رأي العلم في حدوث الرعد، والبرق، والصواعق:
وإكمالا للفائدة سأذكر ما وصل إليه العلم في حدوث هذه الظواهر الكونية، فأقول -وبالله التوفيق: يقول الدكتور محمد أحمد الغمراوي رحمه الله وأثابه في كتابه "سنن الله الكونية":
الرياح والكهربائية الجوية:
إن الكهربائية التي تتولَّد في الهواء والتي ذكرنا لك بعض مصادرها يكتسبها السحاب عند تكونه على الأيونات التي تحملها تلك الكهربائية في الطبقات العليا الجوية، ولا يُدرَى الآن كيف يفصل الله الأيونات السالبة، من الأيونات الموجبة، قبل تكاثف البخار عليها إن كان هناك فصل لها؟ أم كيف يكون السحاب عظيم التكهرب؛ إما بنوع من الكهرباء، وإما بالنوع الآخر إذا حدث التكاثف على الأيونات وهي مختلطة، ومهما يكن من سر ذلك؛ فإن السحاب مكهرب من غير شك، كما أثبت ذلك فرانكلن لأول مرة في عام 1752م وكما أثبت غيره، عظم تكهربه بشتى الطرق بعده، وأنت تعرف أن نوعي الكهربائية يتجاذبان، وأن الموجب والموجب، أو السالب والسالب يتدافعان، أو يتنافران، كما تشاء أن تقول.
هذا التدافع أو التنافر من شأنه تفريق الكهربائية، ثم إذا شاء الله ساق السحاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
بالريح، حتى يقترب السحاب الموجب، من السحاب السالب قربا كافيا، في اتجاه أفقي، أو في اتجاه رأسي أو فيما شاء الله من الاتجاهات، فإذا اقتربا تجاذبا، ومن شأن اقترابهما هذا أن يزيد في كهربائية مجموع السحاب بالتأثير، ولا يزالان يتجاذبان، ويتقاربان، حتى لا يكون محيص من اختلاطهما واتحاد كهربائيتهما أو من اتحاد كهربائيتهما من بعد، وعندئذٍ تحدث شبه شرارة عظمى كهربائية، هي البرق الذي كثيرا ما يُرى في البلاد الكثيرة الأمطار.
والمطر نتيجة لازمة لحدوث ذلك الاتحاد الكهربائي، سواء حدث في هدوء أو بالإبراق، فإذا حدث بهدوء حدث بين القطيرات المختلفة في السحابتين، فتجذب كل منهما قرينتها أو قريناتها، حتى تتحد، وتكون قطرة فيها ثقل، فتنزل، وتكبر أثناء نزولنا بما تكتسب من كهربائية، وما تجتذب من قطيرات، أثناء اختراقها السحاب المكهرب، الذي يكون بعضه فوق بعض في السحاب الركام، أما إذا حدث الاتحاد الكهربائي، في شدة البرق، وعنقه، فإنه يحدث لا بين القطيرات، ولكن بين الكتل من السحل، ويسهل حدوثه تخلخل الهواء، أي قلة ضغطه في تلك الطبقات.
والبرق: يمثل قوة كهربائية هائلة، تستطيع أن تكوِّن فكرة عنها إذا عرفت أن شرارته قد تبلغ ثلاثة أميال، في طولها أو تزيد، وأن أكبر شرارة كهربائية أحدثها الإنسان لا تزيد عن بضعة أمتار.
