توطئة
الإيمان بالقدر جانب مهم من جوانب العقيدة الإسلامية؛ كيف لا وهو الركن السادس من أركان الإيمان، كما في حديث جبريل: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" 1.
وقد دلّ على وجوب الإيمان بالقدر نصوص قرآنية كثيرة، منها قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} "سورة القمر: الآية49".
وقال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} "سورة الحديد: الآية22".
والإيمان بالقدر يدخل ضمن توحيد الأسماء والصفات؛ إذ هو مبني على الإيمان بصفات الله كالعلم والقدرة والإرادة.
قال ابن القيم في الكافية الشافية 2: "وحقيقة القدر الذي حار الورى في شأنه هو قدرة الرحمن".
واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد
لما حكاه عن الرضا الرباني
وكذا يدخل ضمن الإيمان بربوبية الله على خلقه؛ إذ أن من آمن بأن الله هو الخالق المدبر المتصرف في شؤون خلقه كلها، فهو مؤمن بقضائه وقدره.--------------------------------------------
1 تقدم تخريجه ص461.
2 2 مع توضيح المقاصد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 515)
فالإيمان بالقدر وربوبية الله يدخلان ضمن توحيد الأسماء والصفات، وذلك أن الرب اسم من أسماء الله، والربوبية والقدرة والعلم والإرادة من صفات الله العليا.
ولفظ القدر قد يراد به التقدير، وقد يراد به المقدر. فإذا أردت أن أفعال العباد نفس تقدير الله الذي هو علمه وكلامه ومشيئته ونحو ذلك من صفاته فهذا غلط وباطل، وإن أردت أنها مقدَّرة لله تعالى فهذا حق؛ فإنها مقدرة كما أن سائر المخلوقات مقدرة 1.
وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعرشه على الماء" 2.
فالله سبق علمه بكل مخلوق وقدره، وكتب ذلك في إمام مبين، ثم شاء وخلق وقدر وجوده على وفق ما قدره، لا يخرج عن ذلك شيء، لا أفعال الإنسان ولا غيرها، سواء كانت هذه الأفعال خيرا أو شرا، طاعة أو معصية. كما لا يخرج عن ذلك ما يصيب الإنسان وما يقع في الكون من أحداث، فإذا آمن العبد بهذا كله علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 8/410.
2 أخرجه مسلم كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام 4/2044 ح2653 من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 516)
المبحث الأول: كراهية الخوض في القدر عند الإمام أبي حنيفة
تقدم ذكر النصوص الشرعية التي تدل على أن القدر أصل من أصول الإيمان، ولهذا تكلم السلف في بيان هذا الأصل ومراتبه وضرورة الإيمان به وآثار هذا الإيمان، ولهم في هذا كتب ورسائل، بل قلما تجد عالما إلا وينص على هذه المسألة في عقائدهم، بيانا للحق وردا للباطل في هذا الباب الذي عظم فيه الاضطراب، حتى يكون الناس على بصيرة من أمر دينهم. ومع هذا فقد وردت نصوص شرعية فيها الأمر بالإمساك عن القدر والنهي عن الخوض فيه، ونبّه العلماء عند ذكر هذا الأصل على ذلك، ومما ورد في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا" 1.--------------------------------------------
1 أخرجه الطبراني في الكبير 10/243-244 وأبو نعيم في الحلية 4/108 كلاهما من طريق أبي وائل عن ابن مسعود واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/126، 7/1250، وابن عدي في الكامل 7/2490، كلاهما من طريق أبي قلابة عن ابن مسعود وابن عدي في الكامل 6/2172 والسهمي في تاريخ جرجان ص357-358، كلاهما من طريق عطاء عن ابن عمر والطبراني في الكبير 2/96، من طريق الأشعث عن ثوبان، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/42-46 "حسن لغيره".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 517)
وقوله صلى الله عليه وسلم للصحابة لما تنازعوا في القدر: "عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه" 1.
وأخرج الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، فكأنما تفقّأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال لهم: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم" 2.
ومما يجب أن يعلم أن الإمساك عن القدر، وترك الخوض فيه، ليس بترك البحث فيه بإحقاق الحق وإبطال الباطل، فهذا من أهم مهام الدين، ومن العلم النافع. بل المراد من الإمساك الذي أمرنا به، والخوض الذي نهينا عنه التعمق في القدر، ومحاولة معرفته عن طريق العقل.
