إن آثار إدراك المناسبات بين المقاطع والأجزاء في السورة على التعرف على هدف السورة كبيرة. وبالمقابل فإن ظهور الهدف في السورة يعين كثيرًا على التعرف على المناسبات بين مقاطعها وفقراتها فالأضواء منعكسة على بعضها من الجهتين تنير السبيل أمام الباحث للسير بخطى ثابتة راسخة في بحثه، فلا يهمل هذا الجانب في التفسير الموضوعي للسورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
الهدف في السورة القصيرة والسورة الطويلة:
تتناول السورة القصيرة في الغالب قضية واحدة فيكون لها هدف واحد أو محور واحد تدور عليه. فمثلًا سورة "الإخلاص" تدور حول هدف واحد هو تقدير الوحدانية لله سبحانه وتعالى، وسورة "الكافرون" تدور حول المفاصلة عن الكافرين، وسورة "الزلزلة" و"القارعة" تدوران حول أحداث يوم القيامة والحساب فيه.
وهناك من السور القصيرة ما تتعدد أهدافها أو أغراضها ولكنها لا تخرج في الغلب عن هدفين أو ثلاثة.
فمثلًا: سورة "الطارق" تذكر هدفين هما التذكير بقدرة الخالق على الخلق والإبداع، وتقرير أن الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة حق من الخالق.
وسورة "الغاشية" تتناول أحوال الكافرين والمؤمنين يوم القيامة، وتذكر الاستدلال على القدرة والحكمة من خلال تدبر هيئات المخلوقات.
وسورة "النازعات" تتناول ذكر جنود الله من الملائكة المكلفين بالكون والمخلوقات، لتدفعها جميعًا إلى يوم الحساب. ومن باب إبراز فضل الشيء وقوته بذكر ضده تعرض السورة بإشارات سريعة أحوال فرعون وطغيانه وحشره لجنوده ليبين ضعفهم بالمقارنة بجند الله وسهولة أخذهم {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} ، ثم التعليق والتعقيب على ذلك ببيان ضعف الإنسان قياسًا إلى خلق السماوات والأرض وبيان مصير المكذبين والمصدقين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
فنستطيع أن نقول: إن السورة تتناول ثلاثة جوانب أساسية:
- قوة الله وقوة جنده.
- ضعف البشر وجنودهم من خلال النموذج الفرعوني.
- التعقيب والتقرير لمبدأ المعاد والحساب.
وسورة "ن" محورها الأساسي الدفاع عن شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحذر الكافرين المغترين من التقول عليه وإلصاق التهم الباطلة به.
وهكذا سائر سور القرآن الكريم مهما طالت فإنها تدور حول أهداف معينة، فسورة البقرة على طول آياتها وكثرة فقراتها. ذكر بعضهم أنها تتكون من مقدمة وغرضين أساسيين وخاتمة.
فالمقدمة في الحديث عن موقف الناس تجاه القرآن الكريم: فمؤمن، وكافر، ومنافق.
ثم الموضوع الأول: هو بيان قدرة الخالق ووحدانيته وحكمته من خلال أصل الخلق والتكوين وأن الناس تنكروا لهذا الأمر المرة تلو المرة وقدم النموذج الإنساني الذي كلف بالأمانة والقوامة على دعوة الله وتوحيده وتطبيق شرائعه، فلم يستقم على ذلك وهم بنو إسرائيل. وبعد الحديث عن نعم الله على بني إسرائيل وإرسال الرسل إليهم وبيان مواقفهم ومراوغتهم للتخلص من أحكام الله وإيثار الشهوات والشبهات على الاستقامة على منهج الله.
ثم يأتي ذكر الموضوع الثاني: وهو أنه لا بد لدين الله من أمة تقوم عليه وتطبقه ولا بد أن تكون هذه الأمة قادرة على التغلب على أهوائها، وأن تكون على جانب كبير من العلم والمعرفة الربانية وأن تكون لها شخصيتها وأصالتها. فكانت الأمة التي أُسندت إليها المسئولية بعد بني إسرائيل هذه الأمة الإسلامية أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وزودت هذه الأمة بكل مقومات القيادة والسيادة من العلوم والتشريعات لتقوم بدور القوامة التي عجزت عنه بنو إسرائيل.
ثم تأتي الخاتمة بالشهادة لهذه الأمة أنها آمنت وصدقت ولجأت إلى ربها وتضرعت إليه واستعانت به للقيام بالمهام العظام التي أنيطت بها من خلال الالتجاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
إلى ربها وبارئها والمنعم عليها {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} .
{رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 285، 286] .
