Arabic source text

📘 আল-হাদীস ওয়াল মুহাদ্দিসূন (মুহাম্মদ মুহাম্মদ আবু জাহু - মৃত্যু 1403 হিজরী)

📘 الحديث والمحدثون (محمد محمد أبو زهو - ت 1403 هـ)

📘 আল-হাদীস ওয়াল মুহাদ্দিসূন (মুহাম্মদ মুহাম্মদ আবু জাহু - মৃত্যু 1403 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ومنهم حماد بن شاكر النسوي مات حوالي سنة "290"، وفاته منه شيء أيضان وأبو طلحة منصور بن محمد بن علي بن قرينة البزدوي، المتوفى سنة "329"، وهو آخر من حدث عن البخاري بصحيحه، كما جزم به ابن ماكولا غيره1.
ما اشتملت عليه تراجم البخاري من الفوائد:
قدمنا أن البخاري رحمه الله تعالى، كان من أئمة الفقه المجتهدين لذلك جاء كتابه جامعا لكثير من المسائل الفقيه، فقد أودع تراجم الأبواب كثيرا مما اهتدى إليه باجتهاده، واستنبطه بعقله مما يدل على براعته في الفقه واستنباط الأحكام الشرعية من الأحاديث، وله في تلك التراجم طريقتان ظاهرة وخفية:
الطريقة الأولى: أن تكون الترجمة دالة بطريق المطابقة على ما ساقه من الأحاديث كأن يقول: هذا الباب الذي فيه كيت وكيت، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلًا، وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له، وقد تكون ببعض ألفاظه، وقد تكون بمعناه، وهذا هو الغالب على تراجمه.
الطريقة الثانية: أن يأتي في الترجمة بلفظ عام، ويكون المترجم له من الأحاديث خاصا تنبيها منه على أن الحكم عام، وأن الحديث وإن كان خاصا، فهو مراد به العموم، وقد يكون الأمر على عكس ذلك، فينبه بالترجمة على أن الحديث وإن كان عاما إلا أنه يراد منه الخصوص، وعلى هذا الأمر في المطلق والمقيد وشرح المشكل، وتفسير الغامض، وتأويل--------------------------------------------
1 مقدمة فتح الباري جـ1 ص4، خطبة فتح الباري، مفتاح السنة ص39، وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)

الظاهر وتفصيل المجمل "وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب، ولهذا اشتهر عن جمع من الفضلاء: فقه البخاري في تراجمه"، وأكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد، الذي تجم به، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مضمره، وكثيرا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله باب هل يكون كذا، أو من قال كذا، وذلك حيث لا يتجه له القطع بأحد الاحتمالين، وكثيرا ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوة، ولكنه إذا حققه المتأمل، كان كثير النفع كقوله: "باب قول الرجل: ما صلينا"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك وكقوله: "باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك، وكثيرا ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحا في الترجمة، ويورد في الباب مما يؤدي معناه تارة بأمر ظاهر وتارة بأمر خفي، ومن ذالك قوله: باب الأمراء من قريش. فهذا حديث ليس على شرط البخاري وأورد فيه: "لا يزال وال من قريش"، ومنها قوله: "باب اثنان فما فوقهما جماعة"، وربما اكتفى أحيانا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرا أو آية فكأنه يقول لم يصح في الباب شيء على شرطي.
صحيح مسلم:
هو كتاب صنفه إمام مسلم بن الحجاج، النيسابوري في الصحيح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، ويقع في الدجة الثانية من الصحة بعد صحيح البخاري. احتوى على أربعة آلاف من الأحاديث الصحاح من غير المكرر. وبالمكرر "7275"، وقد سلك مسلم في صحيحه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)

