اتبع سبيل غير المؤمنين. وقد نقل هذا الإجماع جمع كثير من أهل العلم المحققين (1) ، فعلى سبيل المثال يقول العلامة القاسمي: ((انتهى العلماء المحققون إلى أن الحديث الصحيح حجة على جميع الأمة، وأيدوا رأيهم هذا بالآيات القرآنية التي تفرض على المؤمنين اتباع الرسول عليه السلام، والتسليم لحكمه، ورأوا مَنْ يحكي خلاف هذا المذهب غيرَ خليقٍ بالانتساب إلى العلم وأهله، وإن نسب نفسه أو نَسَبَتْه العامة إلى سعة المعرفة والتفقه في الدين)) (2) .
ويحسن بنا أن ننقل هذا الإجماع مفصلاً عن الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء وذلك من خلال ما يلي:
أولاً: نصوص في وقوع الإجماع من الصحابة رضوان الله عليهم تثبت حجية السنة النبوية:
كان الصحابة رضوان الله عليهم في حياته صلى الله عليه وسلم يتبعون كل ما صدر منه في الأحكام الشرعية، لا يختلف في ذلك واحد منهم، فيقبلون بتسليم عام بأقواله، واتباع كامل لأفعاله (3) ،ومن أمثلة ذلك:--------------------------------------------
(1) انظر: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول / للإمام الشوكاني (ص 33) ط. الحلبي وشركاه 1356?. والإحكام في أصول الإحكام (ص 87) وعلوم الحديث ومصطلحه / د. صبحي الصالح (ص 291) دار العلم للملايين - بيروت ط. الأولى 1378?، وأصول الأحكام الإسلامية د. أبو السعود عبد العزيز موسى (ص 101) ط 1413? ومكانة السنة في التشريع الإسلامي / د. محمد لقمان (ص 97) .
(2) انظر: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث/ للعلامة القاسمي (ص263) مطبعة ابن زيدون- دمشق 1353 ?.
(3) انظر: تفسير الطبري / للإمام محمد بن جرير الطبري (4/150) بيروت. وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (2/190) المكتبة العلمية – المدينة المنورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
أ) اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب - أو فضة - وجعل فصّه مما يلي كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله، فاتخذ النّاس مثله، فلمّا رآهم قد اتخذوها رمى به، وقال: لا ألبسه أبداً. ثم اتخذ خاتماً من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة. (1)
ب) ومما يدلُّ على حجية السنة بإجماع الصحابة في حياته صلى الله عليه وسلم ما رواه البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم. فخرج رجل ممن صلى معه، فمرّ على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبلَ مكة، فداروا كما هم قِبلَ البيت (2) .
ج) ومما يدلُّ على وقوع الإجماع من الصحابة رضوان الله عليهم، رجوع الصدِّيق أبي بكر رضي الله عنه في ميراث الجدة إلى السنة النبوية (3) .
د) رجوع الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في دية العاقلة إلى السنة النبوية (4) . وكان رضي الله عنه يقول: ((سيأتي قوم يجادلوكم--------------------------------------------
(1) إشارة إلى حديث رواه الإمام البخاري (5866) في كتاب اللباس، باب خاتم الفضة.
(2) رواه الإمام البخاري (41) في كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان.
(3) انظر: موطأ الإمام مالك (2/513) كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، وسنن أبي داود (2894) كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، وسنن الترمذي (2101) كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة والحديث صححه ابن حبان برقم (6031) ، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص 3/82: إسناده صحيح لثقة رجاله، إلا أنه صورته مرسل. انظر: النص كاملاً في هذا المبحث (صـ 33) .
(4) انظر: مسند أحمد (3/452) ، وسنن أبي داود (2927) كتاب الفرائض، باب في المرأة ترث من دية زوجها، وسنن الترمذي (1415) كتاب الديات باب ما جاء في المرأة هل ترث من دية زوجها (2110) وكتاب الفرائض، باب، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله)) (1) .
?) قضاء عثمان بن عفان رضي الله عنه بالسنة النبوية، في بيان مكان مكوث المرأة المتوفى عنها زوجها، أثناء العدة (2) .
