الحركة العلمية في المملكة السعودية:
ومع ذلك فالحركة العلمية في المملكة السعودية لم تغفل الإفادة من الحضارة والفكرة المعاصرين، فقد أرسلت العديد من أبنائها إلى جامعات أمريكا وأوربا ليتخصصوا في فروع العلم المختلفة، وقد أتم كثير منهم دراسته وراجعوا إلى بلادهم حيث يقومون بالتدريس في جامعاتها، وربما تؤهلهم له تخصصاتهم من أوجه النشاط المختلفة.
وأما من حيث تنوير الرأي الإسلامي بالمقومات السلبية لتلك الفلسفات، مما لا يسيغه ميزان الكتاب والسنة، فهذا هدف من أهداف الدعوة الآن تسلك إليه مختلف الوسائل، فهي جاهدة في إيقاظ الوعي الإسلامي، وتحذيره من تلك الوافدات الأجنبية، وبيان ما فيها من سموم وانحرافات.
وأما قول الدكتور: "ولأفادت ثالثاً في نهضة شعب عربي في الجزيرة … إلخ".
فإن الواقع هو أبلغ رد على ذلك فالنهضة التي يعيشها الشعب العربي الآن في جزيرته، تسابق الزمن في سرعته وتتخطى الحواجز والمعوقات بسرعة مذهلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
ومن رأى هذا الشعب من عشرين عاماً فقط، ثم رآه الآن، فإنه لا يكاد يصدق عينيه حين يرى تلك الجهود الضخمة التي تبذل في جميع المجالات العلمية والإعلامية والصحية والاجتماعية، وحين يرى شباباً متفتحاً على الحياة يسير بخطى واسعة في طريق التقدم والبناء.
وبالجملة فهي نهضة شاملة تحارب التخلف في كل صوره ومظاهره، وتقفز إلى الأمام ولكن في تؤدة وثبات، وبحيث يمكن القول إنها أوضح عنوان لحكم حديث قام على أسس إسلامية.
ومن العجب أن يصدر هذا الكلام منذ سنتين فقط، أي في عنفوان النهضة التي تشهدها المملكة السعودية الآن في ظل حكم الفيصل العظيم1.
فأين يعيش دكتورنا الكبير حتى لم يسمع بما سمع به القاصي والداني لا في البلاد العربية والإسلامية وحدها، بل في الدول الغربية كلها من أوربية وأمريكية.--------------------------------------------
1 وقد توفي رحمه الله تعالى سنة 1395، وما زالت حركة النهضة والتقدم في عنفوانها، وذلك بفضل الله عز وجل ورحمته ثم بتمسك ولاة أمر هذه البلاد بالإسلام الصافي النقي، والسير على منهاج محمد صلى الله عليه وسلم، والأخذ بكل ما يفيد حضارة هذه البلاد وازدهارها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
حركة جاءت للتصحيح:
ثم يقول سعادته: "إن الحركة الوهابية تشددت فيما وسع الخلاف بينها وبين الشعوب الإسلامية الأخرى، وبالأخص بينها وبين الجماهير في هذه الشعوب1.--------------------------------------------
1 انظر مشكوراً: الفكر الإسلامي في تطوره ص87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
وهكذا يرجع الدكتور مرة أخرى إلى تلك النغمة الكريهة فيرمي الحركة بالتشدد فيما وسع الخلاف بينها وبين الشعوب الإسلامية الأخرى.
فهل معنى هذا أن الحركة كان يجب عليها أن تسكت على البدع والمنكرات تضييقاً لشقة الخلاف وإرضاءً للجماهير الإسلامية؟ وحينئذٍ ما تكون مهمتها وما معنى كونها حركة؟
وكيف يراد من حركة قامت للتصحيح والتقويم، أن تتغاضى عما تراه من انحرافات تجنباً للخلاف؟
إن الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120] وكذلك الجماهير لا ترضى إلا عمن يجاريها على أهوائها ويحبذ لها مألوفاتها.
وهذا يشبه قول بعض المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك قد جئت بأمر خالفت به قومك وفرقت به جماعتهم".
