Arabic source text

📘 মাবাহিছ ফি উলুমিল কুরআন লি সুব্হিস সালিহ (সুবহি আল-সালিহ - মৃত্যু 1407 হিজরী)

📘 مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح (صبحي الصالح - ت 1407 هـ)

📘 মাবাহিছ ফি উলুমিল কুরআন লি সুব্হিস সালিহ (সুবহি আল-সালিহ - মৃত্যু 1407 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وبعد أن تتعاقب الآيات في حق هذا الرجل وحق من شاركه في تلك المقالة من أهل الكتاب، يتجه السياق القرآني إلى آية جديدة في مقطع جديد يدور الحديث فيه حول أداء الأمانات إلى أهلها. فيقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} 1، وإنما نزلت هذه الآية -كما يقول المفسرون- في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري حاجب الكعبة لما أخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه2، وما دامت هذه الآية قد نزلت في الفتح وتلك نزلت في قصة كعب بن الأشرف عقب بدر، فإن بينهما ست سنين، فلم جعلت هذه إلى جنب تلك؟ ولم قفي هذا الموضوع بذلك رغم الفاصل الزمني البعيد؟!.
إن العلماء المحققين ليجدون الرابط المشترك بين هذين المقطعين، فيكادون يستخرجون منهما موضوعا واحدا محكم البناء، متلاحم الأجزاء، آخذا بعضه بأعناق بعض، إذ يرون مثلا أن الذين تملقوا عواطف المشركين وقالوا لهم: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلا، هم أهل كتاب يجدون عندهم في كتابهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم وصفته، وقد أخذت عليهم المواثيق ألا يكتموا تلك الأمانة فخانوها ولم يؤدوها، وكانت حالهم في الخيانة كحال الذين يحملون الأمانات ثم لا يحملونها، وناسب أن يدعوا ويدعى معهم كل إنسان إلى استشعار معنى الأمانة في كل ما كان عنه مسئولا3.
لعل المفسرين إذن لم يبالغوا حين قدموا أحيانًا ذكر المناسبة بين الآيات على معرفة سبب نزولها، كلما رأوا هذه المناسبة هي المصححة لنظم الكلام، ولعلهم بلغوا ذروة التحقيق العلمي حين أوجبوا البداءة بذكر سبب النزول--------------------------------------------
1 سورة النساء 58.
2 تفسير ابن كثير 1/ 515. وقارن بتفسير الطبري 5/ 91-92.
3 قارن بقول الفقيه المالكي أبي بكر بن العربي في تفسيره: "وجه النظم أنه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقولهم: إن المشركين أهدى سبيلا، فكان ذلك خيانة منهم، فانجر الكلام إلى ذكر الأمانات". ذكره الزركشي في البرهان 1/ 26.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)

حين يكون وجه المناسبة متوقفا على معرفة الأسباب، كما في آية "أداء الأمانات إلى أهلها" فلولا التحقق من سببها لتعذر على القارئ العادي التماس وجه تناسبها مع السياق القرآني سابقه ولاحقه.
وإن في تساؤل المفسرين -رغم ما جرت به عادتهم من الابتداء بذكر الأسباب- عن الأولى أن يبتدئوا به تقديم المناسبة أم تقديم السبب، لإيحاء أقوى من التصريح بأن ارتباط آي القرآن، وتناسق بعضها مع بعض، واقتران كلماتها وجملها، ومشاهدها وصورها، علم عظيم أودعت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه، وفسرت في ضوئه أكثر أحكامه وشرائعه. لذلك كان الإمام أبو بكر النيسابوري1 الذي أظهر هذا العلم بغداد يزري على علماء بلده لجهلهم وجوه المناسبة بين الآيات، وكان لا يني يقول إذا قرئت عليه الآية أو السورة، لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه إلى جنب هذه السورة؟ 2.
وفي صنيع أبي بكر النيسابوري هذا اتجاه جديد إلى الكشف عن الترابط بين السور إلى جانب الكشف عن التناسب بين الآيات، والحق أن الذي ينبغي التنقيب عنه والاستيثاق من نتائجه هو بالمقام الأول وجه المناسبة بين الآيات، إذ يبحث أول كل شيء عن الآية: أمكملة لما قبلها أم مستقلة؟ ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ولم سيقت هذا السياق؟
أما التماس أوجه الترابط بين السور -على ما فيه من تعسف وتكلف- فهو مبني على أن ترتيب السور توقيفي، ولهذا انتصرنا وعليه عولنا3، إلا أن ترتيب السور التوقيفي لا يستلزم حتما أن يكون بين كل سورة سابقة--------------------------------------------
1 هو الفقيه الشافعي الحافظ، أبو بكر عبد الله بن محمد، قرأ على المزني، ثم صار إماما للشافعية بالعراق، توفي سنة 324 "شذرات الذهب 2/ 302".
2 البرهان 1/ 36.
3 ارجع إلى ما فصلناه ص69-71 من هذا الكتاب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)

