صلى الله عليه وسلم قال: "إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، فقلت له: أي رب: إذن يثلغوا 1 رأسي حتى يدعوه خبزة. فقال: إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان" 2 الحديث، ومنه يفهم أن القرآن يقرأ عن ظهر قلب في كل حال، فلا يحتاج جامعه إلى النظر في صحيفة كتبت بالمداد الذي ينطمس ويزول إذا غسل بالماء.
وأما جمع القرآن بمعنى كتابته، فقد اتخذ ثلاثة أشكال في ثلاثة عهود في الصدر الأول، أولها عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وثانيها عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وثالثها عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.--------------------------------------------
1 ثلغ رأسه وفلغه: شدخه.
2 مناهل العرفان للزرقاني 1/ 235.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
جمع القرآن كتابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
1- جمع القرآن كتابة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:
اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم كتابا للوحي فيهم الخلفاء الأربعة ومعاوية وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وخالد بن الوليد وثابت بن قيس، كان يأمرهم بكتابة كل ما ينزل من القرآن، حتى تظاهر الكتابة جمع القرآن في الصدور1.
وقد أخرج الحاكم في "المستدرك" بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت أنه قال: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع"2.
وكلمة "الرقاع" في الحديث "وهي جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد" تشعرنا بنوع أدوات الكتابة المتيسرة لكتاب الوحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يكتبون الآيات في اللخاف "جمع لخفة وهي الحجارة الدقاق أو صفائح الحجارة" والعسب "جمع عسيب وهو جريد النخل كانوا يكشفون الخوص ويكتبون في الطرف العريض" والأكتاف "جمع--------------------------------------------
1 استطاع المستشرق بلاشير أن يبلغ بكتبة الوحي أربعين رجلا:
"Blachere، Intr، 'Cor. ،p. 12" وقد انتهى إلى ذلك من مقارنته بين ما كتبه شفالي وبهل وكازانوفا، واعتمد الأخير على نصوص وردت في طبقات ابن سعد، وعلى ما كتبه الطبري والنووي وصاحب السيرة الحلبية وغيرهم.
وانظر بوجه خاص "Casanova، Mohammed et la fin du monde، 69"
2 الإتقان 1/ 99 والبرهان 1/ 237.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
كتف وهو عظم البعير أو الشاة يكتبون عليه بعد أن يجف" والأقتاب "جمع قتب وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه" وقطع الأديم أي: "الجلد"1.
ومعنى تأليف القرآن من الرقاع "الوارد في حديث زيد" ترتيب السور والآيات وفق إشارة النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيفه. "فأما الآيات في كل سورة ووضع البسملة أوائلها فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تعكيسها2" ويستدل على ذلك بما أخرجه البخاري عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} 3 قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟ "المعنى: لماذا تثبتها بالكتابة أو تتركها مكتوبة وأنت تعلم بأنها منسوخة" قال: "يابن أخي، لا أغير شيئا من مكانه"4، فعثمان لا يجرؤ على تغيير آية من مكانها، ولو ثبت له أنها منسوخة، لأنه يعلم أن ليس له ولا لغيره دخل في ترتيب آيات القرآن بعد أن وقّف جبريل رسول الله على ترتيبها، ووقف رسول الله بدوره كتبة الوحي على ذلك. أخرج أحمد بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: "أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} ، إلى آخرها5. وفي السنة--------------------------------------------
1 انظر شرح هذه الكلمات في "الإتقان" 1/ 101.
2 هذه عبارة الزركشي في "البرهان 1/ 256" وقد أشار السيوطي إلى هذا الإجماع الذي نقله الزركشي حول ترتيب الآيات التوقيفي، ثم ذكر في هذا الموضوع عبارة لأبي جعفر بن الزبير في "مناسباته" يقول فيها: "ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره من غير خلاف بين المسلمين" "انظر الإتقان 1/ 4".
والمراد من قول الزركشي"لا يجوز تعكيسها" وجوب التزام هذا الترتيب التوقيفي بين الآيات، بحيث لا يقدم فيها ولا يؤخر، وميل الزركشي إلى هذا الرأي يزداد وضوحا بقوله: "وفسر بعضهم قوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} أي: اقرأه على هذا الترتيب من غير تقديم ولا تأخير. وجاء النكير على من قرأه معكوسا" البرهان 1/ 259.
3 البقرة 224.
4 صحيح البخاري 6/ 29 وقارن بالإتقان 1/ 105.
5 الإتقان 1/ 104.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
كثير من الأحاديث التي تصور رسول الله صلى الله عليه وسلم يملي القرآن على كتاب الوحي، ويوقفهم على ترتيب الآيات1، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورا عديدة بترتيب آياتها في الصلاة أو في خطبة الجمعة بمشهد من الصحابة، فكان ذلك دليلا صريحا على "أن ترتيب آياتها توقيفي، وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على خلافه، فبلغ ذلك مبلغ التواتر"2.
وأما ترتيب السور فتوقيفي أيضا، وقد علم في حياته صلى الله عليه وسلم، وهو يشمل السور القرآنية جميعا، ولسنا نملك دليلا على العكس، فلا مسوغ للرأي القائل: إن ترتيب السور اجتهادي من الصحابة، ولا للرأي الآخر الذي يفصل: فمن السور ما كان ترتيبه اجتهاديا، ومنه ما كان توقيفيًا.
