الحديث بالمعنى، إذ "القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف أو تثقيل أو غيرهما1. فإذا صح أنه عليه الصلاة والسلام وسع على المسلمين في أول الأمر، وراعى التخفيف على العجوز والشيخ الكبير2، وأذن لكل منهم أن يقرأ على حرفه، أي على طريقته في اللغة، لما يجده من المشقة في النطق بغير لغته، فليس معنى هذا أنه كان يأذن لهم بإثبات هذه القراءات وكتابتها على أنها حروف نزل عليها القرآن. وإذن، فما كانت توسعته عليه الصلاة والسلام في هذا النوع من القراءة إلا تخفيفا على بعض الأفراد في حالات خاصة، وأما ما أذن فيه من هذه الحالات بإثباته وأقر كتبة الوحي عليه فهو محفوظ بطريق التواتر في أحرف قليلة معدودة يرفض ما عداها ولو جاء من طريق صحيح آحادي، لأن التواتر شرط في إثبات القرآنية3. فتعميم هذه الحالات الفردية على جميع الأحرف السبعة، كأنها ضرب من القراءة بالمعنى، لا يمكن أن يقتصر عليه في فهم الحديث.
وإذا لم يصح الاقتصار على أحد تلك الآراء السابقة فقد بدا لنا أن استقصاء الممكن منها، وهو الذي لا يعارض النقل والعقل، ربما كان أصوب الآراء وأبعدها عن الإفراط والتفريط: فالمراد من هذه الأحرف السبعة -والله أعلم- الأوجه السبعة التي وسع بها على الأمة، فبأي وجه قرأ القارئ منها أصاب. ولقد كاد النبي صلى الله عليه وسلم يصرح بهذا كل التصريح حين قال: "أقرأني جبريل على حرف، فراجعته فلم أزل أستعيده حتى انتهى إلى--------------------------------------------
1 البرهان 1/ 318 وانظر الإتقان 1/ 138.
2 ويشهد لذلك -كما يقول الزركشي- "ما رواه الترمذي عن أبي بن كعب أنه لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال: "يا جبريل، إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط" فقال: "يا محمد: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف" وقال: حسن صحيح "انظر البرهان 1/ 227".
3 انظر البرهان 2/ 125 معرفة وجوب تواتره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
سبعة أحرف" 1 فاللفظ القرآني الواحد مهما يتعدد أداؤه، وتتنوع قراءته لا يخرج التغاير فيه عن الوجوه السبعة الآتية:
الأول: الاختلاف في وجوه الإعراب، سواء أتغير المعنى أم لم يتغير. فمما تغير فيه المعنى مثل قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} 2 فقد قرئ: "فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ"، ومما لم يتغير فيه المعنى مثل قوله: {وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ} فقد قرئ: "وَلا يُضَارُّ"3.
الثاني: الاختلاف في الحروف إما بتغير المعنى دون الصورة، وهو ما يعبر عنه أحيانًا بالاختلاف في النقط، مثل "يعلمون وتعلمون"4 وإما بتغير الصورة دون المعنى، مثل "الصراط والسراط" و"المصيطرون والمسيطرون"5. وقد رسم في المصاحف بالصاد المبدلة من السين التي هي الأصل، فوافقت قراءة الصاد رسم المصحف تحقيقا، وقراءة السين رسم المصحف تقديرًا.
والثالث: اختلاف الأسماء في إفرادها وتثنيتها وجمعها وتذكيرها وتأنيثها6، مثل: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} 7، فقد--------------------------------------------
1 صحيح البخاري 6/ 185.
2 سورة البقرة 37 "وانظر الإتقان 1/ 79" ومنه قوله تعالى: {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} قرئ: "رَبَّنَا بَاعِدْ" سورة سبأ 19، إحداهما بصيغة الطلب، والأخرى بصيغة الخبر، والثانية قراءة يعقوب، فقد تغير المعنى بالإعراب، والصورة واحدة "انظر إتحاف فضلاء البشر لأحمد الدمياطي ص359".
3 سورة البقرة 282 "وانظر الإتقان 1/ 79" ومنه قوله تعالى: {وَيَضِيقُ صَدْرِي} قرئ: "ويضيق" "بفتح القاف" سورة الشعراء 13. والثانية قراءة يعقوب. "انظر، إتحاف فضلاء البشر ص331".
4 وفي البرهان "1/ 222" أن الإمام مالكا حين سئل عن "يعلمون وتعلمون" قال: "لا أرى باختلافهم بأسا، وقد كان الناس ولهم مصاحف".
ومن هذا قوله تعالى: {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} بالزاي، وقرئ "ننشرها" بالراء، سورة البقرة 259. والأولى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف "انظر إتحاف فضلاء البشر 162".
5 من قوله تعالى: {أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} من سورة الطور 37.
6 الإتقان 1/ 79.
7 سورة المؤمنون 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
قرئ "لأمانتهم" بالإفراد. ومن الواضح أنها رسمت في المصاحف العثمانية "لامنتهم" لخلوها من الألف الساكنة، ومؤدى الوجهين واحد، لأن في الإفراد قصدًا للجنس وفي الجنس معنى الكثرة، ولأن في الجمع استغراقًا للأفراد، وفي الاستغراق معنى الجنسية: فرعاية "الأمانة" كرعاية "الأمانات" تشمل الكل والجزئيات. ولأمر ما جاءت لفظة "العهد" في الآية نفسها مفردة على كلتا القراءتين، وبكلا الحرفين، فما قرئ: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَتِهِمْ وَعَهُودِهِمْ رَاعُونَ} ، ولا قرئ {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهُودِهِمْ رَاعُونَ} .
ومن ذلك أن "البقر" في قوله تعالى: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} ذكر في حرف قصدا للجنس، فبني فعله للماضي، وذكّر فقرئ: {تَشَابَهَ عَلَيْنَا} ، وأنث في حرف قصدًا للجماعة، فصيغ صياغة المضارع وأنث: {تَشَابَهَ} بعد حذف إحدى التائين تخفيفا، إذ أصله: "تتشابه"1.