بعد الحديث عن هدف السورة أو محورها إجمالًا وقبل الدخول في تقسيم السورة إلى مقاطع أو فقرات والحديث التفصيلي عنها، لا بد من العودة إلى الحديث عن هدف السورة أو محورها مرة أخرى بعد الانتهاء من الحديث التفصيلي عن المقاطع أو الفقرات، وذلك لربط هذه المقاطع والفقرات بالهدف الأساسي أو المحور الذي تدور حوله السورة.
والبحث الأول في الهدف أو المحور بحث استدلالي لإثبات هذا الهدف أو المحور من خلال مقدمات السورة ووقت نزولها وسبب النزول واستعراض أبرز القضايا فيها، أما البحث الأخير في الهدف أو المحور فهو تقرير نتائج، واستنباط وجوه للمناسبات بين هذه المقاطع وبين المحور الأساسي، فلا بد من أن يكون الهدف أو المحور واضحًا محددًا مسلمًا به ليأتي بعد ذلك دور الربط والتعليق وذكر دقائق النظم المعجز والحكم والأسرار المودعة حسب طاقة الباحث وشفافية نظرته التي يقول عنها علي بن أبي طالب عن ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق1 وذلك لدقة استنباطات ابن عباس من آي الذكر الحكيم.
إن الباحث في هذا اللون من التفسير لا بد له من ملكة تجعله يرى في الآيات القرآنية ومن خلال نظمها والروابط بينها جوانب خلف الدلالات اللغوية للألفاظ والكلمات القرآنية، فإذا استعملت هذه الملكة وفق منهج محدد في البحث والاستقراء والاستنباط كان الاطلاع على جوانب من عجائب القرآن وغرائبه التي لا تنقضي على مر العصور.--------------------------------------------
1 التفسير والمفسرون: 1/ 67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
الإطناب والإيجاز في قضايا عرضتها السورة:
قد يجد الباحث عند تفسيره لسورة ما تفسيرًا موضوعيًا تناول السورة لقضية من القضايا القرآنية بإيجاز أو بإسهاب، وقد تتكرر هذه القضية في سورة أخرى أكثر إطنابًا أو أكثر إيجازًا، فما موقف الباحث من هذه القضية؟
هل يجعلها مدخلًا للتوسع في هذه القضية فيَلُم شتاتها من خلال السورة الأخرى ويجمعها في هذا الموضوع، أو يشير إشارة سريعة إلى القضية ولا يتناولها بالبحث لأنه يفسر سورة معينة ولا يفسر موضوعًا من خلال القرآن؟
أرى في مثل هذه المواطن أن محور البحث في السورة أو الهدف الأساسي في السورة هو الذي يحدد طبيعة البحث في مثل هذه القضايا.
إن تكرار الموضوعات والقصص في القرآن الكريم وفي سور متعددة لحكم وأسرار قد لا نحيط بها، ولكن من الواضح من هذه الحكم وعلى رأسها أن أسلوب العرض في كل مكان يتناسب مع أجواء السورة وأهدافها فإن كان محور السورة يدور حول قضية لإثباتها فلا بأس أن نتعرض عند ذكر القضية لتفصيلاتها التي ذكرت في سور أخرى، ولكن إذا كانت القضية ذكرت بشكل عرضي وجزئي للاستدلال بها على هدف السورة الأساسي وهو غير هذه القضية فلا يناسب المقام أن نتعرض لجزئياتها في سور أخرى.
فمثلًا سورة "نوح" عليه السلام هدفها الأساسي إبراز جانب دعوة نوح عليه السلام وموقف قومه من الدعوة.
فليس من المناسب عند عرضنا لهذا الموضوع من خلال سورة نوح أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
نتعرض بشكل مفصل للحوار الذي جرى بين نوح وابنه، وماذا حدث من أمور كونية في إهلاك القوم كما عرضتها سورة "هود" وسورة "المؤمنون" وغيرهما، ولكن من المناسب جدًا أن نذكر ما يتعلق بالحوار والأساليب الجدلية التي اتبعها القوم كما ذكرتها السور نفسها.
إن لكل سورة هدفها وشخصيتها وأسلوبها في عرض القضايا فينبغي عدم طمس هذه المعالم للسورة بحشر تفصيلات تاريخية أو قصصية أو بلاغية فيها على حساب الهدف الأساسي.
ومثل آخر من سورة "البروج" فالمحور الذي تدور عليه السورة: الصراع بين أهل الإيمان وأصحاب السلطة الطواغيت، وبيان أن النهاية لأهل الإيمان.
وقد جاء ذكر فرعون وثمود في السياق للاستدلال بمصيرهم على أن الغلبة لجند الله سبحانه وتعالى مهما تجبر الطغاة العتاة فإنهم لن يعجزوا الله عز وجل، وأن المؤمنين هم المنصورون وأن دعوتهم هي الفائزة ولو ذهبت أنفس الدعاة قرابين لنصرتها.