فالحرارة الناشئة عن البرق لا شك هائلة، فهي تمدد الهواء بشدة، وتحدث مناطق جوية عظيمة مخلخلة، الضغط داخلها يعادل الضغط خارجها، ما دام الهواء داخل المنطقة ساخنا، حتى إذا تشععت حرارته وبردت تلك المناطق برودة كافية، وما أسرع ما تبرد، خف منها الضغط، وصار أقل كثيرا من ضغط الطبقات الهوائية السحابية المحيطة بها، فهجمت عليها فجأة بحكم الفرق العظيم بين الضغطين وتمددت فيها، وحدث لذلك صوت شديد هو صوت الرعد وهزيمه، هذا الصوت قد يكون له صدى بين كتل السحاب، يتردد، فنسميه قعقعة الرعد، أما صوت الشرارة الكهربائية البرقية، فهو: بدء الرعد، ويكون ضعيفا بالنسبة لهزيمه وقعقعته، لذلك: تسمع الرعد ضعيفا في الأول ثم يزداد، كأنما أوله إيذان بتضخمه، كما قد تؤذن الطلقة الفردة بانطلاق بطاريات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
برمَّتها، من المدافع الضخمة في الحروب، فالرعد يحدث لا عند اتحاد الكهربائيتين حين يحدث البرق فقط، ولكن يحدث أكثره بعد ذلك عند تمدد الكتل الهوائية الهاجمة في المنطقة المفرغة، وهي إذا تمددت بردت برودة شديدة، فيتكاثف ما فيها من البخار، ومن كتل السحاب، فينزل على الأرض إما مطرا، وإما بردا، حسب مقدار البرودة الحادثة في تلك المناطق، وهذا هو السبب في أن الرعد والبرق يعقبهما في الغالب مطرات شديدة، سواء أكانت المطرة مائية، أم بردية، وقطرات الماء أو حبات البرد تنمو بعد ذلك باختراقها كتل السحاب المتراكم تحت المنطقة التي حدث فيها التفريغ1.
الصواعق:
وقد يحدث التفريغ الكهربائي بين السحاب والأرض، بدلا من بين السحاب والسحاب، وهذا يكون عادة إذا كان السحاب عظيم الكهربائية، قريبا من الأرض، فإذا حدث التفريغ ظهر له كالعادة ضوء وصوت، نسمي مجموعهما بالصاعقة، أي أن الصاعقة تفريغ كهربائي بين السحاب والأرض، إذا أصاب حيوانا أو نباتا أحرقه، وهو يحدث أكثر ما يحدث بين الأجسام المدببة على سطح الأرض من شجر أو نحوه، وبين السحاب، ولذا كان من الخطأ الاستظلال بالشجر، أو المظلات في العواصف ذات البرق، على أن الإنسان قد استخدم سهولة حدوث التفريغ بين الأجسام المدببة، والسحاب؛ لوقاية الأبنية من الصواعق، وذلك بإقامته على سطوحها قضبانا حديدية أو نحاسية، مدببة الأطراف، بحيث يكون طرف القضيب المدبب أعلى قليلا من أعلى نقطة في البناء، والطرف الآخر متصلا بلوح فلزي مدفون في أرض رطبة، ومن شأن الأطراف المدببة، أن يكون كل منها بابًا تخرج منه الكهربائية المتجمعة على السطح تدريجًا إلى السحاب الذي يظله، فيحدث التفريغ، أي الاتحاد كهربائية الأرض، وكهربائية السحاب تدريجا، فيمتنع ذلك التفريغ الفجائي المعروف بالصاعقة، على أنه إذا نزلت الصاعقة بالبناء رغم ذلك فالأرجح جدًّا أنها تصيب القضيب المدبب أول ما تصيب، وتنصرف الكهربائية إلى الأرض، بدلا من أن تدك البناء، ولذا يسمى مثل هذا القضيب المدبب الواصل إلى الأرض: بصارفة الصواعق، وقد وجدوا أن السطح الخارجي.--------------------------------------------
1 سنن الله الكونية ص 158-160.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
للقضيب هو الطريق الذي تمر به الكهربائية إلى الأرض، لذلك: كلما كان هذا السطح أكبر كان الصرف أعظم، والبناء أحصن، ولذا كانت الصفائح أفعل في حفظ الأبنية، من مثل كتلتها من الأسلاك1.--------------------------------------------
1 سنن الله الكونية ص 162.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
جبل قاف المزعوم، وحدوث الزلازل:
ومن ذلك: ما ذكره بعضهم في تفسير قوله تعالى: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد} : فقد ذكر صاحب "الدر المنثور" وغيره، روايات كثيرة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "خلق الله من وراء هذه الأرض بحرا محيطا بها، ثم خلق من وراء ذلك البحر جبلا يقال له: "قاف"، سماء الدنيا مرفوعة عليه، ثم خلق الله تعالى من وراء ذلك الجبل أيضا مثل تلك الأرض سبع مرات، واستمر على هذا حتى عد سبع أرضين، وسبعة أبحر، وسبعة أجبل، وسبع سماوات".
