السنة مالا يحصيه إلا الله ثم انقضى ذلك العصر وأهله وقام بعدهم ذريتهم يدعون إلى كتاب الله وسنة رسوله على بصيرة إلى أن جاء ما لا قبل لأحد به وهم جنود إبليس حقا المعارضون لما جاءت به الرسل بعقولهم وآرائهم من القرامطة والباطنية والملاحدة ودعوتهم إلى العقل المجرد وأن أمور الرسل تعارض المعقول فهم القائمون بهذه الطريقة حق القيام بالقول والفعل فجرى على الإسلام وأهله منهم ما جرى وكسروا عسكر الخليفة مرارا عديدة وقتلوا الحاج قتلا ذريعا وانتهوا إلى مكة فقتلوا بها من وصل من الحاج إليها وقلعوا الحجر الأسود من مكانه وقويت شوكتهم واستفحل أمرهم وعظمت بهم الرزية واشتدت بهم البلية وأصل طريقهم أن الذي أخبرت به الرسل قد عارضه العقل وإذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل قالوا فنحن أنصار العقل الداعون إليه المخاصمون به المحاكمون إليه وفي زمانهم استولى الكفار على كثير من بلاد الإسلام في الشرق والغرب وكاد الإسلام أن ينهد ركنه لولا دفاع الذي ضمن حفظه إلى أن يرث الأرض ومن عليها ثم خمدت دعوة هؤلاء في
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٧٤)
المشرق وظهرت من المغرب قليلا قليلا حتى استفحلت وتمكنت واستولى أهلها على كثير من بلاد المغرب ثم أخذوا يطوون البلاد حتى وصلوا إلى بلاد مصر فملكوها وبنوا بها القاهرة وأقاموا على هذه الدعوة مصرحين بها غير متحاشين منها هم وولاتهم وقضاتهم وأتباعهم وفي زمانهم صنفت رسائل إخوان الصفا والإشارات والشفا وكتب ابن سينا فإنه قال كان أبي من أهل الدعوة الحاكمية وعطلت في زمانهم السنة وكتبها والآثار جملة إلا في الخفية بحيث يكون قارؤها وذاكرها وكاتبها على أعظم خطر وشعار هذه الدعوة تقديم العقل على الوحي واستولوا على بلاد المغرب ومصر والشام والحجاز واستولوا على العراق سنة وأهل السنة فيهم كأهل الذمة بين المسلمين بل كان لأهل الذمة من الأمان والجاه والعز عندهم مالا يصل إليه أحد من أهل السنة ولا يطمع فيه فكم أغمدت سيوفهم في أعناق العلماء وكم مات في
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٧٥)
سجونهم من ورثة الأنبياء وكم ماتت بهم سنة وقامت بهم بدعة وضلالة حتى استنقذ الله الأمة والملة من أيديهم في أيام نور الدين وابن أخيه صلاح الدين فأبل الإسلام من علته بعدما وطن المسلمون أنفسهم على العراء وانتعش بعد طول الخمول حتى استبشر أهل الأرض والسماء وأبدر هلاله بعد أن دخل في المحاق وثابت إليه روحه بعدما بلغت التراقي وقيل من راق واستنقذ الله سبحانه بعبده وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب وأخذ كل من أنصار الله ورسوله من نصرة دينه بنصيب وعلت كلمة الإسلام والسنة وأذن بها على رؤوس
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٧٦)