طريقة حكيمة جعلته سهل التناول، قريب المأخذ فهو يجمع الأحاديث المتناسبة في مكان واحد ويذكر طرق الأحاديث، التي ارتضاها ويورد أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة مع إيجاز في العبارة، وترتيب حسن واحتياط بالغ. ذكر مسلم رحمه الله في مقدمة جامعه الصحيح أنه يقسم الأحاديث ثلاثة أقسام: الأول ما رواه الحفاظ المتقنون. والثاني ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والاتقان. والثالث ما رواه الضعفاء المتروكون، وأنه إذا فرغ من القسم الأول، أتبعه الثاني. وأما الثالث فلا يعرج عليه1. وصحيح مسلم مرت على أبواب الفقه، غير أنه لم يذكر تراجم الأبواب فيه، لئلا يزداد بها حجم الكتاب.
وقد ترجم جماعة من الشراح أبوابه تباجم بعضها جيد، وبعضها ليس بجيد وتولى الإمام النووي الترجمة عنها بعبارات تليق بها، فأجاد كثيرا2.
الباعث لمسلم على تأليف الجامع الصحيح أمران:
أحدهما: جمع طائفة من الأحاديث الصحيحة، المتصلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المشتملة على أحكام الدين وسننه، وغير ذلك على وجه يقربها للباحثين في الفقه الإسلامي وغيره وذلك؛ لأن المصنفات في ذلك العصر كانت صعبة المأخذ ممزوجا فيها الصحيح بغيره، وصحيح البخاري، وإن كان قد رتبه على الأبواب إلا أنه ما زال الكشف فيه من الصعوبة بمكان لخفاء تراجمه، ودقة وضعه على من ليسوا من أهل الفن.
الأمر الثاني: رأى مسلم رحمه الله ما كان من القصاص، والزنادقة--------------------------------------------
1 قيل: إن المنية عاجلته قبل إخراج القسم الثاني، وقيل: إنه استوفى القسمين الأول والثاني، ورجحه النووي.
2 مقدمة النووي لشرح مسلم ص30-33 بهامش القسطلاني.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)

وجهلة المتصوفة في خداع العامة، وإغرائهم بالمناكير، وحشوهم لأذهان الناس بالأساطير. فأراد أن يجذب العامة من الظلمة إلى النور، ويقدم لهم كتاب في الصحاح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تطمئن قلوبهم إليها، وبذلك يشغلون عن هذه الطوائف المفسدة، ونحن ننقل لك جملة من كلام الإمام نفسه، تدل على غرضه ذلك قال رحمه الله في مقدمة صحيحه: "الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، أما بعد فإنك يرحمك الله بتوفيق خالقك، ذكرت أنك هممت بالفحص عن تعرف جملة الأخبار المأثورة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن الدين، وأحكامه، وماكان منها في الثواب، والعقاب، والترغيب والترهيب، وغير ذلك من صنوف الأشياء بالأسانيد، التي بها نقلت وتداولها أهل العلم فيما بينهم، فأردت -أرشدك الله- أن توقف على جملتها مؤلفة محصاة، وسألتني أن ألخصها لك في التأليف بلا تكرار يكثر -إلى أن قال: إلا أن ضبط القليل من هذا الشأن، وإتقانه أيسر على المرء من معالجة الكثير منه، ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام، إلا بأن يوقفه على التمييز غيره، وإذا كان الأمر في هذا كما وصفنا، فالقصد منه إلى الصحيح القليل أولى بهم من ازدياد السقيم، وإنما يرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشأن، وجمع المكررات منه لخاصة من الناس ممن رزق فيه بعض التيقظ، والمعرفة بأسبابه وعلله، فأما عوام الناس الذين هم بخلاف معاني الخاصة، فلا معنى لهم في طلب الكثير وقد عجزوا عن معرفة القليل، ثم قال: وبعد يرحمك الله فلولا الذي رأينا من سوء صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثا، فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة، والروايات المنكرة، وتركهم الاقتصار على الأخبار الصحيحة المشهورة مما نقله الثقات

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)

المعروفون بالصدق والأمانة، بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم أن كثيرا مما يقذفون به إلى الأغبياء من الناس هو مستنكر، ومنقول عن قوم غير مرضيين ممن ذم الرواية عنهم أئمة الحديث، مثل مالك بن أنس رحمه الله، وشعبه بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة لما سهل علينا الاتنصاب لما سألت من التمييز، والتحصيل ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر القوم الأخبار المنكرة بالأسانيد الضعاف المجهولة، وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها خف على قلوبنا أجابتك إلى ما سألت". ا. هـ.
من هذا ترى أن همة مسلم في صحيحه، كانت متوجهة إلى تجريد الأحاديث الصحاح من غير تعرض للاستنباط، ليكون سائغا عند الخاصة، والعامة على السواء ليصرف العامة عن الاستمعال إلى المناكير التي يبثها من نصبوا أنفسهم محدثين كالقصاص، والمتصوفة. وقد تلقته الأمة هو وصحيح البخاري بالقبول، وأقبل عليها العامة والخاصة، وحصل بذلك خير كثير، والحمد لله.
شرط البخاري ومسلم في صحيحهما:
اعلم أن البخاري، ومسلما لم ينقل عن واحد منهما أنه قال: شرطت أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سير كتابيهما. وللعلماء في تحقيق شرطهما في الصحيحين أقوال:
الأول: قال الحاكم أبو عد الله النيسابوري، المتوفى سنة "405" في كتابه المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل: "الدرجة الأولى من الصحيح اختيار البخاري، ومسلم، وهو أن يروي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي، المشهور وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)