فينبغي أن يدور التفسير في هذا الإطار، فلا يتناسب مع هذا الهدف أن نسرد التفصيلات في أمر فرعون وما جرى بينه وبين موسى عليه السلام وكيف تبع بني إسرائيل ثم كان مصيره الغرق.
ولا يستدعي الأمر بيان ديار ثمود وأصل انحرافهم وما جرى بينهم وبين نبيهم صالح عليه السلام ولا الآية التي طلبوها ثم انقلبوا على أعقابهم فأخذتهم الصيحة.
إن أجواء السورة لا تحتمل هذه التفصيلات، فينبغي الدوران مع المحور حوف الهدف الأساسي للسورة وعدم الخروج عن خاصيات السورة وملامحها وشخصيتها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
صلة التفسير الموضوعي بالأنواع الأخرى من التفسير:
لا يمكن الفصل بين أنواع التفسير فصلًا رياضيًا بحيث تنقطع وشائج القربى بينها ويكون لكل نوع مجاله وأسلوبه ونتائجه.
وذلك لأن مجال البحث واحد وهو كلام الله سبحانه وتعالى، والغاية التي يهدف إليها المفسر واحدة أيضًا وهي الكشف عن مراد الله سبحانه وتعالى من الآيات على قدر الطاقة البشرية، إلا أن مناهج المفسرين للوصول إلى الغاية هي التي تختلف بعض الشيء.
وحتى هذا الاختلاف في المنهح ليس اختلاف تباين وانفصال وتضاد بل هو اختلاف تنوع وتعاضد وترادف.
وبعض أنواع التفسير تعتبر أساسًا للانطلاق منه إلى غيره فلا يستغني عنه المفسر الباحث في أي نوع من أنواع التفسير.
فالتفسير التحليلي لا يستغني عنه الباحث في التفسير الإجمالي أو الموضوعي أو المقارن، وذلك لأن التفسير التحليلي ينصب على معرفة دلالة الكلمة اللغوية ودلالتها الشرعية، والتعرف على الرابط بين الكلمات في الجملة وبين الجمل في الآية وبين الآيات في السورة. وكذلك التعرف على القراءات وأثرها على دلالة الآية، ووجوه الإعراب ودورها في الأساليب البيانية وإعجاز القرآن الكريم. وغيرها من الوجوه التي تساعد على إخلاء المعنى وتوضيح المراد.
فالذي يريد تفسير الآيات تفسيرًا إجماليًا لا يستطيع أن يعبر عن موضوع الآيات التي يريد التعبير عنها بأسلوبه الخاص لتقريب المعاني وإبراز جوانب الهداية منها ما لم يلم بتفصيلات ما تقدم من أمور التفسير التحليلي لاستجلاء المعنى المراد ثم صياغته بأسلوب يتناسب مع المدارك الثقافية للمخاطبين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
وكذلك بالنسبة لمن يتناول الآيات وتفسيرها بأسلوب التفسير المقارن فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، لا بد أن يحيط بأقوال المفسرين الذين كتبوا في تفسير الآيات ليدرك المفسر الذي لم يخرج عن روح النص والغرض الأساسي من الآيات الكريمة، عن المفسر الذي تعسف في تأويل هذه الآيات وحملها ما لم تحتمل، أو لم يدرك المرمى اللغوي للكلمة القرآنية فانحرف بها عن دلالتها وأولها غير تأويلها الصحيح، فأبعد في التأويل ووقع في محاذير. ولكي يحكم على صواب منهج المفسر أو خطئه، وإجادته في تفسيره أو تخبطه فيه لا بد أن يكون على دراية وافية بمعاني الآيات الكريمة فلا بد له من الرجوع إلى التفسير التحليلي، وقد يستخدم للتعبير عن حكمه على التفاسير التي يقارن بينها أسلوب التفسير الإجمالي للآيات.
أما الباحث في التفسير الموضوعي فاعتماده على جمع الأنواع المتقدمة من التفسير أمر أساسي في كتابته ومنهجه ولا غنى له عن أحد الأنواع.
إذ يعتبر هذا اللون من التفسير ثمرة الأنواع كلها، ويعتبر التفسير الموضوعي مرحلة تخصصية متأخرة عن مراحل الأنواع السابقة ولذلك:
أ- عندما يجمع المفسر الآيات المتعلقة بموضوع من الموضوعات، لا بد من الرجوع إلى دلالات الكلمات التي تعبر عن هذا الموضوع بشكل صريح أو تشير إليه إشارة أو يكون الموضوع من لوازم هذه اللفظة أو العبارة، أو نتيجة من نتائج استخدام هذه العبارة.