الأشهاد ونادى المنادي يا أنصار الله لا تنكلوا عن الجهاد فإنه أبلغ الزاد ليوم المعاد فعاش الناس في ذلك النور مدة حتى استولت الظلمة على بلاد الشرق وطغى نور النبوة والوحي وقدموا العقول والآراء والسياسة والأذواق والرأي على الوحي فظهرت فيهم الفلسفة والمنطق وتوابعها فبعث الله عليهم عبادا له أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وعاثوا في القرى والأمصار وكاد الإسلام أن يذهب اسمه وينمحي رسمه وكان مشار هذه الفرقة وعالمها الذي يرجعون إليه زعيمها الذي يعولون عليه شيخ شيوخ المعارضين بين الوحي والعقل وإمامهم في وقته نصير الكفر والشرك الطوسي فلم يعلم في عصره أحد عارض بين العقل والنقل معارضته فرام إبطال السمع بالكلية وإقامة الدعوة الفلسفية وجعل الإشارات بدلا عن السور والآيات وقال هذه عقليات قطعية برهانية قد عارضت تلك النقليات الخطابية واستعرض علماء الإسلام وأهل القرآن والسنة على السيف فلم يبق منهم إلا من أعجزه قصدا لإبطال الدعوة الإسلامية وجعل مدارس المسلمين وأوقافهم للنجسة السحرة والمنجمين والفلاسفة
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٧٧)
والملاحدة والمنطقيين ورام إبطال الآذان وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي فحال بينه وبين ذلك من تكفل بحفظ الإسلام ونصره وهذا كله من ثمرة المعارضين بين الوحي والعقل وتقديم العقل على السمع ولتكن قصة شيخ هؤلاء القديم منك على ذكر كل وقت فإنه أول من عارض بين العقل والنقل وقدم العقل فكان من أمره ما قص الله عليك وورث هذا الشيخ تلامذته هذه المعارضة فلم يزل يجري على الأنبياء وأتباعهم منها كل محنة وبلية وأصل كل بلية في العالم كما قال محمد الشهرستاني من معارضة النص بالرأي وتقديم الهوى على الشرع والناس إلى اليوم في شرور هذه المعارضة وشؤم عاقبتها فإلى الله المشتكى وبه المستعان ثم إنه خرج مع هذا الشيخ المتأخر المعارض بين العقل والنقل أشياء لم تكن تعرف قبله جست العميدي وحقائق ابن
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٧٨)
عربي وتشكيكات الرازي وقام سوق الفلسفة والمنطق وعلوم أعداءالرسل التي فرحوا بها لما جاءتهم رسلهم بالبينات وصارت الدولة والدعوة لأرباب هذه العلوم ثم نظر الله إلى عباده وانتصر لكتابه ودينه وأقام جندا تغزوا ملوك هؤلاء بالسيف والسنان وجندا تغزوا علماءهم بالحجة والبرهان ثم نابغة طائفة منهم في رأس القرن الثامن فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية قدس الله روحه فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب واللسان وكشف للناس باطلهم وبين تلبيسهم وتدليسهم وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول وشفى واشتفى وبين مناقضتهم ومفارقتهم لحكم العقل الذي به يدلون وإليه يدعون وإنهم أترك الناس لأحكامه وقضاياه فلا وحي
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٧٩)
ولا عقل فأرداهم في حفرهم ورشقهم بسهامهم وبين أن صحيح معقولاتهم خدم لنصوص الأنبياء شاهدة لها بالصحة وتفصيل هذه الجملة موجودة في كتبه فمن نصح نفسه ورغب عن قوله: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف23] يتبين له حقيقة الأمر {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور40] والمقصود أن كل بلية طرقت العالم عامة أو خاصة فأصلها من معارضة الوحي بالعقل وتقديم الهوى على الأمر والمعصوم من عصمه الله.