الرابع: الاختلاف بإبدال كلمة بكلمة يغلب أن تكون إحداهما مرادفة للأخرى، وإنما تتفاوتان بجريان اللسان بإحداهما لدى قبيلة دون أخرى، كقوله تعالى: {كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش} فقد قرئ: "كالصوف المنفوش"2، أو يكون بين الكلمتين المبدلتين تقارب في المخارج يسمح بالتناوب بينهما، ويكاد يشعر بتصاقبهما معنى لتصاقبهما لفظا، كقوله: {طَلْحٍ مَنْضُودٍ} 3 فقد قرئ: "طلع"، ويلاحظ أن مخرج العين والحاء واحد هو الحلق، فهما أختان تتعاقبان. وأما قراءة ابن مسعود "فاقطعوا أيمانهما"4 بدلا من {أَيْدِيَهُمَا} فشاذ، لأنها وردت من طريق آحادي. ومن المؤكد أن--------------------------------------------
1 البقرة 70. وقارن بالمذكر والمؤنث للمبرد 132/ 1. وراجع كتابنا "دراسات في فقه اللغة 87".
2 سورة القارعة 5 "وانظر البرهان 1/ 215".
3 سورة الواقعة 29 "وانظر البرهان 1/ 251". وكان الإمام مالك يجيز قراءة "فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ" بدلا من {فَاسَعَوْا} سورة الجمعة 9 "البرهان 1/ 222" مع أن هذه القراءة لم تبلغ درجة التواتر، فقد انفرد بها عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وقرأها الباقون {فَاسَعَوْا} البرهان 1/ 215 حاشية 9.
4 سورة المائدة 38 "وانظر البرهان 1/ 336".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
قراءة هذا الصحابي بها إنما كانت إدراجا على سبيل التفسير.
الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير فيما يعرف وجه تقديمه أو تأخيره في لسان العرب العام، أو في نسق التعبير الخاص، كقوله تعالى في شأن المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُون} قرئ: "فَيُقْتَلُونَ وَيَقْتُلُون"1 ففي الحرف الأول يسرع المؤمنون إلى قتل الأعداء، وفي الحرف الثاني كأنما يتلهفون إلى ساحة المعركة تلهفا لعل الله يتخذهم شهداء، فإذا اختلفت صياغة التعبير بالتقديم والتأخير فإن مؤدى الحرفين ما انفك واحدا لم ينله شيء من التغيير. أما قراءة أبي بكر "وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ" بدلا من قوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} 2 فقراءة آحادية لم تبلغ درجة التواتر، بل شاذة3 خالف بها إجماع الصحابة إن صح أنه قرأ به: ذلك بأن العرب تعرف للموت سكرة وسكرات، ولكنها لا تعرف الحق إلا يقظا صاحيا واعيا. وإنما يسهو الإنسان، أو يزل منه اللسان، فيضع كلمة مكان كلمة وهو لا يدري كما صنع أبو بكر أو كما رووا عنه ونسبوا إليه.
السادس: الاختلاف بشيء يسير من الزيادة والنقصان جريا على عادة العرب في حذف أدوات الجر والعطف تارة وإثباتها تارة أخرى. ولذلك لم تحفظ هذه الضروب من الزيادة والنقص إلا في أحرف قليلة محدودة مع التنبيه على شذوذ كل ما لم يحفظه الأئمة الثقات منها: فمن الزيادة قوله تعالى في سورة التوبة: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ} قرئ: "مِنْ تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ"، وهما قراءتان متواترتان، وقد وافق كل منهم رسم مصحف الإمام4، فإن زيادتها وافقت رسم المصحف المكي، وحذفها وافق غيره5. ومن--------------------------------------------
1 سورة التوبة 111 "وانظر الإتقان 1/ 80".
2 سورة ق 19 "وانظر البرهان 1/ 335".
3 ومثلها في الشذوذ: "إِذَا جَاءَ فَتْحُ اللهِ وَالنَّصْرُ" بدلا من قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} سورة النصر 1. فليس في مثل هذا حرف من حروف القرآن السبعة.
4 سورة التوبة 100 "وانظر البرهان 1/ 336".
5 الإتقان 1/ 130.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
النقصان قوله تعالى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} من سورة البقرة بغير واو، وقد وافقت رسم المصحف الشامي1. وأما قراءة "وَالذَّكَر والأُنْثَى" بدلا من قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} 2 بنقص لفظتي "ما خلق" وقراءة ابن عباس "وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا" بزيادة "صالحة" وإبدال كلمة "أمام" من كلمة "وراء" فقراءتان آحاديتان لا يثبت. بمثلهما قرآن3.
ويشبههما في الآحادية زيادة لفظ "أنثى" في قوله تعالى: {تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} 4 أنثى، وزيادة عبارة "وَكَانَ كَافِرًا" في قوله: {وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} 5 "وَكَانَ كَافِرًا"، وزيادة عبارة "وَصَلَاةِ الْعَصْرِ" في قوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} 6 وصلاة العصر، فهذه الزيادات جميعا أدرجت على سبيل التفسير والإيضاح، ولا سبيل إلى عدها حرفا من الأحرف السبعة ولو أثبتها ابن مسعود في مصحفه الخاص7.
السابع: اختلاف اللهجات في الفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والهمز والتسهيل، وكسر حروف المضارعة، وقلب بعض الحروف وإشباع ميم الذكور، وإشمام بعض الحركات. من ذلك قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} 8، وقوله: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} 9 قرئ بإمالة "أتى" و"موسى" و"بلى" نحو الكسر، وقوله تعالى: {خَبِيرًا بَصِيرًا} بترقيق الراءين، و"الصلاة" و"الطلاق"، بتفخيم اللامين.--------------------------------------------
1 سورة البقرة 116 "وانظر الإتقان 1/ 130".