فالعقل قاصر محدود لا يمكن أن يكتشف الغيب، ويطلع على المجهول الذي استأثر الله بعلمه، وليس أمامه إلا التسليم والإيمان بما--------------------------------------------
1 أخرجه الترمذي كتاب القدر باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر 4/443 ح2133 من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة قال الترمذي: "وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" قال الألباني في تعليقه على المشكاة 1/36 "قلت لكن يشهد له الذي بعده" قلت: يشير إلى ما رواه أحمد في المسند 2/181 وابن ماجه 1/33، كلاهما من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال البوصيري عنه: "إسناده صحيح" إذن فالحديث بشواهده المتقدمة حسن.
2 أخرجه أحمد في المسند 2/178، وابن ماجه في المقدمة باب في القدر ح85، كلاهما من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
قال البوصيري في الزوائد:هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 518)
يطلعه الله عليه من أمور الغيب، عن طريق الرسل، ويمسك عن الخوض فيما استأثر الله بعلمه.
وكذا عن الخوض بالباطل.
الاعتراض على الله لم قدر كذا؟ ولم فعل كذا؟ ولم أمر بكذا؟ ولم ينهى عن كذا؟ وهذا مناف للعبودية القائمة على التسليم والاستسلام لله وحده 1.
قال الآجري: "باب ترك البحث والتنقير عن النظر في أمر القدر بكيف؟ ولم؟ بل الإيمان به والتسليم، ثم قال بعد ذلك: فهذا طريق أهل العلم: الإيمان بالقدر خيره وشره، واقع من الله عز وجل بمقدور، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} "سورة الأنبياء: الآية23" … 2.
وقال ابن بطة: "باب ما أمر الناس به من ترك البحث والتنقير عن القدر والخوض والجدال فيه"، ثم قال بعد ذلك: "فجميع ما قد رويناه في هذا الباب يلزم العقلاء الإيمان بالقدر، والرضا والتسليم لقضاء الله وقدره، وترك البحث والتنقير وإسقاط. لم، وكيف وليست، ولولا، فإن هذه كلها اعتراضات من العبد على ربه، ومن الجاهل على العالم، معارضة المخلوق الضعيف الذليل على الخالق القوي العزيز، والرضا والتسليم طريق الهدى، وسبيل أهل التقوى، ومذهب من شرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربه فهو يؤمن بالقدر كله خيره وشره، وأنه واقع بمقدور الله جرى، ومن يعلم أن الله يضل من يشاء لا يسأل عما يفعل وهم--------------------------------------------
1 انظر شرح العقيدة الطحاوية ص266 بتصرف.
2 كتاب الشريعة ص235.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 519)
يسألون … " 1.
وقال ابن عبد البر: "والقدر سر الله، لا يدرك بجدال ولا يشفي منه مقال، والحجاج فيه مرتجة لا يفتح شيء منها إلا بكسر شيء وغلقه، وقد تظاهرت الآثار، وتواترت الأخبار فيه عن السلف الأخيار الطيبين الأبرار بالاستسلام والانقياد والإقرار بأن علم الله سابق ولا يكون في ملكه إلا ما يريد {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} "سورة فصلت: الآية46"2.
وقال ابن أبي العز الحنفي: " وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة مسألة القدر وقد اتسع الكلام فيها غاية الاتساع وقوله: فمن سأل لم فعلت؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، اعلم أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع … ولهذا كان سلف هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما لا تسأل نبيها: لم أمر الله بكذا؟ ولم نهى عن كذا؟ ولم قدر كذا؟ ولم فعل كذا؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم"3.
وعلى هذا المنهج سار الصحابة والتابعون وتابعوهم في النهي عن الخوض في القدر، فقد سئل علي رضي الله عنه عن القدر فقال: "طريق مظلم فلا تسلكه، ثم قال السائل: أخبرني عن القدر فقال: بحر عميق فلا--------------------------------------------
1 الإبانة 2/411.
2 التمهيد 6/13، 14.
3 شرح العقيدة الطحاوية ص266، 267.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 520)
تلجه، قال السائل: أخبرني عن القدر قال: سر الله فلا تكلّفه" 1.
وكذا سئل ابن عمر عن القدر: فقال: "شيء أراد الله عز وجل ألا يطلعكم عليه؛ فلا تريدوا من الله عز وجل ما أبى عليكم" 2.
وقال وهب بن منبه: "نظرت في القدر فتحيرت، ثم نظرت فتحيرت، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه" 3.