ثانياً: وقوع الإجماع من التابعين:
سلك التابعون مسلك الصحابة - رضوان الله عليهم - في لزوم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى سبيل المثال:
أ) يقول الإمام مطرف بن عبد الله بن الشخير: والله ما نريد بالقرآن بدلاً ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا (3) . يقصد به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ب) وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول: إن رأس القضاء اتِّباعُ ما في كتاب الله، ثم القضاء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) .
ج) أما الإمام إسحاق بن راهويه فكان يقول: مَنْ بلغه عن رسول الله--------------------------------------------
(1) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/122 رقم (203) ، وانظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (2/231) .
(2) رواه الإمام مالك في الموطأ 1/591 في كتاب الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل، ومن طريقه رواه الإمام أحمد 2/53-54، وأبو داود (2300) في كتاب الطلاق، باب في المتوفى عنها زوجها، والترمذي (1204) في كتاب الطلاق، باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟ وصححه ابن حبان (4292) ، والحاكم في المستدرك 2/208 ووافقه الذهبي.
(3) انظر: جامع بيان العلم (2/30) .
(4) انظر: مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة / للإمام السيوطي (ص 21) دار السلام، ط. الأولى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
صلى الله عليه وسلم خبر يقر بصحته، ثم ردَّه بغير تقية، فهو كافر (1) .
ثالثاً: وقوع الإجماع من الأئمة المجتهدين:
كان الأئمة الأربعة من أشد الناس تمسكاً بالحديث إذا ثبت عندهم لا يعدلون عنه إلى قول أحد من الناس، فعلى سبيل المثال:
أ) يقول الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: "إياكم والقول في دين الله تعالى بالرأي وعليكم باتباع السنة، فمن خرج عنها ضَلَّ" (2) .
ب) وكان الإمام مالك رضي الله عنه يقول: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وما جاء من نبيكم، وإن لم تفهموا المعنى فسلِّموا لعلمائكم ولا تجادلوهم، فإن الجدال في الدين من بقايا النفاق" (3) .
ج) أما الإمام الشافعي فيؤكد ذلك قائلاً: يسقط كلُّ شيءٍ مخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقحم معه رأي، ولا يقاس، فإن الله عز وجل قطع العذر بقوله صلى الله عليه وسلم " (4) .
د) أما الإمام أحمد فكان يقول: أولأحد كلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) ؟!.--------------------------------------------
(1) انظر الإحكام في أصول الأحكام (ص 89) .
(2) قواعد التحديث (ص 23) وفيها زيادة.
(3) انظر: المرجع السابق.
(4) كتاب الأم (2/228) وانظر (2/226) (7/273) والرسالة (ص 217، 219) .
(5) انظر: قواعد التحديث (ص 52) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
المطلب الرابع: ثبوت حجية السنة بالدلبل العقلي
…
المطلب الرابع: العقل والحس والمشاهدة
وهي أمارات تدل على حجية السنة وتدل على أنَّ ما أجمل من القرآن الكريم تبيِّنه السنة وتفصله؛ فمثلاً فرض الله على الناس في القرآن الكريم عدة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
فرائض مجملة غير مبينة، لم تفصل في القرآن أحكامها، ولا كيفية أدائها، فقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [النساء: 77] ، و {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] ، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] . ولم يبين كيف تقام الصلاة وتؤتى الزكاة ويؤدَّى الصوم والحج. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بين هذا الإجمال بسنته القولية والعملية؛ لأن الله سبحانه وتعالى منحه سلطة هذا التبيين بقوله عز شأنه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] ، فلو لم تكن هذه السنة البيانية حجة على المسلمين، وقانوناً واجباً اتباعه، ما أمكن تنفيذ فرائض القرآن ولا اتباع أحكامه.
