ألوان التفسير الموضوعي:
من خلال الاستعراض التاريخي لنشوء علم التفسير والمؤلفات فيه نستطيع أن نلحظ ثلاثة أنواع من ألوان التفسير الموضوعي.
اللون الأول:
أن يتتبع الباحث لفظة من كلمات القرآن الكريم ثم يجمع الآيات التي ترد فيها اللفظة أو مشتقاتها من مادتها اللغوية، وبعد جمع الآيات والإحاطة بتفسيرها يحاول استنباط دلالات الكلمة من خلال استعمال القرآن الكريم لها. وكثير من الكلمات القرآنية المتكررة أصبحت مصطلحات قرآنية.
فكلمات: الأمة، الصدقة، الجهاد، الكتاب، الذين في قلوبهم مرض، المنافقون، الزكاة، أهل الكتاب، الربا، نجدها تأخذ وجوهًا في الاستعمال والدلالة.
فالمتتبع لمثل هذا يخرج بلون من التفسير لأساليب القرآن الكريم في استخدام مادة الكلمة ودلالاتها.
وقد سبقت الإشارة إلى أن كتب غريب القرآن، وكتب الأشباه والنظائر قد تضمنت هذا اللون من التفسير، وهي العمدة في مثل هذه الأبحاث.
إلا أن المؤلفات القديمة من هذا اللون بقيت في دائرة دلالة الكلمة في موضعها. ولم يحاول مؤلفوها أن يربطوا بينها في مختلف السور، فبقي تفسيرهم للكلمة في دائرة الدلالة اللفظية.
أما المعاصرون الذين كتبوا في هذا اللون فقد تتبعوا الكلمة وحاولوا الربط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
بين دلالاتها في مختلف المواضع فكان أشبه ما يكون باللون الثاني من التفسير الموضوعي.
وفيما يلي ننقل نموذجًا على هذا اللون من التفسير الموضوعي من كتاب الدامغاني:
نموذج من كتاب: "إصلاح الوجوه والنظائر"، للدامغاني:
قال الدامغاني تحت مادة "خ ي ر"1:
"خ ي ر" على ثمانية أوجه:
المال، الإيمان، الإسلام، أفضل، العافية، الأجر، الطعام، الظفر والغنيمة.
فوجه منها1 الخير بمعنى المال، قوله سبحانه في سورة البقرة: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} يعني مالًا. كقوله تعالى فيها: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} وكقوله تعالى في سورة البقرة: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} أي لا تنفقوا مالًا وقوله تعالى فيها: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} يعني من مال، وقوله تعالى في سورة "ص": {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} يعني حب المال، وكقوله تعالى في سورة النور: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} يعني مالًا.
الثاني: الخير يعني الإيمان. قوله تعالى في سورة الأنفال: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ} يعني لو علم الله فيهم إيمانًا، كقوله تعالى فيها: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا} يعني إيمانًا، كقوله تعالى في سورة هود: {وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا} يعني إيمانًا.
الثالث: الخير يعني الإسلام. قوله تعالى في سورة البقرة: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} يعني الإسلام، نظيرها في سورة "ق": {مَنَّاعٍ لِلْخَيْر} يعني الإسلام نزلت في الوليد بن المغيرة منع ابن أخيه أن يسلم، نظيرها في سورة "ن".--------------------------------------------
1 إصلاح الوجوه والنظائر للدامغاني: 167-169، ط. دار العلم للملايين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
الرابع: خير يعني أفضل. قوله تعالى في سورة المؤمنون: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} يعني أفضل الراحمين، كقوله تعالى في سورة يونس: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين} أى أفضل الحاكمين، ونحوه قوله تعالى في سورة الزخرف: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} يقول أفضل من هذا.
الخامس: الخير يعني العافية. قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يعني بعافية.
السادس: الخير يعني الطعام. قوله تعالى في سورة القصص: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} يعني الطعام.
الثامن: الخير يعني به الظفر والغنيمة والطعن في القتال قوله تعالى في سورة الأحزاب: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا} يعني ظفرًا وغنيمة".
ونلاحظ أن المؤلف لم يربط بين أصل الكلمة واستعمالاتها وسياق الآيات التي وردت فيها الكلمة: ليبني عليها هداية قرآنية أو ليستنبط من دلالات اللفظة وسياق استعمالاتها توجيهًا قرآنيًا معينًا. وإنما بقيت الكلمة حيث وردت في نطاق الدلالة اللفظية المفردة.
نموذج من كتاب "المفردات في غريب القرآن"، للراغب الأصفهاني، المتوفى سنة 502هـ في كلمة "أمة":
والأمة: كل جماعة يجمعهم أمر ما: إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرًا أو اختيارًا. وجمعها أمم.
وقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} أي كل نوع منها على طريقة قد سخرها الله عليها بالطبع. فهي بين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
ناسخة كالعنكبوت، وبانية كالسرقة1، ومدخرة كالنمل، ومعتمدة على قوت وقته كالعصفور والحمام إلى غير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع.
وقوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة} أي صنفًا واحدًا وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر.
وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي في الإيمان.
وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} أي جماعة يتخيرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم.
وقوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} أي على دين مجتمع.
قال الشاعر: وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع.
وقوله تعالى: {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} أي حين. وقرئ بعد أمه2: أي نسيان. وحقيقة ذلك بعد انقضاء أهل عصر أو أهل دين.
وقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} أي قائمًا مقام جماعة في عبادة الله، نحو قولهم: فلان في نفسه قبيلة.
وروي أنه يُحشر زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحدة3.
وقوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} أي جماعة.
وجعلها الزجاج ههنا للاستقامة، وقال تقديره ذو طريقة واحدة، فترك الإضمار4.
ثم انتقل إلى لفظة "أمي" ودلالات الكلمة، ثم إلى كلمة "الإمام" ودلالاتها، ثم إلى كلمة "الأم" بمعنى القصد، وختم المادة بالحديث عن حرف "أما".
وفي كل ذلك لم يتعرض لسياق الآيات التي استخدمت فيها كلمة "أمة" وإنما تعرض لها في مواطنها ولم يفصل القول في عناصر تكوين دلالات هذه اللفظة ولا مقومات استمرارها ودورها.
وقارن ذلك بما كتبه الدكتور أحمد حسن فرحات حول مصطلح الأمة ودلالتها اللغوية والفكرية والشرعية.--------------------------------------------
1 السُرْفَة: بضم السين وسكون الراء وفتح الفاء، دودة القز.
2 هي قراءة الحسن، انظر: القراءات الشاذة لعبد الفتاح القاضي: 57.
3 أسد الغابة في معرفة الصحابة: 2/ 143.
4 انظر: المفردات للراغب: 27-28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
اللون الثاني:
تحديد موضوع ما يلحظ الباحث تعرض القرآن الكريم له بأساليب متنوعة في العرض والتحليل والمناقشة والتعليق.
فيتتبع الموضوع من خلال سور القرآن الكريم، ويستخرج الآيات التي تناولت الموضوع، وبعد جمعها والإحاطة بتفسيرها يحاول الباحث استنباط عناصر الموضوع من خلال الآيات الكريمة، فينسق بين عناصره، ويقدم له بمقدمة حول أسلوب القرآن الكريم في عرض أفكار الموضوع، ويحاول أن يقسمه إلى أبواب وفصول ومباحث، ويستدل بالآيات القرآنية على كل ما يذهب إليه ويتحدث عنه مع ربط ذلك كله بواقع الناس ومشاكلهم ومحاولة حلها وإلقاء أضواء قرآنية عليها.
ويتجنب خلال بحثه التعرض للأموال الجزئية في تفسير الآيات فلا يذكر القراءات، ووجوه الإعراب والنكات البلاغية إلا بمقدار ما تُلقي أضواء على أفكار الموضوع الأساسية، ويعرض ما يتحدث عنه بأسلوب جذاب لتوضيح مرامي الآيات ومقاصدها والحكمة الإلهية في عرض أفكار الموضوع بأساليب معينة واختيار ألفاظ محددة لها.
وهذا اللون من التفسير الموضوعي هو المشهور في عرف أهل الاختصاص، وإذا أطلق اسم "التفسير الموضوعي" فلا يكاد ينصرف الذهن إلا إليه.
ولقد كثرت المؤلفات قديمًا وحديثًا في هذا اللون من التفسير الموضوعي فما كتب: إعجاز القرآن.
والناسخ والمنسوخ في القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وأحكام القرآن.
وأمثال القرآن.
ومجاز القرآن … قديمًا إلا أمثلة ناطقة على أهمية هذا اللون من التفسير عند السلف الصالح من علماء هذه الأمة.
وكذلك الموضوعات المختلفة المعاصرة: المتعلقة بمجالات المعرفة المختلفة حيث ربطها الباحثون بالقرآن الكريم ونظروا بمنظاره إلى هذه المجالات وكيفية البحث عنها، سواء كانت هذه المجالات مما يتعلق بالكون المحيط بالإنسان من أرض وسماوات وكواكب ونجوم وبحار ومحيطات وجبال وأنهار ونبات وحيوان، أو كانت مما يتعلق بالإنسان خلقه وتكوينه وعواطفه وغرائزه ومشاعره ونفسه وعقله، وأخلاقه وسموه وتسقله، أو بالحياة الاجتماعية التي يحياها الإنسان في مجتمعه بدءًا بالعلاقات الأسرية والاجتماعية في القوم والعشيرة، والعلاقات الدولية والأمور الاقتصادية والسياسية، وأنظمة السلم والحرب والدعوة إلى الله، وأخذ العبر والعظات من سير الأقوام والأمم الماضية.
وما يتعلق كذلك بأمور الغيب من البعث بعد الموت والحشر والحساب والجنة والنار، وصنوف النعيم في دار السعادة للمتقين، وصنوف الشفاء للتعساء في دار الجحيم.