وهذا الأثر لا يصح سنده عن ابن عباس، وفيه انقطاع، ولعل البلاء فيه من المحذوف، ولو سلمنا صحته، فقد أخذه من الإسرائيليات.
وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عنه أيضا قال: خلق الله تعالى جبلا يقال له: قاف، محيط بالعالم، وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فيحرك العرق الذي يلي تلك القرية، فيزلزلها، ويحركها، ثم تحرك القرية دون القرية.
وكل ذلك كما قال القرافي لا وجود له، ولا يجوز اعتماد ما لا دليل عليه، وهو من خرافات بني إسرائيل الذين يقع في كلامهم الكذب، والتغيير، والتبديل، دست على هؤلاء الأئمة، أو تقبلوها بحسن نية، ورووها لغرابتها، لا اعتقادا بصحتها، ونحمد الله أن وجد في علماء الأمة من رد هذا الباطل، وتنبه له قبل أن تتقدم العلوم الكونية كما هي عليه اليوم، ومن العجيب أن يتعقب كلام القرافي ابن حجر الهيتمي فقال: ما جاء عن ابن عباس مروي من طرق خرجها الحفاظ وجماعة ممن التزموا تخريج الصحيح، وقول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه: حكمه حكم المرفوع إلى النبي.
وأنا أقول للشيخ الهيتمي: إن تخريج من التزم الصحة ليس بحجة، وكم من ملتزم شيئا لم يفِ به، والشخص قد يسهو ويغلط مع عدالته، وأنظار العلماء تختلف، والحاكم -على جلالته- صحَّح أحاديث حكم عليها الإمام الذهبي وغيره بالوضع، وكذلك ابن جرير على جلالته، أخرج روايات في تفسيره، حكم عليها الحفاظ بالوضع، والكذب، ولو سلمنا صحتها عن ابن عباس: فلا ينافي ذلك أن تكون من الإسرائيليات الباطلة، كما قلت غير مرة.
وأما أنَّ لها حكم الرفع فغير مسلم؛ لأن المحققين من أئمة الحديث على أن ما لا مجال للرأي فيه له حكم الرفع، إذا لم يكن الصحابي ممن عرف بأنه يأخذ عن مسلمة أهل الكتاب، وابن عباس ممن أخذ عنهم.
ثم إني أقول للهيتمي ومن يرى رأيه: أي فائدة نجنيها من وراء هذه المرويات التي لا تتقبلها عقول تلاميذ المدارس فضلا عن العلماء؟!! اللهم إلا أننا نفتح بالانتصار لها بابا للطعن في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم وإذا جاز هذا في عصور الجهل والخرافات فلا يجوز اليوم، وقد أصبح رواد الفضاء يطوفون حول الأرض، ويرونها معلقة في الفضاء بلا عمد، ولا جبال، ولا بحار، ولا صخرة استقرت عليها الأرض، فهذه الإسرائيليات مخالفة للحس والمشاهدة قطعا، فكيف نتعلق بها؟!.
ورحم الله الإمام الآلوسي حيث قال: والذي أذهب إليه ما ذهب إليه القرافي، من أنه لا وجود لهذا الجبل بشهادة الحس، فقد قطعوا هذه الأرض؛ برها وبحرها على مدار السرطان مرات، فلم يشاهدوا ذلك، والطعن في صحة الأخبار، وإن كان جماعة من رواتها ممن التزم تخريج الصحيح أهون من تكذيب الحس، وأمر الزلازل لا يتوقف أمرها على ذلك الجبل، بل هي من الأبخرة، يعنى المتولدة من شدة حرارة جوف الأرض وطلبها الخروج مع صلابة الأرض يعني، فيحصل هذا الاهتزاز وإنكار ذلك مكابرة عند من له عرق من الإنصاف1، ولا أدري لو أن الإمام الجليل الآلوسي عاش.--------------------------------------------
1 روح المعاني للآلوسي ج 26-120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
في عصرنا هذا، ووقف على ما وقفنا عليه من عجائب الرحلات الفضائية، ماذا كان يقول؟ إن كل مسلم ينبغي أن يكون له من العقل الواعي المتفتح، والنظر الثاقب البعيد ما لهذا الإمام الكبير.