وإذن، فقول الزركشي: "وترتيب بعضها ليس هو أمرا أوجبه الله، بل أمر راجع إلى اجتهادهم واختيارهم، ولهذا كان لكل مصحف ترتيب"3 لا ينبغي أن يسلم على علاته، لأن اجتهاد الصحابة في ترتيب مصاحفهم الخاصة كان اختيارا شخصيًا لم يحاولوا أن يلزموا به أحدا، ولم يدعوا أن مخالفته محرمة، إذ لم يكتبوا تلك المصاحف للناس وإنما كتبوها لأنفسهم، حتى إذا اجتمعت الأمة على ترتيب عثمان أخذوا به وتركوا مصاحفهم الفردية، ولو أنهم كانوا يعتقدون أن الأمر مفوض إلى اجتهادهم، موكول إلى اختيارهم، لاستمسكوا بترتيب مصاحفهم، ولم يأخذوا بترتيب عثمان. ثم إن الزركشي نفسه يرى أن "الخلاف يرجع إلى اللفظ" بين القائلين بالتوقيف والقائلين بالاجتهاد في ترتيب السور، ويتستدل على ذلك بقول الإمام مالك: "إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم، مع--------------------------------------------
1 انظر على سبيل المثال صحيح البخاري: كتاب تفسير القرآن الباب الثامن عشر، وكتاب الأحكام الباب السابع والتسعون، ومسند الإمام أحمد 3/ 120 و4/ 381.
2 الإتقان 1/ 105.
3 البرهان 1/ 262.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
قوله بأن ترتيب السور اجتهاد منهم فآل الخلاف إلى أنه: هل ذاك بتوقيف قولي أو بمجرد استناد فعلي؟ "1.
وأما الرأي الذاهب إلى أن الترتيب على قسمين توقيفي واجتهادي فلا يستند القسم الاجتهادي فيه إلى دليل صحيح، وهو على كل حال قسم ضئيل لا يكاد يؤبه له، فإذا قال القاضي أبو محمد بن عطية: "إن كثير من السور كان قد علم ترتيبها في حياته صلى الله عليه وسلم، كالسبع الطول2 والحواميم والمفصل"3، رأي أبوجعفر بن الزبير4 أن القسم التوقيفي لابد أن أني يكون أكبر من هذا، وأن القسم الاجتهادي هو الأقل. ويفهم هذا بوضوح من قوله: "الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ويبقى منا قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف"5.
وهذا القليل الذي يمكن أن يجري فيه الخلاف يعتمد على حديث ضعيف جدا، بل هو حديث لا أصل له، يدور إسناده في كل رواياته على"يزيد الفارسي" الذي رواه عن ابن عباس"6، ويزيد الفارسي هذا "يذكره البخاري في الضعفاء، فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن، الثابتة بالتواتر القطعي قراءة وسماعا وكتابة في المصاحف، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه، وحاشاه من ذلك! فلا علينا إذا قلنا: إنه "حديث--------------------------------------------
1 البرهان 1/ 257.
2 كذا في "البرهان"- بضم الطاء وفتح الواو- والشائع أنها "السبع الطوال" بكسر الطاء. غير أن الزركشي يقول: الطول بضم الطاء جمع طولى، كالكبر جمع كبرى، قال أبو حيان التوحيدي: وكسر الطاء مرذول "البرهان 1/ 244".
3 البرهان 1/ 257.
4 هو أحمد بن إبراهيم بن الزبير الأندلسي، صاحب كتب الذيل على "الصلة" كان من النحاة الحفاظ. توفي سنة 807 "الدرر الكامنة 1/ 84- 86".
5 البرهان 1/ 258.
6 تعليق العلامة أحمد محمد شاكر على الحديث رقم 399 في مسند الإمام أحمد ج1 ص329.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
لا أصل له"1، ولا داعي للإطالة بذكر هذا الحديث الباطل، بل نشير إلى أن موضع الشاهد فيه جواب عثمان لابن عباس، معللا قرن براءة بالأنفال من غير البسملة: "وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة، وبراءة من آخر القرآن، فكانت قصتها شبيها بقصتها فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، وظننت أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما … إلخ"2.
الرأي الراجح المختار إذن أن تأليف السور على هذا الترتيب الذي نجده اليوم في المصاحف هو -كتأليف الآيات على هذا الترتيب- توقيفي لا مجال فيه للاجتهاد. على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رغم هذا التوقيف، لم يجد من الدواعي ما يحمله على جمع آيات كل سورة في صحائف عدة، ولا جمع القرآن كله بين دفتي مصحف واحد: لأن القراء ومستظهري القرآن كانوا كثيرين، وكان عليه الصلاة والسلام يترقب توالي نزول الوحي عليه، وإمكان ناسخ لبعض أحكامه3، فالقرآن كله كتب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مجموع في مصحف واحد، فقد أغنى عن ذلك حفظ الصحابة له في صدورهم كما وقفهم عليها الرسول ونبههم إلى مواضعها بتوقيف من الله. قال الزركشي: "وإنما لم يكتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مصحف لئلا يفضي إلى تغييره في كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته صلى الله عليه وسلم"4.
وأكثر العلماء على أن جمع القرآن على عهد رسول الله لوحظ في كتابته أن تشمل الأحرف السبعة التي أنزل عليها، وسوف نناقش في فصل "الأحرف السبعة".
وكان كل ما يكتب يوضع في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينسخ الكتاب لأنفسهم نسخة منه، فتعاونت نسخ هؤلاء الكتاب والصحف التي في بيت النبي مع حافظة الصحابة الأميين وغير الأميين، على حفظ القرآن وصيانته، مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 5.--------------------------------------------
1 من التعليق على الحديث نفسه، مسند أحمد ج1 ص330 ويستحسن أن يقرأ جميع هذا التعليق فإنه نفيس، ولا يتسع المقام لذكره.
