بالله، ويرجو رحمته، ويخاف عذابه، ومنهم الذي شقي في الدنيا بنفسه المظلمة الكنود، وفي الآخرة بعذابها الأليم الشديد: فلن يموت في جهنم فيستريح ولن يحيا في راحة واطمئنان، وموعظة لكل ذي فطرة سليمة تؤكد أن الفلاح للزكاة والطهر، والخسران للرجس والدنس، وتنذر بفناء الدنيا العاجلة وبقاء الآخرة الخالدة، وفي ختام هذه السورة تذكير بوحدة الدين، فإن الذي ينزله الرب الخالق الأعلى على قلب محمد قد أنزل مثله من قبل على شيخ الأنبياء إبراهيم وعلى كليم الله موسى: فهي عقيدة واحدة، وتعاليم واحدة، ليس لها إلا مصدر واحد هو الله رب العالمين1.
وفي سورة "الليل"2 يقسم الله بتقلب الليل والنهار، وخلق الذكر والأنثى، على أن طرائق الناس في الحياة مختلفة، فلا بد أن تكون مصائرهم مختلفة أيضا: فكما تقابل صورة النهار السافر صورة الليل الغامر، وتعاكس طبيعة الأنثى اللطيفة طبيعة الذكر الخشنة، ينافر سعي المتقين عمل المجرمين، ويضاد ثواب السعداء عقاب الأشقياء. ولن يسكب الله الرضوان إلا في قلب من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى.
وفي سورة "الشرح" مناجاة رقيقة حلوة يضع الله فيها عن نبيه ضائقة حلت به وثقلت على ظهره حتى كادت تحطمه، ويبشره بانفراج كربه، وانشراح صدره، وتيسير أمره، ورفع مكانته في الأرض وفي السماء، وقرن اسمه باسمه في الصباح وفي المساء، ويدعوه إلى التفرغ لعبادته كلما تجرد عن الناس وعن شواغل الحياة في طريق الدعوة الطويل3.--------------------------------------------
1يلاحظ هنا -من وحي السياق نفسه- أن الدعوة الإسلامية أنبأت عن نفسها منذ أوائل المرحلة المكية بأنها عالمية، وأن أصولها واحدة كأصول الأديان السماوية، وقد أشار إلى هذا في سياقنا نفسه ذكر صحف إبراهيم وموسى، فلم ينتظر القرآن هجرة النبي إلى المدينة والتقاءه بيهودها ليتحدث عن صحف نبيهم موسى، بل عرض لموسى كما عرض لإبراهيم في مكة نفسها تأكيدا لعالمية الدعوة ووحدة أصلها.
وانظر Horovits، Koronische Untersuchengen، 68 sq.
2 انظر تفسيرها في "الطبري 30/ 138".
3 قارن بتفسير الرازي 8/ 428.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
وفي سورة "العاديات"1 يقسم الله بخيل الغارة التي تعدو في ساحة المعركة ضابحة صاخبة لاهثة الأنفاس، وتصك الصخر بحوافرها صكا يقدح النار ويوري الشرر، وتقتحم أرض العدو بغارة صباحية مفاجئة تثير
بها الغبار، وتتوسط الجموع وتجوس خلال الديار، ثم تملأ الصفوف ذعرًا وتلجئهم إلى الفرار2 … يقسم الله بهذه الخيل العاديات الصاخبات الثائرات على أن الإنسان جاحد نعمة ربه يقيم من نفسه شاهدا على جحوده، ولا يحمله على هذا الكفر إلا ما فطر عليه من حب المال والخير ومتاع الحياة، فليطلق الإنسان نفسه من أغلالها، وليطف بخياله مشهد مصيره المحتوم ومصائر إخوانه البشر أجمعين حين يبعثون من مراقدهم، فتبعثر قبورهم، وتحصل أسرار صدورهم ويخبرهم ربهم بكنودهم وجحودهم، ويجزون سؤء العذاب على ما قدمت أيديهم.
وفي سورة "التكاثر" إنذار رهيب للغافلين اللاهين الذين يتكاثرون بالأموال والبنين، حتى ينتهوا إلى زيارة المقابر الضيقة، فلا يجدوا في حفرها المظلمة فرصة للتنافس. إن الهول الأكبر سيحيق بهم فيستيقظون على حقيقته الرهيبة بعد أن طالت سكراتهم، ويرون الجحيم وعذابها بأم أعينهم، ويستصغرون -وهم يعاينون العذاب المقيم- كل ما أصابوه من ألوان النعيم3.
وفي سورة "النجم"4 تصوير دقيق لحقيقة الوحي وطريقة تلقيه،--------------------------------------------
1 راجع تفسيرها في "الكشاف 4/ 328".
2 هذه الصورة الواضحة التي لا تصدق إلا على الخيل العادية الصاخبة المغيرة جملة وتفصيلا ظلت في نفوس بعض المستشرقين غامضة، فلم ينتبهوا -وأنى لهم الذوق لينتبهوا! - إلى ما رود في الآيات من أصوات صاخبة، وحوافر قادحة، ونقع مثار، وجمع منهزم يولي الأدبار؛ وإذا هم يأخذون -كعادتهم- بأضعف الآراء، فيجعلون العاديات ضبحا الإبل التي يفيض عليها الحجاج من عرفة إلى المزدلفة، أو من المزدلفة إلى منى، ويستأنسون على ذلك بمن أقسم من الشعراء "بالراقصات إلى منى".
انظر: Gaudefroy -Domombynes، Pelerinage، 256.
3 راجع تفسير سورة "التكاثر" في الكشاف 4/ 230.
4 راجع تفسير الرازي 7/ 695 والنسفي 3/ 82 والطبري 27/ 24.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
وحقيقة ملك الوحي وأسلوب نزوله، وتهكم بعباد الأوثان وسخرية بأصنامهم وتصحيح لعقائد العرب في الملائكة، وإيماءة إلى حكمة الله من خلق الكون، والتفاتة إلى اتفاق الرسالات جميعا على أصول العقائد، وقواعد المسئولية والجزاء، وإنذار للعابثين الضاحكين بقرب مصرعهم كما لقي مصرعه من قبل كل جبار عنيد.