بالرواية عن الصحابي وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين، حافظ متقن وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري، أو مسلم حافظا، مشهورا بالعدالة في روايته". ا. هـ. قال أبو علي الغساني: ليس المراد أن يكون كل خبر روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيه، ثم عن تابعيه فمن بعده، فإن ذلك يعز وجوده، وإنما المراد أن هذا الصحابي، وهذا التابعي قد روى عنه رجلان، خرج بهما عن حد الجهالة. ا. هـ. وقال ابن حجر في مقدمته لشرح البخاري: ما ذكره الحاكم وإن كان منتقضا في حق بعض الصحابة، الذين أخرج لهم -يعني البخاري- إلا أنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية من ليس له، إلا راو واحد فقط. ا. هـ.
القول الثاني: قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي، المتوفى سنة "507" في شروط الأئة الستة: شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غير مقطوع، وإن كان للصحابي راويان فصاعدا، فحسن، وإن لم يكن إلا راو واحد، وصح الطريق إلى كفى، إلا أن البخاري ترك أحاديث أقوال لشبهة، وقعت في نفسه أخرج مسلم أحاديثهم لزوال الشبهة عنهم عنده. ومثال ذلك أن سهيل بن أبي صالح، تكلم بعضهم في سماعه من أبيه، فقيل: صحيفة فترك البخاري حديث في الأصول لا في الشواهد، واستغنى عنه بغيره من أصحاب أبيه احتياطا، ومسلم اعتمد عليه لما سبر أحاديثه، فوجده يحدث عن عبد الله بن دينار، عن أبيه ومرة عن الأعمش عن أبيه، ومرة يحدث عن أخيه، عن أبيه بأحاديث فاتنة من أبيه فصح عنده أنه سمع من أبيه، إذ لو كان سماعه صحيفة، لكان يروى هذه الأحاديث، مثل تلك الأخر. وكذلك حماد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)

ابن سلمة إمام كبير مدحه الأئمة، وأطنبوا لكن تكلم فيه بعض منتحلي المعرفة أن بعض الكذبة، أدخل في حديثه ما ليس منه لم يخرج عنه البخاري في صحيحه، معتمدا عليه، بل استشهد به في مواضع ليبين أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث غيره من أقرانه، كشعبة وحماد بن زيد، وأبي عوانة وأبي الأحوص وغيرهم، ومسلم اعتمد عليه؛ لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء، والمتأخرين رووا عنه لم يختلفوا عليه، وشاهد مسلم منهم جماعة، وأخذ عنهم ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة النقل على ثقته وإمامته، ومثل حماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح في ذلك داود بن أبي هند، وأبو الزبير بن عبد الرحمن وغيرهما. فلما تكلم في هؤلاء بما لا يزيل العدالة، والثقة ترك البخاري إخراج حديثهم في الأصول تحريا، وأخرج مسلم أحاديثهم لزوال الشبهة. قال العراقي: وليس ما قال ابن طاهر بجيد؛ لأن النسائي ضعف جماعة، أخرج لهم الشيخان، أو أحدهما وأجيب بأنهما أخرجا من أجمع العلماء على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدح في ذلك تضعيف النسائي بعد وجود الكتابين. قال شيخ الإسلام ابن حجر الحافظ: تضعيف النسائي إن كان باجتهاده، أو نقله عن معاصر فالجواب ذلك، وإن نقله عن متقدم فلا.
قال: ويمكن أن يجاب بأن ما قاله ابن طاهر هو الأصل، الذي بنيا عليه أمرهما، وقد يخرجان عنه لمرجح يقوم مقامه "تدريب الراوي ص38".
القول الثالث: ما قاله الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي، المتوفى سنة "584"، قال في كتابه شروط الأئمة الخمسة ما ملخصه: مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه العدول، وفيمن روى عنهم من الثقات، فبعضهم حديثه صحيح، ثابت يلزم إخراجه، وبعضهم حديثه مدخول لا يصلح إخراجه إلى في الشواهد والمتابعات

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)

وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل، ومراتب مداركهم ولنوضح ذلك بمثال: وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلا على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها:
فالطبقة الأولى: جماعة من الرواة العدول، جمعوا بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يزامله في السفر ويلازمه في الحضر وهذه هي الغاية في الصحة، وهؤلاء مثل مالك، وابن عيينة، ويونس وعقيل الأيليين وشعيب بن أبي حمزة، وغيرهم.
والطبقة الثانية: جماعة من الرواة العدول، لم يلازموا الزهري إلا مدة يسيرة، فلم يمارسوا حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى مثل الأوزاعي، والليث بن سعد، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر وغيرهم.
والطبقة الثالثة: جماعة من الرواة لازموا الزهري، ملازمة طويلة كرجال الطبقة الأولى، غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين القبول والرد مثل سفيان بن حسين الأسلمي، وجفر بن برقان وعبد الله بن عمر بن حفص العمري، وزمعة بن صالح المكي، وغيرهم.
والطبقة الرابعة: قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة في عدم السلامة من غوائل الجرح، غير أنهم لم يلازموا الزهري طويلا، فلم يمارسوا حديثه مثل إسحاق بن يحيى الكلبي، ومعاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني. وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح وجماعة سواهم.
والطبقة الخامسة: نفر من الضعفاء والمجهولين، لا يجوز لمن يخرج الحديث على الأبواب، أن يخرجوا حديثهم إلا على سبيل الاعتبار

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)

والاستشهاد عند أبي داود والنسائي، والترمذي فأما عند الشيخين "البخاري ومسلم"، فلا وهؤلاء مثل بحر بن كنيز السقا، والحكم بن عبد الله الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب الدمشقي، ومحمد بن سعيد المصلوب وغيرهم.
قال: فأما الطبقة الأولى فهم شرط البخاري، وقد يخرج من أحاديث أهل الطبقة الثانية1 ما يعتمد من غير استيعاب، وأما مسلم فيخرج أحاديث الطبقتين الأولى، والثانية باستيعاب، وينتقى من أحاديث أهل الطبقة الثالثة، وأما الرابعة والخامسة، فلا يعرجان عليهما2. ا. هـ. كلام الحازمي.
قال الحافظ بن حجر معقبا على كلامه: وهذا المثال الذي ذكره الحازمي، عن الزهري إنما يتأتى في حق المكثرين، فيقاس على أصحاب الزهري، أصحاب نافع وأصحاب الأعمش، وأصحاب قتادة وأمثالهم.
قال: فأما غير المكثرين، فقد اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثقة والعدالة وقلة الخطأ، نلكن منهم من قوي الاعتماد عليه، فأخرجا ما تفرد به كيحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه، فأخرجا له ما شاركه فيه غيره، وهو الأكثر. ا. هـ "مقدمة الفتح 1-6".--------------------------------------------
1 وقال ابن حجر في مقدمة الفتح "أكثر ما يخرج البخاري حديث الطبقة الثانية تعليقا، وربما أخج اليسير من حديث الطبقة الثالثة تعليقا أيضا". ا. هـ ص6 جـ1.
2 قال الحازمي: فأما أبو داود والنسائي، فهما يخرجان من أحاديث الطبقة الأولى والثانية، والثالثة، ولا يتجاوزانها إلى الرابعة وما بعدها في الأصول بخلاف المتابعات والشواهد، وأما الترمذي فيخرج لغير الطبقة الخامسة في الأصول، وللخامسة في غيرها مع بيانه لحال كل حديث يخرجه من الصحة أو الضعف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)

المقارنة بين الصحيحين:
التزم كل من البخاري ومسلم، ألا يخرج في كتابه غير الأحاديث الصحيحة، وكتابهما وإن اشتركا في أصل الصحة، لكن صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم، ومقدم عليه ويدل على ذلك أمران.
الأول: شهادة أهل الفن وجهابذة الحديث، فمن ذلك ما رواه الحافظ ابن حجر، عن أبي عبد الرحمن النسائي أنه قال: "ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل"، قال الحافظ: والنسائي لا يعني بالجودة إلا جودة الأسانيد، كما هو المتبادر إلى الفهم من اصطلاح أهل الحديث، ومثل هذا من النسائي غاية في الوصف مع شدة تحريه، وتوقيه وتثبته في نقد الرجال وتقدمه في ذلك على أهل عصره، حتى قدمه قوم من الحذاق في معرفة ذلك على مسلم بن الحجاج، وقدمه الدارقطني وغيره على إمام الأئمة، أبي بكر بن خزيمة صاحب الصحيح، وقال الإسماعيلي في المدخل له: "أما بعد فإني نظرت في كتاب الجامع الذي ألفه أبو عبد الله البخاري، فرأيته جامعا كما سمى لكثير من السنن الصحيحة، ودالا على جمل من المعاني الحسنة المستنبطة، التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته، والعلم بالروايات وعللها علما بالفقه واللغة، وتمكنا منها وتبحرا فيها، وكان يرحمه الله الرجل الذي قصر زمانه على ذلك، فبرع وبلغ الغاية، فحاز السبق وقد نحا نحوه في التصنيف جماعة منهم مسلم بن الحجاج، وكان يقاربه في العصر فرام مرامه، وكان يأخذ عنه، أو عن كتبه إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقة أبي عبد الله، وروى عن جماعة كثيرة لم يتعرض أبو عبد الله للرواية عنهم، وكل قصد الخير غير أن أحدا لم يبلغ في التشدد مبلغ أبي عبد الله، ولا تسبب إلى استنباط المعاني، واستخراج لطائف فقه الحديث، وتراجم الأبواب الدالة على ما له