2 سورة الليل 3 "وانظر أحكام القرآن لابن العربي 2/ 309.
3 سورة الكهف 79 "الإتقان 1/ 132".
4 سورة ص 23.
5 سورة الكهف: 80.
6 سورة البقرة 238.
7 البرهان 1/ 215.
8 سورة طه 9.
9 سورة القيامة 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
وقوله تعالى: "قَدَ افْلَحَ"1 بترك الهمزة ونقل حركتها من أول الكلمة الثانية إلى آخر الكلمة الأولى. وهو ما يسمى تسهيل الهمزة.
وقوله تعالى: "لِقَوْمٍ يِعْلَمُون"، "نَحْنُ نِعْلَم"، "تِسْوَدُّ وُجُوه"، "أَلَمْ إِعْهَد"، بكسر حرف المضارعة في جميع هذه الأفعال.
وقوله تعالى: {حَتَّى حِينٍ} فالهذليون يقرءون: "عتى عين" بقلب حاء حتى وحين عينا.
وقوله تعالى: "عَلَيْهِمُو دَائِرَةُ السَّوْءِ" "وَمِنْهُمُو مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَات" بإشباع ميم جمع الذكور في كلتا الآيتين.
وقوله تعالى: {وَغِيضَ الْمَاءُ} بإشمام ضمة الغين مع الكسر.
والحق أن هذا الوجه الأخير أهم الأوجه السبعة؛ لأنه يبرز الحكمة الكبرى من إنزال القرآن على سبعة أحرف، ففيه تخفيف وتيسير على هذه الأمة التي تعددت قبائلها فاختلفت بذلك لهجاتها، وتباين أداؤها لبعض الألفاظ، فكان لا بد أن تراعي لهجاتها، وطريقة نطقها، أما لغاتها نفسها فلا موجب لمراعاتها؛ لأن القرآن اصطفى ما شاء بعد أن صهره في لغة قريش التي تمثلت فيها لغات العرب قاطبة2 لا لغات قبائل معينة ينتصر لها بعض العلماء بتعسف لا يؤيده دليل عقلي ولا نقلي.
ذلك بأن العرب حين استصفوا لهجة قريش وجعلوها لغتهم الأدبية المشتركة أثروا فيها مثلما تأثروا بها، فصدق على لهجة قريش ما يصدق على اللغات جميعا من قوانين التأثر والتأثير، وهي قوانين لا تكاد تتخلف إذا درسنا اللغة على أنها ظاهرة إنسانية3.--------------------------------------------
1 سورة المؤمنون1 "وانظر البرهان 1/ 320" ومثله "قُلُ اوحِي" سورة الجن1: "وَإِذَا خَلَوِ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ" سورة البقرة 14.
2 ولذلك عقد البخاري في صحيحه بابا لنزول القرآن بلسان قريش والعرب قرآنا عربيا بلسان عربي مبين. فضائل القرآن 6/ 182.
3 انظر كتابنا "دراسات في فقه اللغة" 109، الطبعة الأولى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
لكن القرشية -باعتراف من جميع القبائل وبطواعية واختيار من مختلف لهجاتها- كانت أغزرها مادة، وأرقها أسلوبا، وأغناها ثروة، وأقدرها على التعبير الجميل الدقيق الأنيق في أفانين القول المختلفة1، فاصطنعت وحدها في الكتابة والتأليف والشعر والخطابة، حتى كان الشاعر من غير قريش يتحاشى خصائص لهجته ويتجنب صفاتها الخاصة في بناء الكلمة وتركيب الجملة والنطق بالأحرف، ليتحدث إلى الناس بلغة ألفوها، وتواضعوا عليها بعد أن أسهمت عوامل كثيرة في صقلها وتهذيبها2.
لقد صادف الإسلام إذن -حين ظهوره- لغة مثالية مصطفاة جديرة أن تكون أداة التعبير عند خاصة العرب لا عامتهم، فزاد من شمول تلك الوحدة وقوى من أثرها بنزول قرآنه بلسان عربي مبين هو ذلك اللسان المثالي المصطفى.
بيد أن هذه الوحدة اللغوية التي صادفها الإسلام حين ظهوره، وقواها قرآنه بعد نزوله، لا تنفي ظاهرة تعدد اللهجات قبل الإسلام وبقاءها بعده، بل من المؤكد أن عامة العرب لم يكونوا إذا عادوا إلى أقاليمهم يتحدثون بتلك اللغة المثالية الموحدة، وإنما يعبرون بلهجاتهم الخاصة، وتظهر على تعابيرهم صفات لهجاتهم، وخصائص ألحانهم3. قال ابن هشام: "كانت العرب ينشد بعضهم شعر بعض، وكل يتكلم على مقتضى سجيته التي فطر عليها، ومن ههنا كثرت الروايات في بعض الأبيات"4.
وبإزاء هذه الظاهرة التي لا يمكن دفعها، اكتفى القرآن بتحدي خاصة العرب وبلغائهم أن يأتوا بمثله أو بآية من مثله تثبيتا للوحدة اللغوية، بينما لجأ إلى التوسعة في القراءات، ومراعاة اللهجات، في أحرفه القرآنية السبعة التي خفف بها على العامة، ولم يكلفهم النطق بغير اللهجة التي تجري--------------------------------------------
1 نفسه 59-60.
2 نفسه 60.
3 نفسه 50-51.
4 المزهر 1/ 261/ 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
بها ألسنتهم في يسر وسهولة"1: وذلك ما لاحظه ابن الجوزي حين قال: "وأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة، وإرادة اليسر بها، والتهوين عليها شرفا لها، وتوسعة ورحمة وخصوصية لفضلها، وإجابة لقصد نبيها أفضل الخلق وحبيب الحق". ويفسر ذلك بقوله: "وذلك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يبعثون إلى قومهم الخاصين والنبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم، عربيهم وعجميهم، وكان العرب الذين نزل القرآن بلغتهم: لغاتهم مختلفة وألسنتهم شتى، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغة إلى غيرها، أو من حرف إلى آخر. بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج2".