2 مسند أحمد، طبعة شاكر 1/ 331 "حديث رقم 399" وفي الطبعة القديمة ج1 ص57.
3 الإتقان 11/ 98 والبرهان 1/ 235.
4 البرهان 1/ 262.
5 سورة الحجر 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
2- جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
لقد كتب القرآن كله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه كان مفرق الآيات والسور، وأول من جمعه في مصحف مرتب الآيات -كما رويت محفوظة عن الرسول- هو أبو بكر. قال أبو عبد الله المحاسبي1 في كتاب "فهم السنن": "كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب، وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيها القرآن منتشرًا، فجمعها جامع وربطها بخيط، حتى لا يضيع منها شيء"2.
وكان جمع أبي بكر للقرآن بعد موقعة اليمامة سنة اثنتي عشرة للهجرة، ففي تلك الموقعة بين المسلمين وأهل الردة من أتباع مسيلمة الكذاب، استشهد سبعون من حفظة القرآن من الصحابة، فهال ذلك عمر بن الخطاب وجاء يقترح على أبي بكر جمع القرآن. وفي ذلك يروي البخاري في صحيحه أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده. قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر "أي: اشتد" يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر--------------------------------------------
1 هو الحارث بن أسد المحاسبي، ويكنى أبا عبد الله، من أكابر الصوفية، كان عالما بالأصول والمعاملات، وهو أستاذ أكثر البغداديين في عصره، توفي ببغداد سنة 243 "الأعلام للزركلي 2/ 153".
2 البرهان 1/ 238 والإتقان 1/ 101.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
يجمع القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن! قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري1 لم أجدها مع أحد غيره {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} حتى خاتمة براءة. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر"2.
وقد يقع قارئ هذا النص في إشكال منشؤه تصريح زيد بأنه لم يجد أخر سورة التوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري، ويزول هذا الإشكال سريعا إذا علم القارئ أن غرض زيد أنه لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة3، وقد كان ذلك كافيا لقبوله إياها، لأن كثيرا من الصحابة كانوا يحفظونها، ولأن زيدا نفسه كان يحفظها، ولكنه أراد -ورعا منه واحتياطًا- أن يشفع الحفظ بالكتابة، وظل ناهجا هذا النهج في سائر القرآن الذي تتبعه فجمعه بأمر--------------------------------------------
1 وفي رواية: "مع أبي خزيمة الأنصاري الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين" البرهان 1/ 234، لكن الذي في تهذيب التهذيب "3/ 140" أن خزيمة بن ثابت الأنصاري هو ذو الشهادتين، فهو غير أبي خزيمة، وفي البخاري "فضائل القرآن" أن زيدا وجد عند خزيمة هذا آية من سورة الأحزاب، فهل اختلط الأمر على الرواة والمؤرخين؟.
2 صحيح البخاري، كتاب "فضائل القرآن" الباب الثالث والباب الرابع وكتاب "الأحكام"، الباب السابع والثلاثون، وفي مسند أحمد ج1 ص13 "وفي طبعة شاكر 1/ 185 رقم الحديث 76" وقارن بما في "طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص201".
3 الإتقان 1/ 101 وينقل السيوطي هنا عن أبي شامة قوله: "لم أجدها مع غيره، أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
أبي بكر: فكان لا بد لقبول آية أو آيات من شاهدين، هما الحفظ والكتابة، وبهذا فسر ابن حجر المراد من الشاهدين في قول أبي بكر لعمر وزيد: "اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه1" وهو حديث منقطع أخرجه ابن أبي داود2 من طريق هشام بن عروة عن أبيه، لكن رجاله ثقات، وواضح أن تفسير ابن حجر يلاحظ فيه الاكتفاء بشاهد واحد على الكتابة، كالشاهد الواحد على الحفظ، وتفسير الجمهور يقوم على ضرورة شاهدين عدلين على الكتابة، وشاهدين عدلين على الحفظ، فلا يكتفى بشاهد واحد على كل من الأمرين، ويستدل على ذلك بما أخرجه ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: "قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان"3، قال السخاوي في "جمال القراء": "المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم4".
وكأن شذوذ آخر سورة التوبة عن هذه القاعدة بوجودها عند أبي خزيمة وحده، إنما ورعي فيه تواترها لدى الكثير من الصحابة الذين كانوا يستظهرونها حفظا في الصدور: فهذا الاستظهار المتواتر قام مقام شاهدين بأن آخر تلك السورة كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم."وقول زيد: "لم أجدها إلا مع "أبي" خزيمة" ليس فيه إثبات القرآن بخبر الواحد، لأن زيد كان قد سمعها وعلم موضعها … وتتبعه الرجال كان للاستظهار لا لاستحداث العلم"5.--------------------------------------------
1 الإتقان 1/ 100.
2 هو عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني، ويكنى أبا بكر، من كبار حفاظ الحديث، من كتبه: المصاحف، والمسند، والسنن، والتفسير، والقراءات، والناسخ والمنسوخ "الأعلام 4/ 224".
3 الإتقان 1/ 100.
4 الإتقان 1/ 100.
