإقامة سد يحمي أقوامًا ضعفاء من هجمات قبائل يأجوج ومأجوج المتوحشة.
5- من أساسيات السد الذي أقامه ذو القرنين، وقوعه بين جبلين متقابلين.
6- تكوين هذا السد من زبر الحديد المطعم بالنحاس لتحقيق الصلابة والملاسة.
7- الغرض من إقامة السد غرض عسكري لدفع هجمات القبائل المتوحشة والحد من فسادهم على القبائل المستضعفة.
ولو وضعنا هذه المعالم نصب أعيننا ثم ولجنا البحث من بابه مستخدمين مفتاحه الذي ذكره القرآن الكريم وهو: {وَيَسْأَلونَك} ، لاستطعنا أن نصل إلى بعض المرجحات كما وصل إليها أبو الكلام أزاد.
لقد وجه السؤال من قريش بقصد التعجيز، فلا بد إذن أن يكون أحد الفريقين -اليهود أو قريش- على علم بحال ذي القرنين لكي يدركوا صحة ما يخبرهم به محمد صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
لا يقال إن قريشَا كانت تعرف ذلك، لأن ما تدركه قريش يدركه محمد صلى الله عليه وسلم وهو أحدهم، إذن الذين يعرفون أخبار ذي القرنين هم اليهود الذين زودوا قريشًا بهذه الأسئلة للوقوف على صدق محمد صلى الله عليه وسلم1،
ولو رجعنا إلى كتب اليهود لا نجد في أخبار الملوك والأنبياء ما ينطبق على ما أخبر به القرآن الكريم سوى ما ورد في رؤيا النبي دانيال.
ينقل أبو الكلام آزاد في كتابه: "ويسألونك عن ذي القرنين" من سفر دانيال فيقول: "في السنة الثالثة لجلوس بيلش فر الملك كنت بمدينة سوس هيرا -من أعمال عيلام على شاطئ النهر أولائي- فرأيت الرؤيا للمرة الثانية، رأيت كبشًا واقفًا على شاطئ النهر له قرنان عاليان، وكان الواحد منهما منحرفًا إلى ظهره، ورأيت الكبش ينطح بقرنيه غربًا وشرقًا وجنوبًا لا قبل لحيوان بالوقوف أمامه، فهو يفعل ما يشاء وصار هو كبيرًا جدًا، وبينما أنا أفكر في هذه الظاهرة إذ رأيت تيسًا أقبل من جهة الغرب وغشى وجه الأرض كلها، وكان بارزًا بين عيني التيس قرن عجيب، ثم إن التيس اقترب من الكبش ذي القرنين ونفر منه مغضبًا، ثم عمد إليه فكسر قرنيه، وصرعه وداسه فأصبح الكبش ذو القرنين عاجزًا عن مقاومته، محرومًا من ناصر ينصره عليه" [سفر دانيال 8/ 1 نقلًا عن "ويسألونك عن ذي القرنين 87"] .
ثم ذكر الكتاب على لسان دانيال أن الملك جبريل ظهر له وشرح له رؤياه قائلًا: "إن الكبش ذا القرنين يمثل اتحاد المملكتين مادا وفارس فيملكهما ملك قوي لا تقدر دولة على مواجهته، أما التيس ذو القرن الواحد الذي رآه بعد الكبش فالمراد منه ملك اليونان، والقرن البارز بين عيني التيس يدل على أول ملك من اليونان" [سفر دانيال 8/ 11] .
يقول أبو الكلام آزاد تعليقًا على رؤيا دانيال:
كانت لليهود في رؤيا دانيال بشارة بأن نهاية أسرهم وبدأ نشأتهم الجديدة--------------------------------------------
1 يقول الألوسي: غرض اليهود من السؤال الامتحان، وذلك يحسن فيما خفي أمره ولم يشتهر، إذ الشهرة لا سيما إذا كانت تامة مظنة العلم. انظر روح المعاني 16/ 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
منوط بقيام هذه المملكة ذات القرنين، أي أن ملك مادا وفارس يغير على ملك بابل ويتغلب عليه ويحرر اليهود من أسرهم، وأن هذا الملك الذي اختاره الله لإعانة اليهود ورعايتهم يأمر بتعمير بيت المقدس من جديد ويجتمع الشعب الإسرائيلي الممزق مرة أخرى تحت رعايته.