وجاء رجل إلى الإمام أبي حنيفة يجادله في القدر فقال له: "أما علمت أن الناظر في القدر كالناظر في عين الشمس كلما ازداد نظرا يزداد تحيّرا" 4.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: " وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلَّم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر على أنامه، ونهاهم عن مرامه كما قال تعالى في كتابه: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} "سورة الأنبياء: الأنبياء23".--------------------------------------------
1 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/629، وكتاب الشريعة ص240.
2 الشريعة ث235 والإبانة لابن بطة 2/408.
3 شرح الفقه الأكبر للقاري ص69.
4 قلائد عقود العقيان "ق77ب".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 521)
فمن سأل لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين" 1.--------------------------------------------
1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 32، 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 522)
المبحث الثاني: مراتب القدر
الإيمان بالقدر يقوم على أصول ومراتب يقينية، تقوم عليها معاني القضاء والقدر، فلا يتم الإيمان بالقدر إلا بمعرفتها والإيمان بها. وفيما يلي ذكر هذه المراتب مع الاستدلال لها:
المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء والسابق لكل شيء.
المرتبة الثانية: الإيمان بكتابه الذي اشتمل على كل ما سيكون.
المرتبة الثالثة: الإيمان بأن الله خالق كل شيء.
المرتبة الرابعة: الإيمان بمشيئة الله وقدرته العامة على كل شيء فهو المتفرد بالخلق والإيجاد 1.
قال شيخ الإسلام: "وتؤمن الفرقة الناجية ـ أهل السنة والجماعة ـ بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين تتضمنان شيئين.
فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات--------------------------------------------
1 انظر شفاء العليل ص55 بتصرف. ط/ دار الكتب العلمية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 523)
والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق … وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشية الله سبحانه وتعالى، لا يكون في ملكه إلا ما يريد وأنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خلاق غيره ولا رب سواه" 1.
دل على المرتبة الأولى والثانية قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} "سورة الحج: الآية70".
وقوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ} "سورة الأنعام: الآية59".
وقوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} "سورة الطلاق: الآية12".
وقوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} "سورة يس: الآية12".
ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما منكم أحد إلا وقد كتب الله مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال اعملوا فكل ميسر ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} إلى قوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} "سورة الليل: الآيات 5-10 … " 2.--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 3/148، 148.
2 أخرجه البخاري كتاب التفسير باب تفسير سورة الليل 8/807 ح44945؛ ومسلم =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 524)
وقوله صلى الله عليه وسلم: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" 1.
ودل على المرتبة الثالثة والرابعة:
قوله تعالى: {كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} "سورة آل عمران: الآية47".
وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} "سورة هود: الآية118".
وقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} "سورة يس: الآية82".
وقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} "سورة التكوير: الآية29".
وقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} "سورة الزمر: الآية62".
وقوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} "سورة الفرقان: الآية2".
ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" 2.
فلا يكون العبد مؤمنا بالقدر حتى يؤمن بهذا كله. وفي بيان المرتبة الأولى وهي علم الله المحيط بكل شيء، يقول الإمام أبو حنيفة: "وكان الله--------------------------------------------
= كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه 4/2039 ح2648، كلاهما من طريق أبي عبد الرحمن عن علي بن أبي طالب.
1 تقدم تخريجه ص516.
2 أخرجه مسلم كتاب القدر باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء 4/2045 ح2654 من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 525)
تعالى عالما في الأزل بالأشياء قبل كونها" 1.
وقال: "يعلم الله تعالى المعدوم في حال عدمه معدوما، ويعلم أنه كيف يكون إذا أوجده، ويعلم الله تعالى الموجود في حال وجوده موجودا، ويعلم كيف يكون فناؤه" 2.
وقرر الطحاوي هذا في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم" 3.
وقال: "وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه" 4.
وقال: "وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدّر ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقص ولا معقب ولا مزيل ولا مغيِّر ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه"5.
في بيان المرتبة الثانية وهي كتابه الذي اشتمل على كل ما سيكون، يقول الإمام أبو حنيفة: "وقدّره وكتبه في اللوح المحفوظ" 6.
وقال: "ونقِرُّ بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب فقال القلم، ما أكتب يا رب؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة لقوله--------------------------------------------
1 الفقه الأكبر ص302، 303.
2 الفقه الأكبر 302، 303.
3 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 21.
4 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 31.
5 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 35.
6 الفقه الأكبر ص302.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 526)
تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} 1" سورة القمر: الآيتان52-53".
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن؛ لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه كائنا، لم يقدروا عليه، جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه" 2.