5 البرهان 1/ 234.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
وقد تم لأبي بكر جمع القرآن كله خلال سنة واحدة تقريبا، لأن أمره زيدا بجمعه كان بعد واقعة اليمامة، وقد حصل الجمع بين هذه الواقعة ووفاة أبي بكر، وحين نتذكر كيف جمع هذا القرآن من الراقع والعسب واللخاف والأقتاب والجلود في هذه المدة القصيرة، لا يسعنا إلا أن نكبر عزيمة الصحابة الذين بذلوا أنفسهم لله، ولا يسعنا إلا أن نقول مع علي بن أبي طالب: "رحم الله أبا بكر، هو أول من جمع كتاب الله بين اللوحين"1. أما عمر فقد سجل له التاريخ أنه صاحب الفكرة، كما سجل لزيد أنه وضعها موضع التنفيذ.
وختام النص الذي رواه البخاري عن زيد ينبئنا بأن الصحف التي جمع فيها القرآن كانت عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم صارت إلى عمر وظلت عنده حتى توفاه الله، ثم صارت إلى حفصة بنت عمر لا إلى الخليفة الجديد عثمان. وقد أثارت "دائرة المعارف الإسلامية" شبهة حول هذا الموضوع، فتساءلت: ألم يكن عثمان أجدر أن تودع هذه الصحف عنده؟ 2 ونجيب: بل حفصة أولى بذلك وأجدر، لأن عمر أوصى بأن تكون الصحف مودعة لديها، وهي زوجة رسول الله أم المؤمنين، فضلا على حظفها القرآن كله في صدرها وتمكنها من القراءة والكتابة، وكان عمر قد جعل أمر الخلافة شورى من بعده، فكيف يسلم إلى عثمان هاتيك الصحف قبل أن يفكر أحد في اختياره للخلافة؟
ويبدو أن تسمية القرآن "بالمصحف" نشأت على عهد أبي بكر، فقد أخرج ابن أشتة3 في كتاب "المصاحف" من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: لما جمعوا القرآن فكتبوه على الورق قال أبو بكر: التمسوا له اسما، فقال بعضهم: "السفر" قال: ذلك اسم تسمية اليهود، فكرهوا ذلك. وقال بعضهم: "المصحف" فإن الحبشة يسمون مثله "المصحف" فاجتمع رأيهم على أن سموه "المصحف"4.
وقد ظفر مصحف أبي بكر بإجماع الأمة عليه وتواتر ما فيه، وأكثر العلماء على أن طريقة كتابته اشتملت على الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن، فشابه في هذه الناحية الأخيرة جمع القرآن الأول على عهد الرسول الأمين.--------------------------------------------
1 البرهان 1/ 239؛ المصاحف لابن أبي داود ص5.
2 انظر Encyclopedie de I.htm'Islam II. P.1130.
3 هو محمد بن عبد الله بن محمد بن أشتة، ويكنى أبا بكر. نحوي محقق ثقة، اشتغل كثيرا بعلوم القرآن. وكتابه "المحبر" يدل على سعة علمه. توفي سنة 360 "انظر غاية النهاية في طبقات القراء 2/ 184".
4 الإتقان 1/ 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
3- جمع القرآن على عهد عثمان رضي الله عنه:
روى البخاي في "صحيحه" بسنده عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك. فأرسلت به حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القراء فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا. وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق"1.--------------------------------------------
1 صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، الباب الثاني والباب الثالث، الإتقان 1/ 102، المصاحف لابن أبي داود 18؛ تفسير الطبري 1/ 20-21، ورواية الطبري تربط في سياق واحد بين عمل أبي بكر وعمل عثمان في جمع المصاحف، وهي من حديث زيد بن ثابت نفسه، بينما هي في صحيح البخاري تنفرد بوصف عمل عثمان، وهي من حديث أنس بن مالك كما رأينا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
ينبئنا هذا النص الصحيح بخمسة أمور على جانب عظيم من الأهمية:
أولا- إن اختلاف المسلمين في قراءة القرآن كان الباعث الأساسي على أمر عثمان باستنساخ صحف حفصة وجمعها في مصاحف. فلا مستند لبلاشير وغيره من المستشرقين في التشكيك بنيات عثمان في جمع القرآن، فمن أين لهم أن هذا الخليفة إنما سعى إلى تحقيق هذا العمل العظيم بدافع من نزعته "الأرستقراطية"، فلم يجمع كتاب الله -بزعمهم- إلا باسم الطبقة "الأرستقراطية" المكية التي كان خير ممثل لها1؟!
لا مستند لهم في شيء من هذا إلا خيالهم الخصيب، وظنهم الكاذب..
وإلا فأين الرواية التاريخية الصحيحة التي تثبت دعواهم؟ وهل يفضل عاقل الأخذ بتخرصاتهم على ما أورده رجل كالبخاري ما عرف التاريخ من يضارعه في الثقة والضبط والأمانة؟
ثانيا- إن اللجنة التي كلفت بهذا العمل كانت رباعية2.
