قال الشيخ: فهذه خلافة الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين على مراتبهم ومنازلهم، حقق الله الكريم فيهم أخباره، وتم أمره، ونجز وعده، وخرجت أفعالهم وأحوالهم موافقة لوعد الله فيهم، ووصفه لهم ولأخبار رسول الله وسنته.
وقامت الحجة على الرافضة الضالة، والخوارج ⦗ص: 339⦘ المبتدعة، من كتاب الله، ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن إجماع عدول الأمة، وإجماع جميع أهل العلم في جميع البلدان والأمصار والأقطار، لا يمكن دفعه ولا ينكر صحته إلا بالكذب والبهتان، واختلاق الزور والعدوان، ولأنّا قد ذكرنا من فضل كل واحد منهم، ومما جاء فيه من الفضائل العظيمة، والأخلاق الشريفة، والمناقب الرفيعة، الدالة على موجبات خلافته وإمامته، وكل ذلك فمن كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن إجماع أهل القبلة في جميع أقطار الأرض وأمصارها، وفي بعض ذلك كفاية وشفاء لأهل الإيمان.
فأما من طلب الفتنة، وحشي قلبه بالغل، ورَمَى بالحسد والعداوة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان دينه دنياه، ومعبوده هواه، وحجته البهتان، وشهوته العدوان، وغلبت عليه حميّة الجاهلية وعصبيّة العامية، وسبقت فيه الشقاوة، فليس لمرض قلبه دواء، ولا يقدر له على عافية ولا شفاء، فإن في الناس من تغلب عليه الشقاوة، وصلابة القلب والقسوة، ⦗ص: 340⦘ حتى يطعن في خلافة أبي بكر وعمر، ومنهم من يطعن في خلافة عثمان وعلي، ومنهم من يطعن في خلافة علي عليه السلام، وكل ذلك فمقالات رديئة، صدر أهلها فيها عن آراء دنية، وقلوب عمية، وألباب صدية وأحلام سخيفة، وعقول خفية، اتبعوا فيها الهوى وآثروا فيها الدنيا.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٣٨)
وبالحري، أن نذكر الآن من مجمل القول ما دلّ على جهل أصحاب هذه المقالات، وقبح مذاهب أهل الجهالات، مما دلنا عليه سلفنا وأئمتنا، وعَدَلت في الشهادة، ووضحت به الدلالة، من الكتاب المنزل وما قاله النبي المرسل.
فنقول: إنا وجدنا الأمم السالفة، والقرون الماضية من أهل الكتب المختلفة، ومن كان بعدهم من الباقين والغابرين، مجمعين لا يختلفون، ومتفقين لا يتنازعون أنه لم يكن نبي قط في زمان من الأزمان، ولا وقت من الأوقات، قبضه الله تعالى إلا تلاه وخلفه نبي بعده، يقوم مقامه، ويحيي سنته، ويدعو إلى دينه وشريعته، فإن لم يكن نبي يتلوه فأفضل أهل زمانه، لا ينكر ذلك أحد من الأمم.
فكان إبراهيم، ثم خلفه إسحاق من بعده، ثم كان بعد إسحاق يعقوب، فكان في عقب كل نبي نبي أو رجل يتلوه أفضل أهل زمانه، ثم كان موسى فقام من بعده يوشع بن نون، ثم
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٤١)
كان داود فقام من بعده سليمان، ثم بعث الله عيسى ثم رفعه إليه، فقام من بعده حواريوه الذين دعوا إلى الله، وكان أفضل حوارييه الذين دعوا إلى الله وكان أفضل حوارييه الذين جمعوا الإنجيل وهم أربعة نفر فكانوا هم القائمين لله بدينه وبكتابه،
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٤٢)
وبخلافة عيسى من بعده في أمته، وكان بقية الحواريين لهم تابعين، وبفضلهم مقرين، ولهم طائعين، فقبلوا جميع الإنجيل عنهم دون سائرهم، ولما مضت سنة الله تعالى في أنبيائه، وجرت فيهم عادته، أنه لا يقبض نبياً إلا خلفه نبي أو من اختاره الله من أفاضل أهل زمانه، من الأئمة الراشدين المهديين، بدلاً من] الأئمة المرسلين [وكان نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، فلا نبي بعده ولا كتاب ينزل، لم يجز إلا أن يكون بعده إمام يقوم مقامه، ويؤدي عنه، ويجمع ما شذ ويَردُّ من ند، ويحوط
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٤٣)
الإسلام ويقوم بالأحكام، ويذبّ عن الحريم ويُغْزِي، بالمسلمين، ويجاهد الكافرين، ويقمع الظالمين وينصر المظلومين، ويقسم الفيء بين أهله، ويقوم بما أوجب الله
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٤٤)