أفكان يترك عليه السلام الدعوة إلى الحق والهدى حتى لا يخالف قومه ولا يفرق جماعتهم؟
والعجب أن يصدر مثل هذا الكلام من دكتور فيلسوف يعلم أن الدعوات لا بد أن تثار في وجها الخصومات، ولا بد أن تقابل من أعدائها بكثير من السخط والاستياء، ولكن هذا لا يصلح مبرراً أبداً لترك الدعوة أو التهاون فيها إبقاءً على رضى الناس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
إن الحركة الوهابية تشددت في تنفيذ ما يجب تنفيذه، رضي الناس أم سخطوا، وهي لم توسع شقة الخلاف بينها وبين الشعوب الإسلامية حباً منها للخلاف.
ولكن الخلاف كان أمراً ضرورياً بين حركة جاءت للتصحيح وإزالة البدع والمنكرات، وبين شعوب جمدت على ما هي عليه من ضلالات وانحرافات.
ثم ما معنى قول الدكتور: "وبالأخص بينها وبين الجماهير".
ومتى كان للجماهير وعواطفها الهوجاء رأي يجب أن يعتد به في ميزان الحق، ويترك من أجله ما أوجبه الدين وصرّحت به النصوص؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
الحركة الوهابية بين المجال النظري والتطبيق العملي
الدعوة وتفسيرها التطبيقي:
ثم يقول الدكتور: "إن دعوتها إلى القرآن والسنة صاحبها تفسير تطبيقي عملي لها. أبعدها عن الوضع والهدف يوم أن نادى بها ابن تيمية.
صاحبها تفسير تطبيقي عملي لها يشير إلى أنها الدعوة إلى الحياة الصحراوية على عهد الجماعة الإسلامية الأولى، وليست الدعوة إلى الإسلام الواضح كما يمثله القرآن والسنة الصحيحة، ذلك الإسلام الذي يساوق الحضارة الصناعية، ويساوق المستوى الرفيع في الحياة الإنسانية، ويساوق التقدمية في بناء الجماعة بناءً سليماً" ا. هـ1.
أما أن الدعوة صاحبها تفسير تطبيقي عملي فهذا صحيح، ولا خير في دعوة لا يصاحبها تطبيق ولا عمل، فإنها دعوة عقيمة سريعة الزوال.
وأما ادعاء الدكتور أن هذا التفسير أبعدها عن الوضع والهدف يوم أن نادى بها ابن تيمية فهذا غير صحيح، فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لو وجد في زمانه القوة التي تسنده وتؤازره، كما وجدت شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب رحمه الله لفعل مثل ما فعله أو أشد، ومع ذلك كان يقوم هو وأتباعه القليلون بما يتسع له--------------------------------------------
1 انظر مشكوراً: الفكر الإسلامي في تطوره ص87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
جهدهم من إصلاحات عملية، فالتفسير التطبيقي للدعوة، كان يسير وفق المنهج المرسوم لها.
وما يتوهمه الدكتور أو غيره من إساءة للتطبيق، أو غلو في التنفيذ، فهذا حكم العاطفة لا حكم المنطق، إذ لا يليق في المنطق أن ترى الدعوة أشياء منافية للتوحيد ثم تسكت عليها إرضاء لعواطف المتعلقين بها.
وأما قوله إن التفسير التطبيق للدعوة يشير إلى أنها الدعوة إلى الحياة الصحراوية على عهد الجماعة الإسلامية الأولى، وليست الدعوة إلى الإسلام كما يمثله القرآن والسنة الصحيحة، فقد تضمن كلام الدكتور هنا عدة أخطاء:
أولاً: وصفه حياة الجماعة الإسلامية الأولى بأنها حياة صحراوية يعني حياة بداوة وتخلف، مع أنها كانت أرفع نمط للحياة البشرية، وأرقى ما عرفت الإنسانية من حضارات، وحسبك منها أنها حضارة قادها القرآن العظيم، وشاد صرحها أعظم بانٍ عرفته البشرية، وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي ما عرفت الدنيا منذ نشأتها ضريباً له في كل ما هو كمال إنساني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
ما هو الإسلام الواضح؟
ولست أدري كيف الدكتور لنفسه أن يغمز الحياة الإسلامية الأولى ذلك الغمز الذي لو جاء على لسان أحد الطاعنين في الإسلام من المبشرين والمستشرقين، لعددناه هجوماً وقحاً فكيف إذا صدر من دكتور مسلم؟ سامحك الله يا دكتور!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
الثاني: رميه الجماعة الإسلامية الأولى بأنها لم تكن على الإسلام الواضح كما يمثله القرآن والسنة، فإذا لم يكن هؤلاء الرعيل الأول على الإسلام الواضح، وهم الذين عاصروا نزول الوحي، وتلقوه من فم الرسول صلى الله عليه وسلم غضاً طرياً، وسعدوا بصحبته.