وكل سورة لاحقة أواصر قربى، كما أن ترتيب الآيات التوقيفي لا يقتضي عقلا ارتباط إحداها بالأخرى إذا وقعت كل منها على أسباب مختلفة، وإنا يغلب في السورة الواحدة أن تكون ذات موضوع بارز كلي تأتلف عليه جزئياتها كلها في مقاطعها المتلاحقة المترابطة، لكن الوحدة الموضوعية في كل سورة على حدة لا ينبغي أن تكون هي الوحدة الموضوعية عينها في السور كلها مجتمعة. ولم يبلغ المفسرون هذا المبلغ من التكلف، بل اكتفوا بإظهار العلاقة بين ختام السورة السابقة وفاتحة السورة اللاحقة، كأن الترابط بينهما -لولا فصلهما بالبسملة- وقع عن طريق الآيات موقعا جزئيا، لا عن طريق السورتين موقعا شاملا كليا.
ومعيار الطبع أو التكلف فيما لمح من ضروب التناسب بين الآيات والسور يرتد في نظرنا إلى درجة التماثل أو التشابه بين الموضوعات، فإن وقع في أمور متحدة مرتطبة أوائلها بأواخرها فهذا تناسب معقول مقبول، وإن وقع على أسباب مختلفة وأمور متنافرة فما هذا من التناسب في شيء. وما أصدق قول القائل: "المناسبة أمر معقول، إذا عرض على العقول تلقته بالقبول"! 1.
وأقل ما يعنيه هذا المعيار الدقيق أن وجه المناسبة بين الآيات أو بين السور يخفى تارة ويظهر أخرى، وأن فرص خفائه تقل بين الآيات وفرص ظهوره تندر بين السور: ذلك بأن الكلام قلما يتم بآية واحدة، فتتعاقب الآيات في الموضوع الواحد تأكيدا وتفسيرا، أو عطفا وبيانا، أو استثناء وحصرًا، أو اعتراضا وتذييلا، حتى تبدو الآيات المتعاقبات كالنظائر والأتراب.
من يقرأ قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} 2--------------------------------------------
1 البرهان 1/ 35 وبهذه الروح ألف برهان الدين البقاعي كتابه القيم "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"، ومنه نسخ خطية بدار الكتب بالقاهرة.
2 سورة البقرة 189.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)

لا بد أن يتساءل: أي رابط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت؟ ثم لا بد له من اكتشاف سر الارتباط في تعريض القرآن بأن سؤال السائلين في غير محله1، كأنه قال لهم عند سؤالهم عن الحكمة في تمام الأهلة ونقصانها: "معلوم أن كل ما يفعله الله فيه حكمة ظاهرة، ومصلحة لعباده، فدعوا السؤال عنه، وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها برًا"2.
وواضح أننا في آية الأهلة قد اكتشفنا الارتباط بين تركيبين تتابعا في آية واحدة، وقد اضطررنا إلى اكتشاف هذا الارتباط لئلا يبدو آخر الآية منفصلا عن أولها، أفلا نضطر إلى إظهار التناسب بين آيتين تستقل كل منهما عن الأخرى بوحدتها الإيقاعية المسماة بالفاصلة؟ ومن ذا الذي أوجب أن تكون رءوس الآي أمارات انقطاع أو رموز انفصال؟
أنقرأ قوله تعالى: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} 3 فنرى رفع السماء مفصولا عن خلق الإبل، ونصب الجبال مستقلا عن رفع السماء، وسطح الأرض منقطعا عن نصب الجبال، ولا نلمح بين هذه الآيات كلها وجها جامعا أو رابطا فكريا؟ أليس الحد الأدنى من الارتباط بينها ضربا من التناسق التصويري لمجموعة من المشاهد الكونية المعروضة لنظر الإنسان حيثما كان، وهي تضم في لوحة متناسقة الأبعاد والاتجاهات السماء المرفوعة والأرض المسطوحة، والجبال شامخة القمم والجمال بارزة السنام؟! 4. وهل لنا في استجلاء مواطن ارتباطها واتساقها أن نستعير عبارة الزركشي--------------------------------------------
1 تفسير المنار 2/ 197.
2 البرهان 1/ 41.
3 سورة الغاشية 17-20.
4 قارن بظلال القرآن 30/ 149.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)

ونرجع أصداءها متلاقية مع بيئة العربي المخاطب بهذا القرآن، فنقول كما قال: "جمع بينها على مجرى الإلف والعادة بالنسبة إلى أهل الوبر: فإن كل انتفاعهم في معايشهم من الإبل فتكون عنايتهم مصروفة إليها، ولا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب، وذلك بنزول المطر، وهو سبب تقلب وجوهم في السماء، ثم لا بد لهم من مأوى يؤويهم، وحصن يتحصنون به، ولا شيء في ذلك كالجبال! ثم لا غنى لهم -لتعذر طول مكثهم في منزل- عن التنقل من أرض إلى سواها. فإذا نظر البدوي في خياله وجد صورة هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور"؟! 1.
أم نقرأ قوله تعالى: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} 2 وقد اكتنفه من جانبيه قوله: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} 3 وقوله: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ، وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} 4، ثم لا نلمح بينها جميعا أي ارتباط؟ أليس في تسمية الدنيا بالعاجلة هنا إيحاء مقصود بقصر الحياة يتناسق مع استعجال النبي تلقي الوحي وتلقفه إياه بتحريك لسانه، كأن الله يقول له: تدبر ما يوحى إليك، ولا يأخذنك فيه ما يأخذ البشر، من العجلة في حياتهم القصيرة العابرة5؟
صحيح إذن ما ذكره الزمخشري في وجه المناسبة بين قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ--------------------------------------------
1 البرهان 1/ 45.
2 سورة القيامة 16.
3 سورة القيامة 14-15.
4 سورةا لقيامة 20-21.
5 من حق الزمخشري علينا أن نرد إلى ذوقه الأدبي الرفيع هذا الفهم السديد، فقد قال في تفسير هذه الآيات في كشافه 4/ 165: "كلا" ردع لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن عادة العجلة. وإنكار لها عليه، وحث على الأناة والتؤدة. وقد بالغ في ذلك بإتباعه قوله: {بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} كأنه قال: بل أنتم يا بني آدم -لأنكم خلقتم من عجل، وطبعتم عليه- تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون العاجلة {وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)