وقد ظهر بعد هذه النبوءة بسنوات: الملك غورش الذي سماه اليونان سايرس، واليهود بـ"خورس" وحد مملكتي مادا وفارس فأنشأ منهما سلطنة عظيمة، ثم هاجم بابل واستولى عليها دون عناء.
رأى دانيال في رؤياه أن الكبش ذا القرنين ينطح بقرنيه في الغرب والشرق والجنوب، أي يجوز انتصارات باهرة في الجهات الثلاث، وهكذا كان أمر غورش، فقد كان انتصاره الأول في الغرب والثاني في الشرق والثالث في الجنوب، أي في بابل، وكذلك صدقت النبوءة بخلاص اليهود وازدهارهم، فقد أطلقهم غورش بعد فتحه بابل من الأسر وأذن لهم بالعودة إلى فلسطين وبناء الهيكل من جديد، وحذا حذو غورش خلفاؤه من ملوك مادا وفارس، فما زالوا يحمون اليهود ويرفقون بهم1.
ويقول أبو الكلام آزاد عن سبب رفق غورش باليهود:
"لقد كان غورش من متبعي مذهب مزديسنا أي الدين الزردشتي، وهذا أمر له أهمية خاصة في العلاقة التي كانت بين الفارسين والإسرائيليين، وفي المعلوم أن الوثنية كانت عامة شاملة العالم كله لم يشذ عنها إلا فئتان: اليهود، والزردشتيون.
وبطبيعة الحال أن يجد الملك غورش بعد فتحه بابل أن تصورات اليهود الدينية قريبة جدًا لتصوراته الدينية، فاندفع إلى احترامهم وتلقي نبوءاتهم برغبة خالصة"2.--------------------------------------------
1 انظر كتاب "ويسألونك عن ذي القرنين" 89.
2 المرجع السابق 98.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
إننا وإن كنا لا نستطيع الجزم بما قاله أبو الكلام آزاد عن غورش، فإن الروايات التاريخية يدخلها التبديل والتحريف كثيرًا، إلا أننا نجد المنهج الذي سار عليه أبو الكلام آزاد أقرب إلى الموضوعية، ومع ذلك فإننا نستبعد ما ذهب إليه كثير من المفسرين في كون ذي القرنين أبا كرب شمر بن عمرو بن أفريقيش الحميري، لأنه لم يذكر في سيرته أنه بنى سدًا عسكريًا تنطبق عليه أوصاف سد ذي القرنين كما نستبعد الإسكندر المكدوني فقد كان وثنيًا سفاكًا للدماء متغطرسًا قتل أقرب المقربين إليه.
أما الأوصاف التي ذكرت في سيرة غورش "أو قورش الإخميني" كما وردت في كتب المؤرخين فتدل على حكمته وعدالته، كما أن فتوحاته التي ذكرت في المغرب والمشرق لحماية أطراف دولته من المغيرين الطامعين وبناء السد في شمال مملكته لحفظ سكان الشمال من هجمات القبائل المتوحشة. كل ذلك يرجح أن يكون ذا القرنين.