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)

وصلة بالحديث المروي فيه تسببه ولله الفضل يختص به من يشاء"، وقال الدارقطني لما ذكر عند الصحيحان: لولا البخاري لما ذهب مسلم، ولا جاء وقال مرة أخرى: "وأي شيء صنع مسلم إنما أخذ كتاب البخاري، فعمل عليه مستخرجا وزاد في زيادات"، ونقل كلام العلماء في ذلك يطول، فنكتفي بهذا القدر على أنه يكفي لتقديم كتاب البخاري على كتاب مسلم، إجماع أهل الحديث على أن البخاري أعلم بهذا الفن من مسلم، وهو أستاذ مسلم فيه حتى شهد له مسلم بالتفرد بمعرفة ذلك في عصره.
الأمر الثاني: إن مدار الحديث الصحيح على اتصال السند، واتقان الرجال والسلامة من الشذوذ والعلة. وهذه الأوصاف في كتاب البخاري أقوى منها في كتاب مسلم، فهو أشد اتصالا، وأوثق رجالا وأبعد عن الشذوذ والعلة، وبيان ذلك:
أولا: فيم يرجع إلى اتصال السند:
إن الإسناد المعنعن الذي يقال فيه: "فلان عن فلان"، اكتفى مسلم فيه بالمعاصرة أما البخاري، فلا يحمل ذلك على الاتصال، حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة. وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه، وجرى عليه في صحيحه، كما جرى مسلم على مذهبه المذكورة في صحيحه، وصرح به في مقدمته، وبالغ في الرد على من خالفه، ولا شك أن مذهب البخاري في المعنعن أدخل في باب الاتصال، وأبعد عن شائبة الانقطاع بخلا ما ذهب إليه مسلم.
ثانيا: فيما يرجع إلى السلام من الشذوذ والعلة:
إن الأحاديث التي انتقدت عليها بلغت "210"، اختص البخاري منها بثمانية وسبعين، واختص مسلم بمائة واشتركا في الباقي، وهو اثنان وثلاثون ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر فيه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)

ثالثا: فيما يرجع إلى إتقان الرواة
يتبين رجحان صحيح البخاري على صحيح مسلم في هذا الباب بعدة أمور:
أ- إن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضع وثلاثون رجلا المتكلم فيه بالضعف منهم "80" رجلًا. والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري "620" رجلا. المتكلم فيه بالضعف منهم "160" رجلا، ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلًا أولى من التخريج عمن تكلم فيه، وإن لم يكن ذلك الكلام قادحًا.
ب- إن الذين انفرد بهم البخاري، ممن تكم فيه لم يكثر من التخريج عنهم، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلها، أو أكثرها إلا ترجمة عكرمة عن ابن عباس. بخلاف مسلم فإنه أخرج أكثر تلك النسخ كأبي الزبير عن جابر، وسهيل عن أبيه والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وحماد بن سلمة عن ثابت وغير ذلك.
ج- إن الذين انفرد بهم البخاري، ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم، وجالسهم وعرف أحوالهم، واطلع على أحاديثهم وميز جيدها من غيره. بخلاف مسلم فإن من انفرد بتخريج حديثه، ممن تكلم فيه أكثرهم ممن تقدم عصره من التابعين ومن بعدهم. ولا شك أن المحدث أعرف بحديث شيوخه دون غيرهم.
د- أن البخاري يخرج أحاديث الطبقة الأولى، وهي أعلى الطبقات في الحفظ والإتقان، وطول الصحبة لمن أخذوا عنه استيعابا، وينتقي من أحاديث الطبقة الثانية، التي هي دون الأولى في الصفات المذكورة، ومسلم يخرج حديث الطبقة الثانية استيعابا، وفي أصل موضوع كتابه فكان البخاري أقوى إسنادا وأوثق رجالًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)