أقسم الله بالنجم حين يهوي عبد تلألئه، ويتدلى بعد أن كان في كبد السماء قصيا، على أن محمدا مبلغ عن ربه، مهتد لم يضل، رشيد لم يعرف طريق الغواية، بل صاحبه قومه المخاطبون بهذا الوحي عمرا من قبله فما عرفوا عليه من سوء ولا جربوا عليه كذبا، فالوحي الذي ينزل عليه لا مراء فيه، والملك الذي يحمله إليه شديد القوى عظيم الخلق، يسد الأفق بمنظره المهيب1، وقد تيسر لهذا النبي الأمي أن يلتقي به، ويراه على صورته الحقيقية مرتين: إحداهما في بدء الوحي حين التصق به وقرأ عليه القرآن، وكانت رؤية يقينية قريبة استوثق منها القلب والبصر، والأخرى ليلة الإسراء والمعراج حين رحل معه رحلة واقعية رأى خلالها آيات ربه الكبرى وبلغ سدرة المنتهى2 التي ينتهي إليها المطاف، وينتهي إليها علم الأولين والآخرين، فإذا هي أقرب درجة إلى الفردوس جنة المتقين التي تأوي إليها أرواح الصديقين والملائكة--------------------------------------------
1 وهنا كذلك ذكر جبريل بأبرز صفاته ولم يذكر باسمه الصريح، فأغنى مسماه عن اسمه، وعوضت صورة خلقه كنه ذاته، فكان في ذلك -كما رأينا في سورة "التكوير"- تدرج في إعلام المشركين بشيء من حقائق الغيب، وتهويل في وصف ظاهرة من ظواهره المعجزة الفريدة.
2 إن عجبك لن ينقضي إذا علمت أن الأمير كايتاني يأبى أن يرى في هذه السورة ما يراه المفسرون المسلمون من المعنى الرمزي الديني، ويصر -من غير برهان- على أنها موضع قريب من مكة يدعى "سدرة المنتهى".
وانظر Caetani، Annali dell' Islam، 231.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
والمقربين1. فمن ذا الذي يماري محمدا فيما رآه، وما طغى بصره ولا زاغت عيناه؟
ولئن كان الوحي حقيقة مشهودة مرئية فإن عبادة العرب للات والعزى ومناة وسائر أصنامهم الأخرى أوهام وأساطير، وحين زعموا أن هذه الأصنام ملائكة وأن الملائكة بنات الله، لم يركنوا إلا للظن والهوى، ولم يعرفوا سوى الجور في القسمة، فإنهم يكرهون البنات، وقد نسبوا إلى الله ما يكرهون، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الله إناثًا!.
ولكن هذه الأسماء التي يخلعونها على أصنامهم تارة، وعلى الملائكة تارة أخرى، ليس وراءها مدلول، ولا يؤيدها منطق ولا سلطان، فما أجدر النبي أن يعرض عن أولئك الجاهلين ويهمل شأنهم موجها وجهه للذي فطر السموات والأرض ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
وإن مفهوم المسئولية والجزاء لقديم راسخ الجذور منذ بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكلهم متفقون على أصول العقائد، وكلهم يدعون الناس إلى تحمل تبعاتهم بأنفسهم، ثم إلى الله منتهى كل شيء، ومرجع كل نفس لتدافع عن نفسها، ولقد نطقت بهذا كله صحف إبراهيم وموسى، مثلما نطقت بقدرة الله على الجمع بين النقيضين في نشأة الإنسان وحياته وموته وبعثه ونشوره، فقد خلق الله في الإنسان دواعي الضحك ودواعي البكاء، وقد جهزه للموت بعد أن أعده للحياة، وجعل في الإفراز المنوي المراق خصائص الذكر أو خصائص الأنثى، أفليست النشأة الأخرى أهون عليه من النشأة الأولى؟--------------------------------------------
1 إن لك هنا أيضا أن تأخذك الدهشة إذا علمت أن "جنة المأوى" أصبحت في نظر شبرنجر ومولر دارة أو "فيلا" تحيط بها حديقة غناء في ضواحي مكة!!.
انظر Sprenger، Das Leben und die lehre des Mohammad 307 Muller، der Islam I، 65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
ليعرف المشركون إذن حدود قدرتهم، وليزدجروا عن غيهم، وليذكروا كيف أباد الله المكذبين الجاحدين وأنزل بهم الخسف والدمار، وليعلموا أن الخطر داهم، وأن مصرعهم قريب، وليسجدوا لله قبل أن يقذف بالحق على باطلهم، فتزهق أرواحهم وهم كافرون.
إن هذا لقليل من كثير مما انطوت عليه السور المكية في مرحلتها الأولى، أبينا أن نستخلص ما فيه من أفكار وعقائد وتعاليم إلا مما ثبت لدينا -بعد أن ثبت للعلماء المحققين- أنه حقا من أوائل الوحي. وتحليلنا لتلك لنوازل الأولى -وإن جاء خاطفا- كاف لإلقاء الضوء على الموضوعات المعروضة، والمشاهد المصورة، وكاف أيضا لتمييز هذه الزمرة القرآنية بخصائصها الأسلوبية عن الزمرتين المكيتين التاليتين، وعن الزمر المدنيات الثلاث ابتداء ووسطًا وختامًا.
وكان يسيرًا علينا أن نلاحظ -في سور هذه المرحلة الأولى كلها- أن الحديث عن الوحي والدين، ووصف قدرة الله وآثار رحمته، وتقرير النشأة الأخرى قياسا على النشأة الأولى، وتصوير مشاهد القيامة، وإنذار المشركين بمثل العذاب الدنيوي الذي أصاب المكذبين من قبل، وتأكيد فكرة المسئولية والثواب والعقاب، وتسلية النبي على ما يلقاه من اضطهاد قومه له بوصف ما لقيه إخوانه الرسل من قبل، والتصريح بوحدة الدين في أصول عقائده والتلويح بعالمية الدعوة المباركة وشمولها البشر جميعا، كادت تؤلف الموضوعات البارزة وإن عرضت بأساليب مختلفة، وإيقاعات موسيقية متباينة.
وإنه ليسير علينا كذلك -لو عدنا إلى هاتيك السور نفسها فقرأناها، واحدة واحدة- أن ندرك أن آياتها جميعا قصار، وأنها شديدة الإيجاز، وأن القسم فيها بمشاهد الكون كثير، وأن صيغ الإنشاء فيها من أمر ونهي واستفهام وتمن ورجاء تتخلل مقاطعها وتزيدها حرارة، وأن ألفظاها رشيقة منتقاة يسري التنقيم في أحرفها المهموسة تارة، المجهورة تارة أخرى، وأن فواصلها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
الموزونة المقفاة -بإيقاعها العجيب- تنساب أحيانا وتتموج، وتلهث أحيانا وتتهدج، وتقصف أحيانا وتدمر، وتصرخ أحيانا وتزمجر، وأن تجسيم المعنويات، وتشخيص الجوامد، وخلع الحركة والحياة والحوار على الأشياء الصامتة، قد أحالت مشاهدها لوحات فنية غنية بالأصباغ الحية.