ولا تكاد تنتهي مثل هذه الموضوعات، بل كلما جدت علوم وصنوف من المعرفة لدى الإنسان يجد الباحث في القرآن الكريم ما يشبع فكرة اقتناعًا، وقلبه طمأنينة من عرض القرآن الكريم لأساسيات هذا اللون من المعرفة بوضع الأسس العامة والتوجيهات الأساسية في هذا الشأن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
اللون الثالث من التفسير الموضوعي:
وهذا اللون شبيه باللون الثاني إلا أن دائرة هذا اللون أضيق من دائرة سابقه.
حيث يبحث في هذا اللون عن الهدف الأساسي في السورة الواحدة، ويكون هنا الهدف هو محور التفسير الموضوعي في السورة.
وطريقة البحث في هذا اللون هو: أن يستوعب الباحث هدف السورة الأساسي، أو أهدافها الرئيسية، ثم يبحث عن سبب النزول للسورة أو الآيات التي عرضت الموضوع الأساسي للسورة، ثم ينظر إلى ترتيب نزول السورة من بين السور المكية أو المدينة، ثم يدرس الأساليب القرآنية في عرض الموضوع والمناسبات بين مقاطع الآيات في السورة. وسيجد الباحث أن لكل سورة شخصيتها المستقلة وأهدافها الأساسية. فمن المعلوم أن السور المكية قد عرضت أسس العقيدة الإسلامية الثلاثة بشكل مفصل: الألوهية، الرسالة، البعث بعد الموت، لذا يمكن أن يتناول الباحث في كل سورة مكية أحد الجوانب الثلاثة من العقيدة، كما اشتمل كثير منها على الحث على أمهات الأخلاق والتنفير من مرذولها.
ولم يظفر هذا اللون من التفسير الموضوعي بعناية المفسرين القدماء بل جاء في ثنايا تفاسيرهم الإشارة إلى بعض أهداف السور وخاصة القصيرة منها، وكذلك التوخي لوجه المناسبة بين مقاطع بعض السور، كما فعل الفخر الرازي في تفسيره الكبير، وكذا فعل البقاعي في نظم الدرر، وعبد الحميد الفارهي في كتابه نظام القرآن.
أما في العصر الحديث فقد كان سيد قطب مولعًا بعرض أهداف وأساسيات كل سورة، قبل البدء في تفسيرها، وبيان شخصية كل سورة وملامحها المتميزة عن بقية السور. والأساليب المتبعة في عرض أفكارها. فيعتبر كتابه "في ظلال القرآن" نموذجًا جيدًا وبخاصة مقدمة تفسيره لكل سورة.
كما كتب غيره ممن جاء بعده مستفيدًا من منهجه، كما فعل إبراهيم زيد الكيلاني في كتابه "تصور الألوهية كما تعرضه سورة الأنعام"، وكتابه "معركة النبوة مع المشركين" أو: قضية الرسالة كما تعرضها سورة الأنعام وبينها القرآن الكريم.
أما ما كتبه د. محمد البهي في رسائله المسماة بالتفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم فلا أعتبره من التفسير الموضوعي وإنما هو تفسير إجمالي للآيات في السورة كما لم يحدد موضوع كل سورة فسرها، وإنما جاء بكلام إنشائي للمعنى الإجمالي للآيات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
أهمية التفسير الموضوعي:
أولًا: إن تجدد حاجات المجتمعات وبروز أفكار جديدة على الساحة الإنسانية وانفتاح ميادين للنظريات العلمية الحديثة لا يمكن تغطيتها ورؤية الحلول الصحيحة لها إلا باللجوء إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
وذلك أن الباحث المسلم عندما يجابه مشكلة في الحياة، أو تقدم له نظرية مستحدثة في علم النفس، أو علم الاجتماع، أو في علوم الحضارة الإنسانية، أو العلوم الفلكية، أو العلوم الطبيعية أو نظرية في الاقتصاد. فإنه لا يستطيع أن يجد لكل هذه النظريات المستجدة نصوصًا من آيات الذكر الحكيم تناقش مثل هذه القضية المطروحة وتبين حكم الله تعالى فيها، بل يلجأ الباحث عندئذ إلى معرفة الهدايات القرآنية وإرشادات السنة النبوية في هذا الاتجاه ويجمع الأفكار الرئيسية في هذا المجال، بحيث تتكون لديه ملكة لإدراك مقاصد القرآن الكريم في هذا الصدد، وبمنظار القرآن الكريم ينظر إلى حل هذه المشكلة أو يقوم هذه النظرية.
إن نصوص القرآن الكريم محددة والقضايا التي تناولها بالتوضيح والبيان والتفصيل محددة أيضًا: أما المشاكل الإنسانية وآفاق المعرفة فغير محددة ما دامت الحياة مستمرة على هذه الكرة الأرضية، ولا يمكن أن نجابه هذه المشكلات بظواهر النصوص المحددة. بل نجد المرونة والسعة في الخطوط الأساسية التي تعرض لها آيات التنزيل الحكيم.
ومن خلال علل النصوص وهداياتها العامة ودلالاتها وظلالها نستطيع أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
نصل إلى أنوار كاشفة ترسم لنا الطريق وتحدد لنا المعالم لتقويم كل مستحدث جديد.