فالعقل والحس والمشاهدة أمارات دالة على ضرورة السنة وحجيتها، ووجوب اتباعها، وهذه السنن البيانية إنما وجب اتباعها من جهة أنها صادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ورويت عنه بطريق يفيد القطع بورودها عنه، أو الظن بورودها، فكل سنة تشريعية صَحَّ صدورُها عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهي حُجَّة واجبةُ الاتباع (1) .--------------------------------------------
(1) انظر: علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (1/ 28) مطبعة النصر – القاهرة، ط. السابعة 1376?. تعليم علم الأصول د. نور الدين مختار الخادمي (ص155) مكتبة العبيكان، ط. الأولى 1423?.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
المبحث الثاني:مكانة السنة من حيث مرتبتها
المطلب الأول: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بإدلة القرآن الكريم
…
المبحث الثاني: مكانة السنة من حيث مرتبتها
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: إثبات أنَّ السنة هي المصدر الثاني بأدلة القرآن الكريم
المطلب الثاني: إثبات أنَّ السنة هي المصدر الثاني بالأحاديث النبوية
المطلب الثالث: إثبات أنَّ السنة هي المصدر الثاني بالإجماع
المطلب الرابع: إثبات أنَّ السنة هي المصدر الثاني بالمعقول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
المبحث الثاني: مكانة السنة النبوية من حيث المرتبة
أثبتنا في المبحث السابق - بما لا يدع مجالاً - للشك حجية السنة، وأنها مصدر وأصل يقصد في استنباط الأحكام الشرعية، وذلك للآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة والإجماع الأكيد من جمهور المسلمين على مرّ العصور.
وهذه الحجية الثابتة تأتي متأخرة عن القرآن الكريم، فمرتبتها تلي مرتبة القرآن، بمعنى أن الباحث إذا لم يجد في القرآن الكريم رأي الشرع فيما يريد معرفته من أحكام لجأ إلى السنة يبحث فيها عما يريد (1) .
لهذا نسمع ونردد أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع. وإثبات حجيتها مصدراً ثانياً يكون من خلال آيات القرآن، ونصوص الأحاديث، وإجماع الأمة، وأخيراً الدليل العقلي.
المطلب الأول: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بأدلة القرآن الكريم
كل الآيات التي دعت إلى طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباع النور الذي جاء به كانت مشروطةً بالإيمان بالله وطاعته قبل ذلك (2) فعلى سبيل--------------------------------------------
(1) أصول الأحكام الإسلامية، د. أبو السعود موسى (ص 101) والمدخل لدراسة السنة النبوية، د. يوسف القرضاوي (ص 69) مكتبة وهبة - القاهرة، ط. الثانية 1411?، ومكانة السنة في التشريع الإسلامي، د. محمد لقمان (ص 105) .
(2) سبق بيان أمثال هذه الآيات في هذا البحث انظر: (ص8-12) من هذا البحث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
المثال:
أ - يقول سبحانه وتعالى في بيان ذلك: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36] .
ب – وقوله سبحانه وتعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] . فالدلالة واضحة في الآية لأن الرد إلى الله سبحانه وتعالى يعني الرجوع إلى كتابه، وهو القرآن الكريم.
والرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم يعني: الرّد إلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والدلالة واضحة كما ذكره أهل العلم الذين يُعتد بقولهم (1) .--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري (4/150) والرسالة للإمام الشافعي (ص 80) والإحكام في أصول الأحكام للإمام ابن حزم (ص 87) .
(2) انظر مبحث إثبات حجية السنة بالنصوص النبوية (ص 13) من هذا البحث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
المطلب الثاني: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالأحاديث النبوية
إن النصوص النبوية أشارت بالفعل إلى عدّ السنة هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، وقد أشرنا إلى ما نحن بصدد إثباته الآن سابقاً (2) ولا ضير أن نؤكد منهج النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الاعتقاد من خلال حواره مع معاذ ابن جبل رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن فقد ذكرت الروايات أنه صلى الله عليه وسلم لما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
بعث معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن وقال له: "ماذا تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال معاذ: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري، وقال: الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي الله" (1) .--------------------------------------------
(1) رواه الإمام أحمد (5/230و242) ، وأبو داود (3592) في كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء. والإمام الترمذي (1327) في كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي، والدارمي (168) في المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة. وقال الإمام الترمذي: إسناده ليس بمتصل. هذا الحديث تكلم فيه كثير من أهل الحديث، لكن الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم ويعتمدون عليه. معناه صحيح انظر: العلل المتناهية لابن الجوزي (2/758) ونقل الألباني تضعيفه عن البخاري والترمذي والعقيلي والدراقطني وابن حزم وابن طاهر وابن الجوزي والذهبي والسبكي وابن حجر، انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم: 881.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
المطلب الثالث: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالإجماع
نقل إجماع السلف على أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع غير واحد من أهل العلم، فعلى سبيل المثال: يقول الدكتور أبو السعود موسى:
"أجمع المسلمون من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن على الاعتداد بالسنة واعتبارها مصدراً من مصادر الالتزام الشرعية يتم الرجوع إليه بعد الرجوع إلى القرآن الكريم وعدم وجود الحكم المراد معرفته فيه" (2) .--------------------------------------------
(2) أصول الأحكام الإسلامية (ص 101) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
ويؤكد الدكتور محمد لقمان هذه المنزلة للسنة بقوله: "الأخبار والآثار المذكورة في مرتبة السنة من كتاب الله، وإن كان أكثرها متكلماً فيها إلا أن المجموع يفيد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الأجلاء كانوا يعدُّون السنة في المرتبة الثانية من القرآن، فالمقطوع به في المسألة أن السنة ليست كالكتاب في مراتب الاعتبار" (1) .