وإذا استثنينا زيد بن ثابت الذي كان مدنيا من الأنصار، لاحظنا أن الأعضاء الثلاثة الباقين كلهم مكيون من قريش3. وهؤلاء الأربعة جميعا من--------------------------------------------
1 انظر Blachere p. 57
2 ومن الغريب أن ابن أبي داود، لشدة ولوعه بإيراد الروايات المختلفة في الموضوع الواحد مهما تتضارب، لا يكتفي بذكر هذه اللجنة الرباعية التي سماها البخاري، بل يتطوع بتسمية قوائم بلجان أخرى، منها لجنة ثنائية مؤلفة من زيد بن ثابت وسعيد بن العاص، ومنها لجنة ثنتا عشرية "انظر كتاب المصاحف لابن أبي داود، ص 22، 24، 25". وكان هذا التضارب مادة صالحة للتعليق والتعقيب لدى المستشرق شفالي "انظر:
"Schwally، Die Sammlung des Qorans، ll، 50 Sqq"
أما المستشرق بلاشير فلا يكتم استغرابه الشديد من ذكر ابن أبي داود اسم أبي بن كعب في إحدى اللجان مع أن المفروض أنه كان قد توفي قبل سنتين على الأقل. وهذا وهم تاريخي من بلاشير، لأنه يظن أن هذه اللجنة الناسخة للمصاحف إنما تألفت في حدود سنة 30هـ"انظر: Blachere، Intr، au Coran 53 في حين أن ابن حجر يقول: "وكان ذلك -أي: استنساخ المصاحف- في سنة خمس وعشرين. قال: وغفل بعض من أدركناه فزعم أنه كان في حدود سنة ثلاثين، ولم يذكر له مستندًا"الإتقان 1/ 102.
3 وهنا يذهب الخيال الخصيب ببلاشير كل مذهب، فيسرف في وصف الرهط القرشيين الثلاثة "بالأرستقراطية"،كما وصف بها عثمان من قبل- وما ندري أي أرستقراطية يعني في ذلك المجتمع الإسلامي الوليد الذي لا تزال تعاليم الدين فيه غضة! -ويشير بعد ذلك إلى صلات=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
ثقات الصحابة وأفاضلهم1.
ثالثا- إن اللجنة الرباعية باتخاذها صحف حفصة أساسا لنسخ المصاحف إنما استندت إلى أصل أبي بكر.
رابعًا- إن القرآن نزل بلغة قريش، فهي اللغة المفضلة لكتابة النص القرآني عند حدوث الخلاف بين القرشيين الثلاثة وزيد. وسنرى أن هذا لا ينافي كتابة القرآن بطريقة تجمع الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، لأن تلك الكتابة كانت غير معجمة ولا مشكولة، ولأن وجوه القراءات كانت توزع على المصاحف حين لا يحتملها الرسم الواحد.
خامسًا- إن عثمان أرسل إلى الآفاق الإسلامية بمصحف مما نسخه هؤلاء الأربعة، ورأى -حسما للنزاع- أن يحرق ما عدا ذلك من الصحف والمصاحف الخاصة.
ويبدو أن حذيفة بن اليمان لم يكن وحده فزعا من اختلاف المسلمين في القراءة، فقد كثر الخلاف وساور القلق أنفس الصحابة الكرام، وبلغ ذلك عثمان ففزع بدوره ورأى أن يتدارك الأمر قبل استفحاله. وقد أشار إلى ذلك ابن جرير الطبري في "تفسيره" في الخبر الذي أخرجه من طريق أيوب عن--------------------------------------------
= المصاهرة بين هؤلاء الرهط وبين عثمان، فجمعت بينهم -بزعمه- المصالح المشتركة، فما كان أحد منهم يتصور أن يتم جمع القرآن واستنساخ المصحف في غير مكة مدينتهم الغالية. ولكي يتم بلاشير نسج هذه القصة الخيالية يجعل ثالثة الأثافي موافقة زيد للمكيين الثلاثة وتملقه لهم، لعلمه أن زيدا كان مدنيا أبعد ما يكون عن النزعة الأرستقراطية "انظر: Blachere Intr، au Coran، 58"
وهذا الكلام يكاد -لتهافته وتناقضه- يكذب آخره أوله. فحسبنا هذا التكلف في إشراك زيد المدني في خطة المكيين الثلاثة دليلا على فساد هذا الاستنتاج الذي لا يستند إلى عقل ولا نقل.
1 وقد اعترف كثير من المستشرقين بورع أعضاء اللجنة واحتياطهم في نسخ المصاحف. ونذكر على سبيل المثال قول بلاشير: "لا يسع أحدًا الشك في عمق شعور، أعضاء اللجنة بمسئوليتهم. ولئن فاتهم منهج البحث الذي لم يكن متيسرا لأحد في عصرهم، فلم يفتهم الاحتياط والورع".
"Blachere، Inter، au Cor.، 61"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
أبي قلابة أنه قال: "لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال: "أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافا وأشد لحنا. اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماما"1.
وساعد على هذا الاختلاف أن مصاحف أخرى مشهورة قد عرفت إلى جانب صحف حفصة في الزمن الممتد من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى جمع عثمان الناس على مصحف واحد. وأشهر تلك الصحف اثنان منسوبان إلى اللذين قاما بجمعهما:
وهما مصحف ابن كعب ومصحف عبد الله بن مسعود2.
ولعل بعض المصاحف الأخرى التي لم تعرف ولم تشتهر كانت كذلك موجودة، كما يذكر ابن النديم في "الفهرست" وابن أبي داود في "المصاحف" وابن أشتة في "المصاحف" وإن كنا لا نميل إلى المبالغة في--------------------------------------------
1 تفسير الطبري 1/ 21 وتجد مثل هذا النص في الإتقان 1/ 102-103 نقلا عن ابن أشتة في كتاب المصاحف من طريق أيوب عن أبي قلابة أيضًا. وفي الرواية بعد ذلك: "فاجتمعوا فكتبوا، فكانوا إذا اختلفوا وتدارءوا في أي آية قالوا: هذه أقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلانًا، فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة، فيقال له: كيف أقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلم آية كذا وكذا؟ فيقول:كذا وكذا، فيكتبونها، وقد تركوا لذلك مكان". ويقرب من هذا ما في كتاب المصاحف لابن أبي داود ص21 والمقنع لأبي عمرو الداني ص8.