لذا لا يمكن أن نجابه مشاكل العصر ومعطيات الحضارة إلا بأسلوب الدراسات الموضوعية للقرآن الكريم أو بأسلوب "التفسير الموضوعي".
إن جمع أطراف موضوع ما من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والإحاطة بدلالاتها يمكن الباحث من القيام بدور اجتهادي للتوصل إلى أفكار وقواعد عامة جديدة، وعلى ضوء هذه القواعد والهدايات المستمدة من مقاصد النصوص الشريفة يستطيع الباحث أن يدرك معالجة الإسلام لهذه المعضلات والمشكلات.
ثانيًا: إن تخصيص موضوع بالبحث والدراسة وجمع أطرافه والاطلاع على أسباب النزول للآيات المتعلقة به، وتحديد المرحلة التي نزلت الآيات الكريمة تعالج بعض جوانبه، وتوجيه ما ظاهره التعارض، كل ذلك يهيئ للموضوع جوًا علميًا لدراسة هذا الموضوع بعمق وشمولية تثري المعلومات حوله وتبلور قضاياه وتبرز معالمه.
ومثل هذا العمق ومثل هذا التوسع لإبراز معالم الموضوع لا يتيسر للباحث في أي نوع من أنواع التفاسير سواء التحليلي، أو الإجمالي، أو المقارن، بل التفسير الموضوعي هو الأسلوب الأمثل في بحث مثل هذه الأمور.
ثالثًا: عن طريق التفسير الموضوعي يستطيع الباحث أن يبرز جوانب جديدة من وجوه إعجاز القرآن الكريم الذي لا تنقضي عجائبه.
فكلما جدت على الساحة معطيات جديدة لتطور الفكر البشري، يعايشها المفسر، ويحط بدقائقها وحقائقها ثم يلجأ إلى القرآن الكريم وإلى السنة النبوية الشريفة ليستنطق النصوص الشريفة ويميط اللثام عن وجوه جديدة من الهدايات القرآنية.
ويجد أهل الاختصاص في كل فن أن المعجزة الخالدة الباقية تقيم الحجة على الأجيال وأن في القرآن من الكفاية والغناء عن كل شيء: {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 50، 51] .
رابعًا: تأهيل الدراسات القرآنية وتصحيح مسارها: لقد نالت بعض العلوم القرآنية حظًا وافرًا من جهود العلماء وصنفت فيها المصنفات الكثيرة مثل العلوم المتعلقة بالجوانب اللغوية، والدراسات الفقهية لآيات الأحكام، إلا أن علومًا جديدة برزت تحتاج إلى تأهيل قواعدها على ضوء القرآن الكريم مثل "الإعجاز العلمي"، فقد برز هذا العلم وكثرت الكتابات فيه إلا أنه يحتاج إلى ضبطه بقواعد علمية مستمدة من هدايات القرآن الكريم لتجنب الإفراط والتفريط في إدخال الآيات مجال البحث والمتعلقة بالعلوم التجريبية من علوم الفلك والطبيعة والإنسان.
وكذلك علم "أصول التربية القرآنية" فبعد بروز المدارس الاجتماعية ومدارس علم النفس في الغرب، وغزوها للأمم والشعوب، ومحاولة إقامة صرح التعليم والتربية حسب مناهجها، رأى المفكرون المسلمون أن من الضرورة بمكان استخلاص مبادئ هذا العلم من هدايات القرآن الكريم ولا زالت الكنايات في هذا الجانب قليلة جدًا، إذ تحتاج مثل هذه العلوم إلى علماء راسخين في علوم الشريعة، إلى جانب استيعابهم لثقافة العصر ومناهج المدارس الحديثة في الغرب والشرق، إلى جانب ملكة قوية في الإبداع والاستنباط، ليقوم هذا العلم على أسس راسخة.
ومثل هذا "أصول علم الاقتصاد الإسلامي" و"أصول الإعلام الإسلامي".
إن كثيرًا من العلوم تلعب دورًا هامًا في حياتنا المعاصرة، ولا زالت معالم هذه العلوم غير واضحة الصلة بهدايات القرآن، ولا يمكن أن نجد نصوصًا محددة من القرآن الكريم أو السنة النبوية تناولتها، وإنما نستشف أصولها من خلال روح النصوص الكريمة وهدايات القرآن الكريم والسوابق القضائية والفقهية لسلف هذه الأمة، ولا وسيلة لوضع أسس هذه العلوم وبيان ضوابطها إلا من خلال التعامل مع الآيات الكريمة وفق منهج التفسير الموضوعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
كما أن هنالك دراسات إسلامية ضخمة قامت ولكن لم تكن مناهج الباحثين فيها وثيقة الصلة بالهدايات القرآنية.
فعلم التاريخ البشري أخذ منهجًا في سرد الوقائع والأحداث من غير تعرض لسنن الله في المجتمعات الإنسانية من حيث الرقي والتقديم أو الانحطاط والتخلف علمًا أن هدايات القرآن الكريم قد أبرزت هذه السنن بشكل دقيق عند عرض قصص الأمم السابقة مع أنبيائها.