خَيْر} 1 وبين قوله قبل ذلك: {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} فإنه علل ذلك بورود الآية الأولى على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدو السوءات وخصف الورق عليهما، إظهارًا للمنة فيما خلق الله من اللباس، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارًا بأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى2.
وصحيح أيضا أن التنظير -أي إلحاق النظير بالنظير- وجه أدبي مستساغ من أوجه التناسب بين ذكر قوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} 3 وقوله قبل ذلك: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} 4، فإن الله أمر رسوله أن يمضي لأمره في تنفيل الغزاة على كره من أصحابه كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير وهم كارهون، فشبه كراهتهم تنفيله الغزاة بكراهتهم الخروج معه للقتال5.
وما على قارئ القرآن -لتستبين له وجوه التناسب بين الآيات- إلا أن يحتكم إلى ذوقه الأدبي تارة، ومنطقة الفطري تارة أخرى، وحينئذ يقع على ربط عام أو خاص، ذهني أو خارجي، عقلي أو حسي أو خيالي، من غير أن يقوم لهذه الألفاظ في نفسه مدلولات اصطلاحية أو فلسفية، فكثيرا ما يدور التلازم بين الآيات دوران العلة والمعلول، فإن لم تتلاق ويستلزم بعضها بعضا تقابلت تقابل الأضداد، كذكر الرحمة بعد ذكر العذاب، ووصف الجنة بعد وصف النار، وتوجيه القلوب بعد تحريك العقول، واستخلاص الموعظة بعد سرد الأحكام.--------------------------------------------
1سورة الأعراف 26.
2 تفسير الكشاف 1/ 59. وقارن بالبرهان 1/ 49.
3 سورة الأنفال 5.
4 سورة الأنفال 4.
5 تفسير الكشاف 1/ 114.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)

واستنادًا إلى هذا المنطق الفطري الذي يقتنص أوجه التناسب بين الآيات برشاقة وخفة، نحسب أن فرص الغموض في استجلاء هذه الوجوه لا تكثر إلا في الروابط بين السور، ولو وقع إلينا كتاب أبي جعفر بن الزبير "البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن" لرأينا أنماطا من هذا الغموض، وصورا من هذا الخفاء، وما نظن احتفال المفسرين قليلا بهذا النوع لدقته وحسب، بل لقلة جدواه وكثرة التكلف فيه، فإنهم يقطعون أنفاسهم من شدة اللهاث وهم يلتمسون بين سورتين لفظين يتشابهان، أو آيتين تتناظران، حيثما كان موضوعهما من السورتين في البداية أو الوسط أو الختام.
فليزعموا أن افتتاح سورة البقرة بقوله: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} إشارة إلى الصراط في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} 1 بفاتحة الكتاب، كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم قيل لهم: ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب2. وليزعموا أن افتتاح سورة فاطر بالحمد مناسب ما قبلها من قوله: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} 3، وأن افتتاح سورة الإسراء بالتسبيح مناسب افتتاح سورة الكهف بالتحميد "لأن التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد"4 وأن سورة الكوثر مقابلة لسورة الماعون، فناسب أن تأتي بعدها، لأن في السابقة وصفا للمنافق بأمور أربعة: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة، فذكر في مقابلة البخل {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} أي: الخير الكثير، وفي مقابلة ترك الصلاة {فَصَلِّ} أي: دم عليها، وفي مقابلة الرياء {لِرَبِّكَ} أي: لرضاه لا للناس، وفي مقابلة منع الماعون {وَانْحَرْ} وأراد به التصدق بلحم الأضاحي5.--------------------------------------------
1 سورة الفاتحة 6.
2 قارن بالبرهان 1/ 38.
3 سورة سبأ 54.
4 البرهان 1/ 39.
5 نفسه 1/ 39.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)

وأعظم -بعد هذا كله- بتعسف الأخفش حين عد ارتباط سورة {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ} بسورة الفيل من باب قوله: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} 1 فكما جعل الله عاقبة التقاط موسى حزنا لآل فرعون جعل العاقبة في كيد أصحاب الفيل إيلافا لقريش!! 2.
وأيا ما يكن تكلف المتكلفين في إبراز التناسب بين الآيات والسور، فمما لاريب فيه أن المفسرين المحققين جنوا أطيب الثمر لما ضربوا صفحا عن كل تعسف، ووسعهم أن يقتنعوا ويقنعوا الدارسين بأن هذا القرآن الذي نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ولأسباب متباينة، قد تناسقت الآيات في كل سورة من سوره أكمل تناسق وأوفاه، حتى أغنى تناسقها في مواطن كثيرة عن التماس أسباب نزولها، وعوض انسجامها الفني واقعها التاريخي.
ثم بدت السور كلها -بآياتها المتناسقات- مائة وأربع عشرة قلادة طوقت جيد الزمان!
ولتجدن القرآن أحرص الكتب على التناسق الفني، ولتجدن علماءنا المحققين أحرص الدارسين على اقتناص أسرار تناسقه: فقد يعوض بوجوه المناسبة بين آياته أسباب نزولها إن لم تعرف، أو عرفت ولم تحفظ، أو حفظت ولم تشتهر، وقد يثبت بهذه الوجوه أسباب نزولها ويزيدها اتصالا، وارتباطا، ويشيع في سياقها كله حركة ونشاطا، وفي هذا كله ألوان من التناسق تتلاقى جميعا في علم المناسبة العظيم.
وللقرآن أيضا ألوان من التناسق -من غير طريق التناسب بين الآيات- يعوض بها أسباب النزول إذا لم تذكر، أو يؤكد مدلولاتها بالصورة الشاخصة.--------------------------------------------
1 سورة القصص 8.
2 البرهان 1/ 38.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)