وأهمية هذا الوجه الآخير -أعني اختلاف اللهجات- جعلت بعض العلماء يحصرون الأحرف السبعة في أنواع اللهجات، بينما أغفل آخرون ذكر هذا الوجه إغفالا تامًا، لأنه -على حد قول ابن قتيبة: "ليس من الاختلاف الذي يتنوع في اللفظ والمعنى، لأنه هذه الصفات المتنوعة في أدائه، لا تخرجه عن أن يكون واحدًا"3. وفي كلا الرأيين مغالاة، فالأوجه الستة السابقة على جانب من الأهمية لا يسمح بإسقاطها والاكتفاء بالوجه السابع. كما أن اختلاف اللهجات في أداء بعض الأصوات أمر واقع بين الصحابة، بل لعله كان أشد أنواع الاختلاف دورانًا على الألسنة. فلا يجوز إغفاله والاكتفاء بأوجه أخرى لا تستقرى بها مختلف ضروب الأداء. وهذا النقص في استقراء الأقدمين للأوجه السبعة قد حملنا على أن نسلك في طريقة استقرائنا لها سبيلا مخالفة لهم جميعا، فلم نختر مذهب أبي الفضل الرازي4 الذي فضله الزرقاني في "مناهله" على مذهب ابن قتيبة وأبي الخير بن الجزري والقاضي أبي بكر بن الطيب--------------------------------------------
1 دراسات في الفقه واللغة 50.
2 مناهل العرفان للزرقاني 1/ 139 ومن الغريب أن يدافع ابن الجزري عن هذه الفكرة مع أنه لا يذكر اختلاف اللهجات بين الحروف السبعة.
مناهل العرفان للرزقاني 1/ 154 وقد رأينا عبارة كهذه منسوبة إلى ابن الجزري في مكان آخر.
راجع ص109.
4 هو الإمام الكبير ابن شاذان الرازي المتوفى في حدود سنة 290هـ "النشر 1/ 179".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
الباقلاني1، كما لم تختر مذهب واحد من هؤلاء. أما الرازي فلأنه لم يعرض قط في كتابه "اللوائح" إلى وجه الاختلاف في الحروف، نحو "يعلمون وتعلمون" مع أنه لا يندرج تحت واحد من الأوجه الستة الباقية التي ذكرها، ثم إنه جعل اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر وجها خاصا قائما برأسه، مع أنه يندرج تحت وجه الاختلاف في الإعراب. وأما الثلاثة الآخرون فحسبنا لكيلا نسلم بمذاهبهم أنهم جميعا أغفلوا وجه الاختلاف في اللهجات عمليا، وإن دافع عنه بعضهم نظريا.
ونحن حين نقول: إن الأوجه السبعة التي استقرأناها، تستقصي كل اختلاف في أداء القرآن، لا نعني وجوب التزام هذه الأوجه السبعة في الكلمة الواحدة، فقد يكون في كل كلمة على حدة وجهان أو أكثر، وقد يكون فيها وجه واحد فقط، وإنما نقصد أن هذه الأوجه السبعة ترد الاختلافات إلى أحد وجوهها المناسبة حين يتحقق وجود الاختلاف2.
وإذا كنا نحن قد استطعنا حصر أوجه الاختلاف في سبعة، فقد وقع لنا ذلك اتفاقًا، بعد أن جمعنا آراء الأقدمين ووفقنا بينها، وأما الصحابة الكرام الذين نزل القرآن بأحرفه السبعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، يقرؤهم بها، وينبههم إليها، فكان أكثرهم يومئذ أميين لا يقرءون ولا يكتبون، وما كان يتاح لهم أن يحددوا المراد من الأحرف السبعة، وإنما كانوا يعرفون أن أوجه الخلاف لا تخرج عن سبعة في جميع مفردات القرآن، وقد اجتمعت عمليا من مختلف قراءاتهم التي أقرهم عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وانتهى العلم بها إلينا أحرف القرآن السبعة التي لم نعرفها نحن إلا بطريق الاستنباط والاستقراء.--------------------------------------------
1 انظر مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد عبد العظيم الزرقاني، ج1 ص148-160 ففيه يعرض لآراء هؤلاء العلماء الكبار الثلاثة، ثم يقارنها برأي أبي الفضل الرازي ويرجحه ويختاره. وابن الجزري في "النشر والقراءات 1/ 26-28" يفضل رأيه ثم رأى أبي الفضل الرازي وابن قتيبة. وعنه أخذ الزرقاني من غير عزو إليه.
2 انظر البرهان 1/ 223.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
الباب الثالث: علوم القرآن
الفصل الأول: لمحة تاريخية عن علوم القرآن
كان الصحابة عربا خلصا يتذوقون الأساليب الرفيعة، ويفهمون ما ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات، فإذا أشكل عليهم فهم شيء من القرآن سألوا عنه النبي عليه الصلاة والسلام "كسؤالهم1 لما نزل {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} 2 فقالوا: أينالم يظلم نفسه! ففسره النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك، واستدل عليه بقوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} 3 أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط آتاه الله الكتاب وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما، فلم تكن الحاجة ماسة إلى وضع تآليف في علوم القرآن في عهد الرسول والصحابة4.--------------------------------------------
1 البرهان 1/ 14.
2 سورة الأنعام 82.
3 سورة لقمان 13.