وحين ننتقل إلى ما اخترنا تحليله مما صح لدينا أنه من المرحلة المكية المتوسطة، سنجد في زمرته كلها نظائر هذه الخصائص الموضوعية والأسلوبية، ففي كل سورة مثل تلك الأفكار والتعاليم، وفي كل سورة مثل تلك الصور والظلال، وفي كل سورة مثل تلك الأنغام والألحان، بيد أن زيادة بعض العقائد، أو إضافة بعض الحقائق، توشك أن تجعل من كل سورة على حدة -وليس من كل زمرة وحسب- منظومة علوية تملأ القلوب والآذان.
هذه مثلا سورة "عبس" -من المرحلة المكية المتوسطة، ومن أوائلها على وجه اليقين- تعالج حادثة من حوادث السيرة بتوجيه القلوب إلى حقيقة القيم، وحقيقة الحياة، وحقيقة الإنسان، وحقيقة الفزع الأكبر يوم القيامة. وتعالج السورة هذه الحقائق الضخمة بإيحاءات شديدة التأثير، ولمسات عميقة النفاذ، وصور وارفة الظلال، وفواصل قوية الإيقاع.
عبس النبي وأعرض عن ابن أم مكتوم، المؤمن الأعمى الفقير، وقد جاء يسأله أن يعلمه مما علمه الله. فليعقب القرآن على هذا الحادث الفردي، وليعتب على النبي عتابا شديدًا1، وليدعه إلى استبدال قيم السماء بقيم الأرض، وموازين الشريعة العادلة بمواضعات البشر الجائرة، وليجعل الله هذا الحادث درسا بليغا وتذكرة لا تنسى للنبي وللمؤمنين {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} 2.--------------------------------------------
1 ارجع إلى فصل "ظاهرة الوحي" من هذا الكتاب.
2 قارن بقول الزمخشري في "الكشاف 4/ 185": " {كَلَّا} ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} أي: موعظة يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} أي: كان حافظا له غير الناس".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
ما كان للنبي أن يعرض عن هذا الأعمى ويعبس ويتولى، فإن هذا الاعمى لأكرم عند الله بتقاه من أصحاب النسب والقوة لجاه، وإن كل قيم الحياة لا يقام لها وزن متى تجردت من الإيمان وتعرت من التقوى.
تلك هي حقيقة القيم، أما حقيقة الحياة فقصة ذات مراحل وفصول. تتراءى في فصولها كلها يد حانية لطيفة تدبر للأحياء، في عالم الإنسان والحيوان، طعامهم الذي يقيم أودهم، ويحفظ صحتهم، فتصب عليهم ماء السحاب صبا، وتسلك هذا الماء ينابيع في الأرض، ثم تتركه يتخلل التربة الخصبة وينفذ فيها ويشقها شقا ليعين النبات على النماء والانبثاق من التراب، والامتداد في الهواء، وإذا بالنبات يستحيل حبًّا يقضم، وعنبا يعصر، أو فاكهة تؤكل غضة طرية، أو زيتونا ينبت بالدهن، أو نخلا باسقات، وإذا بالحدائق التي ينبت فيها هذا النبات ملتفة الأشجار، متشابكة الأغصان، فيها من الثمار ما يتفكه به الإنسان، ومن المراعي ما يسد حاجة الحيوان.
وكان ينبغي للإنسان أن يدرك حقيقة الحياة، وحقيقة القيم، لأنه الحي المجهز بكل أسباب الحياة، ولكنه ظلوم جهول، وجحود كفور، فقد نسي أصل نشأته من نطفة من ماء مهين، وتجاهل تكريم الله إياه بتيسير صعابه في درب الحياة، وإيداعه جوف الأرض بعد الممات، فقصر في أداء حق الله وقضاء واجبه نحو الله، واسترسل في جحوده كأنه متروك سدى بلا حساب ولا عقاب. فما أعجب حقيقة الإنسان، وما أعجب كفر الإنسان!.
ولكن حقيقة مذهلة كبرى تنتظر الإنسان يوم الهلع والفزع الأكبر، يوم تقوم الساعة فتصخ الآذان صخا ملحاحا، فما يسمع الإنسان غير أصواتها النافذة العنيفة، ويذهل بكربها عن أقرب الناس إليه، ولا يفكر إلا بنفسه ومصيره، وللناس يومئذ صنفان من الوجوه: إما وجوه السعداء بتهللها ونورها وبشراها، وإما وجوه الأشقياء بانقباضها وسوادها وحزنها، فطوبى للمؤمنين وساءت مصائر الكفرة الفجرة1.--------------------------------------------
1 راجع تفسير هذه السورة في الطبري 30/ 32 وقارن بالزمخشري 4/ 184.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
ويريد القرآن أن يعرض حقيقة الفطرة الإنسانية وهي قويمة سليمة، وحقيقتها حين تنحرف عن الصراط المستقيم، فيجعل سورة "التين" معرضا لهذا، وفي إطار من القسم ببعض الثمار المباركة والأماكن المقدسة1 يكرم الله الإنسان، ويمتنُّ عليه بتكوينه الفطري المقوم، وتصويره الجسمي المعدل، والارتقاء به جسدا وروحا إلى المقام الأسنى، ثم يلوح باستعداده للهبوط النفسي، والانحلال الخلقي، والانحدار إلى أسفل سافلين إلا إذا أضاءت له الفطرة مسالك الحياة، فبصرته بحقيقة الإيمان، ورغبته بصالح الأعمال، وانتهت به إلى الكمال، وأورثته جنات النعيم، فهل للإنسان بعد إدراك الحقيقة أن يطمس نور الفطرة، فيكذب بدين الله، ويتجاهل حكمة الله، وينساق مع غيه وهواه2؟
وفي آيات مدوية رهيبة تقذف الرعب في القلوب يصور القرآن مشهدا سريعا من مشاهد القيامة يقفيه بمشهد الجزاء والحساب. وذلك في سورة "القارعة" التي تقرع بهولها كل شيء، حتى ليغدو الناس في غمراتها حيارى خفافا صغارًا كالفراش المتهافت لا يعرف لم يطير ولا أين المصير، وتمسي الجبال الرواسي هباء تذروه الرياح كالصوف المتطاير المنفوش، فليتوقع الإنسان في ذلك الهول المرهوب عيشة راضية إن أحسن عملا، أو نارا حامية وهلاكا أبديا إن أساء وكان شقيا.--------------------------------------------
1 الثمار المباركة إشارة إلى التين والزيتون، ولا سيما إذا كان المراد بهما منابتهما التي ترمز إلى جبل التين بجوار دمشق وجبل الزيتون في بيت المقدس، والأماكن المقدسة إشارة إلى طور سيناء ومكة البلد الأمين، والخلاف في التين والزيتون مشهور، بيد أنه يسعنا فيهما ما وسع إمام المفسرين الطبري إذ قال: "والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال: التين هو التين الذي يؤكل، والزيتون هو الزيتون الذي يعصر منه الزيت، لأن ذلك هو المعروف عند العرب. ولا يعرف جبل يسمى تينا ولا جبل يقال له زيتون، إلا أن يقول قائل: أقسم ربنا جل ثناؤه بالتين والزيتون، والمراد من الكلام القسم بمنابت التين ومنابت الزيتون" تفسير الطبري 30/ 154.