والمشاهد الحية المتكررة، والأنماط المتشابهة المتكاثرة، إذا كان لها في عهد الوحي سبب معروف، أو واقع مشهود.
والعين لا تخطئ هذه الألوان الجديدة المتناسقة في مواضع ثلاثة من القرآن. أما أحدها ففي الآيات التي اتفق العلماء على تعديتها إلى غير أسبابها، وأما الآخر ففي تعميم الصياغة ولو وقعت على سبب خاص، وأما الثالث ففي رسم "نماذج" إنسانية تتخطى الزمان والمكان، وتتجاوز المناسبات والأسباب.
إن آيات الظهار -في أوائل سورة المجادلة- نزلت في أوس بن الصامت، فقد ظاهر من امرأته فحرمها على نفسه كظهر أمه، وصرحت الآيات بأن كفارة الظهار تحرير رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، ثم وقعت لسلمة بن صخر واقعة مماثلة، فظاهر من امرأته حتى ينسلخ شهر رمضان، فلما سأل النبي عن شأنه أفتاه بما أنزل الله في أوس، ولم يكن حديث سلمة سبب نزول الآيات ولكن حديث أوس كان سبب نزولها، بيد أن العلماء اتفقوا على تعدية هذه الآيات إلى غير سببها، فقالوا في أوائل تفسيرها على سبيل التجوز: نزلت آيات الظهار في سلمة بن صخر1.
وفي حديث الإفك نزل حد القذف في رماة السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها،2 وكان رماتها معلومين، ولكن حد القذف تعداهم إلى سواهم، رغم ارتكابهم أقبح قذف وأوقحه لأنهم رموا أم المؤمنين، ومن رمى أم قوم فقد رماهم، حتى جاءت عبارة الآية عامة جمعت في لفظ المحصنات عائشة مع غيرها فقال الله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} 3 الآية.
والقول بتعدية الآيات إلى غير أسبابها جر الجمهور إلى الأخذ بعموم اللفظ--------------------------------------------
1 انظر تفسير ابن كثير 4/ 318-322.
2 سورة النور 7-9.
3 سورة النور 4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)

بدلا من خصوص السبب، فالنص القرآني العام الذي نزل بسبب خاص معين يشمل بنفسه أفراد السبب وغير أفراد السبب، لأن عمومات القرآن لا يعقل أن توجه إلى شخص معين، قال ابن تيمية: "والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب: هل يختص بسببه؟ لم يقل أحد: إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص، فتعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ، والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرًا أو نهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته"1.
هذه مثلا حركة النفاق التي بدأت بدخول الإسلام المدينة قد كان لها أثر واضح في توجيه الأحداث التاريخية، فإنها اتخذت مظاهر مختلفة وأشكالا متعددة منذ الهجرة النبوية حتى لحق عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى، فكان لزاما أن يثير القرآن في كثير من سوره وآياته حملة عنيفة على هذه الحركة وعلى دسائس المنافقين وأراجيفهم، حتى نزلت فيهم سورة تحمل اسمهم الخاص، فدل اسمها على مسماها، وعنوانها على محتواها، وجاء في تلك السورة آيات رسمت للمنافقين أخزى صورة، رمتهم بالبلادة والجمود، ونصبتهم تماثيل صامتة وخشبا مسندة بجوانب الجدران لا تبدي حراكا، وجعلتهم أشد توجسا وجبنا وفزعا من الفئران كلما هجس صوت، أو علت صحية، أو تحرك شيء، رقم ظاهرهم الخداع وأجسامهم الطوال العراض التي تسر الناظرين، وإليك الأصباغ الحية، والملامح الشاخصة، في آية واحدة من تلك الآيات المعجزة الفريدة: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} 2، فهل يعقل أن يخص القرآن--------------------------------------------
1 الإتقان 1/ 51.
2 سورة المنافقون 4. وراجع تفسير ابن كثير 4/ 368 وعبارته في تصوير أولئك المنافقين: "وكانوا أشكالا حسنة وذوي فصاحة وألسنة، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم.
قال تعالى: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} أي: كلما وقع أمر أو كائنة أو خوف يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)