وكثيرًا ما تستخدم الجملة أو الآية الواحدة في موضوعين مختلفين ويكون لها دلالة مختلفة حسب الموضوع وحسب السياق والسياق عن دلالة الموضع الآخر.
فلكي يدرك الباحث في هذا اللون من التفسير -أعني التفسير الموضوعي- لا بد أن يكون مدركًا إدراكًا تامًا لأقوال المفسرين الذين كتبوا في تحليل هذه الآيات.
ب- وكثيرًا ما تتباين أقوال المفسرين الذين كتبوا في تحليل النص القرآني بحيث لا يمكن الجمع بينها، والآيات القرآنية حمالة للوجوه المتعددة فلا بد للمفسر الذي يكتب في موضوع ما، ووجد هذه الأقوال في تفسير آية تتعلق بموضوعه، لا بد من وقفة متأنية دقيقة، ونظرات ثاقبة للترجيح بين هذه الأقوال ومعرفة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
المصيب منها وغير المصيب، وليختار القول المناسب لموضوعه من هذه الأقوال بغية توضيح عناصر الموضوع والربط بين الأساليب القرآنية في أداء المعنى، وبالتالي للوصول إلى الهدايات القرآنية المتعلقة بالموضوع مجال البحث.
وهذا هو التفسير المقارن.
جـ- ولما كان الموضوع الذي يتناوله الباحث في التفسير الموضوعي حسب أحد منهجين لا ثالث لهما:
- تناول موضوع من خلال القرآن الكريم كله.
فعندئذ لا بد له من تقسيم الموضوع إلى عناصر حسب تناول الآيات الكريمة لها، وللتعبير عن العنصر الذي استنبطه من خلال الآيات، ولا مناص من اللجوء إلى التفسير الإجمالي ليقرر هذا العنصر ويوضحه ويشرحه ويسوق له الأدلة.
- أو تناول الموضوع من خلال سورة قرآنية معينة.
وعندئذ لا بد له من تقسيم السورة إلى مقاطع حسب ترتيب الآيات في السورة أو حسب تسلسل عناصر الموضوع أو الهدف الأساسي في السورة أو المحور الذي تدور عليه السورة.
وللتعبير عن مضامين هذه المقاطع وتوضيح الهدايات القرآنية منها ثم ربطها بالهدف الأساسي للسورة وضمن الإطار الذي تعرض السورة فيه هذا الهدف أو الأهداف.
لا بد للباحث من اللجوء أيضًا إلى التفسير الإجمالي في طريقة عرضه لهذه الأهداف وربط المقاطع كلها بمحور السورة لإبراز الهدف الأساسي فيها.
إذن نستنتج من كل ما تقدم أن أنواع التفسير متداخلة متساندة، لا يستغني المفسر لنوع منها عن الأنواع الأخرى.
وبخاصة الباحث في التفسير الموضوعي لا بد أن يكون على مستوى رفيع من الإحاطة بأنواع التفسير الأخرى؛ لأن الأنواع الأخرى من التفسير هي اللبنات الأولى والمادة الأولية التي يريد إقامة بنيان تفسيره الموضوعي عليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
علم المناسبات والتفسير الموضوعي
مدخل
…
علم المناسبات والتفسير الموضوعي:
علم المناسبات وثيق الصلة بالتفسير الموضوعي -وبخاصة التفسير الموضوعي للسورة- وذلك لأننا نلحظ أن الآية أو مجموعة الآيات تنزل في أسباب مختلفة وحوادث متفرقة ثم توضع في سورة واحدة وقد تكون بين الآيات التي وضعت في موضع ما من السورة والآيات التي وضعت عقبها فترة زمنية قصيرة لا تتعدى الأيام وقد تكون فترة طويلة تتجاوز عدة سنوات -كما في سورة النساء في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} والآيات التي قبلها من 51 إلى 58- ولكننا عندما نقرءوها نجد أن وحدة الموضوع يجمعها ومرمى الهدف والغاية من سياقها جميعها شيء واحد.
لذا كان من المهم أن نلم أولًا بأطراف ما قيل في علم المناسبات بين الآيات في السورة الواحدة، وبين السور بعضها مع بعض، لنكون على بينة من هذا الأمر ولكي نضعه في الحسبان عندما نحاول تفسير السورة تفسيرًا موضوعيًا لندرك أن الفاصل الزمني لا دخل له في الحكم بمرامي السورة وأهدافها، فكما أن الزمن لم يكن له اعتبار قبل نزول القرآن إلى اللوح المحفوظ ثم إلى بيت العزة في السماء الدنيا، أُلغي هذا الاعتبار أيضًا بعد جمع القرآن بين دفتي المصحف، ولم يبق له إلا دلالات مساعدة في إلقاء الأضواء على مضمون الآية أو الحكم الذي تشتمل عليه الآية الكريمة، وتبقى القاعدة المطردة التي استنتجها جهابذة علماء هذه الأمة نصب عين كل باحث وهي: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".