ولقد كانت محاولة ابن خلدون في مقدمة تاريخه محاولة جادة وجيدة، إلا أننا لم نجد من تابع هذا العلم، ومن الجدير أن تقام دراسات قرآنية حول هذا الموضع تحت عنوان: "علم الحضارة القرآنية".
بل إن هناك جوانب من الدراسات قامت حول الأحكام التشريعية وتفسير آيات الأحكام إلا أننا لا نجد مؤلفًا خاصًا كتب حول إبراز مزايا التشريع الإسلامي وحكمه.
فعلى الرغم مما كتبه بعض العلماء في ثنايا كتبهم حول الإعجاز التشريعي للقرآن؛ كما فعل الشيخ عبد العظيم الزرقاني في "مناهل العرفان" والشيخ محمد أبو زهرة في كتابه "المعجزة الكبرى"، إلا أن الحاجة ماسة للكتابة حول فلسفة التشريع الإسلامي في جميع مجالات الحياة وإبراز محاسنه على ضوء الآيات القرآنية.
إن المنهج الذي يغطي هذه المجالات ويوصل هذه العلوم ويضع الأسس والضوابط لها هو منهج التفسير الموضوعي للآيات القرآنية.
من هنا كانت أهمية هذا النوع من التفسير.
فما هي مناهج البحث في التفسير الموضوعي؟
هذا ما نتناوله بشيء من التفصيل في المباحث القادمة بإذن الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
مناهج البحث في التفسير الموضوعي:
أولًا: منهج البحث في موضوع من خلال القرآن الكريم:
إذا أراد الباحث أن يطرق موضوعًا من موضوعات القرآن الكريم، لا بد أن يكون تصورًا لأبعاد الموضع، وأن يتدرج في جميع المادة العلمية حوله حسب الخطوات التالية:
1- اختيار عنوان للموضوع القرآني مجال البحث، بعد تحديد معالم حدوده ومعرفة أبعاده في الآيات القرآنية.
2- جمع الآيات القرآنية التي تبحث هذا الموضوع، أو تشير إلى جانب من جوانبه.
3- ترتيب هذه الآيات حسب زمن النزول، وذلك لأن ما أُنزل بمكة كان في الأعم الأغلب يتعلق بأسس عامة غير محددة الجوانب كالأمر بالإنفاق أو الزكاة أو الإحسان بينما حددت معالم هذه التشريعات في المرحلة المدنية.
4- دراسة تفسير هذه الآيات دراسة وافية بالرجوع إلى كتب التفسير التحليلي والتعرف على أسباب نزولها إن وجدت، وإلى دلالات الألفاظ واستعمالاتها، والروابط بين الألفاظ في الجملة وبين الجمل في الآية وبين الآيات في المجموعة التي تتحدث عن الموضوع.
5- بعد الإحاطة بمعاني الآيات مجتمعة يحاول الباحث أن يستنبط العناصر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
الأساسية للموضوع من خلال التوجيهات القرآنية التي أحاط بها أو استنبطها من الآيات المتعلقة بالموضوع، وللباحث أن يقدم بعض العناصر الرئيسية على غيرها، إن وجد أن طبيعة البحث تقتضي ذلك أو أن تسلسل الأفكار المنطقي يلزم هذا التقديم أو التأخير.
6- ثم يلجأ الباحث إلى طريقة التفسير الإجمالي في عرض الأفكار في بحثه ويحاول أن لا يقتصر على دلالة الألفاظ اللغوية وإنما يستشف الهدايات القرآنية من خلال النصوص، كما يستدل على ما أشارت إليه الآيات الكريمة بالأحاديث النبوية الشريفة ويدعم كل ذلك بفهم الصحابة رضوان الله عليهم لنصوص آي الذكر الحكيم.
ويوجه ويعلل ويشرح ويناقش في ضوء التوجيهات القرآنية، وإن وجد ما يوهم التناقض بين بعض الآيات التي تناولت الموضوع فلا بد من إزالة هذا الوهم، وإبراز الحكمة الإلهية في وجود مثل هذه النصوص.
7- لا بد للباحث من الالتزام بمنهج البحث العلمي عندما يضع مخطط البحث للموضوع، وقد يفرض الموضوع طبيعة المنهج والخطة التي سيجري البحث من خلالها. فإن كان الموضوع متشعب المباحث والمجالات لا بد عندئذ من وضع تمهيد بين الباحث فيه منهجه في تناول الموضوع.
ثم يقسم الموضوع إلى أبواب ويضع تحت كل باب فصولًا وتحت كل فصل مباحث فيجعل العنصر الأساسي الجامع عنوانًا للباب ثم يجعل العنصر الفرعي عنوانًا للفصل، ثم يجعل الجزئيات الصغيرة عناوين للمباحث.