بصياغته العامة هذه نفرا من منافقي الأوس والخزرج كانوا في عصر التنزيل ثم لم يلبثوا أن انقرضوا1؟ وإذا تناول القرآن أولئك النفر تناولا أوليا ووصف أخلاقهم وصفا مطابقا، فهل من مانع عقلي يحجز هذه الآيات ونظائرها عن أن تكون عبرة عامة شاملة، "ونموذجا" خالدا شاخصا لمن مضى ولمن يجيء من هذا الصنف إلى يوم القيامة في كل طائفة تدعي أنها على دين؟ 2 أولم يوفق بعض المفسرين حين رأوا في تأويل نظائر هذه الآية أنها تعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم، ولو خص نزولها بالأوس والخزرج وحدهم كل من ابن عباس وأبي العالية والحسن وقتادة والسدي؟ 3.
وفي المعارك الإسلامية الأولى في حياة الرسول الكريم كان على المسلمين أن يحذروا عدوهم الداخلي مثل حذرهم من عدوهم الخارجي أو أشد، فقد نطقت آيات في سورة النساء بأن في عداد المؤمنين من قومهم المتشبهين بهم من لا عمل لهم في المعارك إلا تثبيط الهمم، وتوهين العزائم، وإذاعة الأراجيف لبعثرة الصفوف. أولئك هم المبطئون المتثاقلون كلما دعوا إلى خوض المعركة.
أولئك هم الذين يتخلفون ويتلكئون ليعرفوا المصير: أقاتم أسود أم مشرق مضيء! فإذا محص الله المجاهدين المخلصين بمحنة أو بلاء أو درس بليغ فرح القاعدون بقعودهم، وتبجحوا بنعمة الفرار التي أنقذتهم من الهزيمة والقتل والجراح. وإذا أظفر الله المجاهدين بعدوهم، ونصرهم عليهم، سارع أولئك المتخلفون إلى الحسرة والندامة، وودوا لو نفروا مع المجاهدين خفافا وثقالا، ثبات وجميعا، ليكتب لهم من الفوز والغنيمة ما كتب للمرابطين الصابرين، نجد هذا التصوير النفسي الفني كله مكشوفا للأبصار في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ--------------------------------------------
1 قارن بتفسير المنار 1/ 148-149 في تأويل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} الآيات من سورة البقرة.
2 قارن بتفسير ابن كثير 1/ 47 في تأويل الآيات المصورة للمنافقين في سورة البقرة أيضا.
3 تفسير ابن كثير 1/ 48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)

إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} 1 لكن القرآن -حين اختار لتصوير هذه الحال النفسية تينك الآيتين الموجزتين- ما كان يخص ضعاف الإيمان بأعينهم في معركة بعينها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإن قال بذلك أهل التأويل كمجاهد وقتادة وسواهما2، وإنما كان يرسم -من خلالهما- بريشته الخلاقة المبدعة لوحة شاخصة لنمط من الناس يتكرر في كل زمان ومكان، ويتخطى القرون والأجيال، وقد فهم ابن جريح هذا حين قال في تفسير الآيتين: إنهما في وصف المنافق يبطئ المسلمين عن الجهاد في سبيل الله، ويقول مقالة الشامت كلما أصاب العدو من المسلمين مقتلا، أو يقول مقالة الحسود كلما حقق المسلمون نصرًا3.
وإن لنا أن نقيس على هذا ألوانا من الوحي وألوانا، كهذه الصورة التي تطلع بها علينا فاتحة سورة الهمزة، وقد ارتسمت فيها ملامح شخص حقير لئيم ما يني يعيب الناس بلسانه السليط، ويزري عليهم بلفتاته المتهكمة وحركاته الساخرة، ويبخسهم أشياءهم، ويستهين بكراماتهم، ولا يقيم في الحياة وزنا إلا لمال جمعه وعدده، وظنه سيخلده إذا فني كل شيء في الوجود، فلتقل الآيات في مثل هذا الحقير الصغير: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} وليحصر بعض المفسرين نطاق هذه الصورة وليقولوا: "المراد بذلك الأخنس بن شريق"4، ثم ليتصد الزمخشري للقائلين بالتخصيص، وليعلن رأيه بصراحة: ويجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما، ليتناول كل من باشر ذلك القبيح، وليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه، فإن ذلك أزجر له وأنكى فيه"5. وذلك ما لاحظه--------------------------------------------
1 سورة النساء 72-73.
2 تفسير الطبري 5/ 105.
3 وبهذا أخذ إمام المفسرين الطبري أيضا. انظر تفسيره "5/ 105".
4 تفسير ابن كثير 4/ 548. وصرح الزمخشري ببعض الأسماء الأخرى ولو بصيغة التمريض فقال: "وقيل في أمية بن خلف، وقيل: في الوليد بن المغيرة" الكشاف 4/ 232.
5 الكشاف 4/ 232.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)

الإمام الزركشي حين عقد فصلا لخصوص السبب وعموم الصيغة، ثم قال: "وقد يكون السبب خاصا والصيغة عامة، لينبه على أن العبرة بعموم اللفظ"1. ثم استشهد بقول الزمخشري في "الهمزة" على النحو الذي رأيناه.
على أن هذه "النماذج" الإنسانية المتكررة في كل جيل، المتشابهة في كل بيئة -وإن ظهرت كالمتخطية لكل زمان ومكان - خضعت أول ما خضعت لمناسبات وأسباب بتناولها أشخاصا معينين تناولا أوليا مباشرًا، ولكن في القرآن أنماطا إنسانية أخرى مهما يجهد المفسرون أنفسهم لتعيين المقصودين بها لا يهتدوا إلى تعيينها سبيلا، إذا وردت في القرآن حقا فوق الزمان والمكان والأشخاص، ونزلت ابتداء -من غير أسباب ولا مقدمات ولا نطاق حاصر ولا محصور- كأنها لوحات فنية تصور الجنس الإنساني وحدة كامة متشابهة أو أفرادا من هذا الجنس تفردت بملامح يحكي بعضها بعضا.
ليقل المفسرون ما يحلو لهم في تأويل قول الله تعالى: {إِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} ، فإن أحدا منهم لن يستطيع تعيين شخص مقصود بهذه الصورة الحية الفريدة، وإن أحدا منهم -في نظري- لن يجد فيها أبدع ولا أروع ولا أصدق انطباقا على الواقع النفسي من قولة الكاتب الإسلامي المعاصر المبدع الأستاذ سيد قطب: "الإنسان هكذا حقا: حين يمسه الضر، وتتعطل فيه دفعة الحياة، يتلفت إلى الخلف، ويتذكر القوة الكبرى، ويلجأ عندئذ إليها، فإذا انكشف الضر، وزالت عوائق الحياة انطلقت الحيوية الدافعة في كيانه، وهاجت دواعي الحياة فيه، فلبى دعاءها المستجاب، و"مر" كأن لم يكن بالأمس شيء"! 2.--------------------------------------------
1 البرهان 1/ 32.
2 التصوير الفني في القرآن 178. الطبعة الثانية. وأنصح القارئ بقراءة فصل "نماذج إنسانية" في هذا الكتاب فإنه يغني عن قراءة مجلدات ضخام في بلاغة العربية والقرآن.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)