يقول الشيخ سعيد حوى في كتابه "الأساس في التفسير":
"لا نعرف أحدًا من علماء عصرنا كأبي الكلام آزاد رحمه الله أكثرنا تأهيلًا للتحقيق في المعضلات التاريخية بما اجتمع له من ثقافة موسوعية دينية وتاريخية، وقد أقدم على تحقيق المراد بذي القرنين وبسده وبيأجوج ومأجوج، فقدم دراسة تعتبر أعظم دراسة في بابها حول هذا الموضوع، إلى أن يقول ومع أننا لا نستطيع الجزم بما أوصل إليه هذا التحقيق لكنه يبقى التحقيق الأقوى في التاريخ الإسلامي حول ذي القرنين"1.--------------------------------------------
1 الأساس في التفسير، لسعيد حوى 6/ 3232.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
الوقفة الثانية: مع السد وموقعه
اختلف المفسرون في موقع السد الذي بناه ذو القرنين كاختلافهم في شخصه فذهب بعضهم إلى أنه سد مأرب وآخرون إلى أنه سور الصين إلى غير ذلك، ولو وضعنا أيضًا المعالم التي وضعها القرآن الكريم بين أيدنا لأمكننا التعرف على السد فما ذكره القرآن الكريم:
- أنه سد أقيم بن جبلين متقابلين -صدفين.
- أن تكوينه من الحديد المطعم بالنحاس المذاب.
- أن الغاية من إقامته حماية من دونه من هجمات الأعداء.
وهذا ما فعله أبو الكلام آزاد حينما خطأ القائلين بأنه سد مأرب لأنه سد من حجارة وتراب والهدف منه زراعي لحجز مياه السيول خلفه وتنظيم توزيعه لري الأرض.
وكذلك خطأ من قال إنه سور الصين الذي يمتد "2400" كيلو مترًا فوق السهول والوديان والتلال.
والذي وصل إليه أنه السد المقام على مضيق داريال في جبال القوقاز فإن سلسلة جبال القوقاز الرهيبة تمتد من بحر قزوين شرقًا إلى البحر الأسود غربًا بطول ألف ومائتي كيلومتر ولا يوجد ممر بين السلسلة الشاهقة سوى ممر ضيق يسمى مضيق "داريال" ولا يزد عرض هذا المضيق عن مائة متر تقريبًا، وفي هذا المضيق حاجز حديدي تنطبق عليه جميع أوصاف سد ذي القرنين، وهو يقع الآن في جمهورة جورجيا السوفياتية.
وقد كان الموقع التقريبي لسد ذي القرنين معلومًا لدى بعض المفسرين، فالقرطبي يقول في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} وهما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان1، كما أشار ابن كثير2 إلى بعثه الواثق لاكتشاف حال السد. وقد ذكر ابن خردازبه في كتاب "المسالك والممالك"3 أن الخليفة الواثق العباسي -المتوفى سنة 232هـ- كان رأى في منامه كأن ردم يأجوج ومأجوج قد فتح، فكلف "سلام الترجمان" باستطلاع السد، وزوده بالطعام والمال--------------------------------------------
1 انظر تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 55.
2 تفسير ابن كثير 3/ 104.
3 كتاب المسالك والممالك لأبي القاسم عبد الله بن عبد الله المعروف بابن خردازبه المتوفى في حدود سنة 300هـ. ط. مكتبة المثنى ببغداد. نقلًا عن كتاب "ذي القرنين" لمحمد خير يوسف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
وأرسل معه خمسين من الشباب الأقوياء … إلخ. وزودهم بكتب إلى ملوك الأقاليم، وأمرائها، فوصلت البعثة إلى حصون قريبة من مكان السد، وحولها قرى وحصون خربة كثيرة، وأهل الحصون كانوا مسلمين يقرءون القرآن ولهم كتاتيب، فلما أخبروهم أنهم مرسلون من قبل أمير المؤمنين استغربوا ولم يعرفوا عنه شيئًا ولم يسمعوا به، ووصلوا إلى المدينة التي نزل فيها ذو القرنين للإشراف على بناء السد وهي على مسيرة ثلاثة أيام من موقع السد، ووصفوا السد بأن طوله يبلغ مائتي ذراع، وأن له عضادتين مما يلي الجبل من جنبي السفح.
وكله بناء من حديد مغيب في نحاس، وتكون اللبنة ذراعًا ونصفًا في ذراع ونصف في سمك أربعة أصابع.
وعادات البعثة بعد ان استغرقت رحلة الذهاب ستة عشر شهرًا، ورحلة الإياب اثنتي عشر شهرًا، ولم يبق من أعضائها سوى أربعة عشر رجلًا1.