2 راجع في تفسير هذه السورة الدر المنثور للسيوطي 4/ 365 والرازي 8/ 431.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
وإن تتطاير الجبال الثقال يوم القارعة تطاير الصوف والهباء، فما أحوج الإنسان إلى الموازين الثقال تعوض خفته لئلا يتهافت كالفراش1.
وفي سورة "القيامة" يرسم القرآن الانقلاب الكوني الشامل الهائل في ومضات سريعة تأكيدا للبعث وردًا على منكريه، ويطمئن النبي إلى نقش الوحي في صدره فلا تدركنه العجلة التي أدركت البشر في حب الحياة الفانية، ويحدد بإيجاز شديد مصير السعداء ومصير الأشقياء، ويصور مشهد الاحتضار الذي كتب على كل حي، ويذكر الإنسان بنشأته الأولى ليقيس عليها نشأته الآخرة.
وتوطئة لتصوير الانقلاب الكوني يلوح الله بالقسم بيوم القيامة وبالنفس التقية اللوامة على أن البعث واقع والساعة آتية لا ريب فيها، وإذا كان الإنسان يستبعد جمع العظام وهي رميم فإن الله يقدر على ما هو أدق وأجل: إذ يسوي له أطراف أصابعه ويعيد تركيبها في مواضعها على اختلاف "بصماتها" وأشكالها، فعلام الفجور؟ ولم يستبعد الإنسان البعث والنشور؟
وتأكيد البعث بهذا الأسلوب القوي الذي يواجه القلب الغافل ويحاصره كان أصلح تمهيد بين يدي الانقلاب الكوني يوم يقوم الناس لرب العالمين: فما أسرع الانقلاب في كل شيء يوم القيامة! إن الإنسان الفزع القلق ليرى الكون كله مختل النظام ببصره الحائر الزائغ المتقلب، فما للقمر نور بعد أن طمس، ولا للشمس مشرق بعد أن اقترنت بالقمر، ولا للإنسان ملجأ يقيه الهول الشديد بعد أن سيق إلى الله ليحاسب على ما قدمت يداه!
والإنسان لم يستبعد البعث والنشور والحساب إلإ اتباعا للهوى، واحتفالا بالشهوات، واستعجالا لملذات الحياة، ولكن الحياة مهما تطل إلى زوال، فلا--------------------------------------------
1 قارن بقول الزمخشري في "الكشاف 4/ 23": "وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقلها في الدنيا، وحق لميزان لا توضع فيه إلا الحسنات أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينه، لاتباعهم الباطل وخفتها في الدنيا، وحق لميزان لا توضع فيه إلا السيئات أن يخف! ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
داعي الاستعجال، حتى رسول الله الأمين تعتريه أحيانا سمة من سمات الإنسان العجول، فيحرك لسانه بالوحي عجلان، مخافة أن يفوته حفظ شيء من القرآن، فليستعل بنبوته على الطبيعة الإنسانية العجلى، وليثق بأن منزل الوحي على قلبه قد تكفل بحفظه وصيانته، وجمعه وبيانه1.
وما أسعد الذي فضل حب الله على حب هذه الدنيا العاجلة! إنه مطمئن إلى الله، متطلع إلى رضوان الله، مستشرف إلى النعيم الروحي الأسمى الذي يتمثل في نضرة وجهه حين ينظر إلى جمال الله! أما الذين استحب العاجلة على الآجلة، وآثر اتباع الهوى على طاعة الله، فما أنكى مصيره وما أشقاه! إنه محروم من نور البصيرة المشرق، يترقب بوجهه الكالح العباس كارثة تقصم ظهره، وتحطم فقاره، وتنذره بالعذاب الأليم2.
ولو رجع منكرو البعث مرة واحدة إلى مشهد الاحتضار الذي يتكرر كل يوم تحت أبصارهم، وتذكروا كيف يفارق الأحياء أحبتهم، ويرحلون إلى عالم مجهول، لأيقنوا بأن الله القهار الذي أمات الحي قادر على أن يحيي الميت. فإنهم يعرفون أن الرقى والتعاويذ لا تغني عن المحتضر شيئا متى بلغت روحه الحلقوم، وتلوي من سكرات الموت في كرب شديد. فمن كان مشهد الاحتضار لا يرعبه، وانتزاع الأحبة لا يقلقه، فليذهب في درب الحياة فخورا، وليمط ظهره متعاجبا مزهوا، وليعرض عن الحق أيما إعراض. إن الويل لينتظره، وإن غضب الله قد حل بساحته!.
وما كان على منكري البعث إلا أن يلتفتوا إلى نشأتهم الأولى ليقيسوا عليها--------------------------------------------
1 ربطنا هنا، وفي فصل علم أسباب النزول، بين قوله تعالى: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} وقوله: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} رد قاصم حاسم لكل من توهم الانقطاع في ثنايا هذه السورة، فما يحتاج القارئ الفطن - لإدراك وجه التناسب بين المقطعين- إلا لحس مرهف لطيف يتذوق أساليب العرب في اتساق النظم وارتباط السياق. فأنى لعجمة الأب لامنس أن ترقى إلى فهم هذا البيان الرفيع!.
انظر: Lammens، fatima، 113.