وما أجمل قول الشيخ محمد عبد الله دراز بهذا الصدد: " … إن كانت بعد تنزيلها جمعت عن تفريق فلقد كانت في تنزيلها مفرقة عن جمع، كمثل بنيان كان قائمًا على قواعده فلما أريد نقله بصورته إلى غير مكانه قدرت أبعاده ورقمت لبناته، ثم فرق أنقاضًا فلم تلبث كل لبنة من أن عرفت مكانها المرقوم، وإذا البنيان قد عاد مرصوصًا بشد بعضه بعضًا كهيئته أول مرة"1.--------------------------------------------
1 النبأ العظيم: 154-155، ط. دار القلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
أولًا- تعريف علم المناسبات:
المناسبة في اللغة: المقاربة والمشاكلة.
وفي الاصطلاح: هي الرابطة بين شيئين بأي وجه من الوجوه. وفي كتاب الله تعني ارتباط السورة بما قبلها وما بعدها. وفي الآيات تعني وجه الارتباط في كل آية بما قبلها وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
ثانيا: أهمية علم المناسبات وأقوال العلماء فيه
مدخل
…
ثانيًا- أهمية علم المناسبات وأقوال العلماء فيه:
علم المناسبات بين سور القرآن الكريم أو بين الآيات في السورة الواحدة من العلوم الدقيقة التي تحتاج إلى فهم دقيق لمقاصد القرآن الكريم، وتذوق لنظم القرآن الكريم وبيانه المعجز، وإلى معايشه جو التنزيل، وكثيرًا ما تأتي إلى ذهن المفسر على شاكلة إشراقات فكرية أو روحية.
وقد اعتبر بعض المفسرين أن نسبة هذا العلم من علم التفسير مثل نسبة علم البيان من علم النحو1.
وهو علم يجعل أجزاء الكلام بعضهًا آخذًا بأعناق بعض، فيقوي بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء2.
وهو علم تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن، وهو سر البلاغة لأدائه إلى تحقيق مطابقة المقال لما اقتضاه من الحال.
قال القاضي أبو بكر بن العربي المتوفى سنة 543هـ في "سراج المريدين": "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى يكون كالكلمة الواحدة متسعة المعاني منتظمة--------------------------------------------
1 نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي: 1/ 6.
2 البرهان في علوم القرآن للزركشي: 1/ 35، 36.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
المباني، علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة. ثم فتح الله عز وجل لنا فيه، فلما لم نجد له حملة ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه"1.
قال الزركشي: "وقال بعض مشايخنا المحققين -وسماه السيوطي في الإتقان: الشيخ ولي الدين الملوي، قد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبة، لأنها على حسب الوقائع المتفرقة، وفصل الخطاب أنها على سحب الوقائع تنزيلًا وعلى حسب الحكمة ترتيبًا وتأصيلًا، مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف كما أنزله جملة إلى بيت العزة، ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها تكملة لما قبلها أو مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها، ففي ذلك علم جم. وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له"2. ا. هـ.
قال البقاعي في نظم الدرر: "وبهذا العلم يرسخ الإيمان في القلب ويتمكن من اللب، وذلك أنه يكشف أن للإعجاز طريقين: أحدهما: نظم كل جملة على حيالها بحسب التركيب، والثاني: نظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب.
والأول أقرب تناولًا وأسهل ذوقًا، فإن كل من سمع القرآن بما تلته وما تلاها خفي عليه وجه ذلك، ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد فظن أنها متنافرة، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما كان حصل له بالسماع من الهز والبسط، ربما شككه ذلك وزلزل إيمانه وزحزح إيقانه … إلى أن يقول: فإذا استعان بالله وأدام الطرق لباب الفرج بإنعام التأمل وإظهار العجز والوقوف بأنه في الذروة من إحكام الربط كما كان من الأوج من حسن المعنى. فانفتح له ذلك--------------------------------------------
1 نظم الدرر: 1/ 7، والبرهان: 1/ 36.
2 نظم الدرر: 1/ 8، والبرهان: 1/ 37، والإتقان: 2/ 108.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
الباب ولاحت له من ورائه بوارق أنوار تلك الأسرار. رقص الفكر منه طربًا وشكر الله استغرابًا وعجبًا وشاط لعظمة ذلك جنانه فرسخ من غير مرية إيمانه … " إلخ1.