وإليك ما قاله عالم حافظ ناقد، سبق الإمام الآلوسي بنحو خمسة قرون1: فقد قال في تفسيره عند هذه الآية: وقد روي عن السلف أنهم قالوا: "ق": جبل محيط يجمع الأرض يقال له: جبل قاف، وكأن هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم، مما لا يصدق، ولا يكذب، وعندي: أن هذا، وأمثاله، وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افترى في هذه الأمة، مع جلالة قدر علمائها، وحفاظها، وأئمتها أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما بالعهد من قدم، فكيف بأمر بني إسرائيل مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته، وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: "حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، فيما قد يجوزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل. والله أعلم2.
قال: وقد أكثر كثير من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف، من الحكاية عن كتب أهل الكتاب، في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم، ولله الحمد والمنة، حتى أن الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمة الله عليه أورد هنا أثرًا غريبًا، لا يصح سنده عن ابن عباس، ثم ساق السند، والمتن الذي ذكرناه آنفا.
ثم قال: فإسناد هذا الأثر فيه انقطاع؛ أي: راوٍ سقط من رواته، والذي رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: "ق": هو اسم من أسماء الله عز وجل والذي ثبت عن مجاهد وهو من تلاميذ ابن عباس الملازمين.--------------------------------------------
1 الإمام ابن كثير توفي سنة 774هـ، والإمام الآلوسي توفي سنة 1270هـ.
2 تفسير ابن كثير. والبغوي ج 8 ص 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
له، الناشرين لعلمه أنه حرف من حروف الهجاء، كقوله تعالى: "ص، ن، حم، طس، آلم"، فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما1.--------------------------------------------
1 المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
الإسرائيليات في تفسير: {نْ وَالْقَلَم}
ومن ذلك: ما يذكر كثير من المفسرين في قوله تعالى: {نْ وَالْقَلَم} من أنه الحوت الذي على ظهره الأرض، ويسمى: "اليهموت"، وقد ذكر ابن جرير، والسيوطي روايات عن ابن عباس، منها: أول ما خلق الله القلم، فجرى: بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء، وخلقت منه السماوات، ثم خلق النون، فبسطت الأرض عليه، فاضطرب النون، فمادت الأرض1، فأثبتت بالجبال، وقد روي عن ابن عباس أيضا: أنه الدواة، ولعل هذا هو الأقرب، والمناسب لذكر القلم، وقد أنكر الزمخشري ورود نون بمعنى: الدواة في اللغة، وروى عنه أيضا: أنه الحرف الذي في آخر كلمة: "الرحمن"، وأن هذا الاسم الجليل فرق في: "الر" و "حم"، و "ن".
واضطراب النقل عنه يقلل الثقة بما روي عنه، ولا سيما الأثر الأول عنه، والظاهر أنه افتراء عليه، أو هو من الإسرائيليات ألصق به.
وإليك ما قاله إمام حافظ، ناقد، من مدرسة اشتهرت بأصالة النقد، وهو الإمام ابن قيم الجوزية، قال في أثناء كلامه على الأحاديث الموضوعة: "ومن هذا: حديث أن قال: جبل من زمردة خضراء، محيط بالدنيا كإحاطة الحائط بالبستان، والسماء واضعة أكنافها عليه".
ومن هذا: حديث: أن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه، تحركت الصخرة، فهذا من وضع أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء بالرسل.--------------------------------------------
1 تحركت ومالت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
وقال الإمام أبو حيان في تفسيره: لا يصح من ذلك شيء ما عدا كونه اسما من أسماء حروف الهجاء1.--------------------------------------------
.
1 وهذا الرأي هو الراجح في فواتح السور من أمثال "الم" و "حم" و "ن" فهي أسماء مسمياتها الحروف الهجائية، لتكون بمثابة الدليل على إعجاز القرآن، كأن الله قال: إن القرآن مؤلَّف من جنس هذه الحروف، ومن كلمات من هذه الحروف وقد تحدى به النبي صلى الله عليه وسلم الإنس والجن فعجزوا؛ وما ذلك إلا لأنه ليس من كلام بشر، وإنما هو من عند خالق القوى والقدر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
الموضوعات وكتب التفسير
مدخل
…
الموضوعات وكتب التفسير:
وكذلك: اشتملت بعض كتب التفسير على أحاديث موضوعة في فضائل السور والآيات القرآنية، وكذلك: فيما يتعلق بأسباب النزول وفيما يتعلق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم كقصة الغرانيق وتزوجه ببعض أزواجه، وهي: السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها.