على الإمام القيام به، من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإقامة مواسم الحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتسوية بين المسلمين في حقوقهم بالقسط والعدل، وتسويتهم بنفسه فيما وجب عليه من حقوقهم، وتركه الاستيثار عليهم في صغير الدنيا وكبيرها. فإنه لم يجز أن يكون القيّم بذلك المتكفل به بعقب النبوة، وتالي صاحب الشريعة، إلا من هو خير أهل زمانه، وأفضلهم، وأتقاهم، وأعلمهم بسياسة الأمة وحياطة المسلمين والرأفة بهم، والرحمة لهم، لأنه قد استيئس من رسول يبعث، أو نبي يأتي، فيقول قد أخطأتم بولايتكم فلاناً، وجهلتم حين عَدَلتم عن فلان، ولا كتاب ينزل كما كان في الأمم السالفة والقرون الماضية، وكانت هذه الأمة هي خير الأمم التي أخرجها الله للناس، وهي آخر الأمم، وجعل أهلها هم الشهداء على الناس، وجعل الرسول عليهم شهيداً.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٤٥)
كما قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} ثم قال: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} يعني: عدلاً {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} ثم قال: {وجئنا بك شهيدا على هؤلاء} فلم يكن الله ليمدح هذه الأمة بالخيرة، ويجعلها شاهدة على غيرها، ويصفها بالعدالة، معْ ما نعتها به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان به، فلم يكن تعالى ليمدح هذه الأمة بالخير الكثير، ويفضلها
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٤٦)
على جميع الأمم الماضية، ويجعل نبيها خير المرسلين وخاتم النبيين، ثم يفضل سائر الأمم عليها وجميع الأنبياء على نبيها، بأن يجعل في عقب كل نبي نبياً مثله، أو رجلاً من أمته هو خيرها وأفضلها، يخلف ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمته، ويدعوهم إلى شريعته، يجعل خَلْف هذا النبي الفاضل في هذه الأمة الخيّرة شرّ أهل زمانه، وأضلّ أهل عصره كما زعمت هذه الفرقة الضالة التي طعنت في خلافة أبي بكر، وقالت: إن الخليفة
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٤٧)
الذي قام بعقب نبينا ضالّ، وأن الأمة التي قال الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} إنها شرُّ أمة أخرجت للناس؛ لأنهم ضلال كفار إذ بايعوا ضالاً، وكانت جميع الأمم قبلهم أفضل منهم، إذ قام بعقب كل نبي نبيٌ، أو أفضل أهل زمانه، وقام بعد نبينا -بزعم الرافضة- أضل أهل زمانه يتلوه ويتبعه، وتابعته الأمة كلها على ذلك منذ يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا؛ لأن البيعة انعقدت بعد النبي صلى الله عليه وسلم الضال بايعه ضلال، والناس كلهم على آثارهم يُهْرعون، ....
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٤٨)
فعلى ما أصّلتِ الرافضة لأنفسها من دينها، وانتحلته من مذاهبها، أن هذه الأمة التي أخبر الله أنها خير أمة أخرجت للناس، هي شر أمة أخرجت للناس؟ وأن الأمة التي جعلها الله وسطاً لتكون الشاهدة على الناس هي المشهود عليها؟!، وأن النبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين؛ لأن الذين آمنوا به في حياته وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون: كفروا به بعد وفاته، وخالفوه وجحدوه، وأجمعوا كلهم على ضلالة بعده، ثم قفا الناس أثرهم، فضلوا بضلالتهم، وكفرت الأمة كلها باتباعهم، فبطل عند الرافضة أمرُ الله، وكذبت أخبار الله، واستحال
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٤٩)
وجود صحة كتاب الله فيما أثنى عليهم فيه، حيث يقول: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا}.
فقالت الفرقة المفترية على الله: يبتغون ظلماً وطغياناً، وكفراً وآثاماً: تعالى عما تقوله الرافضة علواً كبيراً.
وقال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار}.
وقال تعالى: {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون* أعد الله لهم جنات}.