هذا وأما ما نقل عن أبي علي النيسابوري أنه قال: "ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج"، لا ينافي ما تقدم، فقد قال الحافظ بن حجر، الذي يظهر لي من كلام أبي على أنه، إنما قدم صحيح مسلم لمعنى غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده من الشرائط المطلوبة في الصحة، بل ذلك؛ لأن مسلما صنف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ، ويتحرى في السياق، ولا يتصدى لما تصدى له البخاري من استنباط الأحكام ليبوب عليها، ولزم من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه، بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد، واقتصر على الأحاديث دون الموقوفات، فلم يعرج عليها إلا في بع المواضع على سبيل الندرة، تبعا لا مقصودا، فلهذا قال أبو علي ما قال. قال: وكذلك ما نقل عن بعض المغاربة أنه فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري، فذلك فيما يرجع إلى حسن السياق، وجودة الوضع والترتيب، ولم يفصح أحد منهم بأن ذلك راجع إلى الأصحية، ولو أفصحوا لرده عليهم شاهد الوجود. ا. هـ "مقدمة الفتح جـ1 ص8، وشرح النخبة ص10".
الشيخان لم يستوعبا الصحيح في الصحيحين:
قرر الحفاظ، وأئمة الحديث أن البخاري، ومسلما لم يستوعبا في صحيحهما الأحاديث الصحيحة، ولا التزاما ذلك فقد رووا عن البخاري أنه قال: "ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لملال الطول"، وأنه قال: "احفظ مائة ألف حديث صحيح، واحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح"، وأنه قال: أكنت عند إسحاق بن راهويه فقال: "لو جمعتهم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال: "فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح"، ورووا عن مسلم أنه قال: "ليس كل شيء عندي صحيح، وضعته ههنا. إنما وضعت

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)

ههنا ما أجمعوا عليه"1، ورووا عنه أيضا أنه لما عوتب على ما فعل من جمع الأحاديث الصحاح في كتاب، وقيل له: أن هذا يطرق لأهل البدع علينا فيجدون السبيل، لأن يقولوا: إذا احتج عليهم بحديث: ليس هذا في الصحيح. قال: إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلت: هو صحاح ولم أقل: أن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب، فهو ضعيف2، ومن ذلك يتبين لنا:
أولا: أنه لا وجه لإلزام من ألزمهما إخراج أحاديث لم يخرجاها مع كونها صحيحة على شرطيهما، كالدارقطني، والبيهقي، وابن حبان، فقد روى عن ابن حبان أنه قال: "ينبغي أن يناق البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث هي من شرطهما"، وذكر الدارقطني وغيره "إن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورويت أحاديثهم من وجوه صحاح لا مطعن في ناقليها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئًا، فيلزمهما على مذهبهما"، وذكر البيهقي: "أنهما اتفقا على أحاديث من صحيفة همام بن منبه، وإن كل واحد منهما انفرد عن الآخر بأحاديث، منهما على أن الإسناد واحد". ا. هـ. وصنف الدارقطني، وأبو ذر الهروي في هذا النوع الذي ألزموهما به، ولكن هذا كله ليس بلازم في الحقيقة -كما قلنا- فإنهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوبعاه، وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح كما يقصد المصنف في الفقه إلى جمع جملة من مسائله3.--------------------------------------------
1 أراد أنه لم يضع في كتابه، إلا الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليه، وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم. قاله ابن الصلاح في مقدمته.
2 توجيه النظر ص91.
3 انظر مقدمة النووي لشرحه على صحيح مسلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)

ثانيا: لا يلزم من عدم تخريج الشيخين لراو من الرواة في الصحيحين سقوطه، أو ضعفه فإنهما كما لم يستوعبا الأحاديث الصحيحة، لم يستوعبا الرواة الذين توافرت فيهم صفات القبول والصحة، وهم خلائق كثير يبلغ عددهم نيفا وثلاثين ألفا؛ لأن تاريخ البخاري يشتمل على نحو من أربعين الفا، وزيادة وكتابه في الضعفاء دون سبعمائة نفس، ومن خرجهم في جامعه دون ألفين، كما قال الحافظ الحازمي في شروط الأئمة الخمسة.
وقد ذكر الحاكم، أبو عبد الله النيسابوري، جماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الرواة، ولم يخرج لهم في الصحيح، ولم يسقطوا -في كتابه معرفة علوم الحديث في النوع الحادي والخمسين- منهم:
1- في الصحابة، أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، وعتبة بن غزوان، وأبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، والأرقم بن الأرقم، وقدامة بن مظعون، والسائب بن مظعون، وشجاع بن وهب الأسدي، وعباد بن بشر الأشهلي، وسلامة بن وتش. في جماعة من الصحابة، قال الحاكم: إلا أني ذكرت هؤلاء رضي الله عنه فإنهم من المهاجرين، الذين شهدوا بدرا، وليس لهم في الصحيح رواية إذ لم يصح إليهم الطريق، ولهم ذكر في الصحيح في روايات غيرهم من الصحابة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وما يشبه هذا.
2- وفي التابعين: محمد بن أبي بن كعب، والسائب بن خلاد بن السائب، ومحمد بن أسامة بن زيد، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن سعد بن عبادة، وعبيد الله بن رافع بن خديج، في طائفة من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)