ومن هذه الموضوعات: ما هو خفي دقيق لا يدركه إلا الحفاظ المتقنون العارفون بقواعد الجرح، والتعديل، وتواريخ الرجال، وهذا النوع راجَ على بعض الكتاب وأهل العلم، وتداولوه في كتبهم، وأحاديثهم، وخطبهم، ووعظهم وتذكيرهم للناس.
ومنها: ما يدركه من ليس له قدم ثابتة في حفظ الحديث، ونقده والعلم برجاله وأحوال رواته لمصادمته للمعقول، ولما أجمع عليه العلماء من عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن مثله فقد ردوا بعض هذه المكذوبات من جهة العقل والنظر، ولم يتوسعوا في نقده من جهة النقل، والرواية، فكان على أن أستدرك ما فاتهم، وأن أتوسع في نقده من جهة السند والمتن، أو بعبارة أخرى: من جهة النقد الداخلي، والنقد الخارجي، وبذلك لا تبقى هناك أية شبهة في التمسك بهذه المرويات الواهيات الساقطات عن درجة الاعتبار.
ومن هذه المرويات المختلقة ما أجمع العلماء على الحكم بوضعه، واختلاقه، ولكن الوقوف على كلامهم وكتبهم ليس متيسرا، ولا سهلا على كل قارئ لهذه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
التفاسير، فمن ثم وقع فيما وقع فيه الكثيرون من الاغترار بهذه المرويات، وأمثالها، وزعمهم أن لها أصلًا، فكان علي أن أبحث، وأنقب، وأضع بين يدي القارئ ما قاله الأئمة، حتى يكون على حذر منها، ومنها ما اختلف فيه أئمة كبار: منهم من حكم بزيفه، ومنهم من حكمت عليه الصنعة الحديثية، فانتصر لها، وجعل لها أصلا، ولكنه ركب الصعب في بيان المراد منها، وذلك كقصة الغرانيق، فكان لزاما عليَّ أن أرد عليهم بمقتضى القواعد الحديثة أيضا التي أخذناها من كتب الأئمة، وعليها تتلمذنا.
لذلك: رأيت إتماما للفائدة، وإكمالا للبحث أن أتعرض لما وصله إليه علمي من الموضوعات بعد الفراغ من الإسرائيليات، وأكشف عما قاله العلماء في تزييف هذه الموضوعات، ومن الله أستمد العون والتوفيق فاللهم أَعِنْ وسدِّدْ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
الأحاديث الموضوعة في فضائل السور والآيات
حديث أبي بن كعب الطويل
…
الأحاديث الموضوعة في فضائل السور والآيات:
لقد وضعت أحاديث كثيرة في فضائل السور والآيات، وقصد واضعوها ترغيب الناس في قراءة القرآن الكريم، وزعموا أن في ذلك حسبة إلى الله تعالى، وقد بينت فيما سبق غلطهم، وفساد قصدهم، وبطلان زعمهم، وأن ذلك داخل تحت الوعيد، في قوله صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليَّ معتمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه الشيخان وغيرهما، وأنه لا فرق بين الكذب عليه، والكذب له.
1- حديث أبي بن كعب الطويل:
فمن ذلك: الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل القرآن سورة سورة.
فقد بحث مؤمل بن إسماعيل، حتى وصل إلى من اعترف بوضعه، قال مؤمل: حدثني شيخ بهذا الحديث، فقلت له: من حدثك بهذا؟ قال: رجل بالمدائن، وهو حيٌّ، فسرت إليه، فقلت: من حدثك، بهذا؟ قال: حدثني شيخ بواسط، فسرت إليه، فقلت: من حدثك بهذا؟ فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فسرت إليه، فقلت: من حدثك بهذا؟ فقال: حدثني شيخ بعبادان، فسرت إليه فأخذ بيدي فأدخلني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
بيتًا فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ الذي حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك بهذا؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث، ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن1.