وتربوا على يديه تربية لم تتح لأي جيل من البشرية في عهودها الطويلة.
نقول: إذا لم يكن هؤلاء على الإسلام الواضح فمن يكون إذاً يا معالي الدكتور؟
الثالث: تفسير الإسلام الواضح ذلك التفسير الغريب وهو أنه الذي يساوق الحضارة الصناعية إلخ.. مع أن الإسلام ليس في حاجة إلى تفسيره بذلك فإنه أعظم من كل صورة صوره بها الدكتور، إذ هو الطريق الذي لا طريق غيره لكل تقدم ولكل كمال إنساني، مادياً كان أو روحياً.
وإذا كان الإسلام الواضح في نظر الدكتور هو الذي يساوق الحضارة الصناعية، ويساوق المستوى الرفيع في الحياة الإنسانية، ويساوق التقدمية، فإن الدعوة الوهابية قد توفر لها ذلك كله، فليس بين شعوب الأرض الآن شعب يتمتع بكل ما أنتجته الحضارة الصناعية في كل المجالات مثل الشعب السعودي.
ومستوى الحياة الإنسانية فيها الآن يفوق مستواها في كثير من الدول التي سبقتها في الحضارة بزمان بعيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
والمجتمع السعودي الآن هو الصورة الصحيحة للمجتمع المسلم الناهض المكافح الذي تختفي فيه الجريمة، فلا يوجد فيه عاطلون ولا متسكعون ولا رواد مقاهي ولا مدمنو مخدرات، ولا عصابات سطو، ولا استبداد حاكم بمحكوم، ولا مظاهر ذلك وخنوع ونفاق، إلى آخر ما يوجد في غيره من المجتمعات شرقاً وغرباً.
فإذا لم يكن هذا كله تقدمية فبم تكون التقدمية يا سعادة الدكتور؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
الإسلام والحضارة والصناعية:
ثم يقول سعادته: "إنها لم تستسغ حتى الآن من الوجهة النفسية عصر الآلة الحديثة، فضلاً عن عصر الآلية والتكنولوجيا القائمة، مع أن الدعوة إلى القرآن والسنة قصد بها أولاً وبالذات سير الحياة الإسلامية في ظل تعاليم الإسلام وفي صحبة الحضارة الصناعية التي لا بد منها الآن لحياة شعب يرتفع بنفسه عن مستوى الحياة الدنيا في المعيشة بما يكتنفها من ضعف وإذلال1.
وأقول إن معرفتي الشخصية بالدكتور البهي تجعلني أستغرب جداً صدور هذا الكلام منه، إذ أن فيه من الخلط والعفوية ما لم نعهده في الدكتور الذي تعلمنا منه الدقة في التعبير والبعد عن المجازفة في إصدار الأحكام.
وإلا فما معنى قوله إنها لم تستسغ حتى الآن عصر الآلة الحديثة وهو يعني حتى صدور كتابه هذا الذي صدر منذ ثلاثة أعوام فقط.--------------------------------------------
1 انظر مشكوراً: الفكر الإسلامي في تطوره ص88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
فمن في الدنيا كلها بطولها وعرضها يسمح لنفسه أن يصدر مثل هذا الحكم على دولة يعرفها العالم كله ويعرف مدى التقدم الذي أحرزته في استخدام الآلات الحديثة بكل أنواعها.
إن الطفل الآن في السعودية يقود السيارة ويعرف كل أجهزتها وقطع غيارها، وشباب السعودية الآن هو الذي يقوم بمعظم الأعمال الفنية في شركة آرامكو بالدمام1.