وإن الأنماط الإنسانية المتكررة لتتعدد بتعدد الزوايا النفسية، ففيها الطيب والخبيث، والسامي والحقير، والمؤمن والكفور، والمتأني والعجول، والأمين والخئون، والعدو والصديق، والعالم والجهول. ولا يعدم الباحث في القرآن هذه "النماذج" والأنماط، متناثرة في آياته تناثرها في المجتمعات والبيئات والعصور.
ولو أننا في هذا المقام نسوغ لأنفسنا البحث في الجانب الأدبي من القرآن لأفضنا في تصوير هذه الملامح الإنسانية بريشة مغموسة بأصباغ القرآن، عليها منه نداوة، وله فيها ظلال. ولكننا نتحدث عن علم من علوم القرآن نتقصى به أسباب النزول تقصي العلماء، ولا نستروحها به استرواح الأدباء، فأقنعنا فيما لم نعرف له سبب نزول أن قد كان سبب إيحائه الأحياء في كل زمان ومكان لا وقائع أولئك الأحياء؛ والحياة الخالدة الأبدية لا حكاية هذي الحياة!.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)

‌‌الفصل الثالث: علم المكي والمدني
لبث النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة عمرا ما كان يدري فيه ما الكتاب وما الإيمان، ثم اختاره الله لتبليغ رسالته، فأوحى إليه روحا من أمره، وجعل مبعثه كمبعث الرسل الذين خلوا من قبله في سن الأربعين ليكون أنضج فكرا، وأصدق عزمًا، وأمضى إرادة، وأقوى بأسا، وأوسع تجربة، وأثبت جنانا.
ولقد بادر بعض المفسرين إلى القرآن نفسه يستخرجون من نصوصه عمر النبي قبيل البعثة، فلما لم يظفروا إلا بقوله تعالى على لسان نبيه: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ} 1 انطلقوا به يجزمون بأن لفظة "العمر" ترادف سن الأربعين على وجه اليقين2. وكم خلطوا بمثل هذا التفسير العجول بين مدلول اللغة وواقع التاريخ!.
إن لفظة "العمر" لا تعين وحدها شيئا مما قطعوا به، وليس في مدلولها اللغوي إيماءة إلى مفهوم عددي صريح، ولكنها -بوحي من سياق التركيب في الجملة أو من سياق الواقع في التاريخ -قد ترمي إلى فكرة العدد بضرب من التلويح: فمن قطع من أولئك المفسرين بأن سن الأربعين ترادف في الآية {عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ} ، فقد استلهم واقع السيرة المطهرة ثم نزل السياق القرآني على أحكام هذا الواقع تنزيلا..--------------------------------------------
1 سورة يونس 17.
2 قارن بتفسير الطبري 1/ 671-680 والرواية عن قتادة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)

أما ما أثاره المستشرقون من شبهات حول تفسير الآية فمغالطة عليم أو سفه جهول: فإنهم زعموا أن لا قبل لباحث بتحديد عمر النبي في بدء الوحي1، وعلل بعضهم تعذر هذا التحديد باضطراب الروايات وتناقضها2 بينما فسره بعضهم الآخر بما درج عليه العرب وأكثر الساميين من إضفاء صفة سحرية على رقم الأربعين الذي ينطوي على أعمق الأسرار3.
ومغالطتهم -على علم- تتمثل في معرفتهم كذب دعواهم فيما زعموه من اضطراب الروايات، فإن تعدد الروايات لا يستلزم الاضطراب حتما، وإنما يقع التناقض والتضارب إذا تعادلت الروايات وتساوت وتعذر الترجيح بينها كما ذكر نقاد الحديث في مصطلحهم العلمي الدقيق4، فأما إذا رجحت رواية على أخرى فما من فرصة بعد للقول بالتناقض، ولينقل المؤرخون عشرات الروايات في عمر النبي5 فسيظل الرأي الأشهر هو الرأي الأصح كما رجحه المحققون من أهل التفسير6.
وجهل المسشرقين أو تجاهلهم يتمثل في حيرتهم الحقيقية أو المصطنعة لدى تحديد الرقم السحري المليء بالأسرار عند العرب والساميين، فهو الأربعون--------------------------------------------
1 ذهب إليه بلاشير في مستهل ترجمته للقرآن. انظر:
Blachere، traduction، t. II، p.1.
2 انظرمقالة الأدب لامنس في الجريدة الأسيوية:
Lammens، l'Age de Mahomet et la chronologie de la Sira "Journal asiatique 1911".
3 استند بلاشير -للقول بهذا- إلى مقالتين نشرتا في مجلة ألمانية تصدر في ليبزيغ تدعي:
Zeitschrift der Deutschen Morgenl Adischen Gesellschaft.
أولهاما في المجلد 61 وكتبه كونيج Konig والأخرى في المجلد 65 وكتبه ريشر Rescher.
4 انظر تدريب الراوي "للسيوطي" 93 وتوضيح الأفكار "للصنعاني" 2/ 47، وقارن بكتابنا "علوم الحديث" ص193.
5 راجع أهم هذه الروايات في "الطبقات الكبرى" لابن سعد 2ق 2/ 82.
6 انظر على سبيل المثال تفسير ابن كثير 2/ 410، وقد بدأ ابن كثير هنا بالرأي المشهور القائل بأن مدة إقامته عليه الصلاة والسلام قبل البعثة أربعون سنة، ثم عقبه برأي لسعيد بن المسيب: أنها ثلاث وثلاثون، ثم قال: والصحيح المشهور الأول.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)