التابعين، قال الحاكم: هؤلاء التابعون على علو محالهم في التابعين، ومحل آبائهم في الصحابة ليس لهم في الصحيح ذكر لفساد الطريق إليهم، لا لجرح فيهم فقد نزههم الله عن ذلك.
3- ومن أتباع التابعين: عبد الرحمن بن أبي الزناد، وعطاء بن السائب الثقفي، وأبو يعقوب العبدي، وعبد الله بن شبرمة الضبي، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وبشر بن سليمان النهدي، والحسن بن الحر وغيرهم.
وقال الأستاذ المحدث، الشيخ محمد زاهد الكوثري، في تعليقه على شروط الأئمة الخمسة للحازمي: "ومما يتجه إليه النظر أن الشيخين لم يخرجا في الصحيحين شيئا من حديث الإمام أبي حنيفة، مع أنهما أدركا صغار أصحاب أصحابه، وأخذا عنهم ولم يخرجا أيا من حديث الإمام الشافعي، مع أنهما لقيا بعض أصحابه، ولا أخرج البخاري من حديث أحمد إلا حديثين، أحدهما تعليقا، والآخر نازلا بواسطة مع أنه أدركه ولازمه، ولا أخرج مسلم في صحيحه، عن البخاري شيئا مع أنه لازمه، ونسج على منواله، ولا عن أحمد إلا قدر ثلاثين حديثا، ولا أخرج أحمد في مسنده عن مالك، عن نافع بطريق الشافعي -وهو أصح الطرق أو من أصحها- إلا أربعة أحاديث، وما رواه عن الشافعي بغير هذا الطريق لا يبلغ عشرين حديثا، مع أنه جالس الشافعي، وسمع موطأ مالك منه وعد من رواة مذهبه القديم.
قال الأستاذ: والظاهر من دينهم، وأمانتهم إن ذلك من جهة أنهم كانوا يرون أن أحاديث هؤلاء في مأمن من الضياع، لكثرة أصحابهم القائمين بروايتها شرقا وغربا، وجل عناية أصحابة الدواوين بأناس من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)

الرواة ربما كانت تضيع أحاديثهم لولا عنايتهم بها؛ لأنه لا يستغنى من بعدهم عن دواوينهم في أحاديث هؤلاء دون هؤلاء.
قال الأستاذ: ومن ظن أن ذلك لتحاميهم عن أحاديثهم، أو لبضع ما في كتب الجرح من الكلام في هؤلاء الأئمة، كقول الثور في أبي حنيفة، وقول ابن معين في الشافعي، وقول الكرابيسي في أحمد، وقول الذهلي في البخاري، ونحوها فقد حملهم شططا". ا. هـ.
والذي يظهر لنا من كلام الحاكم، وغيره أن الشيخين أو أحدهما، قد يترك الإمام الثقة لأسباب منها:
1- أن يقع الضعف في الإسناد الذي بينه، وبين صاحب الصحيح فلا يروي الحديث من طريقه.
2- قد يكون الإمام الذي ترك حديثه له أصحاب أجلاء، يحملون عنه علمه وحديثه، فلا يخاف على مروياته من الضياع، فيستغني صاحب الصحيح بذلك عن الرواية عنه.
3- طلب علو الإسناد، فقد يكون الحديث من طريق ذلك الإمام نازلا، ومن طريق غيره من الثقات عاليا، فيختار صاحب الصحيح الإسناد العالي لما فيه من القرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اختلاف العلماء في أن أحاديث الصحيحين ثابتة بالعلم، أو الظن:
قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: جميع ما حكم مسلم بصحته في كتابه فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأم، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه وذلك؛ لأن الأمة تلقت الكتابين بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه، ووفاقه في الإجماع ويستثنى من ذلك أحاديث يسيرة، تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني، وغيره وهي معروفة عند المحدثين، قال: والذي نختاره أن تلقى الأمة للخبر القاصر عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظري

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)