ولست أدري هل حكمه هذا حكم على الحركة نفسها أو على أتباعها المؤمنين بها، فإن كان يعني الحركة نفسها فهو غير صحيح، إذ ليس في مبادئها محاربة ما يستحدث من الصناعات أو ما يكتشف من الاختراعات، بل إنها تؤمن بقبول الحياة المادية للتطور، ما دام الكون كله بما فيه من قوى مسخراً للإنسان كما نطق بذلك القرآن، ولا ترى مانعاً من الاستفادة من كل تطور يحدث، ما دام لا يتعارض مع المبادئ الأساسية للإسلام.
وإن كان يعني القائمين بالحركة والمؤمنين بها فهو غير صحيح أيضاً.
فإن استخدام السعوديين للآلات الحديثة بجميع أنواعها وانتفاعهم بكل ما أنتجته الحضارة، أمر يعرفه العام والخاص، إلا أن يكون دكتورنا--------------------------------------------
1 شركة آرامكو السعودية أكبر شركة في العالم في مجال صناعة البترول ومشتقاته، والشيء بالشيء يذكر فأنا أعرف العم عبد الله بن ناصر بن إبراهيم بن محمد العبد الكريم حفظه الله ورعاه من أهالي مدينة حرمة بالمملكة العربية السعودية وهو يعمل في هذه الشركة العملاقة من عام 1367هـ - 1974م أي من قبل تسعة وخمسين عاماً في مجال هندسة الميكانيكا قبل أن يعرف شباب كثير من الدول العربية والإسلامية الهندسة وهذا دليل على أن رجال السعودية أثبتوا جدارتهم، وعمق صلتهم بهذه الدعوة الإصلاحية، وأنهم في المقدمة مع الدول الحضارية، وهذا مشاهد لكل منصف واضح للعيان إلى عامنا هذا 1426هـ - 2005م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
الذي ما زال يظن السعوديين يعيشون حياة صحراوية يركبون فيها الجمل ويستدفئون بالخشب ويطبخون على الأثافي.
أما قول سعادته إن الدعوة إلى القرآن والسنة قصد بها أولاً وبالذات سير الحياة الإسلامية في ظل تعاليم الإسلام فهذا صحيح فإن الإسلام إنما شرع منهجاً للحياة فلا بد من إقامة الحياة كلها على أساسه إذا أريد أن تكون أفضل حياة.
ولكن ما معنى قول سعادته بعد ذلك: "وفي صحبة الحضارة الصناعية التي لا بد منها الآن.. إلخ" فما دخل الدعوة إلى القرآن والسنة بالحضارة الصناعية وبناء حياة الشعب عليها؟
إن الحضارة الصناعية نوع من الترف في أساليب المعيشة، ومحاولة لتخفيف مشقاتها، وهذا شيء لا دخل له بالدعوة إلى تطبيق القرآن والسنة، فهو خلط لا معنى له.
صحيح إن الإسلام يبيح لمعتنقيه أن يأخذوا بأساليب الحياة الصناعية الحديثة، أما دعوى أن هذا لا بد منه في الإسلام فهي دعوى لم نسمح أحداً من مفكري الإسلام قد ادعاها قبل الدكتور وما رأي سعادته لو أن شعباً مسلماً أحسن التطبيق لمبادئ الإسلام ولكنه قصر في حياته المعيشية على الوسائل البسيطة وبعض الصناعات البدائية الموجودة عنده ولم يستورد شيئاً مما استحدث من الصناعات، ولا أخذ بأساليب الحياة العصرية، هل يعد هذا الشعب - في نظر دكتورنا - خارجاً عن الإسلام؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
إقامة نظام الحياة كله على أساس الإسلام:
ثم يقول سعادته: "إن سير الحركة الوهابية من الوجهة الفكرية والعملية الآن، يسند اتجاهين ليس هو الاتجاه صاحب أثر إيجابي في ربط طوائف الجماعة الإسلامية بعضها ببعض، ولا هو ثالثاً مما يدل على أن الإسلام دين لحكم الجماعة وإصلاح الفرد وأنه يستطيع مواجهة الأحداث وألوان الحياة المختلفة"1.