4 أما قصة عدي بن حاتم فإنها فردية لا تنطبق على جمهور الصحابة الكرام، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "إن وسادتك لعريض" كناية عن الغفلة وإن كان القاضي عياض ينكر هذا ويرى أن المراد "إنك ضخم" أو كما ورد في صحيح البخاري "إنك لعريض القفا". انظر صحيح مسلم بشرح النووي 7/ 201. وإليك القصة كما في صحيح مسلم في "كتاب الصيام": "لما نزلت: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} قال له عدي: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالا أبيض وعقالا أسود، أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن وسادتك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
وكان أكثر الصحابة أمين، ولم تكن أدوات الكتابة متسيرة لديهم، فكان ذلك حائلا أيضا دون التأليف في هذا العلم. زد على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه قد نهاهم أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن، وقال لهم أول العهد بنزول الوحي: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه. وحدثوا عني ولا حرج. ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" 1 وكان ذلك مخافة أن يختلط القرآن بما ليس منه.
ولقد ظلت علوم القرآن تروى بالتلقين والمشافهة عل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم على عهد الشيخين أبي بكر وعمر. وفي خلافة عثمان بدأ اختلاط العرب بالأعاجم، وأمر عثمان أن يجتمعوا على مصحف إمام وأن تنسخ منه مصاحف للأمصار، وأن يحرق الناس كل ما عداها، وقد رأينا تفصيل ذلك والأسباب الداعية إليه.
ويعنينا الآن أن عثمان بنسخ المصاحف قد وضع الأساس لما سمي فيما بعد "بعلم رسم القرآن أو علم الرسم العثماني".
وقد اشتهر أيضا أن عليا رضي الله عنه أمر أبا الأسود الدؤلي2 "المتوفى سنة 69" بوضع بعض القواعد للمحافظة على سلامة اللغة العربية. فكان علي بذلك واضع الأساس لعلم إعراب القرآن.
وفي وسعنا أن نقول: إن الممهدين لهذا العلم هم:
1- الخلفاء الأربعة، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير3 من الصحابة.
2 - مجاهد وعطاء بن يسار وعكرمة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم في المدينة من التابعين.--------------------------------------------
1 رواه مسلم في صحيحه 8/ 229 عن أبي سعيد الخدري، وقارن بكتابنا "علوم الحديث ومصطلحه" 8.
2 انظر ترجمته في إنباه الرواة 1/ 13-23 تهذيب التهذيب 12/ 10-12.
3 راجع الفهرست 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
3- مالك بن أنس من أتباع التابعين، وقد أخذ عن زيد بن أسلم.
هؤلاء هم الواضعون لما نسميه علم التفسير، وعلم أسباب النزول، وعلم المكي والمدني، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم القرآن.
وفي عصر التدوين كان التفسير قبل كل شيء، لأنه أهم العلوم القرآنية. وممن اشتغلوا فيه وصنفوا:
من علماء القرن الثاني: شعبة بن الحجاج1، وسفيان بن عيينة2، ووكيع بن الجراح3. وكانت تفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين. ثم تلاهم ابن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ. وتفسيره هو أجل التفاسير، لما اشتمل عليه من روايات صحيحة محررة وإعراب واستنابط وآراء قيمة.
ونشأ التفسير بالرأي إلى جانب التفسير بالمأثور، وفسر القرآن كله وجزء منه وسورة وأحيانا آية وآيات خاصة كآيات الأحكام.
أما علوم القرآن الأخرى فقد ألف:
في القرن الثالث: علي بن المديني 4 شيخ البخاري في أسباب النزول، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الناسخ والمنسوخ، وفي القراءات وفضائل القرآن، ومحمد بن أيوب الضريس "ت294" فيما نزل بمكة وما نزل--------------------------------------------
1 هو محدث البصرة وأمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي الواسطي، ويكنى أبا بسطام، رأى أنس بن مالك رضي الله عنه، وسمع أربعمائة من التابعين، وهو حجة عند جميع الأئمة. توفي سنة 160هـ.
2 هو شيخ أهل الحجاز في التفسير والحديث، سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي، توفي سنة 198 "انظر تذكرة الحفاظ 1/ 242".
3 هو وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي، ويكنى أبا سفيان الرؤاسي الكوفي، من قيس عيلان. سمع ابن جريج والأعمش والأوزاعي وسفيان الثوري، وروى عنه عبد الله بن المبارك ويحيى بن آدم وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني، ولد سنة 128 وتوفي سنة 197. وفيه يقول أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: الثبت عندنا في العراق وكيع " انظر تاريخ بغداد 13/ 466-481".
4 هو علي بن عبد الله بن جعفر، ويكنى أبا جعفر، وهو سعدي بالولاء، توفي سنة 234 "انظر تذكرة الحفاظ 2/ 15-16 وشذرات الذهب 2/ 81".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
بالمدينة1، ومحمد بن خلف بن المرزبان "ت309": "الحاوي في علوم القرآن"2.
وفي القرن الرابع: أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري "ت328" "عجائب علوم القرآن" تكلم فيه على فضائل القرآن، ونزوله على سبعة أحرف.
وكتابة المصاحف، وعدد السور والآيات والكلمات3، وأبو الحسن الأشعري "المختزن في علوم القرآن" وهو عظيم جدا4، وأبو بكر السجستاني5 في غريب القرآن، وأبو محمد القصاب محمد بن علي الكرخي "ت نحو 360" "نكت القرآن الدالة على البيان، في أنواع العلوم والأحكام المنبئة عن اختلاف الأنام"6، ومحمد بن علي الأدفوي "ت388"، "الاستغناء7 في علوم القرآن"، في عشرين مجلدا.
وفي القرن الخامس: علي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي8 "البرهان في علوم القرآن"، و"إعراب القرآن".
وأبو عمر الداني "ت444" "التيسير في القراءات السبع" و"المحكم في النقط".
وفي القرن السادس: أبو القاسم عبد الرحمن المعروف بالسهيلي9 في--------------------------------------------
1 واسم كتابه "فضائل القرآن" ومنه نسخة ناقصة بالظاهرية.