وما ذهب إليه أبو الكلام آزاد، وبعض المفسرين السابقين رجحه الدكتور عبد العليم خضر، حيث يقول: "ووجد كورش أنه آن الأوان لتأديب الشعوب المتوحشة التي كانت تغير عبر مضيق داريال في جبال القوقاز وعلى شعوب إمارته في أذربيجان وجورجيا وأرمينيا وجنوب الحائط الجبلي الرهيب الذي يسمى جبال القوقاز التي تمتد إلى بحر قزوين في الشرق عند مدينة "دربند" حتى "سوخوم" على البحر الأسود، فتوجه إليها سنة 357ق. م، وقضى بالإقليم حوالي تسع سنوات متوالية ما بين بناء السد الحديدي. وتأديب قبائل "الإسكوذيين" أو "الماساجيت"2.--------------------------------------------
1 انظر أخبار بعثة سلام الترجمان في كتاب: معجم البلدان لياقوت الحموي 3/ 199. ط دار صادر.
2 انظر مفاهيم جغرافية 273.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
الوقفة الثالثة: مع يأجوج ومأجوج؛ حقيقتهم ومصيرهم
تضاربت أقوال المفسرين في حقيقة يأجوج ومأجوج وأشكالهم وأوصافهم وأعمارهم وتناسلهم. وليس فيها شيء مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذا آثرنا أن نضرب صفحًا عن تلك الأخبار والأقاويل، ولنا وقفة مع بعض الأحاديث الصحيحة التي تحدثت عن خروجهم قبيل قيام الساعة، فيما بعد.
ولكني وجدت تحقيقًا قيمًا فيما كتبه أبو الكلام آزاد حول القبائل المتوشحة في شمال شرق القارة الآسيوية وهجماتهم على العالم المتحضر في الجنوب والغرب، فأنقله بنصه مع شيء من الاختصار فإن هذا التحقيق يلقي أضواء على أصل قبائل يأجوج ومأجوج. يقول أبو الكلام آزاد:
"تسمى هذه البقعة الشمالية الشرقية "منغوليا" وقبائلها الرحالة "منغول" وتقول لنا المصادر الصينية أن أصل كلمة منغول هو "منكوك" بالكاف الفارسية بعد النون، أو "منجوك" بالجيم الفارسية، وفي الحالتين تقرب الكلمة من النطق العبري "ماكوك" بالكافين الفارسيتين، النطق اليوناني "ميكاك" بالكافين الفارسيتين، ويخبر تاريخ الصين عن قبيلة أخرى من هذه البقعة كانت تعرف باسم "يواشي"، والظاهر أن هذه الكلمة ما زالت تحرف عند الأمم حتى أصبحت يأجوج في العبرية"1.
ثم يستعرض أبو الكلام آزاد كيف أن أرض منغوليا كانت مصدرًا لدفعات بشرية إلى الجنوب الشرقي "الصين" وإلى الجنوب الغربي، والغرب أحيانًا، وكثير من هذه الهجمات البشرية قد استوطنت الأرض التي احتلتها ومالت إلى الزراعة والصناعة، إلا أن مسقط رأس تلك الموجات البشرية بقيت على توحشها، وبقيت مصدر قلق للشعوب المتحضرة، ويستعرض أبو الكلام آزاد من خلال التاريخ سبع هجمات لهذه القبائل:
الأولى: كانت قبل العصر التاريخي عندما بدأت هذه القبائل تهاجر من الشمال الشرقي وتنتشر في آسيا الوسطى.
الثانية: في فجر التاريخ، ونرى معالم حياتين مختلفتين: حياة البداوة وحياة الاستقرار، فتخلد القبائل المهاجرة إلى السكينة، وبدأ هذا الدور من نحو سنة 1500 ق. م. إلى سنة 1000 ق. م.