وقال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا}.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٥٠)
فقدم الله الرضى عنهم لِمَا علم من قلوبهم أنها خير قلوب البرية بقوله: {فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم} لما علم من صحة قلوبهم، ثم أخبر بعاقبة أمرهم، وآخر مصيرهم، وما أعده لهم، فقال: {وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا} ثم وصف أعمالهم وأقوالهم، في حركاتهم وسكونهم وقيامهم وقعودهم، وَهِمَمِهم وعزومه، وما هم لله سائلون ومنه طالبون، ثم وصف استجابته لهم، وحفظه لأعمالهم، وجميل صنيعه بهم، ذكْراً يُفهم، وأثابهم، ومكافأته لهم بأحسن المكافأة، وأجزل المجازاة، فقال تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} ثم ما زالوا دواماً وإلحاحاً حتى استجاب لهم ربهم {أني لا أُضيع عمل عامل منكم {إلى قوله: {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب}.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٥١)
فيلزم من طعن في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، أو طعن على مَنْ بايعهم واتبعهم أن يقول: إن الله تبارك وتعالى -عما تقوله هذه الفرق الضالة- علواً كبيراً، أن يقولوا: إن الله أثنى عليهم بما جهله من أمر عاقبتهم، وذلك أنه قدّم الوعد لهم وهو لا يعلم أنهم ينكثون ويجورون، فيكفرون، وأنه رفع السكينة من قلوبهم لكفر في قلوبهم حتى قالت الخوارج الضالة في علي عليه السلام ما قالته وكفرته.
وقالت المبتدعة المتأخرة فيه رضي الله عنه ما قالته مما قد رفعه الله عنه ونَطق القرآن به، وجاءت السنة بخلافه.
وقالت المبتدعة في خلافة أبي بكر ما قالته حتى كفرته،
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٥٢)
وكفّرت الذين عقدوا خلافة أبي بكر وبايعوه وكفى بقائل هذه المقالة من الفريقين شناعة وبشاعة، فإنها ألزمت أنفسها -جهلاً وبغياً وعدواناً، وسلكت طريقاً موحشاً مُغْوِراً مهلكا غير مستقيم ولا مسلوك- بأن قالوا: إن الله لم يعلم عاقبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا إلى ماذا يصيرون، ولا ما هم عاملون، حتى أثنى عليهم بما لا يستحقون، ووعدهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً.
فزعمت هذه الفرق الشاردة عن الدين، والمفارقة لجماعة
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٥٣)
المسلمين، أن الصحابة غيروا وبدلوا وكفروا، فالجنان التي وعدهم الله أنهم فيها خالدون إنهم إليها لا يصلون، وفيها لا يسكنون، فنعوذ بالله من الحيرة، والعمى والضلالة بعد الهدى، وأن نقول على الله ما لم يقل، ونلزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما وعدهم، وأن نكذب الله فيما وصفهم به، وأن نقول بقول هذه الفرق المذمومة الذين أدخلوا في أخبار القرآن التناقض، وجَهّلوا الله تعالى إذ أعدّ لمن يكفر به ويرتد عن دينه جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً.
وبعد فإنه لا يخلو ما ألزموه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٥٤)
السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان الذين قدم الله فيهم الوعد، وأخبرهم بما أعدّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، فلا يخلو أن يكون فَرْض الرضا وإعداد الجنات وهو يعلم أنهم يكفرون، أو لا يعلم أنهم يكفرون؟.
فإن كان يعلم أنهم يكفرون ببيعتهم أبا بكر، فقد قدم الرضا عن قوم، وأعدّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وهو عالم أنهم يكفرون، أو يكون قدّم لهم هذا الوعد وهو لا يعلم بما هم عاملون.
فكفى بقائل هذه المقالة جحداً وكفراً.
وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون في أمتي قوم لهم نبز يقال لهم الرافضة، أين وجدتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون" قيل: يا رسول الله وما صفتهم؟ قال: "يشتمون السلف ويطعنون عليهم".
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٥٥)
* حدّثَنَا أبو بكر محمد بن بكر قال: قال محمد بن عطية السامي: "لو كان على مذهب القياس بزعمهم -يعني الرافضة- أن الحق كان لعلي رضي الله عنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوه، فقعد وقام غيره به يتلو رسول الله، فقام بأمره، ووضع الحق في موضعه، قالقياس يلزم لو كان رجلاً غير أبي بكر قام مقام أبي بكر؛ لأن أمر الله تعالى، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم تقدم في أبي بكر، فقعد عن أمر الله، قتقدم رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام بهذا الأمر قيام أبي بكر حتى ينفذ أمر الله، ويعدل فيه عدل أبي بكر، ويقوم بطاعة الله إذ ضيعها أبو بكر، كان بذلك أحق في القياس منه، لقيامه بأمر الله تعالى، وشدته في طاعة الله، وكان استخلافه لذلك دون من ضيعها في المعقول والقياس، كان أكبر رأياً وأحسن توقعاً في أمر الله تبارك وتعالى".