أما إذا كان الموضوع محدد المعالم والآفاق واضح المجالات قليل العناصر، فلا بأس من بحثه عندئذ على شكل مقاله علمية تتكون من مقدمة وصلب الموضوع وخاتمة، يتناول في كل ذلك القضية المطروحة بأسلوب علمي رصين موثق بالأدلة والشواهد، وبدون خلاصة ما توصل إليه في الخاتمة بشكل موجز.
8- وليكن هدف الباحث في كل ذلك:
- إبراز حقائق القرآن الكريم، وعرضها بشكل لافت للنظر مع ذكر حكمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
التشريع وجماله ووفائه بحاجات البشر وملاءمته للفطرة السليمة وإطلاقه للطاقات الإيجابية في الإنسان.
- عرض تلك الحقائق بأسلوب مشرق عذب بذكر الأفكار متسلسلة آخذة برقاب بعضها ملبية لاستشراف نفس القارئ، مجيبة عن استفساراته المتوقعة، وذلك باتباع الأسلوب البياني الصحيح الذي يفهمه أهل عصره، متجنبًا الألفاظ الغريبة المهجورة وأساليب السجع المتكلفة.
ملحوظات:
1- على الباحث في التفسير الموضوعي أن يجعل عناوين الأبواب والفصول من المادة القرآنية والعناصر البارزة فيه.
أما السنة المشرفة فدورها في التفسير الموضوعي التوضيح والبيان والاستدلال وذلك حفاظًا على قرآنية الموضوع.
وكذلك أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة اللغة، فكلها مادة للشرح والتوضيح والترجيح، ولا تشكل عناصر الموضوع الأساسية.
2- على الباحث أن يلتزم بالمنهج الصحيح في التفسير، وذلك بإبعاد الروايات الضعيفة والإسرائيليات والقصص التاريخي عند عرض الموضوع القرآني وتركيز الجهد لاستنطاق النصوص الكريمة على قواعد اللغة والأساليب البيانية، ودقة الاستنباط منها.
3- عند الحاجة إلى شرح كلمة غريبة أو توجيه، قراءة، أو إبراز نكتة بلاغية أثناء عرض أحد عناصر الموضوع، يجعل ذلك تعليقًا في الحاشية من غير استطراد يخل بتسلسل الأفكار وتعانق الفقرات وسلاسة الأسلوب وإشراقة البيان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
ثانيًا: منهج البحث في التفسير الموضوعي لسورة واحدة
لقد ألفت مؤلفات قديمًا وحديثًا في تفسير سورة واحدة، وربما خص بعض العلماء تأليفًا مستقلًا حول سورة واحدة، نظرًا لمكانة هذه السورة الخاصة أو لاهتمامه بغرض تعرضت له السورة.
ولتفسير السورة الواحدة تفسيرًا موضوعيًا لا بد من اتباع خطوات منهجية علمية ليؤتي العمل ثماره، وتكون الثمار المتوقعة مكافئة للجهد المبذول.
ونذكر فيما يلي هذه الخطوات بشكل موجز ثم نعود إلى تفصيل بعضها:
أولًا: التقديم للسورة بتمهيد يعرف فيه بأمور تتعلق بالسورة من ذكر سبب النزول أو المرحلة التي نزلت فيها السورة: مكية متقدمة أو متوسطة أو متأخرة، مدنية متقدمة أو متأخرة. وما ورد فيها من أحاديث صحيحة تحدد أسماءها، أو بعض خصائصها أو فضائلها.
ثانيًا: محاولة التعرف على الهدف الأساسي في السورة والمحور الذي تدور حوله ويكون ذلك من خلال دلالة الاسم، أو الموضوعات المطروحة في السورة أو أخذًا من المرحلة التي نزلت فيها.
ثالثًا: تقسيم السورة -وبخاصة الطويلة- إلى مقاطع أو فقرات تتحدث آياتها عن عنصر من عناصر الهدف أو مجال من مجالات المحور، واستنباط الهدايات القرآنية منها وذكر المناسبات بينها.
رابعًا: ربط هذه المقاطع وما يستنبط من هدايات من كل منها بالهدف الأساسي للسورة بقصد إظهار هذا الهدف وكأنها جداول صغيرة تمد المجرى الأساسي للنهر، أو الشطآن الملتفة حول جذع الدوحة، تقوي أصلها وتدعم ساقها وتآزر متنها لتستوي على سوقها وتعجب الناظرين فيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
ثالثا: التفسير الموضوعي لسورة قرآنية
تحديد محور السورة
…
التفسير الموضوعي لسورة قرآنية:
تحديد محور السورة:
قبل البدء في تفسير السورة لا بد من دراسة أولية حول السورة تحت عنوان: بين يدي السورة أو على هامش السورة تتناول:
أ- معرفة سبب نزولها أو أسباب نزول مقاطعها. فربما نزلت السورة جملة واحدة ويكون لها سبب نزول واحد، وربما نزلت السورة متفرقة لمناسبات متعددة، وعند التمعن تجد أن عمومات السورة أو المحور الذي تدور حول السورة يربط هذه المقاطع أو الآيات بنظام معين، فمعرفة أسباب النزول تعين على التعرف على هذا النظام الذي يجمع عقد السورة أو المحور الذي تدور السورة حوله.