الثالثة: من سنة 1000 ق. م. فنجد قومًا همجًا من البدو في بلاد بحر الخزر والبحر الأسود، ثم لا يلبث هو أن يظهر بأسماء مختلفة ومن وجهات مختلفة،--------------------------------------------
1 انظر: كتاب "ويسألونك عن ذي القرنين"165.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
ثم نرى قبائل "سي تهين" أخذت تظهر على مسرح التاريخ من سنة 700 ق. م. وتهاجم آسيا الصغرى.
ويقول هيرو دتس: إن حدود الآشوريين الشمالية كانت عرضة لغارات قبائل "سي تهين" المستمرة، وكانت هذه الحدود تمتد إلى جبال أرمينيا. فكانت قبائل "سي تهين" تجتاز مضيق القوقاز وتشين الغارات المدمرة على شعوب السهول، حتى إن جموعًا كبيرة منها تقدمت سنة 620 ق. م. ووصلت إلى "نينوى" داست في طريقها إيران الشمالية، ويرى مؤرخو اليونان أن هذا الحادث كان من أهم أسباب سقوط نينوى1.
أما الهجمة الرابعة: فينبغي أن نجعلها في حدود سنة 500 هـ. م. الزمن الذي ظهر فيه غورش تكونت مملكة مادا وفارس المتحدة فتغيرت الظروف فجأة وأمنت آسيا الغربية من هجمات قبائل "سي تهين"2.
وكانت الخامسة: في القرن الثالث قبل الميلاد، وقد تدفق سيل جديد للقبائل المنغولية وانصب على الصين، وقد سمى مؤرخو الصين هذه القبائل "هيونج نو" وفي هذا العصر بنى إمبراطور الصين "شي هوانج تي" ذلك الجدار العظيم الذي اشتهر بجدار الصين لصد هجمات هؤلاء المغيرين، والذي لا يزال يوجد إلى يومنا هذا، وقد بدءوا بناءه سنة 264 ق. م. وأتموه في مدة عشر سنين3.--------------------------------------------
1 انظر كتاب "ويسألونك عن ذي القرنين" 167 وأشار إلى كلام هيرودتس 1/ 104.
2 رجح الدكتور عبد العليم خضر أن حكم قورش الإخميني كان بين 559-529 ق. م. وتوفي بعد بناء السد قرب مضيق داريال سنة 529 ق. م. معالم جغرافية 244.
3 يبلغ طول سور الصين "2400" كيلوا مترًا في خط مستقيم يتراوح ارتفاعه بين خمسة أمتار وعشرة أمتار، ويبلغ عرضه من ثمانية أمتار عند القاعدة إلى خمسة أمتار عند القمة، وعليه رصيف واسع يسمح بمرور ستة فرسان جنبًا إلى جنب، ويبلغ عدد أبراجه "2500" برجًا، مساحة كل برج خمسة أمتار مربعة وارتفاع البرج سبعة عشر مترًا، وهو مبني من الحجارة وبداخله التراب، وواجهتها من الطوب ويعود تاريخ بنائه إلى أسرة مينج الصينية. انظر دائرة المعارف للبستاني 11/ 101، وموسوعة المورد للبعلبكي 5/ 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
وكانت الهجمة السادسة: في القرن الرابع الميلادي على أوروبا بقيادة "أتيلا" - بعد أن سدت في وجوههم منافذ الشرق والجنوب وقضت على الإمبراطورية الرومانية وعلى مدنيتها معًا.
وكانت الهجمة السابعة: في القرن الثاني عشر الميلادي، فاحتشدت جموع عظيمة من القبائل في بلاد منغوليا، وخرجت بزعامة جينكيز خان، فقضت على الحاضرة العربية وخربت مدينة بغداد، مدينة السلام سنة 656هـ. ا. هـ1.