2 راجع هنا تفسر الرازي 8/ 259 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
بمنطق الفطرة نشأتهم الآخرة، ألم يكن الإنسان ماء رقيقا مهينا؟ ألم يتحول هذا الماء دما متجمدا عالقا بجدران الرحم؟ أولم يتطور في هذا القرار المكين حتى أضحى جنينا به خصائص الذكر أو خصائص الأنثى؟ فهل يعجز عن إحيائه من خلقه من العدم؟ وهل يتركه خالقه الحكيم سدى؟ ألا تنطق الفطرة السليمة بوجوب البعث والنشور، وثواب المتقين وعقاب الفاجرين؟ 1.
وفي سورة "المرسلات" نمط خاص فريد في تصوير أجمل مشاهد الدنيا وأعنف مشاهد الآخرة، وأصدق حقائق الكون وأعمق أغوار النفس، في مقاطع شافية الفواصل، متعددة الأنغام، مصحوبة بقوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِين} يتكرر فيها عشر مرات كأنه لازمة الإيقاع، وتجيء هذه المقاطع، بسماتها الحادة العنيفة، متناسقة كل التناسق مع مطلع السورة الرهيب الذي أقسم الله فيه بالملائكة المرسلات على أن وعده بالآخرة واقع لا ريب فيه.
وفي القسم بالمرسلات غموض ملحوظ يتناسق مع عالم الغيب المقسم عليه، فكل ما فيه مغيب مجهول، وقد اخترنا أنهن الملائكة مخافة الخوض -في هذه العجالة- في الخلاف الطويل المشهور، فقد أقسم الله -وهو بقسمه أعلم- بالملائكة اللاتي يرسلهن متتابعات، فيعصفن عصف الرياح وهن بأمره ماضيات، فينشرن في الأرض شرائعه، ويفرقن بإذنه بين الحق والباطل بما يلقين إلى أنبيائه من وحي فيه إعذار إلى الخلق وإنذار2!.--------------------------------------------
1 راجع في تفسير سورة القيامة الطبري 29/ 108 وقارن بالكشاف 4/ 163 والنسفي 4/ 235.
2 قارن في تفسير هذا المطلع القسمي بين الطبري 29/ 140 والرازي 8/ 288 والزمخشري 4/ 173. وما اخترناه أقرب إلى رأي الزمخشري. ويلاحظ أن هذا الضرب من القسم إطار أدبي جميل لفصول بعض الكتب الدينية الشرقية، لما يوحي به -ولا سميا في المطلع- من رهبة المجهول؛ ولكن جمهور علماء المسيحية يرمون بالوضع والاختلاق كل كتاب ديني شرقي يفتتح شيء من فصوله بمثل هذه الأقسام الأدبية الموحية، كما رموا بالوضع "صلوات جلغوط Gologotha" التي نقرأ فيها: "والملائكة المرسلات في السحب تترى، الماضيات إلى الشمس قدما"، ونقرأ أيضا: "أورشليم، وجبل طابور، وطور صهيون وذرى الزيتون". "انظر ترجمة باسيه لهذه الصلوات باللغة الفرنسية ضمن "الآثار الحبشية الموضوعة": "Apocryphes etiopiens، Fasc، V، 34، trad. fr. R. Basset وقد يكون لعلماء المسيحية الحق في إدراج هذه الصلوات والأقسام في سلك "الموضوعات التي لا أصل لها عندهم"، لأن الأثر القرآني فيها شديد الاحتمال وإن لم يقم عليه برهان قطعي أكيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
وبعد هذا القسم الغيبي المفعم بالأسرار، تعرض السورة مشهدا جديدا من مشاهد القيامة يخطف البصر بتعاقبه السريع، ويحاصر القلب بكربه الشديد: لقد انفرط عقد هذا الكون المنظور، فكل شيء فيه ينشق وينفجر، وكل شيء من حوله يضمحل ويذوب: أما النجوم فقد طمس ضياؤها، وأما السماء فقد انشق أديمها، وأما الجبال فقد نسفت ذراها سويت بالأرض كأنها الكثيب المهيل، وأما رسل الله فقد أخر الموعد الذي ضرب لهم للمثول بين يدي الله إلى أجل طويل ثقيل يفصل فيه بين خصوم الأنبياء وأتباعهم، ويقضي فيه بالحق ولا يظلمون. فما أشد ويل المكذبين المجرمين!.
وأعداء النبيين كانوا في جميع الأجيال يلقون مصرعهم، فليس مشركو مكة بدعا من المجرمين، وإنهم منذ الساعة ليتوقعون هلاكهم الدنيوي العاجل فكيف يكون إذن عذابهم الآجل في الجحيم!
ليتهم -قبل الانطلاق إلى يوم الفصل -يفكرون في أنفسهم، وفي الأرض الذلول التي يطئونها بأقدامهم، فلو فكروا في أنفسهم لعجبوا لتقدير البارئ الحكيم الذي خلقهم في بطون أمهاتهم طورا بعد طور حتى أصبحوا بشرا أسوياء بعد أن كانوا أجنة في الأرحام. ولو فكروا في الأرض التي يطئون لرأوها أمهم الحنون، تكفتهم إلى صدرها وتضم أحياءهم وأمواتهم، فمنها خلقوا وفيها يعادون ومنها يخرجون تارة أخرى. ألم يروا إلى جبالها الشم الراسخات ينحدر الغيث عن ذراها، فيفجر الله به العيون، ويسقيهم الماء العذب النمير؟
فإن لم يفكروا في الآفاق وفي أنفسهم فليشقوا طريقهم إلى العذاب مسرعين. إن لدخان جنهم ظلالا ذوات شعب ثلاث تمتد لافحة محرقة أشد حرا من لهب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
السعير، فلينطلقوا إلى هذي الظلال، وليجدوا لديها الحرور! وإن يك لدخان جهنم تلك الظلال الخانقة اللاهبة فكيف بشررها ولظاها؟ إن كل شررة منها في حجم القصر الكبير ضخامة وارتفاعا، وتكاد شظاياها التي تتناثر مصفرة من كثرة الوقود تحكي قطيعا من الجمال الصفر تعدو في البيد في هياج شديد! 1.
ما أجدر الأصوات في ذلك اليوم أن تخشع، وما أجدر الألسنة أن تجف صامتة في الحلوق، وما أجدر المجرمين أن يكظموا حناجرهم ويكتبوا أعذارهم في صدورهم، فما لأحد عذر يبديه في ذلك الموقف المهيب. لقد حشر الله الأولين والآخرين ليفصل بينهم بحكمه، فمن كان له مكر فليمكر، ومن أوتي القوة فليحسن التدبير …
لكن الترهيب في القرآن يعقبه الترغيب، وإن الجنة والنار ليتقابلان في أكثر السور تقابل شطري البيت في القصيد، فالمتقون ينعمون في الفردوس بظلال حقيقية وارفة لا بظلال الحرور اللافح، وتجري من تحتهم العيون النضاخة العذبة ولا يتناثر من فوقهم شرر النار الموقدة، ويكرمون بخطاب الله لهم ودعوته إياهم إلى الهناءة بما يأكلون وما يشربون ولا يفرض عليهم الصمت الكئيب.