تارة، والسبعة أو السبعون تارة أخرى1، وقد فاتهم أن المبالغة في بعض الأرقام -وإن تك في ذاتها حقيقة واقعة- لا تلغي المفهوم العددي في الأحوال كافة، ولا تلازم بين الأمرين حين تنتصر لمفهوم عددي معين أوثق الروايات، أصدق وقائع التاريخ.
لا مفر إذن من مجابهة أولئك المستشرقين، مغالطيهم ومتجاهليهم، بأن الله بعث نبيه حقا على رأس الأربعين، من غير استناد إلى تفسير "العمر" في الآية، ومن غير تأثر بعقائد الساميين في هذا الرقم العجيب، بل اعتمادا على ما نطقت به الروايات الصحيحة المشهورة التي كادت تبلغ حد التواتر، إذ استفاضت بين الخاصة والعامة، وتناقلتها الألسنة القديمة والحديثة.
وما من ريب في أن إثارة الشبهات حول عمر النبي في بدء الوحي محاولة أولية للتشكيك في منطلق الدعوة الإسلامية بمكة تتلوها محاولات أخرى للغض من قيمة المعلومات المأثورة المتعلقة بمراحل الوحي المتعاقبة في مكة ثم في المدينة، فأنى للباحث أن يتصور كيف كانت تتتابع نوازل القرآن إذا كانت صورة بدء الوحي قد انطبعت في ذهنه غامضة لا تحكي الأصل في شيء؟
وإن في وسعنا الآن -وقد أزحنا عن الظروف الأولى لبدء الوحي كل لبس أو غموض، وفصلنا القول في سن الرسول صلى الله عليه وسلم قبيل البعثة- أن نتدرج مع التنزيل القرآني مرحلة مرحلة، مطمئنين إلى ما وافانا به أئمتنا المحققون في وصف تلك المراحل ابتداء ووسطا وختاما، مثلما اطمأننا -فيما سبق من فصول هذا الكتاب- إلى ما وافونا به في تحليل ظاهرة الوحي نفسها، وفي تقصي النوازل القرآنية المنجمة على حسب المناسبات الفردية أو الاجتماعية، وفي تحري جمع القرآن وحفظه واستنساخه في المصاحف وتحسين رسمه، وفي الاستيثاق من متواتر أحرفه السبعة، وفي تتبع أسباب نزوله وما صح من وجوه الترابط بين آياته، بما عرف عنهم من ورع بالغ يتناول الأشخاص والمتون والأسانيد، وحاسة نقدية مرهفة تعنى بالتناسق الفني ولا تهمل حقائق التاريخ.--------------------------------------------
1 ارجع إلى ما فصلناه سابقا حول الأحرف السبعة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)

ولعنا لا نرتاب -إذا وضعنا العلوم القرآنية موضع الموازنة- في أن العلم بالمكي والمدني أحوجها إلى تمحيص الروايات، وتحقيق النصوص، والتحاكم إلى التاريخ الصحيح، وهو -على كل حال- أحوج إلى هذا كله من "أسباب النزول"، لأن العلم بتلك الأسباب يتناول ضروبا معينة من الجزئيات المتعلقة بالمناسبات الفردية والاجتماعية، ولا يتناول شيئا من التفصيلات القرآنية الأخرى التي نزلت ابتداء غير مبنية على أسباب1، أما العلم المكي والمدني فلا غنى له عن تناول القرآن كله سورا وآيات: فكل سورة فيه إما مكية أو مدنية، وقد تستثنى من السورة المكية آيات مدنية، ومن السورة المدنية آيات مكية، كما أن كل آية في القرآن معروفة "الهوية" واضحة السيرة، فإذا اختلطت بغير زمرتها أخضعها العلماء الثقات لمقاييسهم النقدية الدقيقة حتى قطعوا أو كادوا يقطعون بأنها تنتمي إلى النوازل المكية أو المدنية.
كان العلم بالمكي والمدني إذن خليقا بالعناية البالغة التي أحيط بها، وجديرًا أن يعد بحق منطلق العلماء لاستيفاء البحث في مراحل الدعوة الإسلامية، والتعرف على خطواتها الحكمية المتدرجة مع الأحداث والظروف والتطلع إلى مدى تجاوبها مع البيئة العربية في مكة والمدينة، وفي البادية والحاضرة، والوقوف على أساليبها المختلفة في مخاطبة المؤمنين والمشركين وأهل الكتاب.
ووفاء هذا العلم بتلك المعارف الواسعة جعل بحوثه أشتاتا وألوانا: فهو في آن واحد ترتيب زماني، وتحديد مكاني وتبويب موضوعي، وتعيين شخصي.
ويخيل إلينا أن هذه الألوان المتباينة جميعا قد طافت بأذهان العلماء حين ترددوا في تقسيم المكي والمدني على أساس من المكان أو الزمان أو الأشخاص. فمن قال: "المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة" لاحظ المكان، ومن قال: "المكي ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة" راعى أشخاص المخاطبين، ومن آثر الأخذ بالاصطلاح--------------------------------------------
1 انظر ما أوضحناه في الصفحات الأولى من الفصل السابق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)