على ضوء هذا التحقيق العلمي الذي قدمه لنا أبو الكلام آزاد، فإن التكاثر السكاني من ناحية ووقوع المجاعات والكوارث ونقص الموارد الغذائية من ناحية أخرى، كل ذلك يؤدي إلى انتشار الموجات البشرية بحثًا عن الطعام أو حبًا في السيطرة والغلبة، وما هذه الهجمات المغولية إلا ظاهرة متكررة، وستكون آخرها ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سيحدث قبيل قيام الساعة حين يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فقد جاء في صحيح مسلم: " … فيطلبه -أي يطلب--------------------------------------------
1 في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة، بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم -قال سفيان أربع نسوة- قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر الوجه، وهو يقول: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها"، قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: "نعم إذا كثر الخبث". انظر صحيح البخاري كتاب الأنبياء 4/ 109، وصحيح مسلم كتاب الفتن 8/ 165.
وهذه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحققت في هجمة التتار عام 656هـ، ولقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم العرب بالذكر ولم يعمم المسلمين، وكانت الخلافة الإسلامية بيد العباسيين، وبعد القضاء على خلافتهم خرج الأمر من أيدي العرب ولم يجتمع أمر الأمة الإسلامية بعد ذلك عليهم.
كما أن تحليق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصبعيه الإبهام والتي تليها كناية أن باب الفتنة لم يفتح على مصراعيه، وستتحقق المعجزة الأخرى في فتح باب الفتنة على مصراعيه عند اقتراب الوعد الحق عندما تخرج قبائل يأجوج ومأجوج قبيل قيام الساعة ليدمروا العالم المتحضر مرة أخرى، والخروج الأخير من علامات الساعة الكبرى كما سنذكره بعد قليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
عيسى بن مريم عليه السلام الدجال- حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قومًا قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مائة دينار لأحدكم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرك وردي بركتك … " 1.
والمتبادر إلى الذهن أن يأجوج ومأجوج الذين سيخرجون قبيل قيام الساعة وبعد نزول عيسى عليه السلام هم من نسل السابقين الذين حجزهم ذو القرنين خلف السد، ولكن ما واقعهم الآن هل لا يزالون يتموجون خلف السد، ولو حاول أحد ما أن يطلع عليهم أو يراهم فما شأنهم؟
لقد ورد حديث بلبل أذهان كثير من المفسرين، مما جعل بعضهم يقول إنهم أصبحوا في علم الغيب فلا يراهم أحد إلا عند قبيل الساعة؟! والذي دفعهم إلى ذلك أن الواقع المرئي حول جبال القوقاز وغيرها من المناطق التي يحتمل أن يكون موطنهم، لا يوجد فيها مثل تلك الأمواج المتلاطمة من البشر، ومما زاد الفهم اضطرابًا دلالة ظاهر الآية الكريمة {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا، وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} .--------------------------------------------
1 صحيح مسلم كتاب الفتن 8/ 199.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
ولإلقاء الضوء على الموضوع نذكر الحديث أولًا ثم نرى معنى الآية ثانيًا: روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجه1 في سننهما عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا، فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله فيستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخروجون على الناس" الحديث.
يقول ابن كثير في تفسيره تعقيبًا على الحديث:
وهذا إسناد جيد قوي ولكن في رفعه نكارة، لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه، لإحكام بنائه وصلابته وشدته، ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار، أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه، ويقولون غدًا نفتحه ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهم كما فارقوه فيفتحونه، وهذا فتحه.
ولعل أبا هريرة تلقاه عن كعب فإنه كثيرًا ما كان يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة أنه مرفوع فرفعه. والله أعلم2.
فإذا لم يصح رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا إشكال عندئذ لأن سياق الآيات الكريمة يدل على أن ذا القرنين بنى السد وأحكمه وبعد أن تم ذلك {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} . في ذاك الوقت، ثم جاء الحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى على لسان ذي القرنين لأنه وفقه إلى بناء هذا السد وحماية الأقوام المستضعفين الذين كانوا مطمع قبائل يأجوج ومأجوج. فتركزا يموج بعضهم في بعض وهم لا يستطيعون تسلق السد ولا نقبه3، ثم اسدل الستار على--------------------------------------------
1 مسند الإمام أحمد 2/ 510؛ سنن الترمذي كتاب التفسير 4/ 375؛ سنن ابن ماجه كتاب الفتن 2/ 1364.
2 تفسير ابن كثير 3/ 105.