2 وصاحبا هذين المصحفين من أجل الصحابة وأعلمهم بكتاب الله، أما أبي فبلغ من فضله وثقة الناس بعلمه أن كان الناس يكتبون عنه وهو يملي عليهم حين جمع القرآن في المصحف على عهد أبي بكر رضي الله عنه "انظر كتاب المصاحف لابن أبي داود ص9".وأما عبد الله بن مسعود فهو أحد الأربعة الذين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنهم في حديثه المشهور: "خذوا القرآن عن أربعة: عبد الله -يعني ابن مسعود- وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب". انظر البخاري 6/ 186.
ويلي هذين المصحفين في الشهرة مصحف أبي موسى الأشعري ثم مصحف المقداد بن عمرو، "انظر طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص114-116".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
عددها، لأننا لا نملك مستندا صحيحا يؤكد وجودها في زمن ما1.
وجدير بالذكر أن هذه المصاحف لم تصل إلينا، وإنما وردتنا نصوص عن ترتيب السور فيها وبعض أوجه قراءاتها، وما تبرح في كثير من جوانبها بحاجة إلى الفحص والتدقيق2.ولكن قرار عثمان بإحراقها3 كان حكيما بلا ريب لأن بقاءها كان لا بد أن يزيد في أسباب الشقاق، ولا سيما وقد بعد عهد الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد وقع عمل عثمان من قلوب الناس موقع القبول والاستحسان4 إلا عبد الله بن مسعود الذي كان له -كما رأينا- مصحف خاص به، فإنه عارض في ذلك في بادئ الأمر، وأبى أن يحرق مصحفه5 ثم ألهمه الله أن يرجع--------------------------------------------
1 من ذلك ما ينسبه ابن أبي داود في "كتاب المصاحف ص50 وما بعدها" إلى عمر بن الخطاب من القيام بجمع مصحف خاص به. ويحلو للمستشرق شفالي أن يذكر ذلك في دراسته القرآنية:
انظر "Schwally، Die Sammlung des Qorans، ll، 27"
ولكن المستشرق بلاشير كان أبعد نظرا وأوسع أفقا حين أدرك أن روايات ابن أبي داود في هذا الصدد لا تؤكد نسبة مصحف خاص إلى عمر، وإنما تشير إلى بعض أوجه القراءات الخاصة التي آثر عمر أن يقرأ القرآن عليها. انظر:
"Blachere. Introducion au coran، 35".
وراجع في الصحفة نفسها الحاشية 37 "not 37".
2 وهنا لا يرى بلاشير بدا من الاعتراف بضرورة الاستناد إلى النصوص الصحيحة إذا أردنا أن نعرف شيئا عن تلك المصاحف.
انظر: Balchere، Intr.، cor، p.37
3 نطق حديث البخاري -كما رأينا- بإحراقها. ولكن ابن أبي داود يأبى إلا أن يذكر عددا من الروايات المتضاربة في هذا الموضوع، فيتردد بني إحراق الصحف وتمزيقها وقذفها في الماء "انظر كتاب المصاحف ص13، 16، 20".
ونحن بلا ريب إنما نأخذ برواية البخاري الصحيحة، فا داعي للتردد، فلقد أحرقت تلك المصاحف، وكفى الله المؤمنين شر بقائها.
4 كتاب المصاحف لابن أبي داود ص12.
5 ويضعون في فيه رضي الله عنه عبارات يعرض فيها يزيد بن ثابت الذي كان في صلب أبيه حين اعتنق ابن مسعود الإسلام "ابن أبي داود ص17" أو كان يلعب مع الصبية حين كان ابن مسعود يحفظ بضعا وسبعين سورة أخذها كلها من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم "انظر طبقات ابن سعد ج2 القسم الثاني ص105 وكتاب المصاحف لابن أبي داود ص15".
ولكننا نستبعد صدور هذه الأقوال عن ابن مسعود، وإن صدرت فهي لا تدل إلا على الانفعال الذي اعتراه حين نحي عن لجنة جمع القرآن ونسخه، ومع ذلك فإن أبي داود نفسه هو الذي ذكر عنه رجوعه إلى رأي عثمان "كتاب المصاحف ص12" فلماذ يتعلق بلاشير بالرواية الأولى ويتجاهل الآخيرة؟ انظر "Blachere; Intr. cor.، 37"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
إلى رأي عثمان الذي كان في الحقيقة رأي الأمة كلها1 وهي حينئذ تنشد وحدة الكلمة والقضاء على أسباب النزاع.
وقد شرعت اللجنة الرباعية في تنفيذ قرار عثمان سنة خمسة وعشرين2، وإنما أمرهم عثمان أن ينسخوا من صحف حفصة مع أنهم كانوا جماعا لكتاب الله في صدورهم، لتكون مصاحفه مستندة إلى أصل أبي بكر المستند بدوره إلى أصل النبي صلى الله عليه وسلم المكتوب بين يديه بأمره وتوقيف منه، فسدت بذلك كل ذريعة للتقول والتشكيك. قال أبو عبد الله المحاسبي: " … تلك المصاحف التي كتب منها القرآن كانت عند الصديق لتكون إمامًا ولم تفارق الصديق في حياته ولا عمر أيامه، ثم كانت عند حفصة لا تمكن منها، ولما احتيج إلى جمع الناس على قراءة واحدة وقع الاختيار عليها في أيام عثمان، فأخذ ذلك الإمام ونسخ في المصاحف … "3.