والآثار التي تثبت هذا الإجماع كثيرة سبق بيانها، (2) منها على سبيل المثال:
أ -كتاب عمر رضي الله عنه إلى شُرَيح، وقولُه: "إذا أتاك أمر بما في كتاب الله فاقض بما في كتاب الله، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله، فاقض بما سَنَّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
ب -ومن هذا قول ابن مسعود رضي الله عنه: "من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإنْ جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم" (3) .--------------------------------------------
(1) انظر: مكانة السنة في التشريع الإسلامي (ص 106، 107) .
(2) انظر المبحث الأول من هذا البحث.
(3) الموافقات في أصول الشريعة (4، 5، 6) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
الطلب الرابع: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالمعقول
…
المطلب الرابع: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالمعقول
إن الدليل العقلي من الأدلة التي يعتدّ بها شرعاً في الإقناع، وقد أعلى سبحانه من شأن العقل في مواضع عديدة في القرآن، منها قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42] ، كما أمر سبحانه بإعمال العقل في التفكر والتدبر، ومن ثم الوصول إلى الحقيقة، وذلك في مجالات كثيرة منها قوله تعالى: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17] . لهذا كان من المهم ونحن نثبت السنة مصدرًا ثانيًا من مصادر التشريع الإسلامي أن نشير إلى الدليل العقلي الذي اشتمل على وجهين:
الوجه الأول: إن القرآن الكريم مقطوع به جملة وتفصيلاً، والقطع في السنة إنما يصح في الجملة لا في التفصيل، وذلك أن آيات القرآن الكريم متواترة عن الرسول صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام، عن رب العزة جل وعلا، معنى ذلك: أن جملة القطع جاءت من كون جميعه متواتراً من عند الله سبحانه وتعالى، أما تفصيل القطع فلأن كل آية من آياته تثبت بالتواتر بأنها من عند الله تعالى، بخلاف السنة، فإنَّ ما فيها من القطع في الحديث المتواتر في الجملة فقط، وهو قليل، والمظنون فيها كثير، والمعروف عقلاً أن المقطوع به مقدم على المظنون، فلزم من ذلك تقديم القرآن على السنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
الوجه الثاني: إن السنة إمَّا بيانٌ للكتاب، أو زيادة على ذلك. فإن كانت بياناً فهي ثانية على المبيَّن في الاعتبار، إذ يلزمُ من سقوط المبيَّن سقوطُ البيان، ولا يلزم العكس، وما شأنه هذا فهو أولى في التقدُّم، هذه واحدة، والأخرى: إن لم تكن بياناً فلا يعتد بها إلا بعد ألا يوجد الحكم في الكتاب، وهذا دليل على تقدم اعتبار القرآن الكريم على السنة (1) .--------------------------------------------
(1) انظر: الموافقات في أصول الشريعة / للإمام الشاطبي تحقيق: محمد الفاضلي (4/6) المكتبة العصرية، ط. الأولى 1423? وأصول الأحكام الإسلامية د. أبو السعود موسى (ص 13) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
المبحث الثالث: مكانة السنة من حيث بيان الأحكام التشريعية
المطلب الأول: السنة مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم
…
المبحث الثالث: مكانة السنة من حيث بيان الأحكام التشريعية
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: السنة مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم
المطلب الثاني: السنة مبينة لمجمل القرآن الكريم
المطلب الثالث: السنة مخصصة لعام القرآن الكريم
المطلب الرابع: السنة مقيدة لمطلق القرآن الكريم
المطلب الخامس: السنة تثبت أحكاما سكت عنها القرآن الكريم
المطلب السادس: السنة ناسخة لأحكام ثابتة في القرآن الكريم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
المبحث الثالث: مكانة السنة من حيث بيان الأحكام التشريعية
تزخر السنة بالأحكام التشريعية مع تباين أنواعها، واختلاف أحكامها، فنجدها إما أن تكون مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم، أو مبينة لمجمل القرآن الكريم، أو مخصصة لعام القرآن الكريم، أو مقيدة لمطلق القرآن الكريم، أو ناسخة لحكم ثابت في القرآن الكريم، أو مثبتة لحكم سكت عنه في القرآن الكريم. وسوف نبين ذلك من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأول: السنة مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم
تأتي السنة مقررة ومؤكدة لحكم جاء في القرآن الكريم، فيكون الحكم له مصدران، وعليه دليلان: دليل مثبت من آي القرآن، ودليل مؤيد من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن أمثلة ذلك: قول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه" (1) ؛ وذلك لشدة ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال المسلم على المسلم، فإن هذا الحديث يؤكد ويقرر ما جاء في القرآن الكريم--------------------------------------------
(1) حديث صحيح. رواه عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه الإمام أحمد 5/425، والبيهقي في السنن الكبرى (9/358) ، وصححه ابن حبان (5978) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
من نحو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] .
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم "اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله وَاسْتحْلَلْتمْ فروجهن بكلمة الله" (1) فهذا الحديث يؤكد ويقرر ما جاء في القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] والأمثلة أكثر من أن تحصر. فهناك كثير من الأحكام دلت عليها آيات القرآن الكريم، وأيدتها السنة، من هذه الأحكام: الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والنهي عن الشرك بالله، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك من المأمورات والمنهيات التي دلَّت عليها آيات القرآن الكريم، وأيدتها سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقام الدليل عليها منهما (2) .--------------------------------------------
(1) رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما (1218) في كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم.
(2) علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (ص 39) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
المطلب الثاني: السنة مبينة لمجمل القرآن الكريم
واللفظ المجمل هو اللفظ الذي لا يعلم المراد منه بنفس صيغته، ويتوقف فهمه ومعرفة المراد منه على أمر خارج عنه، كلفظ الصلاة في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة: 83] . إن هذا لفظ لا يعرف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
المراد منه، ولا يعلم المطلوب منه؛ لأن إقامة الصلاة قد تحصل بفعل صلاة واحدة، أو عدد من الصلوات وقد تحصل بطرائق مختلفة، وفي أوقات متعددة، ومعلوم أن التكليف بالصلاة أو بغيرها لا يكون مبهماً وغامضاً، وإنما يكون واضحاً ومعلوماً. وبالتالي فهذا اللفظ {الصَّلاةَ} مبهم وغامض ولا يعرف المراد منه من الصيغة نفسها، أي: من هذا اللفظ وأسلوبه، وإنما يعرف بالرجوع إلى أمر شرعي آخر، هذا الأمر الشرعي الذي بين المراد من لفظ الصلاة هو السنة النبوية الشريفة. وهي: أقواله وأفعاله وتقريراته التي وضحت المقصود من الصلاة، وبينت كيفيتها، ووقتها، وشروطها، وأركانها، ومندوباتها، وغير ذلك مما هو معروف في أحكام الصلاة.
وكذلك لفظ {الزَّكَاةَ} في قوله تعالى {وَآتُوا الزَّكَاةَ} هو لفظ مجمل لا يعرف المطلوب منه على وجه التحديد والضبط، وعلى سبيل التفصيل والتفريع لذلك بينته السنة النبوية، ووضحته، وذكرت تفصيلاته، وتعريفاته، وكيفية شروطه، وغير ذلك (1) .
فهناك كثير من الأحاديث بينت الإجمال في كثير من الآيات. كالأحاديث التي بينت مواقيت الصلاة، وأعداد ركعاتها، والأحاديث التي بينت الأموال التي تجب فيها الزكاة، والأموال التي لا تجب فيها، والمقدار الواجب إخراجه. فإن هذه الأحاديث تعدّ مبينة للإجمال في آيات الصلاة، وآيات الزكاة وهذا عام في كثير من أحكام التشريع.--------------------------------------------
(1) تعليم علم أصول الفقه د. نور الدين خادمي (ص 156) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)