2 ذكره في الفهرست 214 ويقع في 27 جزءًا.
3 منه نسخة في مكتبة البلدية بالإسكندرية.
4 انظر الديباج 195.
5 هو محمد بن عزيز بن العزيزي السجستاني، توفي سنة 330 "بغية الوعاة 72" قال السيوطي في "الإتقان 1/ 195" عند ذكر كتاب السجستاني المسمى "غريب القرآن": "أقام في تأليفه خمس عشرة سنة يحرره هو وشيخه أبو بكر بن الأنباري".
6 منه نسخة في مراد ملا.
7 هكذا فضلنا قراءة الاسم، وإن كان يمكن قراءته في المخطوط أيضا "الاستفتاء".
8 هو علي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي المصري، صاحب كتاب البرهان في علوم القرآن، وكتاب إعراب القرآن. توفي سنة 430 "حسن المحاضرة 2/ 228 إنباه الرواة 2/ 219" وسيرد ذكر كتابه "البرهان" الذي لا يزال مخطوطا.
9 هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيل، ويكنى أبا القاسم، توفي بمراكش سنة 581، وكتابه "مبهمات القرآن" يذكره صاحب كشف الظنون باسم "التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام" وهذا الاسم الواضح يبين الغاية منه، وفي دار الكتب بالقاهرة وفي المكتبة التيمورية نسخ خطية منه. وللسهيلي أيضا كتاب الروض الأنف على سيرة ابن هشام "انظر ترجمته في إنباه الرواة 2/ 162".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
مبهمات القرآن
وفي القرن السابع ابن عبد السلام1 في مجاز القرآن.
وعلم الدين السخاوي2 في القراءات.
ثم نشأت علوم جديدة في القرآن: بدائع القرآن3، حجج القرآن4، أقسام القرآن5، أمثال القرآن6.
وكانت طريقتهم استقصاء جزئيات القرآن: لذلك وجب اختصار تلك العلوم في علم جديد موحد سموه "علوم القرآن".
وفي تاريخ الشافعي رضي الله عنه في محنته التي اتهم فيها بأنه رئيس حزب العلويين باليمن، سيق مكبلا بالحديد إلى الرشيد في بغداد، فسأله الرشيد: كيف علمك يا شافعي بكتاب الله عز وجل؟ فإنه أولى الأشياء أن يبتدأ به. فقال الشافعي: عن أي كتاب من كتب الله تسألني يا أمير المؤمنين؟ فإن الله--------------------------------------------
1 هو شيخ الإسلام الإمام أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام المشهور بالعز، توفي سنة 660 "طبقات الشافعية 5/ 80-107 شذرات الذهب 5/ 310".
2 هو علي بن محمد بن عبد الصمد المشهور بالسخاوي، توفي سنة 643، وله في القراءات منظومة تعرف بالسخاوية، وتسمى "هداية المرتاب في المتشابه" ولا يريد بالمتشابه ما يقابل المحكم، وإنما إيراد القصة الواحدة في القرآن في صور شتى وفواصل مختلفة، تصرفا في الكلام ليجيء على أساليب متنوعة، انظر ترجمة السخاوي في وفيات الأعيان 1/ 345 وانظر البرهان 1/ 112 النوع الخامس "علم المتشابه".
3 وهو علم يبحث فيه عما ورد في القرآن من أنواع البديع، وقد أفرده بالتصنيف ابن أبي الإصبع، وكتابه مطبوع. "انظر الإتقان 2/ 140-160 النوع الثامن والخمسون".
4 يسمى أيضا علم جدل القرآن، ويراد منه أن كتاب الله نطق بجميع أنوع البراهين والأدلة، ولكن على أساليب العرب لا طرائق المتكلمين، وقد أفرده بالتصنيف نجم الدين الطوفي "سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم" المتوفى سنة 716 كما في "الدرر الكامنة/ 2/ 354 وفيما يتعلق بهذا العلم انظر الإتقان 2/ 229-233 النوع الثامن والستون والبرهان 2/ 24-27 النوع الثالث والثلاثون.
5 انظر الإتقان 2/ 225-228 "النوع السابع والستون" وقد أفرده بالتصنيف العلامة ابن القيم. ومن المتأخرين عبد الحميد الفراهي في كتابه "إمعان في أقسام القرآن".
6 انظر بعض الشواهد على هذا العلم في الإتقان 2/ 222-225 "النوع السادس والستون".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
قد أنزل كتبا كثيرة، قال الرشيد: قد أحسنت، لكن إنما سألت عن كتاب الله المنزل على ابن عمي محمد صلى الله عليه وسلم. فقال الشافعي، إن علوم القرآن كثيرة، فهل تسألني عن محكمه ومتشابهه؟ أو عن تقديمه وتأخيره؟ أو عن ناسخه ومنسوخ؟ أو عن أو عن1 …
ويرى بعض الباحثين2 أن اصطلاح "علوم القرآن" - بالمعنى الجامع الشامل- ولم يبدأ ظهوره إلا بكتاب "البرهان في علوم القرآن" لعلي بن إبراهيم بن سعيد المشهور بالحوفي "ت430". ويقع في 30مجلدا، حفظ منها 15 غير مرتبة ولا متعاقبة في نسخة مخطوطة في دار الكتب بالقاهرة برقم 59 تفسير. فقد اشتمل هذا الكتاب على بعض علوم القرآن مع أنه في الظاهر تفسير، ففيه يقول صاحب كشف الظنون: "ذكر فيه الغريب والإعراب والتفسير". وكلننا نبهنا آنفا إلى ظهور كتب عالجت الدراسات القرآنية باسمها الصريح "علوم القرآن"، وكان أسبقها في نظرنا كتاب ابن المرزبان في القرن الثالث.
وفي القرن السادس ألف ابن الجوزي "ت597" كتابين: أحدهما "فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن"3 والثاني "المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن" وهما مخطوطان في دار الكتب بالقاهرة.