ولما أعيدت صحف حفصة إليها ظلت عندها حتى توفيت، وقد حاول مروان بن الحكم "ت65" أن يأخذها منها ليحرقها فأبت، حتى إذا توفيت أخذ مروان الصحف وأحرقها، وقال مدافعا عن وجهة نظره: "إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف الإمام، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب"4.
وقد اختلف في عدة المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق، فقال أبو--------------------------------------------
1 كتاب المصاحف لابن أبي داود ص12.
2 الإتقان 1/ 102 وعلى هذا الأساس لا مسوغ لما يتوهمه بلاشير من أن اشتراك سعيد بن العاص في اللجنة كان "فخريا" لا عمليا، لأنه كان واليا على الكوفة في حدود سنة 30، وهي السنة التي يظن بلاشير أن اللجنة بدأت فيها تنفيذ قرار عثمان، وقد أشرنا إلى خطأ هذا الظن. وأخذنا بترجيح ابن حجر. راجع ص79 الحاشية 1 "وانظر Blachere، Intr.cor، 56"
3 البرهان 1/ 239.
4 كتاب المصاحف لابن أبي داود ص24.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
عمرو الداني1 في المقنع: "أكثر العلماء على أن عثمان لما كتب المصاحف جعلها على أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية واحدًا: الكوفة والبصرة والشام، وترك واحدًا عنده. وقد قيل: إنه جعله سبع نسخ. وزاد: إلى مكة وإلى اليمن وإلى البحرين. قال: والأول أصح، وعليه الأئمة"2. أما السيوطي فيرى "أن المشهور أنها خمسة"3. وإذا أضفنا إليها المصحف الإمام الذي حبسه لنفسه بالمدينة أصبحت ستة، وكما رددنا الخمسة إلى ستة بإضافة المصحف الإمام نستطيع أن نرد السبعة إلى ستة إذا لم نجعل في عدادها ذلك المصحف المذكور. لذلك نميل إلى الرأي القائل: إن اللجنة استنسخت سبعة مصاحف، فأرسل عثمان بستة منها إلى الآفاق، واحتفظ لنفسه بواحد منها، ويزيدنا ميلا إلى هذا الرأي ما علمناه من تمكن بعض الأفراد من الحصول على نسخ لأنفسهم أخذوها من مصحف عثمان، كما فعل عبد الله بن الزبير وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة رضي الله عن الجميع4. ويخيل إلينا أنه ليس من المنطق أن يأذن الخليفة عثمان لبعض الأفراد -مهما يبلغ نفوذهم- بالحصول على نسخ من مصاحفه الرسمية، ثم يضن على الأمصار الإسلامية بنسخ من هذه المصاحف توحد كلمتهم وتقضي على أسباب النزاع بينهم، ولا سيما بعد أن اتضح لنا أن اختلاف المسلمين في قراءة القرآن كان الباعث الأساسي على تفكير عثمان بنسخ كتاب الله في المصاحف.
وأيا ما تكن عدة تلك المصاحف على وجه اليقين، فإنها جميعا تماثلت في اشتمالها على القرآن كله: مائة وأربع عشرة سورة خالية من النقط والشكل،--------------------------------------------
1 هو عثمان بن سعيد، أبو عمر الداني، أحد كبار الأئمة في القراءات، أشهر كتبه "التيسير في القراءات السبع"؛ و"المقنع في رسم القرآن" و"المحكم في نقط المصاحف" توفي سنة 444هـ، "انظر إنباه الرواة 2/ 342-341".
2 قارن البرهان 1/ 240 بالمقنع ص10.
3 الإتقان 1/ 104.
4 كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 81، 83، 85، 86. وانظر Anthur Jeffery Materials for the History of the Qur'an.212، 231، 235، 262.
والكتاب المذكور هو مدخل الناشر إلى كتاب المصاحف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
ومن أسماء السور والفواصل، اقتداء بأبي بكر، فإن صحفه كانت مجردة من كل ذلك. وفوق هذا، جردت المصاحف العثمانية مما ليس بقرآن من الشروح والتفاسير، فمن الصحابة من كان يكتب في مصحفه ما سمع تفسيره وإيضاحه من النبي صلى الله عليه وسلم، مثال ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} فقد قرأ ابن مسعود وأثبت في مصحفه "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج": ولا ريب أن تلك الزيادة الأخيرة للتفسير والإيضاح، لأنها مخالفة لسواد المصاحف التي أجمعت عليها الأمة، وقد أوضح ذلك ابن الجزري فقال: "وربما يدخلون التفسير في القراءات إيضاحا وبيانا، لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قرآنا. فهم آمنون من الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه"1 أي: مع القرآن في المصحف الذي يكتبه لنفسه، كمصحف عائشة.