وفي بيان المرتبة الثالثة وهي الإيمان بمشيئة الله وقدرته العامة على كل شيء يقول الإمام أبو حنيفة: "ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته" 3.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وكل شيء يجري بتقديره، ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن" 4.
وفي بيان المرتبة الرابعة وهي الإيمان بأن الله خالق كل شيء يقول الإمام أبو حنيفة: "خلق الله الأشياء لا من شيء" 5.--------------------------------------------
1 الوصية مع شرحها ص21.
2 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 35.
3 الفقه الأكبر ص302.
4 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 21.
5 الفقه الأكبر ص302.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 527)
وقال: "وكان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق" 1.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "خالق بلا حاجة … خلق الخلق بعلمه" 2.
وقال: "ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم" 3.--------------------------------------------
1 الفقه الأكبر ص304.
2 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 20.
3 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 528)
المبحث الثالث: أفعال العباد
يذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن جميع أفعال العباد مخلوقة، خلقها الله عز وجل في الفاعلين لها، دل على هذا قوله: "نقرّ بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوق، فلما كان الفاعل مخلوقا، فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة" 1.
وقوله: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم، والله تعالى خالقها، وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره" 2.
قال محمد بن الحسن بعدما ذكر قول3 عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "تكون النطفة في الرحم أربعين يوما، ثم تكون علقة أربعين يومان ثم يعطى خلقه: فيقول: رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما رزقه ـ قال محمد بن الحسن وبهذا نأخذ وبه كان يأخذ أبو حنيفة، الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره" 4.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب--------------------------------------------
1 الوصية مع شرحها ص14.
2 الفقه الأكبر ص303.
3 أصله في صحيح مسلم 4/2036 يرفعه عبد الله بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
4 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/704.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 529)
أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد" 1.
وما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة هو ما جاءت به الأدلة من كتاب الله كقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} "سورة الزمر: الآية62".
فيخبر الله تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها وربها والمتصرف فيها وكلٌ ما تحت تدبيره وقهره وكلاءته 2، فأفعال العباد من جملة المخلوقات.
وقال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} "سورة الحديد: الآية22".
فما يصيب الخلق من خير وشر، كله قد كتب في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلقها سبحانه وتعالى، فالله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعالهم من الطاعات والمعاصي. وقال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} "سورة الصافات: الآية96".
قال البغوي في قوله تعالى: {وَمَا تَعْمَلُونَ} قال: بأيديكم من الأصنام، وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى" 3.
وقال ابن جرير في قوله تعالى: {وَمَا تَعْمَلُونَ} "وجهان": أحدهما أن يكون قوله "ما" يعني المصدر؛ فيكون معنى الكلام حينئذ والله خلقكم وعملكم، والآخر أن يكون بمعنى الذي فيكون معنى الكلام عند ذلك: والله خلقكم والذي تعملونه: أي والذي تعملون منه الأصنام، وهو الخشب--------------------------------------------
1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 53.
2 تفسير ابن كثير 6/105.
3 تفسير البغوي 4/31.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 530)
والنحاس والأشياء التي كانوا ينحتون منها أصنامهم" 1.
ورجّح الوجه الثاني ابن جرير 2 وابن القيم 3 ورجح الأول ابن كثير 4.
ومن السنة حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله يصنع كل صانع وصنعته" 5.
وصحّ عن ابن عمر أنه قال: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" 6.
وما ذهب إليه أبو حنيفة في أفعال العباد وأنها مخلوقة لله تعالى هو عين مذهب السلف.
قال اللالكائي: "إن أفعال العباد كلها مخلوقة لله عز وجل طاعتها ومعاصيها" 7.--------------------------------------------
1 تفسير ابن جرير 33/75.
2 تفسير ابن جرير 23/75.
3 شفاء العليل ص234.
4 تفسير ابن كثير 6/22.
5 أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد 39، 40، وابن أبي عاصم في السنة 1/158، وابن مندة في التوحيد 1/267؛ واللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/538، 239، والحاكم في المستدرك 1/31، 32؛ والبيهقي في الأسماء والصفات 338، وفي شعب الإيمان 1/501، 502؛ جميعهم من طريق ربعي بن خراش عن حذيفة والبزار في مسنده كما في مجمع الزوائد 1/158؛ وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح غير أحمد وهو ثقة" وقال الألباني: "إسناده جيد"، انظر ظلال الجنة 1/158، وصححه في سلسلة الأحاديث الصحيحة 4/181.
6 خلق أفعال العباد ص41.