وقد روي هذا الحديث من طريق علي بن زيد بن جدعان، وعطاء ابن أبي ميمونة، كلاهما عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، ومن طريق هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب، ومن طريق آخر، والحديث بجميع طرقه باطل موضوع2، وروي عن ابن المبارك أنه قال: أظنه من وضع الزنادقة، ومن ذلك أيضا: حديث عكرمة، عن ابن عباس، في فضائل القرآن سورة سورة، فقد سئل عنه واضعُه نوحُ بن أبي مريم3، فقال: رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذه الأحاديث حسبة!! 4.
وقد خطأ المحدثون من ذكر هذه الأحاديث من المفسرين في كتبهم كالثعلبي، والواحدي، والزمخشري، والنسفي، والبيضاوي، والمولى أبي السعود، ولكن من أبرز سنده، وذكره كالأولين، الثعلبي والواحدي فهو أبسط لعذره؛ إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، والبحث عن رواته، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه.
وأما من لم يبرز سنده وأورده بصيغة الجزم، فخطؤه أفحش، وعذره أبعد، وذلك كالآخرين: الزمخشري، والنسفي، والبيضاوي وأبي السعود.. قال الإمام ابن الجوزي: وقد فرق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره فذكر عند كل سورة منه ما خصها، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، قال: ولا أعجب منهما؛ لأنهما ليسا من أصحاب الحديث، وإنما عجبت من أبي بكر بن أبي داود في كتابه الذي صنفه في:--------------------------------------------
.
1 مقدمة ابن الصلاح بشرحها للعراقي ص 111-113.
2 اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ص 117، 118.
3 نوح بن أبي مريم لقب بالجامع؛ لجمعه علوما كثيرة، أخذ النقد عن أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، والتفسير عن الكلبي، والمغازي عن محمد بن إسحاق، والحديث عن حجاج بن أرطأة، قيل: إنه كان جامعا لكل شيء إلا الصدق.
4 مما ينبغي أن يعلم أن الصحابي ومن رواه عنه من الثقات برءاء من اختلاق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعًا، وإنما الذي افترى ذلك عليهم وعلى النبي نوح وأمثاله من الكذابين الوضاعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
"فضائل القرآن"، وهو يعلم أنه حديث محال مصنوع بلا شك1.
طريقة الثعلبي في ذكر هذا الحديث والواحدي:
وقد رجعت إلى تفسير الثعلبي2 فوجدته يبرز السند كاملا تارة، وتارة يقول: عن أبي بن كعب، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك: ما ذكره في صدر سورة هود؛ قال: وعن أبي بن كعب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق نوحًا، وهودًا، وصالحًا، ولوطًا، وموسى".
وفي صدر سورة يوسف قال: وعن أبي بن كعب، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اقرأوا سورة يوسف؛ فإنه ما من مسلم تلاها وعلَّم أهله إلا هون الله عليه سكرات الموت، وأعطاه القوة أن لا يحسد أحدا".
وكذلك الواحدي: يذكر الفضائل في أول السورة؛ ليكون أدعى إلى عناية القارئ وتنشيطه.
طريقة الزمخشري ومتابعيه:
أما الزمخشري ومتابعوه: فإنهم يذكرون الفضائل في آخر السورة وقد سئل والزمخشري عن هذا، فأجاب بأن الفضائل صفات، وهي تستدعي الموصوف، يعني والموصوف مقدم على صفته، كما أنهم لا يذكرون شيئا من السند حتى الصحابي، وسأضرب أمثلة لما ذكر الزمخشري وغيره، من هذا الحديث الطويل عقب كل سورة حتى يكون القارئ على حذر منها ومن أمثالها، وقد لاحظ واضع هذا الحديث، أن يذكر فيه ما يكون ملائما لما في السورة.
فمن ذلك: ما ذكروه في آخر سورة آل عمران: حيث قال: " … وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم" وعنه عليه الصلاة والسلام: "من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة، صلى الله عليه وسلم وملائكته، حتى تحجب الشمس".--------------------------------------------
.
1 اللآلئ المصنوعة ج 1 ص 118.
2 هو مخطوط ناقص في المكتبة الأزهرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
وقال في آخر سورة المائدة: وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورُفِعَ له عشر درجات، بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا".
أحاديث موضوعة عن غير أبي بن كعب:
وقد يذكر بعض المفسرين في فضائل السور أحاديث موضوعة عن غير أبي بن كعب، وذلك مثل: ما ذكره الزمخشري والبيضاوي في فضل الفاتحة، قالا: وعن حذيفة بن اليمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وإن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا، فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب: "الحمد لله رب العالمين"، فيرفع الله عنهم العذاب أربعين سنة".