لقد جردت إذن مصاحف عثمان من جميع هذه الزيادات التي لم تتوافر قرآنيتها وإنما كانت من قبيل التفسير أو تفصيل المجمل وإثبات المحذوف، وأهملت منها جميع الروايات الآحادية، وأضحت سورها وآياتها مرتبة على النحو الذي نجده في مصاحفنا اليوم، وخلو المصاحف العثمانية من النقط والشكل جعل رسم بعض الألفاظ القرآنية صالحا لأن يقرأ بأكثر من وجه، كقوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} فقد قرئ كذلك "فتثبتوا"، وكقوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} فقد قرئ أيضًا: "فتلقى آدم من ربه كلماتٌ"، وإنما صلح الرسم للوجهين في الآيتين المذكورتين لورود دليل قاطع على صحة القراءة بهما، لأن رسول الله قرأ بهما أو لأن أحدًا من الصحابة قرأ بهما بحضوره فأقره ولم يعترض عليه. وورود مثل هذا الدليل على تواتر قراءة ما هو الذي يعين صلاحية الرسم لوجه دون آخر. فإن وجد دليل آحادي لم يبلغ درجة التواتر على قراءة ما لم يؤخذ به، واعتبر--------------------------------------------
1 الإتقان 1/ 134.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
شاذًا1 لمخالفته أخبار الثقات، ولو صح الرسم للقراءة به، كقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ، ففي القراءات الآحادية الشاذة: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ". وغني عن البيان بعد هذا أن كل لفظ قرآني لم يتواتر في قراءته أكثر من وجه كان يكتب برسم واحد فقط، وأن كل ما صح فيه تواتر أكثر من وجه وتعذر رسمه في الخط محتملا لجميع الوجوه، كان لا بد أن يلجئ الناسخين إلى كتابته في بعض المصاحف بوجه، وفي بعضها الآخر بوجه ثانٍ، كقوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} فقد تواتر فيه وجه آخر صحيح "وأوصى" بالهمز لا بالتضعيف، ولذلك كتب في بعض المصاحف العثمانية بالتضعيف وفي بعضها الآخر بالهمز2. على أن هذا النوع الأخير قليل جدا، وقد ذكر محصورا في آيات معدودة في أكثر الكتب المؤلفة حول "المصاحف".
ولكي يزيد عثمان من إقبال الناس على تلقي القرآن من صدور الرجال واعتمادهم على الحفظ وعدم اتكالهم على النسخ والكتابة، راح يرسل في الأكثر الأغلب مع المصحف الخاص بكل إقليم حافظًا يوافق قراءته، فكان زيد بن ثابت مقرئ المصحف المدني، وعبد الله بن السائب مقرئ المكي، والمغيرة بن شهاب مقرئ الشامي، وأبو عبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفي، وعامر بن عبد القيس مقرئ البصري3.
أما إحراق عثمان للمصاحف الفردية فلم يقدم عليه إلا بعد مشورة وتأييد من الصحابة الكرام، فهذا سويد بن غفلة يقول: "قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا"4.--------------------------------------------
1 الإتقان 1/ 133.
2 يقول السيوطي في "الإتقان 2/ 289" في هذا الصدد، أما القراءات المختلفة المشهورة بزيادة لا يحتملها الرسم ونحوها، نحو أوصى ووصى، وتجري تحتها ومن تحتها، وسيقولون الله ولله، وما عملت أيديهم وما عملته، فكتابته على نحو قراءته. وكل ذلك وجد في مصاحف الإمام".
3 مناهل العرفان للزرقاني 1/ 396-397.
4 الإتقان 1/ 103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
وقال علي أيضا: "لو وليت ما ولي عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل"1.
وإن الباحث ليساءل: أين أصبحت المصاحف العثمانية الآن؟ ولن يظفر بجواب شاف على هذا السؤال، فإن الزركشة والنقوش الفاصلة بين السور أو المبينة لأعشار القرآن تنفي أن تكون المصاحف الأثرية في دار الكتب بالقاهرة عثمانية، لأن المصاحف العثمانية كانت مجردة من كل هذا. على أن بعض المستشرقين جمعوا الكثير من الروايات التاريخية التي تؤكد رؤية بعض العلماء القدامى للمصاحف أو لسور منها في أمصار إسلامية معينة، وفي طليعة هؤلاء المستشرقين الأستاذ كواترمير Quatremere كما أشار إلى ذلك كل من برجشتراسر وبرتزل في دراستهما لتاريخ النص القرآني2. ثم إن المستشرق كازانوفا اعتمد على دراسة سلفه كواترمير فأعاد النظر فيها واستدرك عليها الكثير، ومنه علمنا أن أحد المصاحف العثمانية كان في مستهل القرن الرابع الهجري معروفا في بعض الأوساط العلمية3، وأن الرحالة المشهور ابن بطوطة رأى بنفسه بعض تلك المصاحف التي يظن أنها عثمانية. أو بعض صحائف منها فقط، في غرناطة ومراكش والبصرة وبعض المدن الأخرى.--------------------------------------------
1 البرهان 1/ 240، وشبيه بهذا ما في كتاب المصاحف لابن أبي داود ص12. ولكن، بلاشير يرى أن علي بن أبي طالب لم يقف هذا الموقف المؤيد من إحراق عثمان للمصاحف الفردية، بل كان تأييده له في إعدامه لما جمع من القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مفرقا في الرقاع والأكتاف والأقتاب والعسب. إذ كفى الأمة شر الاختلاف بإزالة تلك الآثار المتفرقة التي يخشى أن تزيد مع الأيام أسباب الشقاق "Blachere،Intr، 63" وغاية بلاشير من ذلك واضحة، وهي التشكيك بموقف علي كرم الله وجهه من صنيع عثمان، وهو بذلك يحمل النصوص ما لا يسعها أن تحمل؛ لأنها تضافرت حتى عند شيعة علي وأنصاره المتحمسين على تلقي عمل عثمان بالرضى والقبول. انظر مقال
Mirza Alexandre Kazem. Jurnal Asiatique، Decembre 1843.
وقارن بكتاب الدكتور محمد عبد الله دراز بالفرنسية عن القرآن:
M. A. Draz، Initiation au Koran، p. 24.
2 انظر Bergestrasser et pretzel. Geschichte des Qoran texts، 7 sqq.
3 انظر Casanova، Mohammed et al fia du monde، p. 125.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)