ب- التعرف على الهدف الأساسي للسورة أو المحور الذي تدور السورة حوله:
1- يمكن معرفة ذلك من خلال التعرف على دلالة اسم السورة أو أسمائها التي ثبتت عن طريق الوحي، أي بالتوقيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول البقاعي في نظم الدرر:
"قال شيخنا الإمام المحقق أو الفضل محمد البجائي المالكي …
الأمر الكلي المقيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سيقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراق نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له، التي تقتضي البلاغة شفاء العليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
القرآن، وإذا فعلته تبين لك إن شاء الله وجه النظم مفصلًا بين كل آية وآية في كل سورة. والله الهادي.
وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة بعد وصولي إلى سورة سبأ في السنة العاشرة من ابتدائي في عمل هذا الكتاب أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها لأن اسم كل شيء تُظهر المناسبة بينه وبين مسماه عنوانه الدال إجمالًا على تفصيل ما فيه1. وذلك هو الذي أنبأ به آدم عليه الصلاة والسلام عند العرض على الملائكة عليهم الصلاة والسلام ومقصود على سورة هادٍ إلى تناسبها، فأذكر المقصود من كل سورة، وأطبق بينه وبين اسمها"2.
2- ويمكن التعرف على هدف السورة أو محورها من خلال استعراض الأحداث البارة أو القضايا الأساسية التي تناولتها السورة.
فلو أمعنا النظر في القضايا البارزة في السورة لوجدنا أن بينها رابطًا يربطها، وقد يدق هذا الرابط فلا يدرك إلا بعد دراسة السورة دراسة عميقة ومعايشة أجوائها وتفيؤ ظلالها.
3- كما يمكن التعرف على هدف السورة أو أهدافها من خلال المرحلة الزمينة التي نزلت فيه السورة، فمن المعلوم أن السور المكية أكدت على تقدير أربعة أمور: الإيمان بالله وحده، الإيمان بالبعث بعد الموت، الإيمان بالرسالات السماوية، الدعوة إلى أمهات الأخلاق. فإذا كانت السورة مكية فلا يخلو الأمر من--------------------------------------------
1 اختار الشيخ عبد الحميد طهماز عنوان "العواصم من الفتن … في سورة الكهف".
وذكر في مقدمة كتابه أن الدافع لا لاختيار هذا العنوان شيئان: اسم السورة فالقضايا التي عرضت في السورة إذا اعتنقها الإنسان كان كالملاذ له والملجأ من الفتن والضلال فقد أوى إلى كهف يقيه من شرورها.
والأمر الثاني حول اختيار هذا العنوان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف كانت له عصمة من الدجال. فكأنه آوى إلى كهف أو ملاذ أو ملجأ بقية فتنة الدجال. وهذا استنباط لطيف من الشيخ جزاه الله خيرًا.
2 نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي: 1/ 17-19.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
أن يكون من أهدافها الأساسية هذه الأسس الأربعة مجتمعة أو متفرقة. والسور المدنية بالإضافة إلى تقرير ما سبق استهدفت بناء المجتمع الإسلامي على أسس من الإيمان والطاعة والتشريعات التفضيلية في شئون الحياة كما استهدفت حماية المجتمع الإسلامي من الأخطار الداخلية والخارجية، بكشف خطط المتآمرين الحاقدين الساعين في الأرض بالفساد من اليهود والمنافقين، فلا تخلو سورة مدنية من قضية البناء، أو الصيانة والحماية، فيمكن التعرف على الهدف الأساسي أيضًا من خلال التعرف على القضايا المعروضة في السورة، ومن خلال المرحلة الزمنية لتطور المجتمع الإسلامي أيضًا.
ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن بعض السور يمكن أن نجد لها عدة محاور تدور حولها من غير تناقض ولا تعارض ولا تصادم. ويمكن تحديد كل محور والتعرف على دائرته من خلال زاوية الرصد التي نرصدها.
تمامًا كما نتعرف على مسارات وأفلاك لبعض الكواكب وقد تتداخل أحيانًا من غير وقوع تصادم بينها، ويمكن تحديد مساراتها حسب زاوية الرصد وحسب نقطة الارتكاز التي نحددها لمعرفة مسارات هذه الكواكب.
فسورة الكهف مثلًا يمكن تحديد عدة محاور أو أهداف لها. فمثلًا:
عندما ندرك أنها سورة مكية نزرت في مرحلة متقدمة من مراحل الدعوة إلى الله. فقد ورد في صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: في بني إسرائيل -أي الإسراء- والكهف ومريم: "إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي"1.
وكما قلنا: إن السورة المكية جاءت لترسيخ أسس أربعة فيمكن رصد آيات السورة ومقاطعها من زاوية أي أساس من هذه الأسس.