ولست أدري ما الذي يعنيه الدكتور بالاتجاه الذي يسنده سير الحركة فكراً وعملاً؟
ونحن لا نعلم لسير الحركة اتجاهاً من الوجهة الفكرية إلا إبراز التصور الصحيح للعقيدة الإسلامية، وإحياء المفاهيم التي انحرفت بتأثير عوامل الهدم ي الحياة الإسلامية، وما أكثرها، وأما من الوجهة العملية فلا اتجاه للحركة إلا الحفاظ على التوحيد وصيانته من أوضار الوثنية، وإقامة نظام الحياة كله على أساس الإسلام في كل المجالات من تشريع واقتصاد واجتماع … إلخ.
وأما قوله: إن هذا الاتجاه الذي تسنده الحركة، ليس هو صاحب الأثر الإيجابي في نهضة شعب الجزيرة، فلعل هذا وجهة نظره هو، وكل حر فيما يراه.
وأما الواقع الملموس فيقول: إن سير الحركة واتجاهها لم يعق أبداً نهضة الشعب، ولا وقف حائلاً دون تقدمه. فمظاهر النهضة واضحة--------------------------------------------
1 انظر مشكوراً: الفكر الإسلامي في تطوره ص88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
كالشمس يراها كل من له عينان، ويلمسها كل من زار المملكة وشاهد منجزاتها الضخمة في كل مناحي الحياة.
وكم نتمنى أن يقوم الدكتور بزيارة لتلك البلاد العزيزة العتيدة ليلمس بنفسه أثر تلك النهضة المباركة في كل ما تقع عليه عيناه.
وأما قول الدكتور: "ولا هو كذلك صاحب أثر إيجابي في ربط طوائف الجماعة الإسلامية" فإن أبلغ رد عليه هو ذلك الدور العظيم الذي يقوم به عاهل الجزيرة حفظه الله في جمع شتات المسلمين وتوحيد كلمتهم، وإذكاء مشاعر الأخوة الإيمانية بينهم، وكان من أثر ذلك السعي المشكور والجهد المبرور، انعقاد مؤتمري الرباط ولاهور1، ثم تلك المؤتمرات المتواصلة لوزراء خارجية العالم الإسلامي، وما تتمخض عنه من قرارات تعود على المسلمين جميعاً بالإعزاز والتمكين.
ثم إنشاء "رابطة العالم الإسلامي" التي تضم ممثلين لمعظم الأقطار الإسلامية، والتي تقوم مشكورة بإمداد المنظمات والهيئات الإسلامية بكل ما تحتاجه من كتب علمية ودينية وعقد المؤتمرات الدورية لتلك المنظمات بمكة، وكان آخرها منعقداً وأنا أكتب هذه السطور، ثم إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي تضم أبناء أربع وثمانين دولة إسلامية، ثم اهتمام جلالته بإنشاء المراكز الإسلامية--------------------------------------------
1 واستمرار اً لتلك الجهود فإن المملكة العربية السعودية تستقبل في الخامس من شهر ذي القعدة سنة ستة وعشرين وأربعمائة وألف للهجرة الموافق للسابع من شهر ديسمبر سنة خمس وألفين ميلادي مؤتمر القمة الإسلامية الاستثنائي في مكة المكرمة، نسأل الله جل في علاه أن يجمع كلمة المسلمين على الحق، وأن يؤلف بين قلوبهم بمنه وكرمه وإحسانه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
وتشييد المساجد في جميع أنحاء العالم، ومساعدة الجمعيات الدينية والخيرية في البلاد العربية والإسلامية.
ونذكر الدكتور أيضاً بزيارة جلالته الأخيرة لعديد من عواصم الدول الإفريقية لتفقد أحوال إخوانه المسلمين فيها، وكيف نجح جلالته في تحويل عدد كبير من هذه الدول عن التعامل مع إسرائيل وإلغاء التمثيل الدبلوماسي معها.
وكذلك زيارة جلالته الأخيرة لفرنسا التي كسب فيها لقضية العرب لا تأييد فرنسا وحدها بل تأييد مجموعة دول أوربا الغربية.
هذا قليل من كثير مما قام به ملك الوهابيين يا سعادة الدكتور.