وفي القرن السابع صنف علم الدين السخاوي "ت643" كتابه "جمال القراء وكمال الإقراء"4 وأبو شامة "ت665" "المرشد الوجيز فيما يتعلق بالقرآن العزيز".--------------------------------------------
1 ذكر ذلك الإمام جلال الدين البلقيني في كتابه "مواقع العلوم من مواقع النجوم". انظر مناهل العرفان للزرقاني 1/ 26.
2 نفسه 1/ 26.
3 وفي المكتبة التيمورية مخطوطة غير كاملة من فنون الأفنان برقم 222 تفسير.
4 ويفهم من "كشف الظنون" أن كتاب "جمال القراء وكمال الإقراء" يشتمل على علوم القراءات والتجويد والوقف والابتداء والناسخ والمنسوخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
وفي القرن الثامن ألف بدر الدين الزركشي "ت794"1 "البرهان في علوم القرآن". وقد نشره الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم وبذل في تحقيقه جهدًا مشكورًا.
وفي القرن التاسع كثر التأليف، فصنف جلال الدين البلقيني2 كتابه "مواقع العلوم من مواقع النجوم"3 وصنف محمد بن سليمان الكافيجي "ت879"4 كتابا ذكره السيوطي، ونقل عن مؤلفه أنه قال فيه: "ولم يسبق إليه"5، ولكننا لا نعرف اسم هذا الكتاب. ثم ألف السيوطي "ت911" كتابه "التحبير في علوم التفسير" وأتبعه "بالإتقان في علوم القرآن"6.
وفي القرن الأخير أقبل كثير من العلماء على تصنيف الكتب حول القرآن وتاريخه وعلومه، فألف الشيخ طاهر الجزائري "التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن" والشيخ محمد جمال الدين القاسمي "محاسن التأويل" والشيخ محمد--------------------------------------------
1 هو الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، من أعلام المفسرين والأصوليين، ولد سنة 745 وتوفي سنة 794 "انظر ترجمته ومصادرها في مقدمة كتابه "البرهان في علوم القرآن".الذي حققه ونشره الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، وقد صدر في أربعة أجزاء.
2 هو عبد الرحمن بن رسلان، أبو الفضل جلال الدين البلقيني، برع في الفقه والأصول والعربية والتفسير والمعاني والبيان، وله تعليق على البخاري سماه "الإفهام لما في صحيح البخاري من الإبهام" وولي القضاء بالديار المصرية مرارا إلى أن توفي سنة 824هـ "شذرات الذهب 7/ 166".
3 الإتقان 1/ 3.
4 هو محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود، محيي الدين أبو عبد الله الكافيجي، اشتغل كثيرًا بالكافية في النحو فعرف بها، لازمه السيوطي 14 سنة، وله كتب كثيرة في التفسير والفقه وأصول اللغة والنحو. أما كتابه الذي لم يسمه السيوطي في الإتقان فقد سماه في البغية "التيسير في قواعد التفسير" وقال عنه: وكان يقول: إنه ابتدع هذا العلم ولم يسبق إليه، وذلك لأن الشيخ لم يقف على "البرهان" للزركشي ولا على مواقع العلوم للجلال البلقيني توفي سنة 879 "انظر بغية الوعاة 48".
5 الإتقان 1/ 3 وقال السيوطي فيه: "رأيته تأليفا لطيفا، ومجموعا ظريفا، ذا ترتيب وتقرير".
6 وقد طبع كتاب الإتقان مرارا في القاهرة. والسيوطي بنى أكثر كتابه على "البرهان للزركشي" ونقل عددا من فصوله، مشيرا إلى ذلك تارة، وساكتا عنه تارة أخرى. وانظر ما يقوله السيوطي عن "البرهان" في مقدمة الإتقان 1/ 6-8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
عبد العظيم الزرقاني "مناهل العرفان في علوم القرآن" والشيخ محمد علي سلامة "منهج الفرقان في علوم القرآن" والشيخ طنطاوي جوهري، "الجواهر في تفسير القرآن الكريم" وأديب العربية الكبير مصطفى صادق الرافعي "إعجاز القرآن" والأستاذ سيد قطب "التصوير الفني في القرآن" و"في ظلال القرآن"، والأستاذ مالك بن نبي "الظاهرة القرآنية" وهو بحث قيم جدا في مسألة الوحي، والسيد الإمام محمد رشيد رضا، "تفسير القرآن الحكيم" وفيه مباحث كثيرة في علوم القرآن، وأخيرًا الدكتور محمد عبد الله دراز "النبأ العظيم، نظرات جديدة في القرآن"1.--------------------------------------------
1 وظهرت في السنوات الآخيرة أيضا دراسات قرآنية مفيدة يقصد بها التوجيه الديني العام ككتاب "نظرات في القرآن" للأستاذ محمد الغزالي، أو التوجيه الأدبي وإبراز مواطن الجمال في الأسلوب القرآني ككتاب "المنهل الخالد" لزميلنا المفضال الأستاذ محمد المبارك عميد كلية الشريعة بجامعة دمشق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
الفصل الثاني: علم أسباب النزول
قد جعل الله لكل شيء سببا كما جعل لكي شيء قدرًا، فما يبصر مولود نور الحياة إلا بعد أسباب وأطوار، ولا يقع حدث في الوجود إلا إثر مقدمات وإرهاصات، ولا تتغير الأنفس والآفاق إلا عقب سلسلة من التمهيد والإعداد: "سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا! ".
ولا شيء كالتاريخ يشهد بصدق هذه السنة وانطباقها على وقائع الحياة: فما يسع مؤرخا ثاقب النظر دقيق الاستنتاج أن يجهل أسباب الحوادث ودوافعها إن أراد الوصول إلى الحقائق التاريخية الثابتة من خلال الوثائق والنصوص.