3 في التعبير بكلمة "ما" في قوله تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} دلالة دقيقة. وهي أن "ما" لنفي الحال، بينما "لن" لنفي المستقبل القريب، و"لا": لنفي المستقبل البعيد. انظر البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن للزملكاني 193.
فنفى استظهار السد ونقبه في الحال -أي حال إتمام بنائه- ولم يتعرض للمستقبل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
الحديث عن يأجوج ومأجوج وهم محجوزون، وكما قلنا سابقًا ومن إيحاء هذا المنظر جرى الحديث عن مصير السد وعن حشر الناس يوم القيامة للحساب. أما السد فيصبح دكًا ويسوى بالأرض عند قيام الساعة أما الناس -جميع الناس بما فيهم يأجوج ومأجوج- فإذا نفخ في الصور سيجمعون جميعًا ويعرضون على جهنم، وجاء التعبير بصيغة الماضي "ونفخ" لتحقق الوقوع فهو أمر كائن لا محالة، ويكثر في القرآن الكريم التعبير عن أحداث المستقبل بصيغة الماضي لأن الحدث متحقق الوقوع فكأنه قد وقع وفرغ منه مثل قوله تعالى: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} .
أما واقع يأجوج ومأجوج بعد الحجز فكأي قوم من الأقوام أو أمة من الأمم تعتورها فترات تكاثر وإخصاب ونمو، كما تعتورها فترات ركود وضعف وقلة، ففي حالات التكاثر يحدث الانفجار السكاني وتكون موجات الهجرة والسيطرة، وفي فترات الضعف يكون الكمون وربما يُغزون من غيرهم.
إلا أن ظاهر الآيات والأحاديث يدل على أن الموجات البشرية التي ستكتسح كل شيء أمامها وتجفف منابع المياه العذبة -ومنها بحيرة طبرية- سيكونون من نسل يأجوج ومأجوج الذين حجزوا خلف سد ذي القرنين حيث تكون موجة التكاثر والخصوبة على أشدها في تلك القبائل. ولله في خلقه شئون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
القيم في قصة ذي القرنين:
أ- القيم الصحيحة:
تمثلت القيم الصحيحة في سيرة ذي القرنين وأعماله وأقواله، وهي في نفس الوقت تأكيد للقيم الصحيحة التي مر ذكرها في القصص الثلاث السابقة:
1- الحكم والسلطة والتمكين في الأرض ينبغي أن يسخر لتنفيذ شرع الله في الأرض وإقامة العدل بين العباد، وتيسير الأمر على المؤمنين المحسنين، وتضييق الخناق على الظالمين المعتدين ومنع الفساد والظلم وحماية الضعفاء من بطش المفسدين، وهي عكس ما ورد في قصة أصحاب الكهف حيث استخدمت السلطة والحكم في الانحراف والدعوة إلى الشرك {هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} .
2- الرجال الأشداء ذوو الخبرات الفنية العالية في النواحي العسكرية والعمرانية والاقتصادية الذين كانوا طوع بنان ذي القرنين، وكذلك خضوع الأقاليم له وفتح الخزائن أمامه وتقديم خراب الشعوب له طواعيه، كل ذلك لم يدخل على نفسه الغرور والبطر والطيش والغواية بل بقي مثال الرجل المؤمن العفيف المترفع عن زينة الحياة الدنيا {مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} . وبعد الانتهاء من تشييد السد قال: {هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} .
وقارن هذا بما قاله صاحب الجنتين {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} ، {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
3- اتخاذ الأسباب الظاهرة والخفية المغيبة لبلوغ الغايات والأهداف التي سعى إليها حيث آتاه الله من كل شيء سببًا فأتبع سببًا حتى إذا بلغ مغرب الشمس لنشر الإيمان وإقامة العدل.
- ثم أتبع سببًا حتى إذا بلغ مطلع الشمس لمحاربة التخلف.