بصدقه خلافا لبعض محققي الأصوليين، حيث نفى ذلك بناء على أنه لا يفيد في حق كل منهم إلا الظن، وإنما قبله؛ لأنه يجب عليه العمل بالظن، والظن قد يخطئ. قال: وهذا مندفع؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ.
وقد مال النووي إلى أن أحاديث الصحيحين، التي لم تتواتر ثابتة بالظن لا بالعلم، وتعقب ابن الصلاح في شرحه لمسلم، فقال: وهذا الذي ذكره الشيخ خلاف ما قاله المحققون، والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن، فإنها آحاد والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم، وغيرهما في ذلك وتلقي الأمة بالقبول، إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما وهذا متفق عليه، فإن أخبار الآحاد التي في غيرها يجب العمل بها، إذا صحت أسانيدها ولا تفيد إلا الظن. فكذا الصحيحان، وإنما يفترق الصحيحان، وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقا، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر، وتوجد فيه شروط الصحيح، ولا يزلم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع، بأنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ا. هـ.
وقد انحاز إلى كل طائفة من العلماء، ففريق يرجع كلام ابن الصلاح في أنها ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم بطريق العلم النظري، وفريق آخر يرجح كلام النووي في أنها ثابتة بطريق الظن.
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: ما ذكره النووي مسلم من جهة الأكثرين، أما المحققون فلا فقد وافق ابن الصلاح أيضا محققون، وقال في شرح النخبة: الخبر المحتف بالقرائن، يفيد العلم خلافا لمن أبى ذلك، قال: وهو أنواع منها ما أخرجه الشيخان في صحيحهما مما لم يبلغ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)

حد التواتر فإنه احتفت به قرائن منها جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمها في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا مختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين، حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما، من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته. قال: وما قيل من أنهم إنما اتفقوا على وجوب العمل به، لا على صحته ممنوع؛ لأنهم اتفقوا على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرجاه فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة قال: وممن صرح بإفادة ما خرجه الشيخان العلم النظري الأستاذ، أبو إسحاق الاسفرائيني، ومن أئمة الحديث، أبو عبد الله الحميدي، وأبو الفضل بن طاهر وغيرهما. ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح، ثم قال: والعلم بصدق الخبر المحتف بالقرائن، إنما يحصل للعالم بالحديث المتبحر فيه العارف بأحوال الرواة، المطلع على العلل وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك لقصوره عن الأوصاف المذكورة، لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور. ا. هـ، وقال ابن كثير في الباعث الحثيث1: وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه، وأرشد إليه، ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية مضمونه:
إنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول، عن جماعات من الأئمة منهم: القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو حامد الإسفرائيني، والقاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، وأبو حامد وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب، وابن الزاغوني وأمثالهم--------------------------------------------
1 ص23.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)

من الحنابلة، وشمس الأئمة السرخسي من الحنفية، قال: وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم. كأبي إسحاق الإسفرائيني، وابن فورك. قال: وهو مذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة. ا. هـ.
قال السيوطي في تدريبه، وهو الذي اختاره ولا أعتقد سواه. ا. هـ.
انتقاد بعض الحفاظ على الشيخين، والجواب عنه:
انتقد جماعة من الحفاظ على البخاري، ومسلم أحاديث أخلا فيها بشرطيهما، ونزلت عن درجة ما التزماه، منهم الدارقطني، وأبو مسعود الدمشقي، وأبو علي الغساني، وألفوا في ذلك. قال الحافظ ابن حجر:
وليست عللها كلها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر، والقدح فيه مندفع وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف.
قال: والأحاديث التي انتقدت عليهما، إن كانت مذكورة على سبيل الاستئناس والتقوية كالمعلقات، والمتاعات، والشواهد أجيب عن الاعتراض عليها أن توجه بأنها ليست من موضوع الكتابين، فإن موضوعهما المسند المتصل، ولهذا لم يتعرض الدارقطني في نقده على الصحيحين إلى الأحاديث المعلقة، التي لم توصل في موضع آخر لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتابين، وإنما ذكرت استئناسا واستشهادا، وإن كانت من الأحاديث المسندة، فأما أن يكون الطعن مبنيا على قواعد ضعيفة لبعض المحدثين، فلا يقبل لضعف مبناه وأما أن يكون مبنيا على قواعد قوية، فحينئذ يكون قد تعارض تصحيحهما، أو تصحيح أحدهما مع كلام المعترض، ولا ريب في تقدمهما في باب التصحيح والتضعيف على غيرهما، قال الحافظ ابن حجر: وعدة ما انتقد عليهما من الأحاديث المسندة "210" مائتا حديث وعشرة. اشتركا في "32" اثنين وثلاثين حديثا. واختص البخاري بثمانية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)