فهلا بكت المجرمون أنفسهم، وأدركوا أن متاع الدنيا قليل؟ وهلا خشعت نفوسهم للحق فركعوا مع الراكعين؟ أم كتب عليهم الشقاء فهم لا يؤمنون؟ 2.
وفي سورة "البلد" تلويح بقسم عظيم على أن حياة الإنسان سلسلة من المكابدة والمشقة والكفاح. أما القسم به فهو أمران: أحدهما ببيت الله الحرام3.--------------------------------------------
1 هذه الصورة يوحي بها قوله تعالى: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ، كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} وقد اخترنا هذا التأويل من بين طائفة من الأقوال الأخرى. وانظر الكشاف 4/ 174.
2 راجع تفسير سورة "المرسلات" في الطبري 29/ 140 والنسفي 4/ 241. وقارن بالبيضاوي 2/ 377 والزمخشري 4/ 173.
3 أصاب المستشرق موير حين ترجم "البلد" هنا بيت الله الحرام.
انظر الطبري 30/ 123 وقارن بـMuir، trad،. 14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
الذي زاده شرفا أن نبي الله حل فيه مقيم، والآخر كل والد وكل مولود وما يعانيه كلاهما من كبد في جميع مراحل الحياة. ولكن الغرور يستولي على الإنسان، فينخدع بقوته، وينسى أن الله الذي منحه هذه القوة قادر على أن يسلبها منه، وينخدع أيضا بماله، فيكنزه زاعما أنه ينفق منه الكثير في وجوه الخير، وينسى مرة أخرى أن الله محيط به يرى كيف جمع ماله وأين أنفقه، فليعرف هذا الإنسان أنه رهين بما كسبت يداه، وأنه بتصرفه المغرور إنما يجني على نفسه، إذ وهبه الله الخصائص التي تهديه إلى سواء الصراط، من عينين بهما يبصر، ولسان به ينطق، واستعداد نفسي لتمييز الشر من الخير.
إن على الإنسان -وقد أوتي وسائل الهداية كاملة- أن يقتحم عقبة كأداء تعترض طريقه إلى جنات عدن. ولن يذلل هذه العقبة إلا بالإيمان والعمل الصالح، فليحرر في سبيل الله رقاب العبيد1، وليطعم في أيام المجاعة اليتامى من ذوي القربى والمساكين البائسين، وليقم بهذا كله وفاء بحق الإيمان، واستشعارًا لأنبل معاني الصبر على المشاق، وأظهر معاني التراحم في الحياة. فبمثل هذا يكتب في سجل السعداء ويمسي من أصحاب اليمين.
أما الإنسان الذي صده الغرور عن الإيمان، فلجَّ في عتوه ونفوره، فمصيره المشئوم ينتظره في جهنم: تغلق عليه أبوابها ثم لا يموت فيها ولا يحيا2.
وبسورة "الحجر" نختم ما اخترنا تحليله من النوازل القرآنية في المرحلة المكية الثانية أو "المتوسطة". وقد انفردت هذه السورة عن كل ما سبقها من السور التي تحدثنا عنها في المرحلتين المكيتين بطولها النسبي، فهي تسع وتسعون آية، وانفردت آياتها كذلك بطولها النسبي على تفاوت في ذلك بين مقاطعها المتتابعات. ومن خصائص هذه السورة أيضا أنها افتتحت ببعض الحروف--------------------------------------------
1 يلاحظ هنا أن الدعوة إلى تحرير العبيد من الرق بدأت في الإسلام مبكرة والمسلمون ما يزالون في مكة مستضعفين محاصرين.
2 انظر تفسير سورة "البلد" في الطبري 30/ 123 وقارن بالرازي 8/ 403.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
المقطعة {الر} وقد عقدنا فصلا خاصا لها ولأمثالها في هذا الكتاب، فلا داعي للحديث عنها الآن.
وأبرز الحقائق التي عرضتها سورة "الحجر" إنذار الكافرين بسوء المصير، وبيان سنة الله في المكذبين، وتصوير آيات الله في السماء وفي الأرض وما بينهما، وحديث عن خلق آدم وإبليس، وسجود الملائكة لآدم واستكبار إبليس، وتثبيت فؤاد محمد بقصص المرسلين: كبشارة إبراهيم على الكبر بغلام عليم، ونجاة لوط وأهله من الخسف والدمار، ومصرع قوم لوط بزلزال وحجارة من سجيل، وهلاك أصحاب الأيكة قوم شعيب، وأخذ أصحاب الحجر من قوم صالح بالصيحة الطاغية، وتبيان الحق الذي تقوم به السموات والأرض وتقوم عليه الساعة، ودعوة النبي إلى الصفح الجميل، والجهر بدين الله، واللواذ بحمد الله حتى يمضي إلى جواره الكريم1.
ولقد طوي مطلع هذه السورة على إنذار ضمني خفي2 يحث الكافرين على اعتناق الإسلام قبل أن تضيع الفرصة، وينقضي الأجل، لأن الأمل الخادع مهما يشغلهم بالأطماع لن يدفع عنهم مصيرهم المحتوم، فسوف يعلمون أن سنة الله في الأمم لا تتخلف، وأن لكل أمة كتابا معلوما وأجلا مسمى، تحيا ما كتب الله لها الحياة، فإذا انحرفت عن الطريق الواضح المرسوم جاءها أمر الله ليلا أو نهارا فدمرها تدميرًا.
لكن المشركين، إزاء هذا الإنذار الرهيب، لا ينفكون عن باطلهم وغرورهم، بل يسترسلون في لغوهم وعبثهم، ويتهكمون على النبي الكريم، ويرمونه بالجنون، ويطالبونه بنزول الملائكة تصديقا له، وتثبيتا لمدلول الوحي الذي يدعيه.--------------------------------------------
1 انظر تفسير سورة "الحجر" في الطبري 14/ 1 والرازي 5/ 253.