- ثم أتبع سببًا حتى إذا بلغ بين السدين لإصلاح الأرض ومنع الفساد والدمار وهذه الأسباب الظاهرة والتي كانت من دواعي التمكين له في الأرض لم تصرفه عن النظر في الأسباب الغيبية التي تكون من دواعي التمكين المعنوي مثل: العدل، والإحسان إلى المؤمن المحسن والتيسير عليه والأخذ على يد الظالم والتضييق عليه وكلها من دواعي التمكين المعنوي.
- إعادة النعم والفضل إلى مسديها سبحانه وتعالى.
- الإيمان المطلق بعلم الغيب ومنه قيام الساعة.
ب- القيم الزائفة في قصة ذي القرنين:
وتمثلت القيم الزائفة فيما وجه إليه ذو القرنين همته لإزالته وإصلاحه فمن ذلك:
1- الكفر والظلم والاعتداء الذي قضى عليه في مغرب الشمس {أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا} .
2- التخلف المتمثل في القوم عند مطلع الشمس {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} .
3- الإفساد والدمار المتمثل في تصرفات يأجوج ومأجوج {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
العظات والعبر في المقطع الخامس قصة ذي القرنين:
1- إن اتخاذ الأسباب للوصول إلى الغايات لون من ألوان التمكين الرباني لعباده ولايتنا في ذلك مع توكيل العبيد على الله سبحانه وتعالى وطلبهم العون والتوفيق والسداد.
2- من دعائم الملك الصالح والسلطة العادلة تكريم أهل الصلاح وجعلهم بطانة الحاكم واستشارتهم في شئون الدولة وإسنادها إليهم، وتكليفهم بسياسة الرعية، وإبعاد أهل الفساد والظلم والانحراف والمضايقة عليهم.
3- من مهمات الحاكم الصالح الجهاد في سبيل الله لنشر كلمة التوحيد، ورعاية مصالح الأمة، وحماية المستضعفين ودفع إفساد المفسدين عنهم، وإقامة العدل في ربوع الأرض.
4- من مهمات دولة العدل إقامة المشاريع والمنشآت النافعة للأمة، التي توفر الأمن والرخاء والسعادة للشعوب.
5- بقاء سد ذي القرنين إلى قيام الساعة، فإذا جاء وعد الله تعالى باختلال النظام الكوني جعله دكاء وكان وعد ربي حقًا.
6- بقاء نسل يأجوج ومأجوج إلى قبيل قيام الساعة، حيث يخرجون في آخر الزمان، ويكون خروجهم من علامات الساعة الكبرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
خاتمة السورة:
لقد تضمنت الخاتمة جملة من الحقائق التي تحدثنا عنها تفصيلًا في افتتاحية السورة، وذكرنا هناك الحكمة في ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم بين العشر آيات من أول السورة والعشر آيات الأخيرة من السورة وكونها عصمة من فتنة الدجال لمن قرأها أو حفظها1. ولا نعيد ذكرها هنا مرة أخرى اكتفاء بما تقدم ونكتفي هنا بالعرض العام للخاتمة.
يمكن تقسيم الخاتمة إلى ثلاث فقرات:
الفقرة الأولى: وهي وثيقة الصلة بمشهد ذي القرنين ومنظر القبائل والشعوب والأمم التي حشرت خلف السد، فهي تموج وتضطرب ولا تجد منفذًا ولا سبيلًا إلى الانتشار إلى غاياتها.
وكأن ذا القرنين بعد أن أتم هذا السد الشامخ وتحقق غرضه، ورأى ثمرة جهده لسنوات عديدة، وهو يكابد لإكمال السد بتأمين المواد الأولية وإقامته على التخطيط الدقيق والأسس العلمية السليمة من جهة.
ويكافح لدفع غارات المفسدين في الأرض الذين يحاولون الحيلولة بينه وبين إتمام هذا السد.
فما انتهى وأشرف على هذا الإنجاز الضخم توجه إلى ربه شاكرًا متضرعًا للذي بفضله وكرمه ونعمته تتم الصالحات فقال: {هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} واستشعر--------------------------------------------
1 انظر: ما تقدم: 180 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)