فلو أخذنا قضية الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، ونظرنا إلى افتتاحية السورة وإلى قصصها الأربع وإلى خاتمتها لوجدنا أن قضية التوحيد لافتة للنظر فيها--------------------------------------------
1 صحيح البخاري، كتاب التفسير: 5/ 223.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
ولا يخلو مقطع من هذه المقاطع من الدعوة الصريحة إلى توجيه العبادة لله سبحانه وتعالى والإخلاص له في القول والعمل وترك عبادة الطواغيت والآلهة المزعومة والشركاء.
ولو حددنا وجهة نظرنا في البحث عن الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر من خلال افتتاحية سورة الكهف وقصصها الأربع وخاتمتها، لوجدناها من أبرز القضايا في كل المقاطع بحيث لا نحتاج إلا لاستعراض سريع لآيات، والأدلة أكثر من أن تساق للاستشهاد بها.
ولو أمعنا النظر في الآيات باحثين عن قضية إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من خلال آيات السورة لوجدناها محورًا أساسًا في ذلك يعيننا في تحديد معالم ذلك سبب النزول والافتتاحية والخاتمة بشكل قوي لافت للنظر، ولوجدنا أن هناك روابط قوية تشد القصص الأربع إلى هذا المحور شدًا لا يمكن الفكاك منه.
ولو أردنا أن نلقي أضواءً على أمهات الأخلاق التي استهدفت الكهف ترسيخها والقيم الثابتة التي دعت إليها بالدعوة الصريحة لها أحيانًا والتمثيل الرائع بضرب الأمثال للقيم الحقيقية وضرب الأمثال للقيم الزائفة الخادعة التي تموه الباطل على الناس وتظهره على غير حقيقته أحيانًا أخرى وبالترغيب في التمسك بالحقائق والقيم الخلقية الرفيعة، والترهيب من القيم الزائفة الداجلة أحيانًا، لأدركنا أن هذا الهدف الذي ترمي إليه السورة لا يقل أهمية عن الأهداف الثلاثة الأولى.
وهكذا فحينما تحدد زاوية الرصد للآيات الكريمة ومقاطع السورة -بشرط أن تكون رؤيتنا صحيحة، وإحاطتنا بقضايا السورة العامة وأسباب نزولها دقيقة- نجد أن لكل سورة شخصيتها المستقلة وهدفها أو أهدافها المحددة التي ترمي إليها، وأسلوبها الخاص بها، واختيار طريقة العرض للقضايا، وسوق القصص اختصارًا أو إسهابًا أو إشارات مقتضبة، كل ذلك لتكمل شخصية السورة وأجواؤها لإبراز الهدف الأساسي أو القضايا الرئيسية التي تناولتها السورة.
4- المناسبات بين مقاطع السورة ودورها في التعرف على هدف السورة أو محورها:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
عند تقسيم السورة إلى مقاطع أو فقرات حسب ارتباط الآيات بعنصر من عناصر الموضوع لا بد من الرجوع إلى كتب التفسير الموثوقة للاطلاع على الروايات الصحيحة من السنة النبوية وأقوال الصحابة والتابعين في تفسير الآيات، والرجوع إلى الكتب التي تناولت المناسبات بين الآيات في السورة الواحدة مثل تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازي، ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور لبرهان الدين البقاعي، وفي ظلال القرآن لسيد قطب.
وذلك للإحاطة بمعاني الآيات ومحاولة التعرف على المناسبات بين هذه المقاطع فقد تكون المناسبة جلية واضحة بينها، وقد تدق فلا تظهر، وقد تكون المناسبات بينها وبين محور السورة ظاهرة جلية وقد تكون دقيقة خافية وكثيرًا ما يكون التعرف على المناسبات بين المقاطع طريقًا لمعرفة الهدف الأساسي من السورة أو المحور الذي تدور حوله السورة. وقد يكون النظر في فاتحة السورة وخاتمتها وإبراز القضايا المشتركة بينهما دليلًا على الهدف الأساسي في السورة فكثير من السور القرآنية يرد فيها العجز على المصدر لترسيخ مفاهيم معينة أو التذكير بقضية جاءت السورة لبيانها1.
وبعد التعرف على هدف السور الأساسي وتحديد المحور الذي تدور حوله تتبلور المناسبات بين المقاطع جميعها وبين المقاطع والمحور وبين الفاتحة والخاتمة، ويدرك الباحث وجه الاستطرادات التي وردت في السورة وتظهر له من الحكم والأسرار القرآنية على حسب ما أوتي من ملكة في الاستيعاب والغوص في المعاني.--------------------------------------------
1 يقول الدكتور محمد عبد الله دراز:
ولقد وضح لنا بما أثار دهشتنا أن هناك تخطيطًا حقيقيًا واضحًا ومحددًا، يتكون من ديباجة وموضوع وخاتمة فتوضح الآيات الافتتاحية الأولى من السورة الموضوع الذي ستعاجله في خطوطها الرئيسية ثم يتبع ذلك التدرج في عرض الموضوع، بنظام لا يتداخل فيه جزء مع جزء آخر، وإنما يحتل كل جزء المكان المناسب له في جملة السورة، وأخيرًا تأتي الخاتمة التي تقابل الديباجة.
انظر: كتاب مدخل إلى القرآن الكريم: 119.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)