7 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/534-537.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 531)
ثم ذكر ما وري عنه ذلك من الصحابة، ومن قال به من التابعين، ومن الفقهاء من أهل مكة ومصر والشام والكوفة والبصرة وبغداد. قال اللالكائي عن أهل الكوفة موطن الإمام أبو حنيفة: "من أهل الكوفة عبد الله بن شبرمة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن صالح بن حي وشريك وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وأبو يوسف ومحمد بن الحسن … " 1.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأمة وأئمتها، كما نص على ذلك سائر أئمة الإسلام، الإمام أحمد ومن قبله ومن بعده حتى قال بعضهم: من قال: إن أفعال العباد غير مخلوقة فهو بمنزلة من قال: إن السماء والأرض غير مخلوقة" 2.
فالمقصود أن فعل العبد فعله حقيقة، وهو مخلوق ومفعول له سبحانه، وليس هو نفس فعل الله، ففرق بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق 3.--------------------------------------------
1 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/534-537.
2 مجوع الفتاوى 8/406.
3 مجموع الفتاوى 8/238، 393 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 532)
المبحث الرابع: الطوائف المنحرفة في القدر ورد الإمام أبي حنيفة عليها
المنحرفون في القدر طرفان متقابلان: طرف يثبت قدر الله سبحانه وتعالى، وغالوا فيه حتى جعلوا العبد مجبورا على فعله، ولم يثبتوا له فعلا ولا كسبا على الحقيقة، بل جعلوه كالريشة في الهواء، وجعلوا نسبة الفعل إلى العبد كنسبتها إلى الجماد، كما يقال: زالت الشمس، ودارت الرحى، وسقط الجدار. هؤلاء يسمون الجبرية 1.
وطرف غالوا في النفي وقالوا: لا قدر، والأمر أُنُف، وجعلوا الإنسان خالقا لأفعاله. وهؤلاء هم القدرية 2. وقد بسط الرد عليهم الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر بما لم يبسطه في غيره، وأتباعه متفقون على أن هذا هو مذهبه، وفي هذا يقول شيخ الإسلام: "إن أبا حنيفة من المقرين بالقدر باتفاق أهل المعرفة به وبمذهبه، وكلامه في الرد على القدرية معروف في الفقه الأكبر وقد بسط الحجج في الرد عليهم بما لم يبسطه على غيرهم في هذا الكتاب، وأتباعه متفقون على أن هذا هو مذهبه وهو مذهب الحنفية المتبعين له. ومن انتسب إليه في الفروع وخرج عن هذا من--------------------------------------------
1 انظر الفرق بين الفرق ص211؛ وشفاء العليل ص109.
2 انظر الفصل 3/22؛ والملل والنحل 1/43؛ وشفاء العليل ص109.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 533)
المعتزلة ونحوهم، فلا يمكنه أن يحكى هذا القول عنه بل هم عند أئمة الحنفية، الذين يفتي بقولهم مذمومون معيبون من أهل البدع والضلالة" 1.
وإليك نماذج من كلام الإمام أبي حنيفة في الرد على القدرية والجبرية.
قال الإمام أبو حنيفة: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة والله تعالى خلقها وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره، والطاعات كلها كانت واجبة بأمر الله تعالى وبمحبته وبرضاه وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره، والمعاصي كلها بعلمه وقضائه وتقديره ومشيئته لا بمحبته ولا برضائه ولا بأمره" 2.
وقال: "خلق الله تعالى الخلق سليما من الكفر والإيمان 3 ثم خاطبهم وأمرهم ونهاهم، فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده الحق بخذلان الله تعالى إياه، وآمن من آمن بفعله وإقراره وتصديقه بتوفيق الله تعالى ونصرته له" 4.
وقال: "وأخرج ذريّة آدم من صلبه على صورة الذر فجعلهم عقلاء، فخاطبهم وأمرهم بالإيمان ونهاهم عن الكفر فأقروا له بالربوبية فكان ذلك منهم إيمانا فهم يولدون على تلك الفطرة، ومن كفر بعد ذلك فقد بدّل وغيّر ومن آمن وصدّق فقد ثبت عليه وداوم" 5.--------------------------------------------
1 منهاج السنة 3/139.
2 الفقه الأكبر ص303.
3 الفقه الأكبر ص302، 303.
4 الفقه الأكبر ص303.
5 الصواب خلق الله تعالى الخلق على فطرة الإسلام كما سيبينه أبو حنيفة في قوله الآتي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 534)