الوجه التاسع والثمانون: إنه قد ثبت بالعقل الصريح والنقل الصحيح ثبوت صفات الكمال للرب سبحانه وأنه أحق بالكمال من كل ما سواه وأنه يجب أن تكون القوة كلها له والعزة كلها له والعلم كله له والقدرة كلها له والجمال كله له وكذلك سائر صفات الكمال وقام البرهان السمعي والعقلي على أنه يمتنع أن يشترك في الكمال التام اثنان وأن الكمال التام لا يكون إلا لواحد وهاتان مقدمتان يقينتان معلومتان بصريح العقل وجاءت نصوص الأنبياء مفصلة لما في صريح
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٨٠)
العقل إدراكه قطعا فاتفق على ذلك العقل والنقل قال تعالى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} [البقرة165] وقد اختلف في تعلق قوله {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} بماذا فقالت طائفة هو مفعول يرى أي ولو يرون أن القوة لله جميعا لما عصوه ولما كذبوا رسله وقدموا عقولهم على وحيه وقالت طائفة بل المعنى لأن القوة لله جميعا وجواب لو محذوف على التقديرين أي لو يرى هؤلاء حالهم وما أعد الله لهم إذ يرون العذاب لرأوا أمرا عظيما ثم قال {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} وهو متضمن للتهديد الشديد والوعيد وقال تعالى: {بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً} [الرعد31] وقال {إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران154] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: "لبيك وسعديك والخير كله بيديك" وفي الأثر الآخر "اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٨١)
وإليك يرجع الأمر كله" فلله سبحانه كل صفة كمال وهو موصوف بتلك الصفات كلها ونذكر من ذلك صفة واحدة تعتبر بها سائر الصفات وهو أنك لو فرضت جمال الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم اجتمع لشخص واحد منهم ثم كان الخلق كلهم على جمال ذلك الشخص لكان نسبته إلى جمال الرب تبارك وتعالى دون نسبة سراج ضعيف إلى جرم الشمس وكذلك قوته سبحانه وعلمه وسمعه وبصره وكلامه وقدرته ورحمته وحكمته وجوده وسائر صفاته وهذا مما دلت عليه آياته الكونية السمعية وأخبرت به رسله عنه كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" فإذا كانت سبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيء من خلقه ولو كشف حجاب النور عن تلك السبحات
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٨٢)
لاحترق العالم العلوي والسفلي فما الظن بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله وإذا كانت السموات مع عظمتها وسعتها يجعلها على أصبع من أصابعه والأرض على أصبع والجبال على أصبع والبحار على أصبع فما الظن باليد الكريمة التي هي صفة من صفات ذاته وإذا كان يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات في أقطار الأرض والسموات فلا يشتبه عليه ولا يختلط ولا يلتبس ولا يغلطه سمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء تحت أطابق الأرض في الليلة الظلماء ويعلم ما تسره القلوب وأخفى منه وهو مالم يخطر لها أنه سبحانه سيخطر لها ولو كان البحر المحيط بالعالم مدادا ويحيط به من بعده سبعة أبحر كلها مداد وجميع أشجار الأرض وهو كل نبت قام على ساق مما يحصد ومما لا يحصد أقلام يكتب بها نفدت البحار والأقلام ولم ينفد كلامه وهذا وغيره بعض ما تعرف به إلى عباده من كلامه وإلا فلا يمكن أحدا قط أن يحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه فكل الثناء وكل الحمد وكل المجد وكل الكمال له سبحانه هذا الذي وصلت إليه عقول أهل الإثبات وتلقوه عن الرسول ولا يحتاجون في ثبوت علمهم وجزمهم بذلك إلى الجواب عن الشبه القادحة في ذلك وإذا وردت عليهم لم تقدح
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٨٣)