قال ولي الدين العراقي: في سنده الجويباري، ومأمون الهروي كذابان، فهو من وضع أحدهما1.
وقد يذكر المفسرون في فضائل الآيات ما لا يعرفه المحدثون، وذلك مثل ما ذكره الزمخشري، وتبعه النسفي وغيره، في فضل آية الكرسي2 من قوله صلى الله عليه وسلم: "ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوما، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة، أربعين ليلة، يا علي؛ علِّمها ولدك، وأهلك، وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها". وكذا الحديث الذي ذكره بعده، وهو أن الصحابة تذاكروا أفضل ما في القرآن، فقال لهم علي رضي الله عنه: أين أنتم من آية الكرسي، ثم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا علي: سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي"، فقد قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف: لم أجدهما.--------------------------------------------
1 محاسن الصور في الكشف عن أحاديث السور للمغربي مخطوط.
2 الكشاف ج1 ص 279 ط بولاق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
المفسرون قد يذكرون أحاديث صحيحة في الفضائل:
ولا يتوهمَنَّ متوهمٌ أن جميع ما ذكره الزمخشري، والبيضاوي وأمثالهما في الفضائل موضوع، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم بالحديث، ولا أهل التحقيق، فقد ذكرا وغيرهما أحاديث في غاية الصحة، وذلك مثل: ما ذكره الزمخشري، من قوله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" فقد رواه البخاري ومسلم، وقوله: "أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يؤتهن نبي قبلي"، فقد أخرجه النسائي، وأحمد1.
وكذا ينبغي أن يعلم: أن كل ما ذكره الزمخشري وأمثاله عن أبي بن كعب يكون موضوعا، كلَّا، وحاشا، فقد يذكر عن أبي بن كعب ما هو صحيح أو حسن، وذلك مثل: ما ذكره في آخر تفسيره سورة الفاتحة، حيث قال: وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بن كعب: "ألا أخبرك بسورة لم تنزل في التوراة، والإنجيل، والقرآن مثلها"؟ قلت: بلى يا رسول الله: قال: "فاتحة الكتاب؛ إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" 2أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي، والحاكم، وصححه على شرط مسلم.
وتفسير الحافظ ابن كثير أجل ما يعتمد عليه في أحاديث الفضائل ما صح منها، وما لم يصح، والسور التي صحت في فضائلها الأحاديث: الفاتحة، والزهراوان، والأنعام، والسبع الطوال مجملة، والكهف، ويس، والدخان، والملك، والزلزلة، والنصر، والكافرون، والإخلاص، والمعوذتان، وما عداها لم يصح فيها شيء، وأصح ما ورد في فضائل السور هو، ما ورد في سورة الإخلاص: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} .
وكذلك ورد في فضائل السور أحاديث حسان، وأحاديث ضعاف لم تصل إلى حد الوضع، فكن من ذلك على بينة.--------------------------------------------
.
1 تفسير الكشاف ج1 ص 292 ط بولاق.
2 الكشاف ج 1 ص 59 ط بولاق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
الموضوعات في أسباب النزول:
ومن الأحاديث، والآثار الموضوعة، المذكورة في كثير من كتب التفاسير: ما يتعلق بأسباب النزول، وسأذكر منها ما تيسر لي الوقوف عليه، منها: ما لا يَتنَبِه إليه إلا الحافظ الناقد المتقن، ومنه ما يدركه الحافظ وغير الحافظ، لظهور بطلانها عقلا ونقلا، كقصة الغرانيق، وقصة زواجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب بنت جحش، وسنعرض لبيان بطلانهما فيما يأتي إن شاء الله، فمن ذلك ما روي في سبب نزول قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} 1، فقد روي عن ابن عباس: أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه، حينما خرجوا ذات يوم، فاستقبلهم نفر من الصحابة، فقال ابن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد الصديق، فقال: مرحبا بالصديق: سيد بني تميم، وثاني رسول الله في الغار. وأخذ بيد عمر، فقال: مرحبا بالفاروق، ثم أخذ بيد علي، فقال: مرحبا بابن عم النبي، وختنه2، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله!! ثم افترقوا، فقال ابن أبي لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء، فإذا قابلتموهم، فافعلوا مثل ما فعلت.