2 نشير بهذا إلى قوله تعالى: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} فإن ألفاظ الآيتين مطوية على الإنذار، ملفوفة بالسخرية اللاذعة، ولو لم تكن مدلولاتها صريحة في هذا الباب، وقارن بقول الزمخشري: "وفيه إلزام للحجة ومبالغة في الإنذار" الكشاف 2/ 310.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
ونزول الملائكة ليس في ذاته بالمستحيل، بيد أنه أمارة على الهلاك القريب، فهل يستعجل المشركون العذاب لأنفسهم؟ وهل يريدون أن تحق عليهم كلمة الخراب والدمار؟ 1.
إن الكفر ملة واحدة، وإن أساليب التعنت والعناد لدى الكافرين متماثلة، وما صورة مشركي مكة إلا مرآة للمكذبين من كل جيل: لو خرق الله لهم السماء، وفتح لهم فيها بابا، وأعد لهم فيها معراجا، ومكنهم من اختراق حجابها، وصدع بابها، والصعود في معراجها، لكابروا بلا حياء، وأنكروا بعناد عجيب ما رآه بصرهم الحسير، وزعموا أنهم مسحورون، وأن عيونهم مخدرة سكرى لا ترى إلا وهمًا وخيالًا2.
إن القرآن -مع ذلك- لا يسلمهم إلى عنادهم البغيض، بل يوقظهم من سكرتهم، ويستثير كوامن الخير في أنفسهم، ويفتح عيونهم على مشاهد في هذا الكون الجميل تنطق بآثار الخلاق العليم: فهذه نجوم متلألئة في السماء تنتقل من منازلها وهي تدور، فتسر الناظرين، وتلك جبال شامخات ألقيت في الأرض بثقلها وضخامتها، فهي توحي بالرهبة والجلال، وهذا نبات يفترش الأرض أو يستلقي عليها أو يمتد في الهواء، وقد وزنه الله أحكم الوزن في طعمه ولونه وريحه ليكون رزقا للخلق ومعايش للعباد، ينزل من خزائن الرحمن بقدر معلوم، وتلك رياح لواقح تحمل الماء وتنطلق به ثم تسقطه مطرا غزيرًا مدرارًا3 يروي العطاش ويحيي الموات، فالملك كله بيد الله،--------------------------------------------
1 حين طالب المشركون النبي بنزول الملائكة رد القرآن عليهم بقوله: {مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ} فالملائكة لا تنزل إلا بعذاب المكذبين، ومتى نزلت لا إمهال ولا إنظار. قارن بالطبري 14/ 6.
2 قارن بقول الزمخشري في الكشاف 2/ 312: "المعنى أن هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها، ورأوا من العيان ما رأوا، لقالوا: هو شيء نتخايله لا حقيقة له، ولقالوا: قد سحرنا محمد بذلك! "
3 عن عبد الله بن مسعود في قوله: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} . قال: "ترسل الريح فتحمل الماء من السماء، ثم تمر مر السحاب حتى تدر كما تدر اللقحة". وكذا قال ابن عباس وإبراهيم النخغي وقتادة: تفسير ابن كثير 2/ 549.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
وارث السموات والأرض، يحيي ويميت وإليه المصير.
وللقرآن أطرف الأساليب في إيقاظ الهجع الرقود: إن قصصه الديني ليفتح القلوب الغلف، ويضيء العيون العمي، ويرهف الآذان الصم، حين يذيع أسرار الوجود. لذلك عرضت سورة "الحجر" هنا حقائق الهدى والضلال من خلال قصة آدم وإبليس: إن هذين المخلوقين يختلفان في المنشأ فلا عجب إذا اختلفا في المصير. أما آدم فمخلوق من طين هذه الأرض، من صلصالها اليابس الذي يصلصل إن نقر، وفيه نفحة من روح الله يستشرف بها إلى الملأ الأعلى، وهو بذلك جدير بأن تقع له الملائكة ساجدين. وأما إبليس فمخلوق من نار سامة1، ولهب خالص، فالشر يكتنفه من كل جانب، والغرور يدفعه إلى الاستعلاء، فيأبى السجود لآدم، ويحصر وظيفته في إغواء ذريته إلا عباد الله المخلصين.
وهكذا انقسم البشر: إلى غاوين من أتباع إبليس، يدخلون جنهم داخرين لكل باب من أبوابها السبعة صنف معلوم2، ومهتدين من عباد الرحمن ينعمون بالجنات والعيون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وحقائق الهدى والضلال حلقات متتابعات في قصص الأنبياء: فليستمع المشركون إلى قصة إبراهيم مع الملائكة المرسلين إلى قوم لوط، وليذكروا كيف خاف منهم ثم اطمأن إليهم حين بشروه على الكبر بغلام عليم، وإلى قصة لوط حين ضاق ذرعا بقومه الفجرة الفاحشين، فأسرى بأهله ليلا قبل أن يداهمهم الصبح القريب بمطر من حجارة من سجيل، وإلى قصة أصحاب الأيكة الذين كذبوا شعيبا فلقوا مصرعهم في وقته المحتوم، وإلى قصة أصحاب--------------------------------------------
1 قال ابن عباس في قوله تعالى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} : "وهي السموم التي تقتل"، وعن ابن مسعود: "هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجان". راجع تفسير ابن كثير 2/ 550.
2 قارن بتفسير الطبري 14/ 24.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
الحجر1 الذين كذبوا صالحا وأعرضوا عنه، وألهاهم الأمل الكاذب فيما نحتوه من البيوت المحصنة في صلب الصخور، ثم أتت على حصنهم صيحة طاغية فدمرتها تدميرًا وهم فيها آمنون في سكون الصبح الجميل.
وإذا لم يكن للمشركين في هذا القصص عبرة، فليكن لمحمد فيه أسوة حسنة، وليتسل به عما يلقاه من قومه، وليكتشف من خلاله الحق الذي أقام الله عليه السموات والأرض، وليصفح الصفح الجميل عن أعدائه الجاهلين، وليمض في طريق الدعوة إلى الله ولينذر الغافلين، وليصرف بصره عن متاع الغرور قانعا بما آتاه الله من السبع المثاني2 والقرآن العظيم، وليجهر بالوحي الذي أنزل الله مثله على قلوب النبيين، فإن العاقبة للمتقين.
وإننا -إذ نختم بسورة "الحجر" تحليلنا السريع لما اخترناه من سور المرحلة المتوسطة- لا يغيب عنا أن انفرادها بميزة الطول النسبي إرهاص لما سنلمحه في المرحلة الأخيرة من طول نسبي أيضا حتى ليصعب التمييز بين سور المرحلتين في هذه الخصيصة ولا سيما إذا لاحظنا أن الفصل بين مختلف الزمر أمر اعتباري ليس له من الواقع نصيب، فكل مرحلة امتداد للتي سبقتها ولا يبدو هذا الامتداد أوضح ما يكون إلا في السور الأولى من المرحلة الجديدة، حين تقابل بسماتها المستقلة وملامحها المتميزة السور الأواخر من المرحلة السابقة.