فيما علموه وعوفوه ضرورة من كون ربهم تبارك وتعالى كذلك وفوق ذلك فلو قال لهم قائل هذا الذي علمتموه لا يثبت إلا بجواب عما عارضه من العقليات قالوا لقائل هذه المقالة هذا كذب وبهت فإن الأمور الحسية والعقلية واليقينية قد وقع فيها شبهات كثيرة تعارض ما علم بالحس والعقل فلو توقف علمنا بذلك على الجواب عنها وحلها لم يثبت لها ولا لأحد علم بشيء من الأشياء ولا نهاية لما تقذف به النفوس من الشبه وهي من جنس الوساوس والخطرات والخيالات التي لا تزال تحدث في النفوس شيئا فشيئا بل إذا جزمنا بثبوت الشيء جزمنا ببطلان ما يناقض ثبوته ولم يكن ما يقدر من الشبه الخيالية على نقيضه مانعا من جزمنا به ولو كانت الشبه ما كانت فما من موجود يدركه الحس إلا ويمكن كثيرا من الناس أن يقيم على عدمه شبها كثيرة يعجز السامع عن حلها ولو شئنا لذكرنا لك طرفا منها تعلم أنه أقوى من شبه الجهمية النفاة لعلو الرب على خلقه وكلامه وصفاته وقد رأيت أو سمعت ما أقامه كثير من المتكلمين من الشبه على أن الإنسان تبدل نفسه الناطقة في الساعة الواحدة أكثر من ألف وكل لحظة تذهب روحه وتفارق وتحدث له روح أخرى غيرها وهكذا أبدا وما أقاموه من الشبه على أن السموات والأرض والجبال والبحار تتبدل كل لحظة ويخلفها غيرها وما أقاموه من الشبه على أن روح
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٨٤)
الإنسان ليست فيه ولا خارجة عنه وزعموا أن هذا أصح المذاهب في الروح وما أقاموه من الشبه على أن الإنسان إذا انتقل من مكان إلى مكان لم يمر على تلك الأجزاء التي بين مبدأحركته ونهايتها ولا قطعها ولا حاذاها وهي مسألة طفرة النظام وأضعاف أضعاف ذلك وهؤلاء طائفة الملاحدة من الاتحادية كلهم يقول إن ذات الخالق هي عين ذات المخلوق لا فرق بينهما البتة وأن الاثنين واحد وإنما الحس والوهم يغلط في التعدد ويقيمون على ذلك شبها كثيرة وقد نظمها ابن الفارض في قصيدته
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٨٥)
وذكرها صاحب الفتوحات في فصوصه وغيرهما وهذه الشبهة كلها من واد واحد ومشكاة واحدة وخزانة واحدة وهي مشكاة الوساوس وخزانة الخيال فلو لم يجزم بما علمناه إلا بعد التعرض لتلك الشبهة على التفصيل وحلها والجواب عنها لم يثبت لنا علم بشيء أبدا فالعاقل إذا علم أن هذا الخبر صادق علم أن كل ما عارضه فهو كذب ولم يحتج أن يعرف أعيان الأخبار المعارضة له ولا وجوهها وبالله المستعان.
الوجه التسعون: إن هؤلاء المعارضين لنصوص الوحي بعقولهم ليس عندهم علم ولا هدى ولا كتاب مبين فمعارضتهم باطلة وهم فيها أتباع كل {شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} [الحج4 ، 3] فهذه حال كل من عارض آيات الله بمعقوله ليس عنده إلا الجهل والضلال ورتب سبحانه هذه الأمور الثلاثة أحسن ترتيب فبدأبالأعم وهو العلم وأخبر أنه لا علم عند المعارض لآياته بعقله ثم انتقل منه إلى
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٨٦)
ما هو أخص وهو الهدى ثم انتقل إلى ما هو أخص وهو الكتاب المبين فإن العلم أعم مما يدرك بالعقل والسمع والفطرة وأخص منه الهدى الذي لا يدرك إلا من جهة الرسل وأخص منه الكتاب الذي أنزله الله على رسوله فإن الهدى قد يكون كتابا وقد يكون سنة وهذه الثلاثة منتفية عن هؤلاء قطعا أما الكتاب والهدى المأخوذ عن الرسل فقد قالوا إنه لايفيد علما ولا يقينا والمعقول يعارضه فقد أقروا أنهم ليس معهم كتاب ولا سنة وبقي العلم فهم يدعونه والله تعالى قد نفاه عنهم وقد قام البرهان والدليل العقلي المستلزم لمدلوله على صدق الرب في خبره فعلم قطعا أن هذا الذي عارضوا به الوحي ليس بعلم إذ لو كان علما لبطل دليل العقل الدال على صدق الرب تعالى في خبره فهذا يكفي في العلم بفساد كون ما عارضوا به علما فكيف وقد قام الدليل العقلي الصحيح المقدمات على فساد تلك المعارضة وأنها تخص الجهل المركب فكيف وقد اتفق على فساد تلك المعارضة العقل والنقل ونحن نطالب هؤلاء المعارضين بواحدة من ثلاث إما كتاب منزل أو أثارة من علم يؤثر عن نبي من الأنبياء أو معقول صحيح المقدمات وقد اتفق العقلاء على صحة مقدماته.