ويقول الرازي: "علم المناسبات علم عظيم أودعت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه، وهو أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول"2.
وعدم مراعاة علم المناسبات بين الآيات يوقع في بعد عن المعنى حتى في الآية الواحدة. وهذا ما حدث لكثير من المفسرين في تفسير آية الأهلة: جاء في سبب نزول صدر الآية عن ابن عباس: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة فنزلت هذه الآية: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] . وقال أبو العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله لِمَ خلقت الأهلة؟ فأنزل الله: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} 3.
وفي تفسير الطبري: ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن زيادة الأهلة ونقصانها واختلاف أحوالها فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية جوابًا لهم فيما سألوا عنه.
وبعد أن ساق الروايات في ذلك قال الطبري: فتأويل الآية إذا كان الأمر على ما ذكرنا عمن ذكرنا عنه قوله في ذلك: يسألونك يا محمد عن الأهلة ومحاقها وسرارها وتمامها واستوائها وتغير أحوالها بزيادة ونقصان ومحاق واستسرار، وما المعنى الذي خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة أبدًا على حال واحدة لا تتغير بزيادة ولا نقصان، فقل يا محمد خالف بين ذلك ربكم لتصييره الأهلة التي سألتم عن أمرها ومخالفة ما بينها وبين غيرها فيما خالف بينها وبينه مواقيت لكم ولغيركم من بني آدم في معاشهم ترقبون بزيادتها ونقصانها ومحاقها وسرارها وإهلالكم إياها أوقات حل ديونكم وانقضاء مدة إجارة من استأجرتموه وتصرم عدة نسائكم ووقت صومكم وإفطاركم فجعلها مواقيت للناس.--------------------------------------------
1 نظم الدرر: 1/ 11-12.
2 البرهان: 1/ 35.
3 تفسير ابن كثير: 1/ 225.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
ثم ذكر تأويل قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة: 189] ، قيل: نزلت هذه الآية في قوم كانوا لا يدخلون إذا أحرموا بيوتهم من قبل أبوابها. وذكر الروايات في ذلك.
وعادة دخول البيوت من ظهورها في حال الإحرام أو عند العودة من سفر كانت عادة متبعة في الجاهلية، وعلى الرغم من ورود الشطر الثاني للآية لإبطال تلك العادة فإن وضعه في المكان المحدد له من قبل الحكيم الخبير لا بد من وجود رابط بين صدر الآية وشطرها الثاني، ولم يشر أحد من المفسرين الذين لا يلتفتون إلى المناسبة بين الآيات إلى ذلك.
ونجد الإمام الرازي -ولأنه يهتم بالمناسبة بين الآيات- أول من التفت إلى ذلك. يقول الرازي -بعد أن ذكر أقوال المتقدمين والروايات التي ذكرها جل المفسرين: "المسألة الثانية: ذكروا في تفسير الآية ثلاثة أوجه:
الأول: وهو قول أكثر المفسرين حمل الآية على هذه الأحوال التي رويناها في سبب النزول، إلا أنه على هذا التقدير صعب الكلام في نظم الآية، فإن القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكمة في تغيير نور القمر فذكر الله تعالى الحكمة في ذلك وهي قوله: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} ، فأي تعلق بين بيان الحكمة في اختلاف نور القمر وبين هذه القصة؟
ثم ساق وجوهًا من أقوال المفسرين لتوجيه هذا القول والملاءمة بين أول الآية وآخرها.
ثم ذكر في ثنايا القول الثاني وجهًا في غاية الانسجام حيث قال: "فجعل إتيان البيوت من ظهورها كناية عن العدول عن الطريق الصحيح وإتيانها من أبوابها كناية عن التمسك بالطريق المستقيم"1.
أي إن سؤالهم عن حادثة فلكية دقيقة قبل تمكنهم من علم الفلك وتعاطي أسباب معرفته كمن يأتي البيت من ظهره وذلك مناقض للحكمة والبر.--------------------------------------------
1 مفاتيح الغيب للرازي: 5/ 126.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
هذه أقوال المؤيدين للبحث عن وجه المناسبة بين الآيات في السورة الواحدة وبين السور المتعددة، إلا أن هذا الاتجاه لم يكن مسلمًا به عند جميع العلماء ووجد من يقول إن هذا البحث تكلف محض تأباه طبيعة نزول القرآن، منجمًا، ولم ينقل شيء من ذلك عن سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين.
ولعل أقدم من رفع صوته مستنكرًا لهذا الأمر سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام المتوفى سنة 660هـ.