ولا يغيب عنا أيضا أن افتتاح سورة "الحجر" بالحروف المقطعة إرهاص لكثير من سور المرحلة الثالثة المفتتحة بهذه الحروف. وذلك يؤكد ما كنا--------------------------------------------
1 أصحاب الحجر هم ثمود، والحجر هي المعروفة اليوم بمدائن صالح، وتقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. وللمستشرق شليفر بحث طريف عن الحجر وأصحابها.
انظر: Schleifer، Encycl. de l'Islam، art. Hidjr، II، 320.
2 انظر في تأويل "السبع المثاني" الطبري 14/ 35-41 وقارن ابن كثير 2/ 557. والأرجح كما قال الطبري: أنها آيات فاتحة الكتاب. وهي سبع تثنى وتعاد في كل ركعة من ركعات الصلاة. ولذلك عقد المستشرق فنسنك مقارنة بين لفظة "مثناة" العربية و"مشنا" العبرية، ففي كلتيهما معنى الإعادة.
وانظر: Encycl. de l'Islam، Wensinck، art. Mathani، III، 464.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
أومأنا إليه من اشتراك المراحل المكية كلها في خصائص موضوعية وأسلوبية متماثلة تتفاوت حظوظها في هذا الاشتراك، ولولا أخذنا بالمنهج الزمني في ترتيب المكي والمدني زمرا وفصائل، وتقسيم كل منها إلى مراحل، لضممنا السور المكيات كلها في زمرة واحدة تقابل السور المدنيات بزمرتها كلها مقابلة كاملة.
وإن نرد تفصيل الحديث عما تميزت به المرحلة المكية المتوسطة عن الأولى -قبل أن نمضي إلى تصوير ملامح المرحلة الثالثة التالية- نجد في يسر وسهولة أن بعض الإضافات التي زيدت في هذه على حقائق تلك قد صيرت موضوعاتها كالمستقلة بنفسها، وأن بعض الأصباغ التي وشيت بها هذه زيادة على وشي تلك قد جعلت أسلوبها خاصا فريدا، مع أن الأصول في سور كلتا المرحلتين بقيت بارزة المعالم، واضحة السمات.
إن جميع الحقائق التي عالجتها المرحلة الأولى في الكون والحياة، والإنسان قد عالجتها أيضا هذه المرحلة الثانية، بيد أنها وسعت نطاقها، وفصلت جزئياتها، وألقت الضوء ساطعا على معالمها: فقد بدأت الدعوة الإسلامية تثير مخاوف المشركين وتقذف الرعب حقا في قلوبهم، فما تني تنذرهم سوء المنقلب، وتعرض عليهم صورا من تدمير الله القرى الظالمة، وتقص عليهم قصص الغابرين، وتفصل لهم البراهين1 على توحيد الله، وصدق الوحي، وقيام الساعة، ووقوع البعث والنشور والثواب والعقاب، وتصور لهم الجنة والنار في لوحتين متقابلتين حافلتين بالمشاهد والظلال، وتذكرهم بنعم الله التي لا تحصى في الأرض وفي السماء، وفي الأنفس والآفاق، وتدعوهم إلى الاهتداء بنور الفطرة، وترغبهم في صالح الأعمال، وتوازن بينهم وبين الذين--------------------------------------------
1 الفارق إذن بين هذه المرحلة المتوسطة وتلك المرحلة الابتدائية هو تفصيل البراهين، فتوحيد الله والوحي والساعة والبعث والجزاء كلها أثيرت في أوائل الوحي ولكن بدون تفصيل، إذ كان المقصود تحريك دواعي النظر ولفت الانتباه إلى عقيدة التوحيد، حتى إذا عرف المشركون عنها أشياء أولية جابههم القرآن بالأدلة والبراهين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
آمنوا وعملو الصالحات، وتضع لهم الموازين القسط للأشخاص والقيم والأخلاق، وتوضح لهم وحدة الدين في أصول الإيمان، وترسم لهم نشأة الكون وخلق آدم وإبليس، وتوضح لهم أسرار الهدى والضلال.
أما أسلوب هذه المرحلة فربما كان -في جل المواطن- امتدادا لأسلوب المرحلة المكية الأولى في الإيجاز وحرارة التعبير، وتجانس المقاطع والفواصل، ووفرة التجسيم والتشخيص والتخييل، وكثرة الأصباغ والألوان واللوحات، إلا أن بعض السور بدأت تجنح إلى الطول، وبعض الآيات بدأت هي الأخرى تطول1، وتعددت في السورة الواحدة الأنغام، وبرزت أحيانا بين مقاطعها لوازم الإيقاع، وذيلت بعض الفواصل باسم أو اسمين متتالين من أسماء الله الحسنى2، وظلت الألفاظ تنتخب انتخابا، رشيقة تارة عنيفة تارة أخرى، وهي في كلتا الحالين تهز المشاعر الراقدة بالبيان الرفيع، والسحر الخلاب!.
الآن نمضي إلى المرحلة المكية الثالثة الختامية، فيفاجئنا فيها -أكثر ما يفاجئنا- طولها بوجه عام آيات وسورًا، وإن كان الأغلب عليها طول السور دون الآيات، وهذا الطول نفسه -حيثما يلاحظ- ليس شيئا ذا بال إذا قيس بعدد الآيات في السور المدنية أو بعدد الألفاظ في الآية المدنية الواحدة، ولكنه بلا ريب يعد طولا بالنسبة إلى ما يتوقعه القارئ في جميع المراحل المكية من تناسق القرآن مع ما يرغبه فصحاء مكة من إيجاز التعبير تعويلا على الإشارة الخفية أو الإيماءة البارعة المحكمة.
وطول هذه السور سيحول دون تحليلنا لجميع ما ذكرناه منها، فبدلا--------------------------------------------
1 كلما رأينا في سورة "الحجر" وهي "نموذج" لسور أخرى من هذه المرحلة تكاد تساويها في طولها وطول آياتها، وإن كنا قد اجتزأنا بها على سبيل المثال.
2 لعل أطرف ما يطالع في هذه الأسماء الحسنى ما كتبه المستشرق ديمومبين.
انظر: Gaudefroy-Demombynes، Noms d'Allah، 20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)