وهم يعلمون والله شهيد عليهم بأنهم عاجزون عن
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٨٧)
هذا وهذا فترك ما علمناه من كتاب ربنا وسنة نبينا وما نزل به جبريل من رب العالمين على قلب رسوله الأمين بلسان عربي مبين لوحي الشياطين وشبه الملحدين وتأويلات المعطلين.
فإن قيل فما الفرق بين الصنف الأول الذي يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد والصنف الثاني الذي يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير كما ذكرهم سبحانه صنفين قيل قد ذكر سبحانه ثلاثة أصناف صنفا يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد مكتوبا عليه إضلال من تولاه وهذه حال المتبع لأهل الضلال وصنفا يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيله وهذه حال المتبوع المستكبر الصاد عن سبيل الله فالأول حال الأتباع والثاني حال المتبوعين ثم ذكر حال من يعبد الله على حرف وهذه حال المتبع لهواه الذي إن حصل له ما يهواه من الدنيا عبد الله وإن أصابه ما يمتحن به في دنياه ارتد عن دينه وهذه حال من كان مريضا في إرادته وقصدة وهي حال أهل الشهوات والأهواء ولهذا ذكر ذلك في العبادة فأصلها القصد والإرادة وأما الأولان
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٨٨)
فحال الضال والمضل وذلك مرض في العلم والمعرفة وهي حال أهل الشبهات والنظر الفاسد والجدال بالباطل والله سبحانه يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ولا صلاح للعبد إلا بمعرفة الحق وقصده كما قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة7 ، 6] فمن لم يعرف الحق كان ضالا ومن عرفه ولم يتبعه كان مغضوبا عليه ومن عرفه واتبعه فقد هدي إلى الصراط المستقيم وأول الشر الضلال ومنتهاه الغضب كما أن أول الخير الهدى ومنتهاه الرحمة والرضوان فذكر سبحانه في آيات الحج ما يعرض في العلم من الضلال والإضلال وما يعرض في الإرادة والعمل من اتباع الأهواء كما جمع بينهما في قوله: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم23] فقال أولا {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج3] .
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٨٩)
وهذا يتضمن الجدال فيه بغير هدى ولا كتاب منير فإن من جادل بغير ذلك فقد جادل بغير علم فنفي العلم يقتضي نفي كل ما يكون علما بأي طريقة حصل وذلك ينفي أن يكون مجادلا بهدى أو كتاب منير هذه حال الضال المتبع لمن يضله فلم يحتج إلى تفصيل فبين أنه يجادل بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب على ذلك الشيطان أن من اتبعه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير وهذه حال مقلدة أئمة الضلال من الكفار وأهل الأهواء والبدع.
ثم ذكر حال المتبوع الذي يثني عطفه تكبرا كما قال: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا} [لقمان7] وذكر التفصيل في مجادلة المتبوع الداعي وأنها في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير واكتفى في ذكر التابع بنفي العلم المستلزم لنفي هذه الثلاثة فإن مجادلة المتبوع أصل وهو أقعد بها من مجادلة التابع ومصدرها كبر ومصدر مجادلة التابع ضلال وتقليد فذكر حال المتبوع على
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٩٠)
التفصيل ولهذا ذكر فساد قصده وعلمه وذكر من عقوبته أشد مما ذكر من عقوبة التابع وهذا وأمثاله من أسرار القرآن التي حرمها الله على من عارض بينه وبين العقل وقدم العقل عليه.