ونقل السيوطي في الإتقان قوله: "إن ربط آيات القرآن على ترتيب نزوله تكلف لا يليق، إذ إنه يشترط في حسن الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط، ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك، يصان عن مثله حسن الحديث فضلًا عن أحسنه، فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة شرعت لأسباب مختلفة، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض"1.
كما نقل عن الإمام أبي حيان صاحب البحر المحيط كلامًا شبيهًا بكلام العز بن عبد السلام وقد ذكر الإمام الشوكاني في تفسيره فتح القدير2، حجج المنكرين لهذا اللون من الربط بين الآيات وأيدهم بحجج وضرب أمثلة، ولعل أوسع مقال في ذلك ما كتبه الشيخ محمد بن عبد الله الغزنوي3، وهو يرد على القائلين بوجود المناسبات. وننقل فيما يلي كلامه بتمامه لأنه يمثل وجهه نظر الرافضين:
يقول الشيخ: اعلم أن كثيرًا من المفسرين جاءوا بعلم متكلف وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته، استغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة. بل--------------------------------------------
1 الإتقان: 2/ 138.
2 انظر: فتح القدير: 1/ 72 وما بعدها.
3 الشيخ محمد بن عبد الله الغزنوي المتوفى سنة 1296هـ، له تعليقات على تفسير "جامع البيان في تفسير القرآن" للشيخ معين الدين محمد بن عبد الرحمن الحسني الحسيني الإيجي الشافعي المتوفى سنة 894هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف، فجاءوا بتكلفات، وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلًا عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره ومن تقدمه ومن تأخره. وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرقًا على حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قبضه الله عز وجل إليه.
وكل عاقل فضلًا عن عالم لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية لنزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها بل قد تكون متناقضة كتحريم أمر كان حلالًا، وتحليل أمر كان حرامًا، وإثبات أمر لشخص أو أشخاص تناقض ما كان قد ثبت لهم قبله، وتارة يكون الكلام مع المسلمين وتارة مع الكافرين، وتارة مع من مضى وتارة مع من حضر، وحينًا في عبادة، وحينًا في معاملة، ووقتًا في ترغيب ووقتًا في ترهيب، وآونة في بشارة وآونة في نذارة، وطورًا في أمر دنيا وتارة في أمر آخرة، ومرة في تكاليف آتية ومرة في أقاصيص ماضية.
وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف ومتباينة هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف، فالقرآن النازل فيها باعتبار نفسه مختلف كاختلافها، فكيف يطلب العاقل المناسبة بين العنب والتوت، والماء والنار، والملاح والحادي؟ وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض، أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور؟
فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا الأمر لا بد منه، وأنه لا يكون القرآن بليغًا معجزًا إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة، وتبين الأمر الموجب للارتباط، فإن وجد الاختلاف بين الآيات رجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك، فوجده تكلفًا محضًا وتعسفًا بينًا، انقدح في قلبه ما كان عليه في عافية وسلامة، هذا على فرض أن نزول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
القرآن كان مرتبًا على هذا الترتيب الكائن في المصحف، فكيف وكل من له أدنى علم بالكتاب وأيسر حظ من معرفته يعلم علمًا يقينًا أنه لم يكن كذلك، ومن شك في هذا -وإن لم يكن مما يشك فيه أهل العلم- رجع إلى كلام أهل العلم العارفين بأسباب النزول، المطلعين على حوادث النبوة، فإنه يثلج صدره وينزل عنه الريب بالنظر في سورة من السور المتوسطة، فضلًا عن المطولة، فإنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت في حوادث مختلفة وأوقات متباينة، لا مطابقة بين أسبابها، وما نزل فيها في الترتيب، بل يكفي المقصر أن يعلم أن أول ما نزل {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} وبعده {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر} ، {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} ، وينظر أي موضع هذه الآيات والسور في ترتيب المصحف. وإذا كان الأمر هكذا، فأي معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعًا أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزل الله متأخرًا، أو تأخر ما أنزل الله متقدمًا؟! فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة، وما أقل نفع مثل هذا وأنزر ثمرته وأحقر فائدته، بل هو عند من يفهم ما يقول، وما يقال له من تضييع الأوقات وإنفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله، ولا على من يقف عليه من الناس.
وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسبة بين ما قاله رجل من البلغاء من خطبه ورسائله وإنشاءاته، وإلى ما قاله شاعر من الشعراء من القصائد التي تكون تارة مدحًا وأخرى هجاء، وحينًا تشببًا وحينًا رثاء وغير ذلك من الأنواع المتخالفة. فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع فناسب بين فقره ومقاطعه ثم تكلف تكلفًا آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في الحج والخطبة التي خطبها في النكاح ونحو ذلك، وناسب بين الإنشاء الكائن في العزى والإنشاء الكائن في الهنا وما يشابه ذلك، لعد هذا المتصدي لمثل هذا مصابًا في عقله متلاعبًا بأوقاته عابثًا بعمره الذي هو رأس ماله.
وإذا كان مثل هذه بهذه المنزلة وهو ركوب الأحموقة في كلام البشر فكيف تراه يكون في كلام الله سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء العرب وأبكمت فصاحته فصحاء عدنان وقحطان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
وقد علم كل مقصر وكامل أن الله سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربي فأنزله بلغة العرب وسلك فيه مسالكهم في الكلام وجرى فيه مجاريهم في الخطاب. وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون مختلفة وطرائف متباينة فضلًا عن المقامين فضلًا عن المقامات فضلًا عن جميع ما قاله ما دام حيًا وكذلك شاعرهم.
ولنكتف بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي يعثر في ساحاتها كثير من المحققين1. ا. هـ.
هذه وجهة النافين لهذا اللون من البحث، وهذه حججهم وردودهم على القائلين بوجود المناسبات بين الآيات والسور.
ولا شك أن هذا العلم دقيق المسالك خفي المدارك، وهو من العلوم التي تحتاج إلى بذل الجهد في التتبع والاستقصاء اللغوي لدلالات الألفاظ القرآنية، والإحاطة بأسباب النزول، والتوسع في أفانين علم البلاغة والأساليب البيانية، وفوق كل ذلك ينبغي أن يكون الباحث ذا حس مرهف ونفس شفافة وذكاء لماح ليدرك سر هذا الترتيب للآيات التي وضعت بجوار بعضها، وقد أكدت الأخبار الصحيحة عن المعصوم أن الفاصل الزمني بينها يتجاوز السنوات العديدة أحيانًا.
ونحن نسلم أن بعض العلماء الباحثين في وجوه المناسبات قد تكلفوا أحيانًا في استخراج وجه المناسبة، ولكن تكلفهم هذا لا ينبغي أن يكون ذريعة لرد الوجوه المعقولة المقبولة التي ذكرها الآخرون.
ونؤمن إيمانًا جازمًا أن ترتيب الآيات في السور كان بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكتبه الوحي، ولم يكن لأحد رأي واجتهاد في ذلك.--------------------------------------------
1 انظر: التعليقات على تفسير جامع البيان: 13 و14، ط. دار نشر الكتب الإسلامية، الباكستان، الطبعة الثانية 1397هـ/ 1977م. وهو منقول بنصه عن فتح القدير للشوكاني، ج1، ص72، 73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
ونقول إن هذا الترتيب الموحي به لم يكن جزافًا ولا اعتباطًا أو عبثًا وننزه كلام الباري سبحانه وتعالى عن كل ذلك.
كما نقول إن القول بوجود المناسبات أمر يحتمه الاعتقاد بتنزيه كلام الله سبحانه وتعالى عن الفوضى والتناقض:
{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] .
وعلى الباحث أن يبذل قصارى جهده للتعرف على وجه المناسبة بين الآيات، فإن ظهر له شيء من ذلك فذلك نعمة من الله تعالى وفضل عليه، وله أن يقول به ويظهره خدمة لكتاب الله تعالى، وإن خفي عليه وجه المناسبة فعليه أن يمسك ولا يتكلف، وينسب علم ما خفي عليه إلى منزل الكتاب الذي أمر بترتيبه على هذا الشكل، ولا يدرك أسرار كتاب الله كلها أحد من البشر {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 6] .
وسنضرب أمثلة ونماذج على وجه المناسبات بين الآيات في السورة الواحدة وبين السور المتعددة، لعلنا نُكَوِّن بعد ذلك فكرة عن الموضوع وبعدها نتخذ موقفًا من التأييد أو الرفض.
ثالثا- ظهوره وأهم المؤلفات فيه:
أو من أظهر علم المناسبات: يعتبر الإمام أبو بكر النيسابوري المتوفى سنة 324هـ أول من أظهر علم المناسبات في بغداد، وكان يزري على علماء بغداد لجهلهم وجوه المناسبة بين الآيات، وكان لا يني يقول إذا قرئت عليه الآية أو السورة: لم جعلت هذهالآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه إلى جنب هذه السورة؟
وكذلك أبو بكر ابن العربي المالكي المتوفى سنة 543هـ وتقدمت الإشارة إلى كلامه ضمن كلام البقاعي. كما تجد ذكر المناسبات من خلال تفسيره "أحكام القرآن".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)