وهو من رواية السدي؛ أي الصغير، عن الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف: هو سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب، وآثار الوضع لائحة عليه، وسورة البقرة: نزلت في أوائل الهجرة، وزواج علي بفاطمة كان في السنة الثانية3.
وقد ذكر هذا السبب الثعلبي، والواحدي، والزمخشري، والنسفي في تفاسيرهم ولم يتنبه أحد منهم إليه وتنبه له ابن جرير، فلم يذكره، وكذا ذكره السيوطي في الدر، إلا--------------------------------------------
1 البقرة الآية 14.
2 يعني زَوْج ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها.
3 انظر كيف نقد الحافظ من جهة السند والمتن، وهذا يرد مزاعم المستشرقين وأتباعهم من أنهم عنوا بنقد السند دون المتن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
أنه قال: بسند واهٍ، وكان عليه أن لا يذكره، ما دام سنده واهيا، وقد سمعت مقالة الإمام الحافظ ابن حجر فيه.
ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} الآية1.
فقد روى أبو نعيم في الدلائل من رواية محمد بن مروان السدي عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: "راعنا بلسان اليهود: السب القبيح، فكانت اليهود تقولها لرسول الله سرا، فلما سمعها أصحابه أعلنوا بها، فكانوا يقولونها، ويضحكون منها، فسمعها سعد بن معاذ منهم، فقال: لئن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه فنزلت.
قال الحافظ ابن حجر في تخريجه: السدي الصغير متروك، وكذا شيخه، أقول: وهي سلسلة الكذب كما تقدم، وقد ذكر هذا الزمخشري، والبيضاوي، والآلوسي، وغيرهم.
ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِين} 2 فقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما عن خباب بن الأرت، قال: جاء الأقرع بن حابس، وعيينة ابن حصن الفزاري، فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب، وبلال وعمار، وخباب قاعدا في أناس من الضعفاء، فلما رأوهم حول النبي حقروهم، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا مجلسا يعرف به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم، قال: "نعم" قالوا: اكتب لنا كتابا بذلك، فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، فنزل جبريل بهذه الآية--------------------------------------------
.
1 البقرة: الآية 104.
2 الأنعام: 52.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
وهذا غير صحيح، فإن الآية مكية، بل قيل: إنها نزلت كلها جملة واحدة، والأقرع بن حابس، وعيينة إنما أسلما بعد الفتح وهذان من المؤلفة قلوبهم، فكيف يعقل نزول الآية بسبب مقالتهم؟ والصحيح أن القائل هم المشركون، ولعل هذا السبب هو ما عناه ابن تيمية بقوله في: "المنهاج"1: وكقولهم: إن آية: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِين} .. نزلت في أهل الصفة فإن هذا الكتاب مما لا يخفى على غير أهل الحديث.
وقد ذكر هذا السبب الآلوسي وغيره، ولم ينبهوا إليه، إلا أن الخازن عقب بما يدل على عدم صحته، ومن ذلك: ما ذكره المفسرون: كالزمخشري والنسفي، والخازن، وغيرهم في سبب نزول قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} 2، فقد ذكروا أنها نزلت في سيدنا علي رضي الله عنه حينما مر به سائل، وهو في الصلاة، فطرح له خاتمه، وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، كما حكم عليه بالوضع أيضا: الإمام ابن تيمية وأثر التشيع ظاهر عليه، وجميع أسانيده لا تخلو من ضعف وجهالة3 والمعروف عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم ما كانوا يشتغلون في الصلاة بغيرها، بل كانوا في غاية الخشوع والاستغراق في الصلاة، والركوع هنا على معناه اللغوي، وهو: الخشوع، والخضوع.
قصة الغرانيق موضوعة:
ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 4.
فقد ذكر بعض المفسرين في سبب ذلك ما قاله السيوطي: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير، وابن المنذر، من طريق بسند صحيح: "كما زعم" عن سعيد بن جبير،--------------------------------------------
.
1 منهاج السنة ج 4 ص 115-116.
2 المائدة: 55.
3 تفسير ابن كثير ج 3 ص 183.
4 الحج 52-54.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)