ومعاذ الله أن يكون ابن أبي طالب لأمر الله مضيعاً، أو لحق الله تاركاً، أو عن طاعة الله عاجزاً، ولقد خطب علي
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٥٩)
رضي الله عنه فتبرأ من أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بشيء من ذلك، وقد تقدم ذكر الخطبة في هذا الجزء من هذا الكتاب.
ولقد كان علي من أقوى الناس في الله، وأعقل من أن يضيع أمر الله، أو يخالف رسول الله وهو يقرأ: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره … الآية}، وقد تقدم الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باستخلاف علي في وقته بالنص والدلائل ⦗ص: 361⦘⦗ص: 362⦘ التي بيناها وشرحناها في ذكر خلافته في هذا الكتاب - والله أعلم.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٦٠)
باب ذكر اتباع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أيام خلافته سنن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم واتباع بعضهم لبعض
قال الشيخ: وما وهبه الله تعالى لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم عامة، وزاد في العطية منه للخلفاء الأربعة من المنقبة الجليّة، والفضيلة الخطيرة، ما كانوا عليه من صريح المحبة، وصحيح الأخوة والمودة، وتقارب القلوب وتآلفها وتراحم النفوس وتعاطفها، وذلك من معجزات أطباع البشرية، مع ملكهم الدنيا ورئاستها، ووراثتهم الأرض وخلافتها، وتمهيدها ووطأة أهلها وتذليلهم رقاب عتاتهم وجبابرتها، من عربيها وعجميها في شرقها وغربها، وبرِّها وبحرها، وكثرة قضاياهم ⦗ص: 364⦘ وأحكامهم بين أهلها، وما جدّ كل واحد منهم إلى تشريع شريعة لم تكن، وتسنين سنة تحدث، والحكم في معضلة تقع، وفتح أبواب مغلقة وقلوب مقفلة، وما يسنه في ذلك ويقضيه فسنة للمسلمين، ويحكم بها إلى يوم الدين.
وكل واحد منهم مستحسن لسنة من يكون قبله، وسالك طريقته، غير عائب له، ولا منكر عليه، فإذا انقضت مدة أحدهم وَوَرَّثَ اللهُ صاحبه من بعده خلافتَه، قفا أثره، وسلك طريقته فلم ينقض له حكما، ولم يغير له سنة، خلافاً لما عليه أبناء الدنيا وملوكها من تتبع أحدهم صاحبه حتى يبدل شرائعه، ويغير رسومه، وليبدي معائبه، ويظهر مثالبه، ضدّاً لأفعال الخلفاء الراشدين الذين برّأهم الله وصَفَّاهم من المعائب والمثالب.
والعلة في الأمر، الذي طهر الله به قلوب أوليائه من المؤمنين، وخصّ بذلك الخلفاء الراشدين: اجتماع القوم في مراد واحد، وهو الله وحده والدار التي عنده، وأن موردهم كان على عين الإيمان، فصدروا عنها رواءً منْ عللٍ بعد ⦗ص: 365⦘ نهل، وبذلك وصفهم الله حين أيّد دينه ونبيه بهذه المنقبة التي وهبها لهم، حيث يقول: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين* وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم}.
فحسبك بقلوب تولّى الله تأليفها، وجمع شمل المحبة، بين أهلها.
وكذلك ذَكرهم عظيم منته عليهم فيما وهبه لهم من هذا الحق، حيث قال: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا}.
فبذلك وعلى ذلك بحمد لله عاشوا متآلفين، وعليه ماتوا متفقين غير متحاسدين، ولا متقاطعين، ولا متدابرين، وعليه يجتمعون في حظيرة القدس في جوارب العالمين حيث ⦗ص: 366⦘ يقول: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين* لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين}.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٦٣)
70 - حدثنا محمد بن يوسف البيع قال: حدثنا أبو رويق قال: حدثنا حجاج قال: حدثنا سفيان عن ⦗ص: 367⦘ إسرائيل قال: سمعت الحسن يقول قال علي فينا والله أهل بدر نزلت {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين}
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: ٣٦٦)