المشهور: "المكي ما نزل قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وإن كان نزوله بغير مكة، والمدني ما نزل بعد هذه الهجرة وإن كان نزوله بمكة"، عني بالترتيب الزمني في مراحل الدعوة الإسلامية. ونحن إذا نأخذ بهذا التعريف الأخير لا نكتم القارئ ما نلمحه من تحقق عناصر الزمان والمكان والأشخاص في الاصطلاحات الثلاثة على السواء1، بل نلمح فيها أيضا عنصرًا رابعًا لا يخفى على ذي بصر: وهو عنصر الموضوع.
هذه سورة الممتحنة من مطلعها إلى ختامها2 نزلت بالمدينة إذا لاحظنا المكان، وكان نزولها بعد الهجرة إذا اعتبرنا الزمان، ووقعت خطابا لأهل مكة إذا أردنا الأشخاص، واشتملت على توجيه اجتماعي محص قلوب المؤمنين إذا رغبنا بمعرفة موضوعها، لذلك أدرجها العلماء في باب "ما نزل بالمدينة وحكمه مكي"3.
وذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} 4 نزل بمكة إذا التمسنا المكان، ويوم الفتح بعد الهجرة إن تحرينا الزمان، والغاية منه الدعوة إلى التعارف وتذكير الإنسانية بوحدة أصلها إن عينا الموضوع، وهو -إن راعينا الأشخاص- خطاب لأهل مكة والمدينة على السواء، فما سماه العلماء مكيا على الإطلاق، ولا مدنيا على التعيين، بل أدرجوه في باب "ما نزل بمكة وحكمه مدني"5.
على أننا لم نتردد في تفضيل التقسيم الزمني للمكي والمدني؛ لأننا نواجه موضوعا وثيق الصلة بالتاريخ، فليس لنا أن نختار في مثله التبويب المكاني--------------------------------------------
1 انظر هذه الاصطلاحات الثلاثة في البرهان 1/ 187 والإتقان 1/ 13-14.
2 انظر تفصيل قصتها في سيرة الرسول لابن هشام ص16-17. وقد نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين دفع كتابه إلى قريش يخبرها بمسير النبي إلى مكة.
3 البرهان 1/ 195.
4 سورة الحجرات 13.
5 البرهان 1/ 195.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)

ما دمنا نرمي إلى تحديد ما نزل بمكة أو بالمدينة ابتداء ووسطا وختاما، فإن هذه الأطوار المتعاقبة تفرض أن يكون اختيار الترتيب الزمني أمرا بديهيا لا مجال للتردد فيه، أما تعيين الأشخاص واستخراج الموضوعات فأمران ثانويان يقعان موقعهما المناسب من الترتيب الزمني المترادف ترادف الوقائع والأحداث.
وبهذا المنهج التاريخي الزمني، الذي لا يتغاضى عن الآفاق النفسية والأطوار الاجتماعية، ولا يتجاهل أثر البيئة في الحياة والأحياء، أخذ المحققون من علمائنا وشددوا في مأخذهم به حتى منعوا الجاهل بمراحل الدعوة الإسلامية أن يتصدى لكتاب الله مفسرًا لآياته أو خائضا فيه، قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري1: "من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة ابتداء ووسطا وانتهاء وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك، ثم ما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي"2.
ويعنينا من قول أبي القاسم النيسابوري هنا أنه التفت التفاتة صريحة إلى تقسيم القرآن كله إلى ست مراحل زمنية: ثلاث في مكة بداية وتوسطا وختاما، وثلاث بعدها في المدينة بداية وتوسطا وختاما. فما جنح إليه بعض المستشرقين من ترتيب القرآن على أسباب النزول، وتقسيمه إلى مراحل ست أو أربع3 -كما سنرى بعد قليل- لا ضرر فيه لذاته، إذا أباح الخوض في مثله علماؤنا الأعلام، وإنما يتجسد الضرر فيه حين يتجافى هذا الترتيب على الروايات الصحيحة ويأخذ بالرأي المرتجل الفطير.
ولو أتممنا عبارة أبي القاسم النيسابوري لألفيناه فيها -بعد التزامه المنهج التاريخي الزمني- لا يلبث أن يلحق بهذا المنهج نفسه جزئيات تبدو في نظرنا--------------------------------------------
1 هو النحوي المفسر، إمام عصره في القراءات، توفي سنة 406 "بغية الوعاة 227".
2 البرهان 1/ 192، ونقله السيوطي في "الإتقان 1/ 12-13".
3 نشير بهذا إلى محاولة موير ترتيب القرآن إلى ست مراحل: خمس في مكة والسادسة في المدينة، ومحاولة ويل التي قسم بها القرآن إلى أربع مراحل: ثلاث في مكة والرابعة في المدينة، وأخذ بها كل من نولدكه وشفالي وبل ورودويل وبلاشير، وسنفصل أمر هذه المراحل في هذا البحث نفسه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)