لكن التاريخ لا ينفرد وحده بالحاجة إلى استنباط النتائج من خلال المقدمات، واستبطان الحقائق من مضمون الأسباب، بل العلوم الطبيعية والدراسات الاجتماعية والفنون الأدبية تشارك التاريخ كذلك في تطلعها إلى معرفة الأسباب والمسببات، واستشرافها إلى العلم بالمبادئ والغايات.
ولسنا بسبيل الموازنة بين ضروب المعرفة هذه لنكتشف مقدار احتياج كل منها إلى دراسة أسباب الأشياء، وإنما يعنينا منها التنبيه إلى أمسها صلة ببحثنا الديني، وأقربها شبها به ورحما: وهو الفن الأدبي الذي يعول فيه على النص الجميل متلوا مسموعا، أو مقروءا منظورا، فعلى صعيد هذا الفن الأدبي ما نكاد نفهم نصا ما فهما سديدا، أو نتذوقه تذوقا سليما، إلا إذا مهدنا بين يدي دراسته بإزاحة النقاب عن الظروف النفسية والاجتماعية التي دفعت الأديب إلى التفكير فيه، ثم حملته على اختيار ألفاظه وابتداع معانيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
ولقد يعتز دارس الأدب بثروته اللغوية وحفظه الشواهد الكثيرة من لسان العرب، ويفتخر بتمرسه بالدراسة الأدبية وتذوقه أساليب البلغاء، حتى إذا عرضت عليه قصيدة من عيون الشعر ليحدد الغرض الذي قيلت فيه، والجو الذي نظمت خلاله، تلعثم وتردد، ثم كبا وتعثر، فزعم أن القصيدة مديح وهي هجاء، أو غزل وهي عتاب، أو دعوة إلى السلم مع أنها تحريض على القتال، أو بها نفس ملحمي وإن أبياتها لتبشر بالسلام.
يقرأ الدارس المتذوق مثلا قول سعد بن مالك:
يا بؤس للحرب التي … وضعت أراهط فاستراحوا
والحرب لا يبقى لجا … حمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في الـ … ـنجدات والفرس الوقاح1
فيؤنس في ألفاظ المقطعة يسرا وسهولة، فليس فيها ما يحفزه إلى استفتاء معجم، وإنه ليكاد يستعجل شرح الأبيات وتحليلها إذ يلفت نظره في أولها لفظ "أراهط" فيراه محتملا الرفع على الفاعلية، أو النصب على المفعولية، فهل الأراهط وضعوا الحرب واعتزلوها وآثروا السلامة بعيدا عن ساحات القتال؟ أم الحرب وضعت أولائك الأراهط، وحطتهم، وأذلتهم، حتى استسلموا للعدو وركنوا إلى الدعة والسكون؟ وهل في مطلع المقطعة إذن تأريث لنار الحرب وتهكم بالذين قعدوا عنها وجانبوها؟ فيا بؤس لها، ويا حسرة فيها على القاعدين؟! أفي مطلعها تقبيح للحرب التي تذل الكبرياء، وتخفض الهام؟ فيا بؤسها ما أشده! ويا لسعيرها ما أنكاه! وما أجدرها أن يستبدل بها السلام!.
إن حيرة الدارس لا تطول إذا استطاع أن يتقصى الظروف التي نظم فيها سعد بن مالك "حماسيته" هذه، فلسوف يرى في غضون الروايات والأخبار أن سعدا "يعرض هنا بالحارث بن عباد الذي عرف باعتزال الحرب--------------------------------------------
1 حماسة أبي تمام "شروح المرزوقي" 2/ 500 رقم الحماسية 167.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
ومجانبتها"1، كأنه يدعو خلالها إلى إشعال الحرب وتأريث نارها حتى لا يقيم أحد من الفرسان على الخسف2 والهوان.
ولئن كانت معرفة جو القصيدة والظروف التي نظمت خلالها تعين على الفهم السديد، وتسعف بالذوق السليم، وتواكب الشرح الأدبي جنبا إلى جنب، لتكونن معرفة قصة الآية والأسباب التي اقتضت نزولها أعون على دقة الفهم، وأدنى إلى استلهام أرجح التأويل وأصح التفسير.
ذلك بأننا من القرآن -إذا أردنا تدبره حقا- تلقاء شيء أسمى من "علم التفسير": فما تحل أقوال المفسرين كل عقدة، وما تزيح كل شبهة، ولا تفصل كل إجمال.
ونحن من القرآن أيضا إزاء شيء فوق اللغة وقواعدها وآدابها، فإن ظلال التعبير في القرآن، وإيحاءات المفردات في آياته، وألوان التصاوير في قصصه ولوحاته، لترتبط أوثق الارتباط بالوقائع الحية، والأحداث النواطق، والمشاهد الشواخص، كأن أبطالها ما انفكوا على مسرح الحياة يغدون ويروحون، فأنى للشروح اللغوية الجامدة والاصطلاحات البلاغية الجافة أن تستطلع في الوقائع يقين أخبارها، أو تستبطن من الأحداث خفي أسرارها، وهي أعيا من أن ترجع في الآذان أصداءها الحلوة العذاب؟
ونحن من القرآن -آخر الأمر- أمام شيء فوق التاريخ نفسه، فإن وقفنا على سبب النزول التاريخي لم نكن قد تقصينا كل شيء، فما أكذب التاريخ وما أكذب المؤرخين على لسانه! وكأي في التاريخ من فجوات ينبغي أن تملأ وثغرات لا بد أن تسد أما أسباب النزول -من وجهة النظر الدينية- فليس لنا فيها إلا أن نستوحي الواقع لا صورته، والإنسان لا شبيهه، والحق لا صداه، فهل من عجب إذا حرم العلماء المحققون الإقدام على تفسير الكتاب--------------------------------------------
1 العقد "لابن عبد ربه" 5/ 220.
2 الخسف: الذل والدنية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)