فهل لا زلت بعد ذلك عند رأيك في أن الاتجاه الذي تسنده الحركة ليس هو صاحب الأثر الإيجابي في ربط طوائف الجماعة الإسلامية بعضها ببعض، أم ماذا يا دكتور؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
تجربة الحكم الإسلامي في السعودية 1:
وأما قول سعادته: "ولا هو ثالثاً لما يدل على الإسلام دين لحكم الجماعة وإصلاح الفرد.. إلخ"2. فالضمير هنا طبعاً للاتجاه الذي تسنده الحركة، ويبدو لي أنه يريد به الحكم الملكي السعودي، وأنه حكم لا يدل على أن الإسلام صالح لحكم الجماعة ولا لإصلاح الفرد، ولا أنه دين يستطيع مواجهة الأحداث!--------------------------------------------
1 ولمزيد من التوسع في هذا الموضوع: انظر مشكوراً كتاب "المجالس المفتوحة والمفهوم الإسلامي للحكم في المملكة العربية السعودية".
2 انظر مشكوراً: الفكر الإسلامي في تطور ص88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
وسعادته يقصد - بغير لف ولا دوران - أن تجربة الحكم الإسلامي في السعودية تجربة فاشلة، ولا أظن أحداً من أعداء السعودية أنفسهم يجرؤ أن يدعي مثل هذه الدعوى، لأنه يخشى أن يصبح ضحكة للناس، أو أن يرمى بالعته والجنون.
فإن الحكم في السعودية بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء أصبح بحمد الله مضرب المثل في العدل والأمن والاستقرار، بسبب إقامته للحدود الإسلامية، وكل ميزات الحكم الصالح لا تجدها متوفرة مكان ما من أرض الله إلا في السعودية، وأما إصلاح الفرد، فإن العناية بتنشئة الأفراد تنشئة صالحة، فكرياً وخلقياً ووجدانياً، على أتم ما يكون.
وأما مواجهة الأحداث وألوان الحياة المختلفة، فإن السعودية تكاد تكون الدولة الإسلامية الوحيدة التي استطاعت أن تنتفع بما يستجد من ألوان الحضارة، دون أن تذوب فيها كما فعلت دول إسلامية كثيرة.
بل إنها وقفت منها موقف المسلم الذي يعرف كيف يستفيد مما عند الآخرين، دون أن يضر ذلك بدينه أو بأخلاقه أو بعاداته.
ثم يقول سعادته: "إن الفجوة بين الفكرة الأساسية للحركة الوهابية وبين التطبيق العملي في حياة المؤمنين بها فجوة واضحة.
إن مجال الفكر الوهابي والعقيدة الوهابية مجال القراءة والترديد إنه مجال الاصطناع والاحتراف بها في غير بناء وفي غير ملاءمة".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
ولا نظن أن مثل هذا الكلام قد صدر من الدكتور وهو في حالة اتزان أبداً، بل لا بد أن يكون قد كتبه تحت حالة انفعالية شديدة، فلقد بدأ فيه كثور هائج لا يقذف خصومه بالكلمات فحسب بل بالطوب والحجارة.
إنه كلام كان يجب أن يحاكم عليه الدكتور وأن يتحمل تبعته وعقباه. إنه يرمي الوهابيين أولاً بالنفاق وأنهم يقولون ما لا يفعلون، ويتخذون من الدعوة شعاراً لا أثر له في التطبيق العملي والحياة الواقعية.
ثم يرميهم ثانياً بالجهل وأنهم يقرءون ما لا يفهمون، ويرددون عبارات لا يعرفون مدلولاتها.
ثم يرميهم ثالثاً بالتسول واتخاذ الدعوة مجالاً للاحتراف والتأكل بها، أليس كذلك يا دكتور؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
منهج فكر وخطة حياة:
ولكن الحقيقة التي حجبها الغضب والانفعال عنك، على عكس ما تقول تماماً في اتهاماتك الثلاثة، فلا توجد فجوة أصلاً بين المجال النظري للحركة الوهابية وبين التطبيق العملي للمؤمنين بها، بل لا نعرف حركة إسلامية كانت أمينة على مبادئها وملتزمة بها في مجال التطبيق مثل الحركة الوهابية، ولعل هذا هو الذي ضمن لها البقاء والرسوخ، فقد أصبحت منهج فكر وخطة حياة وجزءاً من كيان المؤمنين بها، ولم يكن مجال الفكر الوهابي والعقيدة الوهابية هو مجال القراءة والترديد كما يدعي الدكتور، بل هو مجال الفهم السليم والإيمان الواعي والدعوة الصادقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)