الوجه الحادي والتسعون: إن العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له ومعلوم أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين لزم من وجود الملزوم وجود اللازم ومن نفي اللازم نفي الملزوم فكيف إذا كان التلازم من الجانبين فإن هذا التلازم يستلزم أربع نتائج إذ يلزم من ثبوت هذا الملزوم ثبوت لازمه ومن ثبوت لازمه المساوي ثبوته ومن نفي اللازم نفي ملزومه ومن نفي ملزومه المساوي نفيه وهذا شأن كل شيئين بينهما تلازم من الطرفين وبيان ذلك هاهنا أنه إذا كان العقل هو الأصل الذي به عرف صحة السمع كما تقدم وقد بينا أن العقل ليس أصلا للسمع في ثبوته في نفس الأمر بل هو أصل في ثبوت علمنا أي دليل لنا على صحته وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده وهو ملزوم للمدلول عليه فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٩١)
ولا يجب عكسه فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول فإن المخلوقات آيات ودلائل على الخالق سبحانه يلزم من ثبوتها ثبوته ولا يلزم من عدمها عدمه ولا من وجوده وجودها.
وكذلك الآيات الدالة على نبوة رسله هذا إذا لم يكن الدليل لازما للمدلول عليه فإن كان لازما أمكن أن يكون مدلولا له إذ المتلازمان يمكن أن يستدل لكل منهما على الاخر مثل الحكم الشرعي الذي لا يثبت إلا بدليل شرعي فإنه يلزم من عدم دليله عدمه وكذلك ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله إذا لم ينقل فإنه يلزم من عدم نقله عدمه وإذا كان من المعقول ما هو دليل على صحة الشرع لزم من ثبوت ذلك المعقول ثبوت الشرع ولم يلزم من ثبوت الشرع ثبوته في نفس الأمر.
لكن نحن إذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بصحة الشرع إلا ذلك العقل لزم من علمنا بالشرع علمنا بدليله العقلي الدال عليه ولزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا به فإن العلم بالدليل يستلزم العلم بالمدلول عليه فإذا كان صحة الشرع لا تعلم إلا بدليل عقلي فإنه يلزم من علمنا بصحة الشرع علمنا بالدليل العقلي الدال عليه ويلزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا بصحة الشرع ويلزم أيضا من ثبوت ذلك الدليل المعقول في نفس الأمر ثبوت الشرع ولا يلزم من ثبوت الشرع ثبوت ذلك الدليل وإذا كان العلم بصحة الشرع لازما للعلم بالمعقول الدال عليه
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٩٢)
وملزوما له فمن الممتنع تناقض اللازم والملزوم فضلا عن تعارض المتلازمين.
فإن المتعارضين هما المتنافيان اللذان يلزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر كالضدين والنقيضين.
والمتلازمين يلزم من ثبوت كل منهما ثبوت الآخر ومن انتفائه انتفاؤه فكيف يكون المتلازمان متعارضين متنافيين متناقضين أو متضادين فهؤلاء عمدوا إلى المتلازمين المتصادقين فأبطلوا أحدهما بالآخر ولزم من بطلانه بطلانهما جميعا كما تقدم بيانه وقد تبين أن الدليل العقلي الذي به يعلم صحة الشرع مستلزم للعلم بصحة الشرع ومستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر وعلمنا بالشرع يستلزم العلم بالدليل العقلي الذي قيل إنه أصل الشرع والعلم بصحة الشرع موقوف عليه وليس ثبوت الشرع في نفسه مستلزما لثبوت ذلك الدليل العقلي فعلم أن ثبوت الشرع في نفس الأمر أقوى من ثبوت دليله العقلي في نفس الأمر فإن ثبوت الشرع في علمنا أقوى من ثبوت دليله العقلي إن قيل إنه يمكن أن يعلم صحته بغير ذلك الدليل وإلا كان العلم بهذا والعلم بهذا متلازمين وإذا كان كذلك كان القدح في الشرع قدحا في دليله العقلي الدال على صحته بخلاف العكس وكان القدح في الشرع قدحا في هذا العقلي.
وليس القدح في الشرع قدحا في هذا العقلي وليس
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٩٣)